وعن الزهري: عن علي بن الحسين عليهما السلام، عن ابن عباس، قال:
Show clickable narrator chain
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه فرمي بنجم فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم قال: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه. قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أرأيت " إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . * (تتميم) * اعلم أن الفلاسفة أثبتوا عناصر أربعة: النار، والهواء، والماء، والأرض وقالوا: النار حار يابس، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والأرض بارد يابس، وكرة النار عندهم ملاصقة لكرة فلك القمر متحركة بحركتها بالتبع و لها كرة واحدة، وتحتها الهواء وله أربع طبقات: الأولى ما يمتزج منه مع النار وهي التي تتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة من السفل، وتتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب وما يشبهها من النيازك والأعمدة وغيرها. الثانية الهواء الصرفة أو القريب من الصرافة، وتضمحل فيها الأدخنة اللطيفة، ويحصل منها الشهب. الثالثة الهواء الباردة بما يخالطه من الأبخرة الباقي على برودته لعدم وصول أثر الشعاع المنعكس من وجه الأرض إليه. الرابعة الهواء الكثيف المجاور للأرض والماء الغير الباقي على صرافة برودته المكتسبة لمكان الأشعة المنعكسة. ثم كرة الماء، وهي غير تامة، محيطة بثلاثة أرباع الأرض تقريبا. ثم الأرض وهي كرة مصمتة وقد أحاط بقريب من ثلاثة أرباعها الماء، فالماء على هيئة كرة مجوفة غير تامة قد قطع بعض جوانبها وملئت من الأرض، فالآن مجموع الماء والأرض بمنزلة كرة واحدة تامة الهيئة. وللماء طبقة واحدة هي البحر المحيط بالأرض، ولم يبق على صرافته لنفوذ آثار الأشعة فيه ومخالطته بالاجزاء الأرضية وليس له ما يميز بين أبعاضه بحيث تختلف في الاحكام اختلافا يعتد به، والأرض ساكنة في الوسط بحيث ينطبق مركز حجمها على مركز العالم هذا هو المشهور بينهم وزعم بعض الأوائل منهم أن الأرض متحركة حركة وضعية دورية من المغرب إلى المشرق وأن شروق الكواكب وغروبها بسبب ذلك لا بسبب حركة الفلك وهذا قول ضعيف متروك عندهم. وللأرض ثلاث طبقات الأولى الأرض الصرفة المحيطة بالمركز الثانية الطبقة الطينية وهي المجاورة للماء الثالثة الطبقة المنكشفة من الماء، وهي التي تحتبس فيها الأبخرة والأدخنة، وتتولد فيها المعادن والنباتات والحيوانات، وتنقسم إلى البراري والجبال، وهي المعروفة بالربع المسكون المنقسم إلى الأقاليم السبعة. وأما السبب في انكشافها فقد قيل: هو انجذاب الماء إلى ناحية الجنوب لغلبة الحرارة فيها بسبب قرب الشمس، لكون حضيض الشمس في البروج الجنوبية، وكونها في القرب أشد شعاعا من كونها في البعد، وكون الحرارة اللازمة من الشعاع الأشد أقوى لا محالة، وشأن الحرارة جذب الرطوبات، وعلى هذا يمكن أن تنتقل العمارة من الشمال إلى الجنوب ثم من الجنوب إلى الشمال وهكذا بسبب انتقال الأوج من أحدهما إلى الآخر، وتكون العمارة دائما [إلى] حيث أوج الشمس لئلا يجتمع في الصيف قرب الشمس