الاحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه سأل الصادق عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain
فأخبرني عمن قال بتناسخ الأرواح من أي شئ قالوا ذلك؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبهم؟ قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين، وزينوا لأنفسهم الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى " أن الله عز وجل خلق آدم على صورته " وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، إن كان محسنا في القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلا درجة الدنيا، وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة الخلقة، وليس عليهم صوم ولا صلاة ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النساء وغير ذلك من الأخوات، والبنات والخالات و ذوات البعولة، وكذلك الميتة والخمر والدم. فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم، فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة ولعنهم الفرقان وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم ثم هلم جرا إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟ وقالوا: إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلا درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية. يقولون: إن الأشياء على غير الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لان الدواب عندهم كلها من ولد آدم حولوا في صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات ! وساق الحديث الطويل إلى أن قال: أخبرني عن السراج إذا أنطفئ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب فلا يعود. قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفأ؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت إن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف وركب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو يحييه بعد موته ويعيده بعد فنائه. قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. قال: فمن صلب أين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض. قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال: نعم، الروح على ما وصفت لك مادته من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم وصفاء اللون وحسن الصوت وكثرة الضحك فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟ قال: الروح بمنزلة الريح في الزق إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن. قال: فأخبرني ما جوهر الريح ؟ قال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كف الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج من البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله أحسن الخالقين. قال: أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت: فعضو ببلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟! قال: إن الذي أنشأه من غير شئ وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك، قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب فينقل بإذن [الله] القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. .
الهوامش4
[1]الاحتجاج: 188.ص 34
[2]في المصدر: سقطت.ص 34
[1]عن جوهر الروح (خ).ص 35
[2]الاحتجاج، 191 - 192.ص 35