Usul16

Hadith record

bihar-24144

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

58 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن يعقوب بن سالم الأحمر، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بات آل محمد بليلة أطول ليلة ظنوا أنهم لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم مخافة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، في الله عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة، ودرك لما فات، إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم و جعلكم أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله واستودعكم علمه، وأورثكم كتابه، وجعلكم تابوت علمه، وعصا عزه، وضرب لكم مثلا من نوره، وعصمكم من الزلل، وآمنكم من الفتن، فاعتزوا بعزاء الله، فإن الله لم ينزع منكم رحمته، ولم يدل [1] منكم عدوه فأنتم أهل الله الذين بكم تمت النعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الكلمة، و أنتم أولياء الله، من تولاكم نجا، ومن ظلمكم يزهق، مودتكم من الله في كتابه واجبة على عباده المؤمنين، والله على نصركم إذا يشاء قدير، فاصبروا لعواقب الأمور فإنها إلى الله تصير، فقد قبلكم الله من نبيه صلى الله عليه وآله وديعة، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض، فمن أدى أمانته آتاه الله صدقه، فأنتم الأمانة المستودعة، و المودة الواجبة، ولكم الطاعة المفترضة، وبكم تمت النعمة، وقد قبض الله نبيه

bihar-24144

سعد السعود: قال: بعد أن ذكر الملكين الموكلين بالعبد، وفي رواية: أنهما إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ فيعطيهما ذلك، فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه. تكملة: اعلم أنه أجمعت الامامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم على وجود الملائكة، وأنهم أجسام لطيفة نورانية أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر، قادرون على التشكل بالاشكال المختلفة، وأنه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الاشكال والصور على حسب الحكم والمصالح، ولهم حركات صعودا و هبوطا، وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. والقول بتجردهم وتأويلهم بالعقول والنفوس الفلكية والقوى والطبائع وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة تعويلا على شبهات واهية واستبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى، واتباع لأهل الجهل والعمى. قال المحقق الدواني في شرح العقائد: الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكلات المختلفة، وقال شارح المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة. كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة. شأنها الطاعة، ومسكنها السماوات، هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه وأمنائه على وحيه، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وقال: الملائكة عند الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية، و يخص باسم الكروبيين مالا تكون له علاقة مع الأجسام ولو بالتأثير، وذهب أصحاب الطلسمات إلى أن لكل فلك روحا كليا يدبر أمره، ويتشعب منه أرواح كثيرة مثلا للعرش أعني الفلك الأعظم روح يرى أثره في جميع ما في جوفه يسمى بالنفس الكلية والروح الأعظم، ويتشعب منه أرواح كثيرة متعلقة بأجزاء العرش وأطرافه كما أن النفس الناطقة تدبر أمر بدن الانسان ولها قوة طبيعية وحيوانية و نفسانية بحسب كل عضو، وعلى هذا يحمل قوله تعالى " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " وقوله تعالى " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم " وهكذا سائر الأفلاك، وأثبتوا لكل درجة روحا يظهر أثره عند حلول الشمس تلك الدرجة، وكذا لكل من الأيام والساعات والبحار والجبال والمفاوز والعمران وأنواع النبات والحيوانات وغير ذلك، على ما ورد في لسان الشرع من ملك الأرزاق، وملك البحار، وملك الأمطار، وملك