من سمت الرأس وقربها من الأرض فتبلغ الحرارة إلى حد النكاية والاحراق، ولا البعدان في الشتاء فيبلغ البرد إلى حد النكاية و التفجيع، وقيل: سببه كثرة الوهاد والأغوار في ناحية الشمال باتفاق من الأسباب الخارجة، فتنحدر المياه إليها بالطبع وتبقى المواضع المرتفعة مكشوفة، وقيل: ليس له سبب معلوم غير العناية الإلهية ليصير مستقرا للانسان وغيره من الحيوانات ومادة لما يحتاج إليه من المعادن والنباتات. ثم إنهم يقولون بأن كلا من تلك العناصر الأربعة قابل للكون والفساد أي ينقلب بعضها إلى بعض بلا توسط أو بتوسط واحد أو أكثر، كالماء ينقلب حجر المرمر، فإنه يحصل من مياه صافية جارية مشروبة تجتمع في وهاد تتحجر حجرا قريب الحجم من حجمها في زمان قليل كما ينقل من بعض محال مراغة من بلاد آذربايجان، وقيل: الحق أن ذلك إنما هو بخاصية في بعض المواضع من الأرض خلق الله فيها قوة معدنية شديدة التأثير في التحجير إذا صادفتها المياه تحجرت، وربما كانت في باطن الأرض فظهرت بالزلازل، ومن هذا القبيل ما نقل من انقلاب بعض الناس حجرا، وقد شوهدت في بعض البلاد أشباح حجرية على هيئة أشخاص إنسية من رجال ونساء وولدان لا يعوزها من التشكيل والتخطيط شئ، وأشخاص بهيمية وسائر أمور تتعلق بالإنسان على حالات مخصوصة وأوضاع يغلب على الظن أنها كانت قوالب إنسية وما يتعلق بها، فلا يبعد ظهور [مثل] هذه القوة على قوم غضب الله عليهم (انتهى). وقالوا: الحجر ينحل بالحيل الإكسيرية ماء سيالا، والهواء ينقلب ماء كما يشاهد في قلل الجبال وغيرها أن الهواء بسبب البرد يغلظ ويصير سحابا متقاطرا وكما يشاهد من ركوب القطرات على الطاس المكبوب على الجمد، والماء ينقلب هواء بالحر الحاصل من تسخين الشمس أو النار كما يشاهد من البخار الصاعد من الماء المسخن، فإن البخار أجزاء هوائية متكونة من الماء مستصحبة لاجزاء مائية لطيفة مختلطة بها، والهواء ينقلب نارا كما في كور الحدادين إذا ألح النفخ عليها وسد الطرق التي يدخل منها الهواء الجديد يحدث فيه نار من انقلاب الهواء إليها، ومن هذا القبيل الهواء الحار الذي منه السموم المحرقة، والنار أيضا تنقلب هواء كما يشاهد في شعلة المصباح، فإنها لو بقيت على النارية لتحركت إلى مكانها الطبيعي على خط مستقيم فاحترقت ما حاذاها وليس كذلك. ثم إنهم قالوا: إذا تصغرت تلك العناصر وامتزجت وتماست وفعل بعضها في بعض بقواها المتضادة تحصل منها كيفية متوسطة هي المزاج، والتركيب قد يكون تاما يحصل به مزاج ويستعد بذلك لإفاضة صورة نوعية تحفظ التركيب زمانا طويلا، وقد يكون ناقصا لا يبقى مدة مديدة بل تنحل بأدنى سبب مثل كائنات الجو. قال صاحب المقاصد: المركبات التي لا مزاج لها ثلاثة أنواع، لان حدوثه إما فوق الأرض أعني في الهواء، وإما على وجه الأرض، وإما في الأرض فالنوع الأول منه ما يتكون من البخار، ومنه ما يتكون من الدخان وكلاهما بالحرارة فإنها تحلل من الرطب أجزاء هوائية ومائية وهي البخار، ومن اليابس أجزاء أرضية تخالطها أجزاء نارية وقلما يخلو عن هوائية وهي الدخان، فالبخار المتصاعد قد يلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية فيصير هواء، وقد يبلغ الطبقة الزمهريرية فيتكاثف فيجتمع سحابا ويتقاطر قطرا إن لم يكن البرد شديدا، وإن أصابه برد شديد يجمد السحاب قبل تشكله بشكل القطرات نزل ثلجا، أو بعد تشكله بذلك نزل بردا صغيرا مستديرا إن كان من سحاب بعيد لذوبان الزوايا بالحركة والاصطكاك، وإلا فكبيرا غير مستدير في الغالب، وإنما يكون البرد في هواء ربيعي أو خريفي لفرط التحليل في الصيفي والجمود في الشتوي، وقد لا يبلغ البخار المتصاعد الطبقة الزمهريرية، فإن كثر صار ضبابا، وإن قل وتكاثف ببرد الليل فإن انجمد نزل صقيعا، وإلا فطلا، فنسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. وقد يكون السحاب الماطر من بخار كثير تكاثف بالبرد من غير أن يتصعد إلى الزمهريرية لمانع مثل هبوب الرياح المانعة للأبخرة من التصاعد، أو الضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح وثقل الجزء المتقدم وبطء حركته. وقد يكون مع البخار المتصاعد دخان، فإذا ارتفعا معا إلى الهواء البارد وقد انعقد البخار سحابا واحتبس الدخان فيه فإن بقي الدخان على حرارته قصد الصعود، وإن برد قصد النزول، وكيف كان فإنه يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث من تمزيقه ومصاكته صوت هو الرعد، ونارية لطيفة هي البرق، أو كثيفة هي الصاعقة. وقد يشتعل الدخان الغليظ بالوصول إلى كرة النار كما يشاهد عند وصول دخان سراج منطفئ إلى سراج مشتعل فيرى فيه الاشتعال فيرى كأنه كوكب انقض وهو الشهاب، وقد يكون لغلظه لا يشتعل بل يحترق ويدوم فيه الاحتراق فيبقى على هيئة ذؤابة أو ذنب أو حية أو حيوان له قرون، وربما يقف تحت كوكب ويدور مع النار بدوران الفلك إياها، وربما تظهر فيه علامات هائلة حمر وسود بحسب زيادة غلظ الدخان. وإذا لم ينقطع اتصال الدخان من الأرض ونزل اشتعاله إلى الأرض يرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الأرض وهو الحريق (انتهى). وقال في المواقف: وأما الدخان فربما يخالط السحاب فيحرقه، إما في صعوده بالطبع أو عند هبوطه للتكاثف بالبرد، فيحدث من خرقه له ومصاكته إياه صوت هو الرعد، وقد يشتعل بقوة التسخين الحاصل من الحركة والمصاكة فلطيفه ينطفئ سريعا وهو البرق، وكثيفه لا ينطفئ حتى يصل إلى الأرض وهي الصاعقة. وقال شارحه: وإذا وصل إليها فربما صار لطيفا ينفذ في المتخلخل ولا يحرقه ويذيب الأجسام المندمجة، فيذيب الذهب والفضة في الصرة مثلا ولا يحرقها إلا ما احترق من الذوب، وقد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله بن حفيف، فأذاب قنديلا فيها ولم يحرق شيئا منها. و ربما كان كثيفا غليظا جدا فيحرق كل شئ أصابه، وكثيرا ما تقع على الجبل فتدكه دكا. ويحكى أن صبيا كان في صحراء فأصاب ساقيه صاعقة فسقط رجلاه ولم يخرج منه دم لحصول الكي بحرارتها. وقال الرازي في المباحث المشرقية: إذا ارتفع بخار دخاني لزج دهني وتصاعد حتى وصل إلى حيز النار من غير أن ينقطع اتصاله عن الأرض اشتعلت النار فيه نازلة، فيرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الأرض، فإذا وصلت إلى الأرض احترقت تلك المادة بالكلية وما يقرب منها، وسبيل ذلك