توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الانسان من الطعم النوم والجماع وما دبر فيها، فإنه جعل لكل واحد منهما في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به. فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن واجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الانسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل، حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشئ مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت: وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن واجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حتى ينهك بدنه. ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع. فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به. فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه كذلك ويحدوه عليه. واعلم أن في الانسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها. ففكر في تقدير هذه القوى الأربع التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها وما في ذلك من التدبير والحكمة. ولولا الجاذبة كيف يتحرك الانسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ منه حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه؟ وسأمثل في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد لافضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها فالملك هو الخلاق الحكيم ملك العالمين والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوام هي هذه القوى الأربع: ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي، كالذي أوضحته بالوصف الثاني والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها. تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس وموقعها من الانسان أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ماله وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال، وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساءه، وما نفعه مما ضره. ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه مالا يحصى، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره، ولا يعتقد دينا، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا! فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال أو كيف موقع الواحدة منها دون الجميع. وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ، النعمة في النسيان! فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجاء غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان، جعل له في كل منهما ضرب من المصلحة؟! وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجمع على ما فيه الصلاح والمنفعة؟ انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء، فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شئ من الأشياء، حتى أن كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء، فإن من الناس لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة. أفلا ترى كيف وفي الانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره. تأمل يا مفضل ما أنعم الله - تقدست أسماؤه - به على الانسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره وما يخطر بقلبه وينتجه فكره، وبه يفهم من غيره ما في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ ولا تفهم عن مخبر شيئا. وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم مما لا يسعهم جهله، ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما أعطيه الانسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه الناس فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الأمم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام فيقال لمن ادعى ذلك: إن الانسان وإن كان له في الامرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل له في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم أبدا ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا. واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة. فأصل ذلك فطرة البارئ عز وجل، وما تفضل به على خلقه. فمن شكر أثيب، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. فكر يا مفضل في ما أعطي الانسان علمه وما منع، فإنه أعطي علم جميع ما فيه صلاح دينه ودنياه. فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافة، وبر الوالدين، وأداء الأمانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلك مما قد توجب معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل أمة موافقة أو مخالفة. وكذلك أعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة، والغراس، واستخراج الأرضين، واقتناء الأغنام والانعام، واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير التي يستشفي بها من ضروب الأسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، وركوب السفن، والغوص في البحر. وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمكاسب وغير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار. فأعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه ومنع ما سوى ذلك مما ليس فيه شأنه ولا طاقته أن يعلم، كعلم الغيب وما هو كائن، وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء، وما تحت الأرض، وما في لجج البحار وأقطار العالم، وما في قلوب الناس، وما في الأرحام، وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه. وقد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما يبين من خطأهم في ما يقضون عليه ويحكمون به في ما ادعوا علمه. فانظر كيف أعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه! وكلا الامرين فيها صلاحه. تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته، فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر. على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس. وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء، وانهمك في اللذات والمعاصي، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور في كل الأوقات على تصرف الحالات. فإن قلت: أوليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته؟ قلنا: إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات له لو تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة. فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلف التلذذ في العاجل، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك، فإن النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الاجل وقد نفذ المال، فيبقى الدين قائما عليه. فكان خير الانسان أن يستر عنه مبلغ عمره، فيكون طول عمره يترقب الموت، فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح. فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم. قلنا: إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الامر فيه، فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوي فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير. كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته، ولم يكن الإساءة في ذلك للطبيب، بل للمريض حيث لم يقبل منه. ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر القطعية فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء. ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظهم منها. تذنيب ولنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الانسانية، لتوقف فهم الآيات والاخبار عليها في الجملة، واشتمالها على الحكم الربانية. قالوا: الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات والمعادن، فبعد أن يستوفي درجة الجماد والنبات يقبل صورة أشرف من صورتهما. وعرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة. ولها قوتان: مدركة، ومحركة. أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن. أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء. وقيل: لان الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا وقد استكملت جميع ما في تلك المرتبة، فلو كان في الامكان حس آخر لكان حاصلا للانسان، فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس. فمنها السمع وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ، ويتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع والمقروع و القالع والمقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ. وليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه، بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له ويكيفه بالصوت، ثم يتموج المجاور لهذا المجاور وهكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ. وقيل: لا ينحصر المتوسط في الهواء، بل كل جسم سيال كالماء أيضا. ومنها البصر وهو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ، يتيامن النابت منهما يسارا، ويتياسر النابت منهما يمينا، فيلتقيان ويصير تجويفهما واحدا، ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى، والنابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى، ويسمى الملتقى بمجمع النور. والفلاسفة اختلفوا في كيفية الابصار، فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد والجمد في الصقالة المرآتية، فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الانسان في المرآة، لا بأن ينفصل من المتلون شئ ويميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر، ويكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف. والرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين وقاعدته عند المرئي، ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة. وقال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين ويضطرب طرفه الأخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط. والإشراقيون قالوا: لا شعاع ولا انطباع، وإنما الابصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة، فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر، فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية. لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع والشعاع. تمسك الأولون بوجوه: أحدها - وهو العمدة - أن العين جسم صقيل نوراني وكل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة. أما الكبرى فظاهر وأما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه، ولان الانسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة مثل الضياء، وإذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده، وذلك لامتلاء العين من النور. وإن غمضنا إحدى العينين أتسمع مثقب العين الأخرى، فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري. ولولا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة. وثانيها أن الإحساس بسائر الحواس ليس لأجل خروج شئ من المحسوس بل لأجل أن يأتيها صورة المحسوس، فكذا حكم الابصار. وثالثها أن كون رؤية الأشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع، فإنها لا تتفاوت. ورابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا، وذلك يوجب ما قلناه وخامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج، فإذن حصولها في البصر. وأجيب عن الأول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح، وأما كون الابصار به فلا. وعن الثاني أنه تمثيل بلا جامع. وعن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم، كيف وأصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر. وعن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال، وأين أحدهما من الآخر. وعن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا ومشاهدة الأمور الغائبة عن الابصار بوقوع أشباحها في الخيال، ولا يدل على أن الابصار للموجودات في الخارج بالانطباع، وقياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم. وتمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه: أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في البعيد، ومن كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح، لان الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة وصفاء، ولو كان الابصار بالانطباع لما تفاوت الحال. وثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار، لان شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر، ويجتمع ليلا فيقوى على الابصار، والأعمش بالعكس لان شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الابصار إلا إذا أفادته الشمس رقة وصفاء. وثالثها أن الانسان إذا نظر إلى ورقة ورآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر وما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا. ورابعها أن الانسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه وأشرق على أنفه، وإذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه والسراج. والجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب، أعني كون الابصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا، ونحن لا ننكر أن في آلات الابصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة، وإن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار وفي الكواكب، وأما الأجسام الكثيفة وما في بواطنها فالأولى بها الظلمة، وكيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني؟ أما ابن سينا فقد اعترت بذلك، لان جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين [و] أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين ولا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول: آلة الابصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين والمرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية وتشتد حركته عند رؤية البعيد، فيتخلل لطيفها، فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ، وتكثيف إذا لطف ورق فوق ما ينبغي، ويحدث منها في المقابل القابل أشعة وأضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي ولشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر، وإدراكه أقوى وأكمل، ويشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ، وإلا فهو باطل قطعا، أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الاعراض فظاهر، وإن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلانا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم، ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم، ثم إذا فتح خرج مثله وهكذا، وأن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات، وأن ينفذ في الأفلاك ويخرقها ليرى الكواكب، وأن لا يتشوش لهبوب الرياح ولا يتصل بغير المقابل، كما في الأصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات، ولأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما، وليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة. ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر، وهو أن المشف الذي بين البصر والمرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر، ويصير بذلك آلة للابصار. ويرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة. وقال صاحب المقاصد: الحق أن الابصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين. ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية أمور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين منها اختلاف الاقدار بسبب تفاوت الابعاد، والسبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا وحدة، فإنه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية وطرفي المبصر، فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية، فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر، ولا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية، وبعده سبب لصغرها، أو بزيادة القرب يزيد عظمها وبزيادة البعد يزيد صغرها، فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين، موهومة عند المشائين، وكل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه، وله وجه وإن كان بمذهب المشائين أنسب. وقال بعض المحققين: قد قرر الحكماء عن آخر هم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة، ويتبع تفاوت إحداهما تفاوت الأخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة، وبنوا عليه علم المناظر وغيره من معظمات المسائل. وفيه شبهة، وهو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالا صبع من البصر بحيث يصل إلى رؤس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا ويحجب الجبل العظيم جدا، فزاويته أعظم من زاوية الجبل، فيجب أن يرى أعظم، مع أن الامر بخلافه ضرورة. والجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا ورؤي عظيما بسبب كمال قربه - انتهى -. ومنها رؤية المرئيات في المرايا والأجسام الصقيلة، واختلف في سببه وتفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة: الأول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية، وتفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل، كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار، ومن المرآة إلى مقابلها، فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس، فإذا قابلت المرآة وجه المبصر وكان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية، إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوى زاوية قائمة مع زاوية حادة، وانعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه. وإذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه، بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان. فالمرئي في المرآة إنما هو الأمر الخارجي لكن لما رؤي بالشعاع الذي رؤي به المرآة يظن أنه في المرآة وليس موجودا في المرآة، وإذا كان الوجه قريبا من المرآة والخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة، وإذا كان الوجه بعيدا عنها والخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها. وأورد عليه وجوه من الايراد المذكورة في محالها. الثاني مذهب أصحاب الانطباع، وتوضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها، فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل وترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة. وشرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع والانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة. الثالث مذهب سخيف ضعيف، وهو أن الصورة ينطبع في المرآة. الرابع مذهب أفلاطون ومن سبقه وتبعه من الإشراقيين، حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الاجرام الفلكية والأجسام العنصرية، وهو عالم متوسط بينه وبين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار والحيز والجهة والشكل. فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية، وأشباح برزخية، مجردة عن الطبائع والمواد، نورانية، يسمى ذلك العالم عالم المثال. وقالوا: إن الصور المرئية في المرايا وغيرها من الأجسام الصقيلة والصور المتخيلة وأمثالها صور موجودة قائمة بنفسها، إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلف رؤية الشئ باختلاف مواضع نظرنا إليها، ولو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لان الهواء شفاف لم يمكن أن يرى وكذا ما حل فيه، وليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب القوم ولا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها، فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس والعقل يسمى بعالم المثال وهي قائمة بذاتها معلقة لا في محل ولا في مكان، لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية والخيال في الصور الخيالية. ووافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم وقد مرت الإشارة إليه. قال القيصري في شرح الفصوص: اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا، وبالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا، وليس بجسم مركب مادي ولا جوهر مجرد عقلي، لأنه برزخ وحد فاصل بينهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لابد وأن يكون غيرهما، بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه. اللهم إلا أن يقال إنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة، فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة وبين الجواهر الجسمانية الكثيفة، وإن كان بعض هذه الأجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرها - انتهى -. ومنها رؤية الشئ شيئين كما في الأحول، وفي من مد طرف عينه، أو غمض إصبعه في طرف من العين، فإنه يرى كل شئ اثنين. واختلفت الآراء في تعليله ولنذكر منها مذهبين: الأول مذهب أصحاب الشعاع، فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم، فان وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا، وإن اختلف موقعاهما يرى اثنين. الثاني مذهب أصحاب الانطباع ومداره على مقدمة، وهي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين، وعند التقاطع يتحد التجويفان، وهناك مجمع النور، فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين ولا يكفي ذلك في الابصار، وإلا لرؤي الشئ الواحد شيئين، بل يجب أن تتأدى صورة أخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الابصار. ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك، وهناك يتم كمال الابصار. ثم بعد هذه المقدمة نقول: إن لادراك الشئ الواحد اثنين أربعة أسباب: الأول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين، فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد، بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لان خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين، وإذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأنهما شبحان لشيئين، ولأنه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين. الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى وتموجها يمينا ويسارا، حتى يتقدم مركزها المرسوم [له] في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين، فينطبع من الشئ الواحد شبحان، ويرى كشيئين مفترقين. وهذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة وفي الماء المتوج متكررا. الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ وحركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين وخلفا إلى الحس المشترك، فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي، فإذا تحرك ذلك الجزء ووقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا ولم يزل بعد عن الجزء الأول، فتجتمع هناك صورتان ويرى شيئان. ولمثل هذا السبب يرى الشئ السريع الحركة إلى جانبين كشيئين، لأنه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك وهو في جانب يراه البصر في جانب آخر، فتتوافى إدراكاته في الجانبين معا. ومن هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما، والشعلة الجوالة دائرة. ونظير الحركة الدورية لصاحب الدوار، فإنه لسبب من الأسباب الطبية يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور، فحينئذ إن انطبعت فيه صورة، تزول بسرعة لتحركه، كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة، لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه، وما ذلك إلا لحركة الرائي. الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية، فان الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة وتضيق أخرى، تارة إلى خارج وتارة إلى داخل، فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع، وإن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق، فإن ضاقت يرى الشئ أكبر، وإن اتسعت يرى أصغر، فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا، خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الأول فيرى اثنين. وفي حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري والنور الشعاعي، فيرى أكبر، كما يرى الشئ في البخار أعظم. وفي حال السعة يتلطف الروح ويتخلخل ويرق فيرى أصغر. ومنها انعطاف الشعاع، وبيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ والرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء ومما يلي المرئي ماء أو بخارا، فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت ومالت إلى سهم المخروط، ثم وصلت إلى طرفي المرئي، ولو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم، ومن لوازم الانعطاف رؤية الشئ في الماء والبخار أعظم مما يرى في الهواء. فإن العنبة ترى في الماء كالإجاصة، والكوكب يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء. وذلك لان الخطوط إذا انعطفت ومالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة، لأنه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت ومالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي، فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالأخرى. ومنها رؤية الشجر على الشط منتكسا، وذلك لان الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الآلة الحدباء المسماة بالفارسية، " چنگ " فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي، وإلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه وهكذا، وإذا كان الشجر على طرف الرائي كان الامر في الانعكاس على عكس ما ذكر. ألا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى وقاعدتها في الصورة الثانية، فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه، ويكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب، حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة، وذلك لتساوي زاويتي الشعاع والانعكاس. ولنفرض خط " أب " عرض النهر و خط " ج ب " الشجر القائم على شطه، " و ه " الحدقة، ونفرض على " أب " نقطتي " د " و " و " وعلى " ج ب " " ح " و " ط " فإذا خرج من " ه " خط شعاعي إلى " و " وآخر إلى " د " وجب أن ينعكس الأول إلى نقطة " ط " مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية " ه وا " كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية " ط و ب " وأن ينعكس الآخر إلى نقطة " ح " وتتساوى أيضا شعاعية " ه د ا " وانعكاسية " ح د ب ". ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس، لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة، فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء، ولا نفوذ [حينئذ] هناك، إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء، لكون الشعاع المنعكس إليه أطول، وكذا الحال في باقي الاجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء. ومنها الشامة وهي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة. وقيل: بتبخر أجزاء لطيفة من ذي الرائحة تختلط بالهواء وتصل معه إلى الخيشوم. وقيل: بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء ولا تبخر وانفصال أجزاء. ورد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة وكثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه وحجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة ويحرق ويفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة. ويؤيد ذلك ما حكى أرسطو أن الرخمة قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين، ودلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرخمة في تلك الأرض إلا في نحو من هذا الحد من المسافة. وقد يقال: لعل المتحلل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الأجزاء الهوائية، والاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية. على أن الشيخ اعترض عليه في الشفاء بقوله " يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجو العالي ". ومنها الذائقة وهي قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، وهي تالية للامسة، إذ منفعتها أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن، وهي تشهية الغذاء واختياره وبالجملة يتمكن به على جذب الملائم ودفع المنافر من المطعومات، كما أن اللامسة يتمكن بها على مثل ذلك من الملموسات. وهي توافق اللامسة في الاحتياج إلى الملامسة وتفارقها في أن نفس ملامسة المطعوم لا يؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة، بل تفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة عن الآلة التي تسمى الملعبة ويشترط أن تكون هذه الرطوبة خالية عن مثل طعم المطعوم وضده، بل عن غير ما يؤدي طعم المذوق كما هو إلى الذائقة، فإن المريض إذا تكيف لعابه بطعم الخلط الغالب عليه لا يدرك طعوم الأشياء المأكولة والمشروبة إلا مشوبة بذلك الطعوم، فإن الممرور إنما يجد طعم العسل مرا. واختلفوا في أن توسطها إما بأن يخالطها أجزاء لطيفة من ذي الطعم ثم تغوص هذه الرطوبة معها في جرم اللسان إلى الذائقة، فالمحسوس حينئذ هو كيفية ذي الطعم وتكون الرطوبة واسطة لتسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الحاسة أو بأن يتكيف نفس الرطوبة بالطعم بسبب المجاورة فتغوص وحدها فيكون المحسوس كيفيتها، وعلى التقديرين لا واسطة بين الذائقة ومحسوسها حقيقة بخلاف الابصار المحتاج إلى توسط الجسم الشفاف. ومنها اللامسة وهي منبثة في البدن كله من شأنها إدراك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك، بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند الملامسة بحكم الاستقراء. قال الشيخ: أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان، لان صلاح مزاجه من الكيفيات الملموسة وفساده باختلالها، والحس طليعة للنفس فيجب أن يكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما منع به الفساد ويحفظ به الصلاح، وأن يكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام، ومضرة خارجة عن الفساد. والذوق وإن كان دالا على الشئ الذي به يستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه لارشاد الحواس الاخر على الغذاء الموافق واجتناب المضار. وليس شئ منها يعين على أن الهواء محرق أو مجمد. ولشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الأعصاب ساريا في جميع الأعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية، لئلا تتأذى بما يلاقيها من الحاد اللذاع، فإن الكبد مولد للصفراء والسوداء، والطحال والكلية مصبان لما فيه لذع، وكالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض، وكالعظام فإنها أساس البدن ودعامة الحركات، فلو أحست لتألمت بالضغط والمزاحمة وبما يرد عليها من المصاكات. ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن اللامسة قوة واحدة بها يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس، فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الادراكات ليستدل بذلك على تعدد مبادئها. وذهب كثير من المحققين ومنهم الشيخ إلى أنها قوى متعددة بناء على ما مهدوه في تكثير القوى من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من واحد فقالوا: ههنا ملموسات مختلفة الأجناس متضادة [الأجناس] فلا بد لها من قوى مدركة مختلفة تحكم بالتضاد بينها، فأثبتوا لكل ضد ين منها قوة واحدة هي الحاكمة بين الحرارة والبرودة، والحاكمة بين الرطوبة واليبوسة، والحاكمة بين الخشونة والملاسة والحاكمة بين اللين والصلابة. ومنهم من زاد الحاكمة بين الثقل والخفة. قالوا: ويجوز أن يكون لهذه القوى بأسرها آلة واحدة مشتركة بينها وأن يكون هناك في الآلات انقسام غير محسوس، فلذا توهم اتحاد القوى. ويرد عليه أن المدرك بالحس هو المتضادان كالحرارة والبرودة دون التضاد فإنه من المعاني المدركة بالعقل أو الوهم، وإذا جاز إدراك قوة واحدة للضدين فقد صدر عنها اثنان. فلم لا يجوز أن يصدر عنها ما هو أكثر من ذلك؟ وأيضا فإن الطعوم والروائح والألوان أجناس مختلفة متضادة مع اتحاد القوى المدركة لها، وكون التضاد في ما بين الملموسات أكثر وأقوى لا يجدي نفعا. واما الحواس الباطنة فهي أيضا خمس عندهم بشهادة الاستقراء: الأول الحس المشترك ويسمى باليونانية " بنطاسيا " أي لوح النفس، وهي قوة مرتبة في مقدم التجويف الأول من التجاويف الثلاثة التي في الدماغ تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليها من طريق الحواس، فهو كحوض ينصب فيه أنهار خمسة. واستدلوا على وجوده بوجوه: الأول: أنا نشاهد القطرة النازلة خطا مستقيما، والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا، وليس ارتسامها في البصر، إذ لا يرتسم فيه إلا المقابل وهو القطرة والنقطة، فإذن ارتسامها إنما يكون في قوة أخرى غير البصر حصل فيها الارتسامات المتتالية بعضها ببعض فيشاهد خطا. الثاني: أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض، كالحكم بأن هذا الأبيض هو هذا الحلو، وهذا الأصفر هو هذا الحار، وكل من الحواس الظاهرة لا يحضر عندها إلا نوع مدركاتها، فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الأنواع ليصح الحكم بينها. الثالث: أن المبرسم أي من به المرضى المسمى بذات الجنب إذا قوي مرضه وتعطلت حواسه الظاهرة بغلبة المرض يرى أشياء لا تحقق لها في الخارج على سبيل المشاهدة دون التخيل، فإنه قد يرى سباعا وأشخاصا حاضرة عنده ولا يراها أحد ممن سلم حواسه وليست هذه الصور مرتسمة في بصره، إذ لا يرتسم فيه إلا ما هو موجود مقابل إياه. ولما كان إدراكها كإدراك ما يرتسم من الخارج بلا فرق عند المدرك دل ذلك أيضا على أن الابصار إنما هو بالحس المشترك، ولما كان الابصار بارتسام الصورة في الحس المشترك لم يتميز الحال عند المدرك بين أن يرد عليه الصورة من الخارج كما هو الغالب وبين أن ترد عليه من داخل كما في المبرسم، فإنه لما اشتغل نفسه بمزاولة المرض بحيث تعطلت حواسه الظاهرة استولت المتخيلة ونقشت في لوح الحس المشترك صورا كانت مخزونة في الخيال، وصورا ركبتها من الصور المخزونة على طريق انتقاشها فيه من الخارج، ولما لم يكن لها شعور بانتقاشها فيه من داخل لم يفرق بينها وبين الصور المنتقشة فيه من خارج، فيحسب الأشياء التي هذه صورها موجودة في الخارج حاضرة عنده كما في الصحة بلا فرق. واعترض على الأول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله، بسرعة لحوق الثاني وقوة ارتسام الأول، فيكونان معا. قيل: وهذا مكابرة للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة. وعلى الثاني بأنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة أخرى جسمانية، لجواز أن يكون في النفس. ألا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن زيدا انسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس، ويجوز أن يكون حضورهما عند النفس وحكمها بينهما لارتسامهما في آلتين كما أن الحكم بين الكلي والجزئي تكون لارتسام الكلي في النفس والجزئي في الآلة. وعلى الثالث أنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك، غاية الأمر أن لا تكفي الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة والحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن. الثاني الخيال وهي قوة مرتبة في مؤخر التجويف الأول من الدماغ بحسب المشهور، وعند المحققين الروح المصبوب في التجويف الأول آلة للحس المشترك والخيال، إلا أن المشاهدة اختص بما في مقدمه والتخيل بما في مؤخره. وهو يحفظ جميع صور المحسوسات ويمثلها بعد الغيبة عن الحواس المختصة والحس المشترك وهي خزانة الحس المشترك لبقاء الصور المحسوسة فيها بعد زوالها عنه. وإنما جعلت خزانة للحس المشترك مع أن مدركات جميع الحواس الظاهرة تختزن فيها، لان الحواس الظاهرة لا تدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك، فإنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ذهلنا