الموت، ونحو ذلك. وبالجملة فكما ثبت لكل من الأبدان البشرية نفس مدبرة فقد أثبتوا لكل نوع من الأنواع بل لكل صنف روحا يدبره يسمى بالطبائع التام لذلك النوع تحفظه عن الآفات والمخافات، ويظهر أثره في النوع ظهور أثر النفس الانسانية في الشخص (انتهى). وقال الرازي في تفسيره: إنه لا خلاف بين العقلاء في أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه، كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الانسان فيه، إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم، وطريق ضبط المذاهب أن يقال: الملائكة لابد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها، ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون، أما الأول ففيه أقوال: أحدها أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات، و هذا قول أكثر المسلمين. وثانيها قول طوائف من عبدة الأوثان، وهو أن الملائكة في الحقيقة هو هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد والانحاس، فإنها بزعمهم أحياء ناطقة، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة، والمنحسات منها هي ملائكة العذاب. وثالثها: قول معظم المجوس والثنوية، وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران شفافان حساسان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس، يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيي ولا يبلي، وجوهر الظلمة على ضد ذلك. ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضئ، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح، فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني: أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا أجسام فههنا، قولان: أحدهما: قول طوائف من النصارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة لأبدانها على نعت الصفا والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيه خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. وثانيها قول الفلاسفة وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة، وأنها بالماهية مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ثم إن هذه الجواهر على قسمين: منها: ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي أعلى شأنا من تدبير أجرام الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما. ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي. ثم إن مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة، و إن كانت شريرة فهم الشياطين. ثم اختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع؟ فالفلاسفة على الأول. ثم قال: واعلم أن الله ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، وأما الأصناف فأحدها حملة العرش " ويحمل عرش ربك الآية " وثانيها الحافون حول العرش " وترى الملائكة حافين الآية - " وثالثها أكابر الملائكة، فمنهم جبرئيل وميكائيل لقوله " جبريل وميكال " ثم إنه وصف جبرئيل بأمور: الأول أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء " نزل به الروح الأمين " والثاني أنه قدمه على ميكائيل، والثالث جعله ثاني نفسه " فإن الله هو موليه وجبرئيل " الرابع سماه روح القدس الخامس ينصر أولياءه ويقهر أعداءه مع آلاف من الملائكة مسومين السادس أنه مدحه بصفات ستة " إنه لقول رسول كريم - إلى قوله - أمين ". ومنهم إسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل قابض الأرواح، وله أعوان عليه ورابعها ملائكة الجنة " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب الآية " - وخامسها ملائكة النار " عليها تسعة عشر " وقوله: " وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة " ورئيسهم مالك " يا مالك ليقض علينا ربك " وأسماء جملتهم " الزبانية " سندع الزبانية " وسادسها الموكلون ببني آدم لقوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " وقوله تعالى: " له معقبات - الآية " -. وقوله " ويرسل عليكم حفظة " وثامنها الموكلون بأحوال هذا العالم " والصافات صفا " وقوله " والمدبرات أمرا ". وعن ابن عباس قال: إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عجزة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله رحمكم الله. وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه: أحدها أنهم رسل الله " جاعل الملائكة رسلا - وقوله - الله يصطفي من الملائكة رسلا " وثانيها قربهم من الله بالشرف وهو المراد من قوله سبحانه " ومن عنده لا يستكبرون " وقوله " بل عباد مكرمون " وثالثها وصف طاعاتهم، وذلك من وجوه: الأول قوله تعالى حكاية عنهم " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " وقولهم " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون " والله تعالى ما كذبهم في ذلك. الثاني مبادرتهم إلى امتثال أمر الله، وهو قوله " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " الثالث: أنهم لا يفعلون إلا بوحيه وأمره وهو قوله تعالى " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ". ورابعها: وصف قدرتهم وذلك بوجوه: الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السماوات السبع لقوله تعالى " وسع كرسيه السماوات والأرض " والثاني أن علو العرش شئ لا يحيط به الوهم، ويدل عليه قوله تعالى " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة الثالث: قوله تعالى " ونفخ في الصور - الآية " - فصاحب الصور بلغ في القوة إلى حيث إن بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات والأرض، وبالثانية منه يعودون أحياءا الرابع أن جبرئيل بلغ من قوته أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة. وخامسها: وصف خوفهم ويدل عليه بوجوه، الأول: أنهم مع كثرة عبادتهم وعدم إقدامهم على الزلات يكونون خائفين وجلين حتى كأن عباداتهم معاصي قال تعالى: " يخافون ربهم من فوقهم " وقال " وهم من خشيته مشفقون ". الثاني: قوله تعالى " حتى إذا فزع عن قلوبهم - الآية " - روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات مثل صوت السلسلة على الصفوان، ففزعوا، فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير. الثالث: روى البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبرئيل عليه السلام إذ انشق أفق السماء فأقبل جبرئيل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض إلى آخر ما سيأتي برواية السيوطي في الباب الآتي (انتهى) . وأقول: وإن قال في أول كلامه إن أكثر المسلمين قالوا بتجسم الملائكة لكن يظهر من آخر كلامه أن المخالف في ذلك ليس إلا النصارى والفلاسفة الذين لم يؤمنوا بشريعة، وتكلموا في جميع أمورهم على آرائهم السخيفة، وعقولهم الضعيفة . وأقول: سئل المرتضى: نزول جبرئيل بالوحي في صورة دحية الكلبي كيف كان يتصور بغير صورته؟ هو القادر عليها أو القديم تعالى يشكل صورة وليست صورة جبرئيل؟ فإن كان الذي يسمع من القرآن من صورة غير جبرئيل ففيه ما فيه، و إن كان من جبرئيل فكيف يتصور بصورة للبشر؟ وهذه القدرة قد رويت أن إبليس يتصور وكذلك الجن، أريد أن توضح أمر ذلك، وما كان يسمعه جبرئيل من الوحي من البارئ تعالى أو من حجاب وكيف كان يبلغه؟ وهل جبرئيل يعلم من صفات البارئ أكثر مما نعلمه أو مثله؟ وأين محله من السماء؟ وهل القديم إذا خطر ببال جبرئيل يكون متحيرا فيه مثلنا، ويكون سبحانه لا تدركه الأوهام أو ميزه علينا وجميع الملائكة أيضا. فأجاب - رحمه الله - بأن نزول جبرئيل بصورة دحية كان بمسألة من النبي صلى الله عليه وآله لله تعالى في ذلك، فأما تصوره فليس بقدرته، بل الله يصوره كذلك صورة حقيقة لا تشكيل، والذي كان يسمعه النبي صلى الله عليه وآله من القرآن كان من جبرئيل في الحقيقة، وأما إبليس والجن فليس يقدرون على التصور، وكل قادر بقدرة فحكمهم سواء في أنهم لا يصح أن يصوروا نفوسهم، بل إن اقتضت المصلحة أن يتصور بعضهم بصورة صوره الله للمصلحة، فأما جبرئيل عليه السلام وسماعه الوحي فيجوز أن يكلمه الله بكلام يسمعه فيتعلمه، ويجوز أن يقرأه من اللوح المحفوظ فأما ما يعلم جبرئيل من صفات الله فطريقه الدليل، وهو والعلماء فيه واحد، فأما محله من السماء فقد روي أنه في السماء الرابعة، فأما ما يخطر بباله فلا يجوز أن يتحير فيه، لأن جبرئيل معصوم لا يصح أن يفعل قبيحا (انتهى) وفي بعض ما أفاده نظر لا يخفى على المتأمل. وسئل - رحمه الله - أيضا: إذا حصل أهل الجنة في الجنة ما حكم الملائكة؟ هل يكونون في جنة بني آدم أو غيرها؟ وهل يراهم البشر؟ وهم يأكلون ويشربون مثل البشر أو تسبيح وتقديس؟ وهل يسقط عنهم التكليف؟ وكذلك الجن. فأجاب - رحمه الله - أنه يجوز أن يكونوا في الجنة مع بني آدم، ويجوز أن يكونوا في جنة سواها، فإن الجنان كثيرة جنة الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وغير ذلك مما لم يذكره الله تعالى. فأما رؤية البشر لهم فلا يصلح إلا على أحد وجهين: إما أن يقوي الله تعالى شعاع بصر البشر، أو يكثف الملائكة. فأما الأكل والشرب فتجوز، والله تعالى يثيبهم بما فيه لذتهم، فإن جعل لذتهم في الأكل والشرب جاز. وأما التكليف فإنه يسقط عنهم، لأنه لا يصح أن يكونوا مكلفين مثابين في حالة واحدة. والكلام في الجن يجري هذا المجرى. وقال الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب المقالات: القول في سماع الأئمة عليهم السلام كلام الملائكة الكرام وإن كانوا لا يرون منهم الاشخاص. وأقول بجواز هذا من جهة العقل، وأنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال، وقد جاءت بصحته وكونه في الأئمة عليهم السلام وكذا سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة والبرهان. وهو مذهب فقهاء الإمامية وأصحاب الآثار منهم، وقد أباه بنو نوبخت وجماعة من أهل الإمامة لا معرفة لهم بالاخبار، ولم يمعنوا النظر، ولا سلكوا طريق الصواب. وقال - رحمه الله - في رؤية المحتضر الملائكة جائز من أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة. وقال: القول في نزول الملكين على أصحاب القبور ومساءلتهما الاعتقاد: وأقول: إن ذلك صحيح وعليه إجماع الشيعة وأصحاب الحديث. وتفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت ملكين اسمهما مبشر، وبشير فيسألانه عن ربه جلت عظمته وعن نبيه ووليه عليهما السلام فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده والصواب، ويكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما يستحقه من النعيم، فيجد لذتها منه في الجواب. وينزل جل جلاله على من يريد تعذيبه في البرزخ ملكين اسمهما ناكر، ونكير، فيوكلهما بعذابه. ويكون الغرض في مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من العقاب بما يظهر في جوابه من التلجلج عن الحق، أو الخبر عن سوء الاعتقاد، أو ابلاسه وعجزه عن الجواب. وليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على ما ذكرناه. وأما ما ذكره السيد الداماد - رحمه الله - تبعا للفلاسفة حيث قال: من الدائر على الألسن أن وصف القرآن بالنزول التي لا يتصف به إلا المتحيز بالذات دون الاعراض وسيما غير القارات كالأصوات إنما هو بتبعية محله، سواء اخذ حروفا ملفوظة، أو معاني محفوظة، وهو الملك الذي يتلقف الكلام من جناب الملك العلام تلقفا سماعيا، أو يتلقاه تلقيا روحانيا، أو يتحفظه من اللوح المحفوظ ثم ينزل به على الرسول، ولا يتمشى هذا النمط إلا على القول بتجسم الملائكة. وإنما الخارجون عن دائرة التحصيل ممشاهم ذلك، فأما ما هو صريح الحق وعليه الحكماء الإلهيون والمحصلون من أهل الاسلام أن الملائكة على قبائل سفلية وعلوية أرضية وسماوية، جسمانية وقدسانية، وفي القبائل شعوب وطبقات، كالقوى المنطبعة، والطبائع الجوهرية، وأرباب الأنواع، والنفوس المفارقة السماوية والجواهر العقلية القادسية بطبقات أنواعها وأنوارها، ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواح أولي القوة القدسية بإذن الله سبحانه " وما يعلم جنود ربك إلا هو " وفي الحديث عنه عليه السلام " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع " فالامر غير خفي، اللهم إلا أن يسمى ظهورهم العقلاني لنفوس الأنبياء عليهم السلام نزولا، تشبيها للهيولى العقلي و الاعتلاق الروحاني بالنزول الحسي والاتصال المكاني، فيكون قولنا نزول الملك استعارة تبعية، وقولنا نزل الفرقان مجازا مرسلا بتبعية تلك الاستعارة التبعية. قلت: لا يطمئن مني أحد من الناس أن أستصح ذلك بجهة من الجهات، وإن فيه شقا لعصا الأمة بفرقها المفترقة، وأحاديثها المتواترة، وخرقا للقوانين العقلية الفلسفية، ونسخا للضوابط المقررة البيانية، فالأمة مطبقة على أن النبي صلى الله عليه وآله يرى جبرئيل عليه السلام وملائكة الله المقربين ببصره الجسماني، ويسمع كلام الله الكريم على لسانهم القدسي بسمعه الجسماني، وقوائم الحكمة قائمة بالقسط أنه إنما ملاك الرؤية البشرية والابصار الحسي انطباع الصورة في الحس المشترك و إنما المبصر المرئي بالحقيقة من الشئ الماثل بين يدي الحس الصورة الذهنية المنطبعة، وأما ذو الصورة بهويته العينية ومادته الخارجية فمبصر بالعرض، مرئي بالمجاز، وإن كان مثوله العيني شرط الابصار، والجليديتان هما مسلكا التأدية لا لوحا الانطباع، وعلى هذه السنة شاكلة السمع أيضا، والإفاضة مطلقا من تلقاء واهب الصور فإذا كانت النفس واغلة الهمة في الجنبة الجسدانية، طفيفة الانجذاب إلى صقع الحق وعالم القدس لم يكن لنبطاسياها سبيل إلى التطبع بالصورة من تلقاء واهب الصور إلا من مسلك الحاسة الظاهرة، ومثول المادة الخارجية بين يديها، فأما إذا كانت قدسية الفطرة، مستنيرة الغريزة في جوهر جبلتها المفطورة ثم في سجيتها المكسوبة، صارت نقية الجوهر، طاهرة الذات، أكيدة العلاقة بعالم العقل، شديدة الاستحقاق لعالم الحس قاهرة الملكة، قوية المنة على خلع البدن ورفض الحواس، والانصراف إلى صقع القدس حيث شاءت ومتى شاءت بإذن ربها، وقوتها المتخيلة أيضا قليلة الانغماس في جانب الظاهر، قوية التلقي من عالم الغيب، فإنها تخلص من شركة الطبيعة، وتعزل اللحظ عن الجسد في اليقظة فترجع إلى عالمها، وتتصل بروح القدس، وبمن شاء الله من الملائكة المقربين، و تستفيد من هنالك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح كمرآة مجلوة حوذي بها شطر الشمس، ولكن حيث إنها يومئذ في دار غريبتها بعد بالطبع، ولم تنسلخ عن علاقتها الطبيعية بتدبر جيوشها الجسدية، وأمورها البدنية، تكون مثالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن وتلك الدرجة تحول الملك لها على صورة مادية متمثلة في شبح بشري ينطبق بكلمات إلهية مسموعة منظومة، كما قال عز من قال " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " وأعني بذلك ارتسام الصورة في لوح الانطباع لا من سبيل الظاهر والاخذ عن مادة خارجية، بل بالانحدار إليه من الباطن، والحصول عن صقع الإفاضة، فإذن في السماع والابصار المشهورين يرتفع المسموع و المبصر من المواد الخارجية إلى لوح الانطباع، ثم منه إلى الخيال والمتخيلة ثم يصعد الامر إلى النفس العاقلة، وفي إبصار الملك وسماع الوحي وهما الابصار والسماع الصريحان ينعكس الشأن، فينزل الفيض إلى النفس من عالم الامر، فهي تطالع شيئا من الملكوت مجردة غير مستصحبة لقوة خيالية أو وهمية أو غيرهما ثم يفيض عن النفس إلى القوة الخيالية، فتخيله مفصلا منضما بعبارة منظومة مسموعة، فتمثل لها الصورة في الخيال من صقع الرحمة وعالم الإفاضة، ثم تنحدر الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة من الخيال والمتخيلة إلى لوح الانطباع، وهو الحس المشترك، فتسمع الكلام، وتبصر الصورة، فهذا أفضل ضروب الوحي و الايحاء، ويقال إنه مخاطبة العقل الفعال للنفس بألفاظ مسموعة مفصلة، وله أنحاء مختلفة، ومراتب متفاصلة، بحسب درجات للنفس متفاوتة، وقد يكون في بعض درجاته لا يتخصص المسموع والمبصر بجهة من جهات العالم بخصوصها، بل الامر يعم الجهات بأسرها في حالة واحدة. وفي الحديث أن الحارث بن هشام سأل رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يمثل إلي الملك رجلا فيكلمني، فأعي ما يقول. وربما تكون النفس