سبيل السراج المنطفئ إذا وضع تحت السراج المشتعل فاتصل الدخان من الأول إلى الثاني فانحدر اللهب إلى فتيلته. وقال في شرح المواقف في سبب الهالة والقوس: قد تحدث في الجو أجزاء رطبة رشية صقيلة كدائرة تحيط تلك الأجزاء بغيم رقيق لطيف لا تحجب ما وراءه عن الابصار، فينعكس منها أي من تلك الأجزاء الواقعة على ذلك الوضع ضوء البصر لصقالتها إلى القمر، فيرى في تلك الأجزاء ضوؤه دون شكله. فإن الصقيل الذي ينعكس منه شعاع البصر إذا صغر جدا بحيث لا ينقسم في الحس أدى الضوء واللون دون الشكل والتخطيط كما في المرآة الصغيرة. وتلك الأجزاء الرشية مرايا صغار متراصة على هيئة الدائرة، فيرى جميع تلك الدائرة كأنها منورة بنور ضعيف وتسمى الهالة، وإنا لا نرى الجزء الأول الذي يقابل القمر من ذلك الغيم، لان قوة الشعاع تخفي حجم السحاب الذي لا يستره، فلا يرى فيه خيال القمر، كيف والشئ إنما يرى على الاستقامة نفسه لا شبحه بخلاف أجزائه التي لا تقابله فإنها تؤدي خيال ضوئه كما عرفت. قيل: وأكثر ما تتولد الهالة عند عدم الريح، فإن تمزقت من جميع الجهات دلت على الصحو، وإن ثخن السحاب حتى بطلت دلت على المطر، لان الاجزاء المائية قد كثرت، وإن انخرقت من جهة دلت على ريح تأتي من تلك الجهة، و [إن] اتفق أن توجد سحابتان على الصفة المذكورة إحداهما تحت الأخرى حدثت هناك هالة تحت هالة، وتكون التحتانية أعظم لأنها أقرب إلينا، وزعم بعضهم أنه رأى سبع هالات معا. واعلم أن هالة الشمس وتسمى " الطفاوة " نادرة جدا، لان الشمس تحلل السحب الرقيقة، ومع ذلك فقد زعم ابن سينا أنه رأى حول الشمس هالة تامة في ألوان قوس قزح، ورأي بعد ذلك هالة فيها قوسية قليلة، وإنما تنفرج هالة الشمس إذا كثف السحاب وأظلم. وحكى أيضا أنه رأى حول القمر هالة قوسية اللون، لان السحاب كان غليظا فشوش في أداء الضوء وعرض ما يعرض للقوس، وقد يحدث مثل ذلك الذي ذكرناه من الاجزاء الرشية الصقيلة على هيئة الاستدارة في جهة خلاف الشمس وهي قوس قزح وتفصيله أنه إذا وجد في خلاف جهة الشمس أجزاء رشية لطيفة صافية على تلك الهيئة وكان وراءها جسم كثيف إما جبل أو سحاب كدر وكانت الشمس قريبة من الأفق فإذا أدبر على الشمس ونظر إلى تلك الأجزاء انعكس شعاع البصر عنها إلى الشمس، ولما كانت صغيرة جدا لم يؤد الشكل بل اللون الذي يكون مركبا من ضوء الشمس في لون المرآة، وتختلف ألوانها بحسب اختلاف أجزاء السحاب في ألوانها، وبحسب ألوان ما وراءها من الجبال، وألوان ما ينعكس منها الضوء من الاجرام الكثيفة. وفي المباحث المشرقية: زعم بعضهم أن السبب في حدوث أمثال هذه الحوادث اتصالات فلكية وقوى روحانية اقتضت وجودها، وحينئذ لا تكون من قبيل الخيالات، وهو أن يرى صورة شئ [مع صورة شئ] آخر مظهر له كالمرآة، فيظن أن الصورة الأولى حاصلة في الشئ الثاني ولا يكون فيه بحسب نفس الامر. قال الامام: هذا الذي ذكره لا ينافي ما ذكرناه، فإن الصحة والمرض قد يستندان إلى أسباب عنصرية تارة، وإلى اتصالات فلكية وتأثيرات نفسانية أخرى، لكن هذا الوجه يؤيده أن أصحاب التجارب شهدوا بأن أمثال هذه الحوادث في الجو تدل على حدوث حوادث في الأرض، فلولا