عنها ثم شاهدناها مرة أخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدناها قبل ذلك، فلو لم تكن الصور محفوظة لم يكن هذا الحكم، كما لو صارت منسية. وإنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم ولا يشتبه الضار بالنافع إذا لم يعلم أنه المبصر أولا، وينفسد المعاملات وغيرها. والدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان: أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ، فرب قابل النقش كالماء لم يحفظ، لوجود رطوبة فيه هي شرط سرعة القبول، وعدم اليبس الذي هو شرط الحفظ. وثانيهما أن استحضار الصور، والذهول عنها من غير نسيان، والنسيان يوجب تغاير القوتين، ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما، والذهول حصولها في إحداهما دون الأخرى، والنسيان زوالها عنهما. واعترض عليهما بوجوه وأجابوا منها وهي مذكورة في محالها. واحتج الرازي على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم ورأي البلاد والاشخاص الغير المعدودة فلو انطبقت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فليزم الاختلاط وعدم التمايز، وإنما أن يكون لكل صورة محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء في غاية الصغر. وأجيب بأنه قياس للصور على الأعيان وهو باطل، فإنه لا استحالة ولا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها، ولا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير، وإنما ذلك في الأعيان الحالة في محالها، حلول العرض في الموضوع، أو الجسم في المكان. الثالث الوهم وهي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد، وقيد بذلك لان مدرك العداوة الكلية هو النفس. والمراد بالمعاني مالا يدرك بالحواس الظاهرة، فيقابل الصور أعني ما يدرك بها. فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها، وكونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك، وكونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات. هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب. بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لادراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لادراك معانيها أيضا؟ وأما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيئا أصفر فحكمنا بأنه عسل وحلو فيكون الوهم مدركا للحلاوة والصفرة العسل جميعا ليصح الحكم وبأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة. فضعيف لان الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور والمعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة، ولا يلزم كون محل الصور والمعاني قوة واحدة. لكن يشكل بأن مثل هذا الحكم قد يكون للحيوانات العجم التي لا يعلم وجود النفس الناطقة لها. كذا ذكره في شرح المقاصد. وقد يستدل على وجودها بأن في الانسان شيئا ينازع عقله في قضاياه، كما يخاف الانفراد بميت يقتضي عقله الامن منه، وربما يغلب التخويف على التأمين. فهو قوة باطنية غير عقله. وقيل: محل هذه القوة التجويف الأوسط من الدماغ وآلتها الدماغ كله، لأنها الرئيس المطلق في الحيوان، ومستخدمة سائر القوى الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي، فيكون كل الدماغ آلة. لكن الأخص بها التجويف الأوسط، لاستخدامها المتخيلة، ومحلها مؤخر ذلك التجويف ولا يستلزم كون الشئ آلة القوة كونه محلا لها، ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم. الرابع الحافظة وهي للوهم كالخيال للحس المشترك، ووجه تغايرهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ، والحافظة للمعاني غير الحافظة للصور. والكلام فيه كالكلام في ما تقدم. ويسميها قوم " ذاكرة " إذ بها الذكر، أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول، و " متذكرة " إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعدما اندرست. ومحلها أول التجويف الآخر من الدماغ. والخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض، والمفصلة بعضها عن بعض. تركيب الصورة بالصورة كما في قولك " صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص " وتركيب المعنى بالمعنى كما في قولك " ماله هذه العداوة له هذه النفرة " وتركيب الصورة بالمعنى كما في قولك " صاحب هذه الصداقة له هذا اللون " وتفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك " هذا اللون ليس هذا الطعم " وقس على هذا. وقال بعضهم: هي مرتبة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ، من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور والمعاني مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض، فتجمع أجزاء أنواع مختلفة، كجعلها حيوانا من رأس انسان وعنق جمل وظهر نمر، ويفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس، ولا يسكن عن فعلها دائما لا نوما ولا يقظة، وهي المحاكية للمدركات والهيئات المزاجية، وتنتقل إلى الضد والشبيه، فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها، ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما، بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت، فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة، وعند استعمالها إياها بواسطة القوة العقلية بالمفكرة، بها تستنبط العلوم والصناعات، وتقتض الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة. خاتمة قال بعض المحققين: قد علم بالتشريح أن الدماغ بطونا ثلاثة، أعظمها البطن المقدم، وأصغرها البطن الأوسط، وهو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر. فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم، وآلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره، ولما كان الوهم سلطان القوى الحسية ومستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له، وإن كان له اختصاص بآخر التجويف الأوسط. وآلة المتصرفة مقدم التجويف الأوسط، وآلة الحافظة مقدم التجويف الأخير. وأما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شئ من هذه القوى، إذا لا حارس هناك من الحواس الظاهرة، فلو أودع فيه شئ من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة. قال المحقق الشريف: فانظر إلى حكمة البارئ حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية، ووضع تحته ما يحفظها، وأخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك صور وقرنه بما يحفظها، وأقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته وعظمت حكمته انتهى -. وهو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة والغاية، من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا، والخيال خلفه لان خزانة الشئ ينبغي أن يكون كذلك. ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية، والحافظة بعده لأنها خزانته، والمتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور والمعاني فيمكنها الاخذ منهما بسهولة. وأما القوى المحركة فعندهم تنقسم إلى فاعلة وباعثة. أما الباعثة المسماة بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة. والشوقية ذات شعبتين شهوية، وغضبية. لأنها إن حملت الفاعلة على تحريك يطلب بها الأشياء المتخيلة التي اعتقد أنها نافعة - سواء كانت ضارة بحسب الواقع أو نافعة - طلبا لحصول اللذة تسمى قوة شهوانية وإن حملت القوة الشوقية القوى المباشرة على تحريك يدفع به الشئ المتخيل - ضارا كان بحسب الواقع أو مفيدا - دفعا على سبيل الغلبة تسمى قوة غضبية. وأما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن تعد العضلات للتحريك. وكيفية ذلك الاعداد منها أن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو المتحرك، أي يزداد طولا وينتقص عرضا، أو تقبضه بتمديد الأعصاب إلى جهة مبدئها، لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا وينتقص طولا. ثم اعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة، أبعدها القوى المدركة التي هي الخيال أو الوهم في الحيوان، والعقل بتوسطهما في الانسان وفي الفلك - بزعمهم - وتليها القوة الشوقية، وهي الرئيسة في القوة المحركة الفاعلة، كما أن الوهم رئيسة في القوى المدركة. وبعد الشوقية وقبل الفاعلة قوة أخرى هي مبدأ العزم والاجماع المسماة بالإرادة والكراهة، وهي التي تصمم بعد التردد في الفعل والترك عند وجود ما يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما. ويدل على مغايرة الشوق للادراك تحقق الادراك بدونه، وعلى مغايرة الشوق للاجماع أنه قد يكون شوق ولا إرادة. قيل: إنه لا تغاير بينهما إلا بالشدة والضعف، فإن الشوق قد يكون ضعيفا ثم يقوى فيصير عزما، فالعزم كمال الشوق. وما قيل من أنه قد يحصل كمال الشوق بدون الإرادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلم، بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه. ويدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الانسان المشتاق العازم غير قادر على التحريك، وكون القادر على ذلك غير مشتاق. وقال الشيخ المفيد [قدس الله روحه] في كتاب " المسائل ": الحس كله مماسة ما تحس به المحسوس واتصال به أو بما يتصل به أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه، وذلك كالبصر، فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه. ولو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر والحاجز ولما ضرت الظلمة، ولكان وجود ذلك وعدمه في وقوع العلم سواء. فإن قال قائل: أفيتصل شعاع البصر بالمشتري وزحل على بعدهما؟ قيل له: لا، لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما، فيصيران كالشئ الواحد لتجانسهما وتشاكلهما. وأما الصوت فإنه إذا حدث في أول الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة وكذا في ما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع. ومما يدل على ذلك أن القصار يضرب الثوب على الحجر، فترى مماسة الثوب للحجر ويصل الصوت بعد ذلك. فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ. وأما الرائحة فإنه ينفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطاف وتتفرق في الهواء فما صار منه في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه. وأما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان واللهوات ولذلك لا يوجد طعم مالا ينحل منه الشئ كاليواقيت والزجاج ونحوهما. والطعم والرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة. واللمس في الحقيقة هو طلب الشئ ليشعر به، وحقيقته الشعور. وهذه جملة على اعتقادنا وأبي القاسم البلخي وجمهور أهل العدل. وأبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها. وأقول: قال الحكماء [أيضا]: للنفس الناطقة قوى تشارك بها الحيوان الأعجم والنبات، وقوى أخرى أخص يحصل بها الادراك للجزئي، وهي قوى تشارك بها الحيوان الأعجم دون النبات، وهي الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة، ولها قوة أخرى من الأوليين لأنها تختص بالإنسان، وهي قوة يحصل بها الادراك للكلي. فأما القوى التي تشارك بها النبات والحيوان الأعجم فأصولها ثلاثة: اثنتان لأجل الشخص، وهما. الغاذية، والنامية، وواحدة لأجل النوع، وهي المولدة. وهذه القوى الثلاثة تسمى نباتية، لا لاختصاص النبات بها، بل لانحصار قواه فيها وتسمى طبيعية أيضا. فأما الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشاكلة المغتذي، ويتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة أحدها تحصيل جوهر البدل وهي الدم والخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل، وبالالزاق وهو أن يلصق ذلك الحاصل بالعضو ويجعله جزءا منه، وبالتشبيه بالعضو المغتذي حتى في قوامه ولونه. وقد تخل بكل واحد من هذه الأفعال الثلاثة أما الأول فكما في علة تسمى " اطروقيا " وهي عدم الغذاء، وأما الثاني فكما في الاستسقاء اللحمي، وأما الثالث فكما في البرص والبهق، فإن البدل والالصاق موجودان فيهما والتشبه غير موجود. فهذه الأفعال الثلاثة لابد وأن تكون بقوى ثلاث، لكن القوة الغاذية هي مجموعها أو قوة أخرى هي تستخدم كل واحدة منها. والقوة التي بصدر منها التشبيه يسمونها " مغيرة ثانية " وهي واحدة بالجنس في الانسان وغيره من المركبات التي لها أجزاء وأعضاء مختلفة بالحقيقة بمنزلة الأعضاء وتختلف بالنوع، إذ في كل عضو منها قوة تغير الغذاء إلى تشبيه مخالف لتشبيه قوة أخرى. وأما النامية فهي التي تداخل الغذاء بين أجزاء المغتذي، فيزيد في الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية، بأن يزيد في الأعضاء الأصلية أعني ما يتولد عن المني كالعظم والعصب والرباط وغيرها. وبذلك يظهر الفرق بين النمو والسمن، فإن السمن إنما هو زيادة في الأعضاء المتولدة من الدم كاللحم والشحم والسمين، لا في الأعضاء الأصلية. وبقولنا " بنسبة طبيعية " يخرج الورم، فإنه ليس على نسبة طبيعية بل خارج عن المجرى الطبيعي. وأما المولدة فالمراد بها قوتان فوحدتهما اعتبارية كما في الغاذية: إحداهما ما يجعل فضلة الهضم الرابع منيا، وهذه القوة فعلها في الأنثيين، لان ذلك الدم يصير منيا فيها، وثانيهما ما يهيئ كل جزء من المني من الذكر والأنثى في الرحم بعضو مخصوص، بأن يجعل بعضه مستعدا للعظمية، وبعضه مستعدا للعصبية، وبعضه للرباطية إلى غير ذلك. وهذه القوة تسمى " المغيرة الأولى " وفعلها إنما يكون حال كون المني في الرحم، ليصادف ذلك فعل القوة المصورة، لأنها تعد مواد الأعضاء والمصورة تلبسها صورها الخاصة بها. وإنما احتيج إلى هذه القوى، أما إلى الغاذية فلان بقاء البدن بدون الغذاء محال، لان البدن إنما يمكن تكونه من جسم رطب ليكون قابلا للتشكيل والتمديد ولا بد من حرارة عاقدة منضجة محللة للفضول يلزمها لا محالة أن تحلل الرطوبة ويعينها على ذلك الهواء الخارجي والحركات البدنية والنفسانية. فلو لا أن الغذاء يخلف بدل ما يتحلل منه لم يمكن بقاؤه مدة تمام التكون فضلا عما بعد ذلك. وليس يوجد في الخارج جسم إذا مس جسد الانسان استحال بطبيعته، فلا بد إذن من أن يكون للنفس قوة من شأنها أن تحيل الوارد إلى مشابهة جوهر أعضاء البدن ليخلف بذلك بدل ما يتحلل منه، وهي القوة الغاذية. وأما إلى المولدة فلما ثبت من أن الموت ضروري، وحدوث الانسان بالتولد مما يندر وجوده، فوجب أن يكون للنفس قوة تفصل من المادة التي تحصلها الغاذية ما بعده مادة لشخص آخر، ولما كانت المادة المنفصلة أقل من المقدار الواجب لشخص كامل جعلت النفس ذات قوة تضيف من