المتنورة صقالتها في بعض الأحايين أتم، وسلطانها على قهر الصوارف الجسدانية والشواغل الهيولانية أعظم، فيكون عند الانصراف عن عالم الحس والاتصال بروح القدس استئناسها بجوهر ذاته المجردة منه بالشبح المتمثل فتشاهده ببصر ذاته العاقلة، ويستفيد منه وهو في صورته القدسية كما ورد في الحديث أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله مرة في صورته الخاصة كأنه طبق الخافقين. ثم دون هذه الضروب لسائر درجاته ما يتفق له من القوة القدسية نصيب مرتبة النبوة أن يرى ملائكة الله ويسمع كلام الله ولكن في النوم لا في اليقظة. وسبيل القول فيه أيضا ما دريت، إلا أن الامر هناك ينتهي إلى القوة المتخيلة ويقف عندها بمحاكاتها وتنظيمها وتفصيلها لما قد طالعته النفس من عالم الملكوت، من دون انحدار الصورة المتمثلة والعبارة المنتظمة منها إلى الحس المشترك. فأما الرؤيا الصالحة لنفوس العرفاء والصالحين فواقعة في هذا الطريق، غير واصلة إلى درجة النبوة وبلوغ الغاية. وفي الحديث أنها جزء من ستة وأربعين أو سبعين جزء من النبوة، على اختلافات الروايات. وقصاراها في مرتبة الكمال وأقصاها للمحدثين - بالفتح على البناء للمفعول من التحديث - وهم الذين يرفضون عالم الشهادة ويصعدون إلى عالم الغيب، فربما يسمعون الصوت في اليقظة عن سبيل الباطن، ولكنهم لا يعاينون شخصا متشبحا. وفي كتاب الحجة من كتاب الكافي لشيخ الدين أبي جعفر الكليني - رضي الله عنه - باب في الفرق بين الرسول والنبي صلى الله عليه وآله والمحدث، وأن الأئمة عليهم السلام محدثون مفهمون . وإذ قد انصرح لك من المسألة من سبيلها فقد استبان أن قولنا " نزل الملك " مجاز عقلي مستعمل طرفاه في معنييهما الحقيقيين والتجوز فيه في الاسناد، إذ النزول حقيقة منسوب إلى الصورة المتشبحة المتمثلة وقد أسند بالعرض إلى الجوهر المجرد القدسي وهو الملك، وليس هو من الاستعارة في شئ أصلا، كما قولنا " تحرك جالس السفينة " وقولنا: " أنا متحرك " و " أنا ساكن " وقولنا " رأيت زيدا " إذا عنينا به شخصه الموجود في الخارج بهويته العينية لا صورته الذهنية المرئية المنطبعة في الحس المشترك وسائر المقولات في وجود الاتصافات بالعرض كلها على هذه الشاكلة. وأما. " نزل الفرقان " فمجاز مرسل لاتباعه استعارة تبعية، بل من حيث إن النازل على الحقيقة محله وهو تلك الصورة البشرية المتشبحة النازلة أو تجوز عقلي لا في شئ من الطرفين بل في الاسناد، على أن الأصوات والحروف والألفاظ ليست أعراضا حالة في لسان المتكلم، بل هي تقطيعات عارضة للهواء من تلقاء حركة اللسان. إن قلت: بنيت الامر فيما أفدت على القول بالانطباع في باب الرؤية، فما سبيل القول هنالك على المذهبين الآخرين وهما خروج الشعاع أي في فيضانه من المبدأ الفياض منبثا في الهواء المتوسط بين الجليدية وسطح المرئي على هيئة المخروط وحصول الإضافة الاشراقية للنفس المستوجبة للانكشاف الابصاري ما دامت المقابلة بين المرئي والجليدية على تلك الهيئة. قلت: لست أكترث لذلك، إذ إنما يسمى ذلك الخلاف وتثليث القول في المواد الخارجية والرؤية من مسلك الجليدية، ومن مذهب الظاهر، لا في الابصار من سبيل الباطن ومذهب الغيب من دون الاخذ من مادة خارجية. ثم الآراء الثلاثة متحاذية الاقدام في تطابق اللوازم واتحاد الاحكام، حذو القذة بالقذة. والسواد الأعظم على مسلك الانطباع، ويشبه أن يكون الحق لا يتعداه، وما يتجشمه فرق من فرق الإضافة الاشراقية من إثبات صور معلقة خيالية في عالم معلق مثالي ليستتب الامر في صور المرايا والصور الخيالية وأمور الايحاءات ومواعيد النبوات. قلت: لا أجد لاتجاه البرهان إليه مساقا، بل أجده بتماثيل الصوفية أشبه منه بقوانين الحكماء، وحق القول الفصل فيه على ذمة كتبنا البرهانية (انتهى). فلعله - رحمه الله - حاول تحقيق الامر على مذاق المتفلسفين، ومزج رحيق الحق بمموهات آراء المنحرفين عن طرق الشرع المبين، مع تباين السبيلين، و وضوح الحق من البين، وقد اتضح بما أسلفنا صريح الامر لذي عينين، وسنذكر ما يكشف أغشية الشبه رأسا عن العين.