أنها موجودات مستندة إلى تلك الاتصالات والأوضاع لم يستمر هذا الاستدلال (انتهى). وقال بعضهم: إن الله سبحانه إذا أراد أن يلطف بقوم أو يغضب عليهم بإحداث حدث في الأرض وتكوين كائن من إمطار مطر أو إرسال ريح وما أشبههما أمر الملائكة السماوية خصوصا الملكين الموكلين بالشمس أن يفعلوا في الأرض بتوسط الملائكة الموكلين بها، أفاعيل الملائكة أن يحركوا شيئا منها ويخلطوه حتى يحصل من اختلاطه ما يشاء، فإن كل ما يتكون في الجو والأرض إنما يحدث من اختلاط العناصر والأرضيات، فأول ما يحدث من ذلك قبل أن يمتزج امتزاجا تاما يحصل بسبب الكيفية الوحدانية المسماة بالمزاج هو البخار والدخان، وذلك لان الملائكة إذا هيجوا باسخان السماويات الحرارة بخروا من الأجسام المائية ودخنوا من الأجسام الأرضية، وأثاروا أجزاء إما هوائية ومائية مختلطين وهو البخار، وإما نارية وأرضية كذلك وهو الدخان، ثم حصل بتوسطهما موجودات شتى غير تامة المزاج من الغيم والمطر والثلج والبرد والضباب والطل والصقيع والرعد والبرق والصاعقة والقوس والهالات والشهب والرياح والزلازل وانفجارات العيون والقنوات والآبار والنزوز، كل ذلك بإذن الله سبحانه وتوسط ملائكته، كما قال سبحانه إشارة إلى بعض ذلك " ألم تر أن الله يزجي سحابا - الآية - " والتأمل في بناء الحمام وعوارضه نعم العون على إدراك ماهية الجو وكثير من حوادثه، بل التدبر في ما يرتفع من أرض معدة الانسان إلى زمهرير دماغه ثم ينزل منه في ثقب وجهه يعين على ذلك كسائر الأمور الأنفسية على الاحكام الآفاقية (انتهى). وقال بعض المحققين في تحقيق ألوان القوس: توضيح المقام يستدعي مقدمتين الأولى: أن سائر الألوان المتوسطة بين الأسود والأبيض إنما تحدث عن اختلاط هذين اللونين، وبالجملة الأبيض إذا رؤي بتوسط الأسود أو بمخالطة الأسود حدثت عن ذلك الألوان الأخر، فإن كان النير هو الغالب رؤي الأحمر وإن لم يكن غالبا رؤي الكراثي والأرجواني، وغلبته في الكراثي أكثر وفي الأرجواني أقل. الثانية أن اللون الأسود هو بمنزلة عدم الابصار، لأنا إذا لم نر الشمس والمضئ ظننا أنا نرى شيئا أسود، فالمكان من الغمام الذي يكون الأبيض فيه غالبا على الأسود نراه أحمر، والمكان الذي يكون فيه الأسود غالبا نراه أرجوانيا، والمكان الذي فيه الأسود بين الغالب والمغلوب نراه كراثيا. فإذا تمهد هذا فنقول: إذا رأى البصر النير بتوسط الغمام على تلك الشرائط رأى القوس على الأكثر ذات ألوان ثلاثة: الأول منها وهو الدور الخارج الذي يلي السماء أحمر لقلة سواده وكثرة بياضه، والثاني وهو الذي دونه كراثي لتوسطه بين الأول والثالث في قلة السواد وكثرته وقلة البياض وكثرته، والدور الثالث مما يلي الأرض أرجواني لكثرة سواده وقلة بياضه، فأما الدور الأصفر الذي قد يرى أحيانا بين الدور الأحمر والكراثي فإنه ليس يحدث بنحو الانعكاس فإنما يرى بمجاورة الأحمر اللون الكراثي، والعلة في ذلك أن الأبيض إذا وقع على جنب الأسود رؤي أكثر بياضا، ولما كان الدور الأحمر فيه بياضا والكراثي مائلا إلى السواد رؤي طرف الأحمر لقربه من الكراثي أكثر بياضا من الأحمر [وما هو أكثر بياضا