المادة التي تحصلها الغاذية شيئا فشيئا إلى المادة المفصولة، فيزيد بها مقدارها في الأقطار على تناسب طبيعي يليق بأشخاص ذلك النوع إلى أن يتم الشخص. وتخدم الغاذية قوى أربع، هي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة. أما الاحتياج إلى الجاذبة فظاهر، لان الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع الأعضاء، لأنه لا يخلو إما أن يكون ثقيلا فلا يصل إلى الأعضاء العالية، وإما أن يكون خفيفا فلا يصل إلى الأعضاء السافلة ووجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس فإن المنتكس إذا اشتدت حاجته إلى الغذاء يجده ينجذب من فمه إلى المعدة من غير إرادته، بل مع إرادة إمساكه في فمه. وأيضا إن الحلو يخرج بالقئ بعد غيره وإن تناوله أولا، وما ذلك إلا بجذب المعدة اللذيذة إلى قعرها. وأيضا الرحم إذا كانت خالية عن الفضول بعيدة العهد من الجماع يحس الانسان وقت الجماع أن إحليله ينجذب إلى الداخل. وأما إلى الماسكة فلان الغذاء لابد فيه من الاستحالة حتى يصير شبيها بجوهر المغتذي، والاستحالة حركة، وكل حركة في زمان، فلا بد من زمان في مثله يستحيل الغذاء إلى جوهر المغتذي. ولان الخلط جسم رطب سيال استحال أن يقف بنفسه زمانا، فلا بد من قاسر يقسره على الوقوف، وذلك القاسر هو الماسكة. ووجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس، فإن أرباب التشريح قالوا: إذا شرحنا الحيوان حال ما تناول الغذاء وجدنا معدته محتوية على الغذاء بحيث لا يمكن أن يسيل من ذلك الغذاء شئ. وأيضا قالوا: إذا شققنا بطن الحامل من تحت السرة وجدنا رحمها منضمة انضماما شديدا بحيث لا يسع أن يدخل فيها طرف الميل. وأيضا فإن المني إذا استقر في الرحم لا ينزل عنها مع ثقله. وأما إلى الهاضمة فلان إحالة القوة المغيرة إنما يكون لما هو متقارب الاستعداد للصورة العضوية، وإنما يكون ذلك بعد فعل القوة التي تجعله متقارب الاستعداد، وتلك هي القوة الهاضمة. ومراتب الهضم أربع: أولها في المعدة، فإن الغذاء يصير فيها كيلوسا أي جوهرا شبيها بماء الكشك الثخين إما بمخالطة المشروب وذلك في أكثر الحيوانات وإما بلا مخالطة المشروب كما في جوارح الصيد. وابتداء ذلك الهضم في الفم، ولهذا كانت الحنطة الممضوغة تفعل في إنضاج الدماميل مالا تفعله المطبوخة ولا المدقوقة المخلوطة باللعاب. وثانيها في الكبد، فإن الكيلوس إذا تم انهضامه في المعدة انجذبت لطائفة بالعروق المسماة بالماساريقا إلى الكبد، وتداخلت في العروق المتصغرة المتضائلة المنتشرة في جميع أجزاء الكبد بحيث يلاقي الكبد بكلية الكيلوس، فينهضم هناك انهضاما ثانيا، وتتخلع صورته النوعية الغذائية ويستحيل إلى الاخلاط ويسمى كيموسا، وابتداء هذا الهضم في الماساريقا. وثالثها في العروق، وابتداؤه من حين صعود الخلط في العرق العظيم الطالع من حدبة الكبد. ورابعها في الأعضاء وابتداؤه من حين ما ترشح الدم من فوهات العروق. وأما إلى الدافعة فلانه ليس غذاء يصير بتمامه جزءا من المغتذي، بل يفضل منه ما يضيق المكان، ويمنع ما يرد من الغذاء عن الوصول إلى الأعضاء، ويوجب ثقل البدن، بل يفسد ويفسد، فلا بد من قوة تدفع تلك الفضلات. ووجودها ظاهر عند الحس في حال التبرز والقئ وإراقة البول. وقد تتضاعف هذه القوى لبعض الأعضاء كما للمعدة، فإن فيها الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة بالنسبة إلى غذاء جميع البدن، وفيها أيضا هذه القوى بالنسبة إلى ما تغتدي به خاصة. ثم اعلم أن الحكماء عدوا من القوى المولدة القوة المصورة، وأنكرها جماعة منهم المحقق الطوسي - قدس سره - والفخر الرازي والغزالي وغيرهم. قال في المقاصد: المولدة هي قوة شأنها تحصيل البزر [1]، وتفصيله إلى أجزاء مختلفة وهيئات مناسبة، وذلك بأن يفرز جزءا من الغذاء بعد الهضم التام ليصير مبدءا لشخص آخر من نوع المغتذي أو جنسه. ثم يفصل ما فيه من الكيفيات المزاجية، فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو، ثم يفيده بعد الاستحالات، الصور والقوى والاعراض الحاصلة للنوع الذي انفصل عنه البزر أو لجنسه كما في البغل. والمحققون على أن هذه الأفعال مستندة إلى قوى ثلاث بينوا حالها على ما عرفت في الانسان وكثير من الحيوانات: الأولى التي تجذب الدم إلى الأنثيين وتتصرف فيه إلى أن يصير منيا، وهي لا تفارق الأنثيين وتخص باسم المحصلة. والثانية التي تتصرف في المني فتفصل كيفياتها المزاجية وتمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو، فتعين للعصب مثلا مزاجا خاصا، للشريان مزاجا خاصا وللعظم مزاجا خاصا، وبالجملة تعد مواد الأعضاء، وتخص هذه باسم المفصلة والمغيرة الأولى، تمييزا عن المغيرة التي هي من جملة الغاذية. والثالثة التي تفيد تمييز الاجزاء وتشكيلها على مقاديرها وأوضاع بعضها عن بعض وكيفياتها، وبالجملة تلبس كل عضو صورته الخاصة به يستكمل وجود الأعضاء وهذه تخص باسم المصورة، وفعلها إنما يكون في الرحم - انتهى -. وقال المحقق الطوسي - قدس سره -: والمصورة عندي باطلة، لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا - انتهى -. والغزالي بالع في ذلك حتى أبطل القوى مطلقا، وادعى أن الأفعال المنسوبة إلى القوى صادرة عن ملائكة موكلة بهذه الأفعال تفعلها بالشعور والاختيار، كما هو ظاهر النصوص الواردة في هذا الباب. وقال الشارح القوشجي بعد إيراد الكلام المتقدم: يرد عليه أنا لا نسلم أن المصورة قوة واحدة بسيطة، لم لا يجوز أن تكون وحدتها بالجنس؟ كما أن المغيرة واحدة بالجنس مختلفة بالنوع. ولو سلم فلم لا يجوز أن يكون صدور هذه الأفعال عنها بحسب استعداد المادة؟ فإن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع في الأعضاء، ففضلة هضم كل عضو إنما تستعد لصورة ذلك العضو. لكن الانصاف أن تلك الأفعال المتقنة المحكمة على النظام من الصور العجيبة والاشكال الغريبة والنقوش المؤتلفة والألوان المختلفة وما روعي فيها من حكم ومصالح لقد تحيرت فيها الأوهام، وعجزت عن إدراكها العقول والافهام، قد بلغ المدون منها - كما علم في علم التشريح ومنافع خلقة الناس - خمسة آلاف، مع أن ما لم يعلم منها أكثر مما قد علم، كما لا يخفى على ذي حدس كامل. كما لا يكاد يذعن العقل بصدورها عن القوة التي سموها " مصورة " وإن فرضنا كونها مركبة والمواد مختلفة، بل يحكم بأن أمثال تلك الأمور لا يمكن أن تصدر إلا عن حكيم عليم خبير قدير. ثم أطال الكلام في الاعتراض على دلائلهم في إثبات تلك القوى وتعددها تركناها مخافة الاطناب والاسهاب. {47 باب} * (ما به قوام بدن الانسان وأجزائه وتشريح أعضائه ومنافعها وما يترتب) * * (عليها من أحوال النفس) *
الهوامش17
[2]الكرى - بفتحتين -: النعاس.ص 255
[3]أي لا يبالي ولا يهتم به، وفى نسخة " لا يحتمل به " وفى أخرى " ولا بمجفل به "ص 255
[1]الصبية - بالتثليث: جمع الصبي.ص 256
[2]في بعض النسخ " لا قضاء " وهو تصحيف.ص 256
[1]في بعض النسخ، ولم ينتفع بصفته فلم يكن.ص 260
[2]الفظيعة (خ).ص 260
[1]أو (خ)ص 261
[1]للبعيد (ح).ص 263
[1]فتتواخى (خ).ص 268
[2]الطبيعية (ظ).ص 268
[1]الرخمة - بالتحريك -: طائر من الجوارح العظيمة الجثة.ص 271
[1]ارتسامهما (خ).ص 273
[2]ارتسامهما (خ).ص 273
[1]تغايرها (خ).ص 277
[1]منها (خ).ص 278
[1]في بعض النسخ " شوقا " والصواب ما في المتن.ص 279
[1]في أكثر النسخ " تقتضي " وهو تصحيف.ص 284