الهوامش44

[5]تعرض للبحث عن ماهية الملائكة ثلة من المتكلمين فقالوا بكونها أجساما لطيفة تتشكل باشكال طيبة وتبعهم على ذلك رهط من سائر الباحثين من الامامية وغيرهم: ثم إن فئة من فلاسفة الاسلام الذين كانوا يعجبهم تطبيق الظواهر الدينية على المباني الفلسفية وآرائهم في العلوم العقلية عمدوا إلى تطبيق الملائكة على العقول المجردة والنفوس الفلكية كما أنهم فسروا السماوات السبع والكرسي والعرش بالأفلاك التسعة مع أنها فرضية في نفسها أبطلها العلم الحديث ولأجل انهم أخطأوا في بعض تطبيقاتهم لا نظن بهم انهم ادخلوا أنفسهم في المسلمين ليضيعوا عليهم دينهم! كيف وقد شيدوا كثيرا من الأسس الدينية والقواعد العقلية التي يدور عليها كثير من الأصول الاعتقادية ولعل مثل هذه الأخطاء صدر من غيرهم أكثر منهم وان كانوا يحسبون انهم يحسنون ولا نظن بهم وبغيرهم إلا خيرا اللهم إلا من قام برهان على سوء نيته وخبث سريرته نعوذ بالله تعالى. ثم إنه لا دليل على انكارهم ملائكة جسمانيين مطلقا إن لم يوجد دليل على خلافه ومن جانب آخر: لم يثبت اجماع الأمة أو الامامية على جسمانية جميع الملائكة حتى الكروبيين والمهيمين والعالين ان سلم دعوى الاجماع على جسمانية بعضهم وعلى هذا فالمسألة ليست بتلك المثابة التي تتراءى من كلام المؤلف رحمه الله تعالى.ص 202

[١]النبأ: ٣٨.ص 204

[٢]الزمر: ٧٥.ص 204

[3]كذا.ص 204

[١]الحاقة: ١٧.ص 206

[٢]الزمر: ٧٥.ص 206

[٣]البقرة: ٩٨.ص 206

[٤]الشعراء: ١٩٣.ص 206

[٥]التحريم: ٤.ص 206

[١]التكوير: ١٩ - ٢١.ص 207

[٢]الرعد: ٢٣.ص 207

[٣]المدثر: ٣٠ - ٣١.ص 207

[٤]المدثر: ٣٠ - ٣١.ص 207

[٥]الزخرف: ٧٧.ص 207

[٦]العلق: ١٨.ص 207

[٧]ق: ١٧.ص 207

[٨]الرعد: ١١.ص 207

[٩]الانعام: ٦١.ص 207

[١٠]الصافات: ١.ص 207

[١١]النازعات: ٥.ص 207

[١]فاطر: ١.ص 208

[٢]الحج: ٧٥.ص 208

[٣]الأنبياء: ١٩.ص 208

[٤]الأنبياء: ٢٦.ص 208

[٥]البقرة: ٣٠.ص 208

[٦]الصافات: ١٦٥ - ١٦٦.ص 208

[٧]ص: ٧٣.ص 208

[٨]الأنبياء: ٢٧.ص 208

[٩]البقرة: ٢٥٥.ص 208

[١٠]المعارج: ٤.ص 208

[١١]يس: ٥١.ص 208

[١]النحل: ٥٠.ص 209

[٢]المؤمنون: ٥٨.ص 209

[3]سبأ: 23.ص 209

[4]مفاتيح الغيب: ج 1، ص 376 - 380.ص 209

[5]هب ان الظاهر من آخر كلامه ذلك فهل يصح رفع اليد عن صريح الصدر بظاهر الذيل؟ ثم هل يثبت بذلك اجماع المسلمين؟ص 209

[1]وكذا في بعض ما يأتي منه، وأمثال هذه مما صدر عن أجلة العلماء شاهدة على ما أسلفنا من عدم اختصاص الخطأ بالفلاسفة والمتفلسفين، لكن كأنه لا يناسب عظم شأن الفقهاء الا مثل هذا الكلام " في بعض ما افاده نظر " ولولا مخافة الإطالة لأشرنا إلى مواقع النظر في كلامه وما يترتب عليه من اللوازم غير المرضية والى تحقيق القول في المسائل المذكورة.ص 210

[1]في المخطوطة: يجوز.ص 211

[١]في بعض النسخ: أسماهما.ص 212

[٢]القادسة (ظ).ص 212

[٣]المدثر: ٣١.ص 212

[1]غربتها (ظ).ص 213

[١]مريم: ١٧.ص 214

[١]الكافي: ج ١، ص 270.ص 215

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 56, Page 202

View original source