من الأحمر] هو الأصفر، فلهذا يرى طرف الدور الأحمر القريب من الكراثي أصفر. وقد يظهر أحيانا قوسان معا كل واحدة منهما ذات ثلاثة ألوان على النحو الذي ذكرناه في الواحدة، لكن وضع ألوان القوس الخارجة بالعكس من الداخلة، يعني دورها الخارج الذي يلي السماء أرجواني، و الذي يليه كراثي، والذي يتلو هذا أحمر، ولا يبعد أن يكون أحد القوسين عكسا للآخر (انتهى). وأقول: هذا ما ذكره القوم في هذا المقام، وكلها مخالفة لما ورد في لسان الشريعة، ولم يكلف الانسان الخوض فيها والتفكر في حقائقها، ولو كان مما ينفع المكلف لم يهمل صاحب الشرع بيانها، وقد ورد في كثير من الاخبار النهي عن تكلف ما لم يؤمر المرء بعلمه. قال صاحب المواقف وشارحه بعد إيراد هذه المباحث: ما ذكرناه كله آراء الفلاسفة حيث نفوا القادر المختار، فأحالوا اختلاف الأجسام بالصور إلى استعداد في موادها، وأحالوا اختلاف آثارها إلى صورها المتبائنة و أمزجتها المتخالفة، وكل ذلك إلى حركات الأفلاك وأوضاعها. وأما المتكلمون فقالوا: الأجسام متجانسة بالذات لتركبها من الجواهر الفردة، وأنها متماثلة لا اختلاف فيها، وإنما يعرض الاختلاف للأجسام لا في ذواتها بل بما يحصل فيها من الاعراض بفعل القادر المختار (انتهى). ثم اعلم أن ما يشاهد من انعقاد السحب في قلل الجبال وتقاطرها مع أن الواقف على قلة الجبل لا يرى سحابا ولا مطرا ولا ماء، والذين تحت السحاب ينزل عليهم المطر لا ينافي الظواهر الدالة على أن المطر من السماء بوجهين: أولهما أنه يمكن أن ينزل عليهم المطر من السماء إلى السحاب رشحا ضعيفا لا يحس به أو قبل انعقاد السحاب على الموضع الذي يرتفع منه. وثانيهما أن نقول بحصول الوجهين معا وانقسام المطر إلى القسمين، فمنه ما ينزل من السماء، ومنه ما يرتفع من بخار البحار والأراضي الندية. ويؤيده ما رواه شيخنا البهائي - قدس الله روحه - في كتاب " مفتاح الفلاح " حيث قال: نقل الخاص والعام أن المأمون ركب يوما للصيد فمر ببعض أزقة بغداد على جماعة من الأطفال، فخافوا وهربوا وتفرقوا، وبقي واحد منهم في مكانه، فتقدم إليه المأمون وقال له: كيف لم تهرب كما هرب أصحابك؟ فقال: لان الطريق ليس ضيقا فيتسع بذهابي، و لا بي عندك ذنب فأخافك لأجله، فلأي شئ أهرب؟! فأعجب كلامه المأمون فلما خرج إلى خارج بغداد أرسل صقره فارتفع في الهواء ولم يسقط على وجه الأرض حتى رجع وفي منقاره سمكة صغيرة، فتعجب المأمون من ذلك، فلما رجع تفرق الأطفال وهربوا إلا ذلك الطفل فإنه بقي في مكانه كما في المرة الأولى، فتقدم إليه المأمون وهو ضام كفه على السمكة وقال له: قل أي شئ في يدي؟ فقال: إن الغيم حين أخذ من ماء البحر تداخله سمك صغار فتسقط منه فيصطادها الملوك فيمتحنون بها سلالة النبوة. فأدهش ذلك المأمون فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد ابن علي الرضا - وكان ذلك بعد واقعة الرضا عليه السلام وكان عمره عليه السلام في ذلك الوقت إحدى عشر، وقيل عشر سنة - فنزل المأمون عن فرسه وقبل رأسه وتذلل له ثم زوجه ابنته.
الهوامش3
[٢]الجن: ١٠.ص 388
[٣]الدر المنثور: ج ٥، ص 235.ص 388
[1]في المخطوطة: أرى.ص 393