الاحتجاج وتفسير الامام أبى محمد العسكري: عن آبائه عليهم السلام قال:
Show clickable narrator chain
احتج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الدهرية فقال: ما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها، وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟ فقالوا: لأنا لا نحكم إلا بما شاهدنا ، ولم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بأنها لا تزال. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء أبدا ؟ فإن قلتم إنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك! ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون الذين يشاهدونكم. قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الآبدين . قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فلم صرتم بأن تحكموا بالبقاء والقدم لأنكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضائها أولى من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الأبد ؟ أو لستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم فقال: أترونهما لم يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم، فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال صلى الله عليه وآله: فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا بعده، قالوا: كذلك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا الله قدره. ثم قال صلى الله عليه وآله: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن قلتم إنه متناه فقد كان ولا شئ منهما. قالوا: نعم. قال لهم: أقلتم إن العالم قديم ليس بمحدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا الذي نشاهده من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر، لأنه لأقوام للبعض إلا بما يتصل إليه ، كما ترى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض، وإلا لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى . قال: فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون؟ وكيف إذا كانت تكون صفته؟ قال: فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا سننظر في أمرنا. (الخبر) وقوله (أفوجدتم إلى قوله أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار) إبطال إنكارهم وجود مالا تدركه الحواس وإثبات لوجود الايمان بالغيب عند قيام البرهان، وذلك لأنهم يحكمون بالقدم وبتقدم الليل والنهار في الأزمنة الماضية و عدم اجتماعهما فيها، مع أنهم لم يشاهدوا شيئا من ذلك، فيلزمهم أن يعترفوا بوجود ما يغيب عن حواسهم. ويحتمل أن يكون إلى قوله (أو لستم تشاهدون الليل و النهار) إثباتا للحدوث الزماني جدلا بأنهم كما يحكمون بالقدم لعدم مشاهدة الحدوث يلزمهم أن يحكموا بالحدوث لأنهم لم يشاهدوا القدم، والبقية لاثبات الايمان بالغيب أو البقية لاثبات الحدوث بالدليل المشهور عند المتكلمين من عدم الانفكاك عن الحوادث، أو أن الحكم بحدوث كل ليل ونهار يكفي لاحتياجها إلى الصانع، ولا ينفع قدم الطبيعة. ومن قول (أتقولون ما قبلكم) إلى قوله عليه السلام (أقلتم) إثبات لانقطاع الليل والنهار من جهة الماضي، لاستحالة مالا نهاية له وهو انقطاع الزمان، ويلزم منه انقطاع الحركات وحدوث الأجسام والاعراض القائمة بها، ومن قوله (أقلتم) إثبات لامكان العالم المستلزم لوجود الصانع تعالى شأنه. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وآله تدرج في الاحتجاج، فنزلهم أولا عن مرتبة الانكار إلى الشك، ثم أخذ في الاحتجاج، فمن قوله (أتقولون) إلى آخر الكلام يحتمل أن يكون دليلا واحدا حاصله: أنه لا يخلو من أن يكون الزمان متناهيا أو غيره متناه، وعلى الأول لابد للأشياء لحدوثها من صانع، فقوله (فقد كان ولا شئ منهما) أي كان الصانع قبل وجود شئ منهما، ثم أبطل الثاني بأنكم إنما حكمتم بقدمها لئلا يحتاج إلى صانع، والعقل يحكم بأن ما يوجب الحكم في الحادث بالحاجة إلى الصانع يحكم في القديم أيضا. ويحتمل أن يكون إلى آخر الكلام دليلين، وقد فصلنا الكلام فيه في المجلد الرابع فلا نعيد هنا ودلالته على الحدوث على كل الوجوه ظاهرة.
الهوامش12
[1]في المصدر: بما نشاهد.ص 68
[2]في المصدر: أبد الأبد.ص 68
[3]في المصدر: أبد الأبد.ص 68
[4]في المصدر: بالقدم والبقاء دائما.ص 68
[5]في المصدر: أبدا.ص 68
[1]في المصدر: غير محدث.ص 69
[2]في المصدر: تشاهدونه.ص 69
[3]في المصدر: به.ص 69
[4]في بعض النسخ: ترى.ص 69
[5]في بعض النسخ: (ما ترون) وفى بعضها (ما يرى).ص 69
[6]الاحتجاج: 10.ص 69
[1]في بعض النسخ: لانكارهم.ص 70