وفي خطبة أخرى مشهورة: لا نصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله عليه السلام لا يجري عليه السكون والحركة وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا التفاوت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه إلى قوله عليه السلام يقول لما أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع، خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج. أرسى أوتادها وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه إلى قوله عليه السلام هو المنفي لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها واختراعها إلى قوله عليه السلام وإنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها. بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكاءده صنع شئ منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه ، ولم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه وأمسكها بأمره، و أتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة . ايضاح: (الدال على قدمه بحدوث خلقه) فيه وفيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث، وأنه لا يعقل التأثير في الأزلي القديم . وكذا وأما تحقيق القول في أن ملاك الاحتياج إلى العلة هل هو الحدوث أو الامكان فله محل آخر. وأما النكتة في جعله عليه السلام (الدال) صفة له سبحانه لا لخلقه مع أن الظاهر أن الخلق يدل بحدوثه على قدم الواجب فهي أن الذي يدل الناس إلى الحق حقيقة هو الحق سبحانه كما في الدعاء المأثور (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك) ويدل على ذلك روايات كثيرة و أدعية مأثورة ووجوه عقلية يضيق المجال عن ذكرها. قوله (مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته). (لا تصحبه الأوقات) يحتمل وجهين: أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الأزمان كالزمانيات كما قال: (سبق الأوقات كونه) و ثانيهما نفي الزمانية عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير ولا يكون فيما لا تغير فيه أصلا، فالمراد بسبق كونه على الأوقات عدم لحوقها له وامتناع مقارنته سبحانه لها، وربما يؤيد ذلك بقوله عليه السلام (وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟) فإنه عليه السلام استدل على عدم جريان السكون والحركة عليه بأنه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكمالية، لان الفعل لا يكون كمالا للفاعل واتصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغير أو النقص وهذا جار في الزمان أيضا. وكذا قوله (ويعود فيه ما هو أبداه) أي أظهره، فقيل: المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة والسكون فكانا متأخرين عنه ذاتا، فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر ويصير متقدما لان صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الاظهار والايجاد، (ويحدث فيه ما هو أحدثه) لان الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره والنقص في ذاته. (إذا لتفاوتت ذاته) أي حصل الاختلاف والتغير في ذاته (ولتجزأ كنهه) أي كانت حقيقته ذات أجزاء وأبعاض، لان الحركة والسكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية، أو لكان فيه ما به بالقوة وما به بالفعل (ولامتنع من الأزل معناه) أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى، والامتناع من الأزل للجسمية وحدوث ما لا ينفك عن الحركة والسكون (لا بصوت يقرع) أي يقرع الاسماع، والقرع الدق، وفي بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شئ. (ومثله) أي أقامه، وقيل: البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل عليه السلام بالكتابة في اللوح، ويقال (مثلته بين يدي) أي أحضرته، فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله للمكلفين انتهى والظاهر أن المراد أن قوله (كن فيكون) ليس المراد به الكلام الحقيقي الذي له صوت بل كناية عن تعلق الإرادة وتمثيل لحول الأشياء بمحض إرادته بلا تأخر ولا توقف على أمر. (ولو كان قديما لكان إلها ثانيا) هذا صريح في أن الامكان لا يجامع القدم وأن الايجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم ، فالقول بتعدد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين (فتجري) على المعلوم وفي بعض النسخ على المجهول. (عليه الصفات المحدثات) في أكثر النسخ (الصفات) معرفة باللام، فالمحدثات صفة له وفي بعضها بدون اللام على الإضافة وهو أنسب، أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة فلم يكن بينه وبينها فرق. و (الفصل) القطع، والحاجز بين الشيئين، و (المبتدع) في بعض النسخ على صيغة الفاعل، وفي بعضها على صيغة المفعول، فعلى الأول (البديع) بمعنى المبدع على بناء المفعول، وعلى الثاني بمعنى (المبدع) على بناء الفاعل. (على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غير اشتغال) أي لم يشغله إمساكها عن غيره من الأمور (وأرساها) أي أثبتها (على غير قرار) أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شئ (بغير قوائم) أي لا كدابة تقوم بقوائمها. و (الدعامة) بالكسر: عماد البيت الذي يقوم عليه. وحصنه تحصينا أي جعله منيعا. و (الأود) بالتحريك: الاعوجاج، والعطف للتفسير. و (التهافت) التساقط قطعة قطعة (أوتادها) أي جبالها التي هي للأرض بمنزلة الأوتاد (وضرب أسدادها) السد بالفتح و بالضم الجبل والحاجز بين الشيئين، وقيل: بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى وبالفتح ما كان من فعلنا. وضرب الأسداد نصبها، يقال: ضربت الخيمة أي نصبتها، أو تعيينها كضرب الخراج، ولعل المعنى خلق الجبال فيها والأنهار التي هي كالحدود لها ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة. وقال الجوهري: السد أيضا واحد السدود وهي السحائب السود، عن أبي زيد. (واستفاض عيونها) أي جعلها فائضة جارية (وخد أوديتها) أي شقها ومنه (الأخدود) أي الحفرات المستطيلة في الأرض (حتى يصير موجودها كمفقودها) لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن، ويحتمل أن تكون الكاف زائدة. وقوله عليه السلام (كما كان قبل ابتدائها) إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى الله تعالى، وظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم، وعدم زمانيته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعينة من الليالي والأيام والشهور والسنين و يدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود. وهذا أيضا ينافي القدم لأنهم أطبقوا علم أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأقاموا عليه البراهين العقلية. (لم يتكاده) في أكثر النسخ على صيغة التفاعل وفي بعضها على صيغة التفعل ، وكلاهما بمعنى نفي المشقة. وفي بعض النسخ (لم يتكاره) على صيغة التفاعل من الكره، يقال: فعل الامر على تكره وتكاره أي على تسخط وعدم الرضا به. والغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الأشياء. وآده الامر يؤده: أثقله و (برأه) أي خلقه، و (تشديد السلطان) إحكام السلطنة وحفظها عن تطرق الخلل فيها، و (الند) بالكسر: المثل، قالوا: ولا يكون الند إلا مخالفا. و (المكاثرة) المغالبة بالكثرة، و (الضد) بالكسر: النظير والكفؤ، وقيل، مثل الشئ وخلافه، وهو من الأضداد. (والثور) بالفتح: الهيجان والوثب، وثاوره أي واثبه، و (الشرك) بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع والميراث شركة. وفي النسخ (في شركة) بالتاء موضع الضمير. (والاستئناس) اتخاذ الأنيس ضد الاستيحاش، (والسأم) بالتحريك الملال، و (التصريف) التغيير وتحويل الشئ من حال إلى حال ومن وجه إلى وجه، (والثقل) بالكسر كما في بعض النسخ وكعنب كما في بعضها: ضد الخفة. و (لم يمله) على صيغة الأفعال أي لم يجعله سئما، وفي بعض النسخ (ولا يمله). وذكر السرعة لان الأفناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة، أو لأنه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة. و (أتقنها) أحكمها، و (الالتماس) الطلب، والمراد طلب علم مجهول. و (الضعة) بالفتح كما في النسخ وبالكسر: انحطاط الدرجة ضد الرفعة، والضمير في قوله عليه السلام (يعيدها) راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة، وجوز بعض شارحي النهج عودها إلى (الأمور) في قوله عليه السلام (إليه مصير جميع الأمور) وعلى أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الأرواح والملائكة ثم عودها فيدل على جواز إعادة المعدوم وقد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث.
الهوامش13
[1]في بعض النسخ، ولا تردفه.ص 30
[2]في المصدر: لمن أراد.ص 30
[3]في المصدر: بنداء.ص 30
[4]في المصدر: وإن الله.ص 30
[١]في المصدر: ما خلقه وبرأه.ص 31
[٢]في المصدر: إلى حال علم.ص 31
[٣]نهج البلاغة: ج ١، ص 354.ص 31
[4]الحدوث والقدم قد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الذاتي ومقابلها، وقد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الزماني ومقابلها فإن كان المراد بهما في كلامه عليه السلام المعنى الأول كان المعنى أن العالم لمكان إمكانه يدل على وجود الواجب. وإن كان المراد بالحدوث الحدوث الزماني وبالقدم، القدم الذاتي كان المعنى أن الحدوث الزماني في الزمانيات دليل على وجود الواجب، وذلك لان الحدوث تغير والتغير يختص بالممكن والممكن يحتاج إلى الواجب، وأيضا الحادث مسبوق بالعدم وكل ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب، وإن كان المراد بهما الحدوث والقدم الزمانيين كان المعنى أن الحدوث الزماني في الزمانيات يدل على كون الواجب قديما غير مقيد بالزمان وذلك لان الحدوث نقص ومحدودية ووجود الواجب تام وفوق التمام فلا يتصف به. وإن كان المراد بالحدوث، الحدوث الذاتي وبالقدم، القدم الزماني كان المعنى أن امكان الخلق يدل على قدم الواجب وعدم تقيده بالزمان لكنه في غاية البعد وعلى الأولين فكلامه عليه السلام ناظر إلى إثبات الواجب وعلى الآخرين فناظر إلى إثبات قدمه وعلى كل حال فلا يستفاد من كلامه عليه السلام أن ما يحتاج إلى العلة ينحصر في الحادث الزماني بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب فتأمل.ص 31
[1]يعنى أن الزمانيات تصحب الزمان ما دامت موجودة لكن وجود الواجب غير مقارن للزمان دائما، لأنه تعالى كان موجودا ولم يكن زمان فلما خلق الزمان صار مقارنا له، وأما الحكماء فينفون مقارنته سبحانه للزمان مطلقا، لان الزمان أمر تدريجي لا يقارنه إلا ما شأنه الحركة والتغير وهو الجسم لا غير، ودلالة كلامه عليه السلام على مقالتهم لا غبار عليه.ص 32
[1]كلامه عليه السلام صريح في أن القدم يلازم الألوهية ولا يجامع الامكان، لكنه ليس بصريح في أن المراد به القدم الزماني فان كانت هناك قرينة عقلية وجب حمله على القدم الذاتي.ص 33
[2]يعنى أن لفظة (تجرى) في كلامه على صيغة المعلوم أي المبنى للفاعل.ص 33
[1]أي بالألف وتشديد الدال.ص 34
[2]أي بالهمزة المشددة وتخفيف الدال.ص 34