وعن ابن مسعود قال:
Show clickable narrator chain
لما كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن في يده شعلة من نار فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن فلا يزداد إلا قربا، فقال له جبرئيل: ألا أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفئ شعلته؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. فقالها فانكب لفيه وطفيت شعلته . تتمة: تشمل على فوائد جمة: الأولى: لا خلاف بين الامامية بل بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة يرون في بعض الأحيان ولا يرون في بعضها، ولهم حركات سريعة وقدرة على أعمال قوية ويجرون في أجساد بني آدم مجرى الدم، وقد يشكلهم الله بحسب المصالح بأشكال مختلفة وصور متنوعة كما ذهب إليه السيد المرتضى رضي الله عنه، أو جعل الله لهم القدرة على ذلك كما هو الأظهر من الأخبار والآثار. قال صاحب المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة - وساق الكلام إلى قوله: - والجن أجسام لطيفة هوائية متشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء النفس في الفساد والغواية بتذكير أسباب المعاصي واللذات وإنساء منافع الطاعات وما أشبه ذلك على ما قال تعالى حكاية عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وقيل: تركيب الأنواع الثلاثة من امتزاج العناصر الأربعة إلا أن الغالب على الشيطان عنصر النار، وعلى الآخرين عنصر الهواء، وذلك أن امتزاج العناصر قد لا يكون على القرب من الاعتدال بل على قدر صالح من غلبة أحدهما، فان كانت الغلبة للأرضية يكون الممتزج مائلا إلى عنصر الأرض، وإن كانت للمائية فإلى الماء أو للهوائية فإلى الهواء أو للنارية فإلى النار، لا يبرح ولا يفارق إلا بالاجبار، أو أبان يكون حيوانا فيفارق بالاختيار، وليس لهذه الغلبة حد معين بل تختلف إلى مراتب بحسب أنواع الممتزجات التي تسكن هذا العنصر، ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين بحيث يدخلون المنافذ والمضايق حتى أجواف الانسان ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي تغلب عليها الأرضية والمائية جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الناس أو غيره من الحيوانات، والملائكة كثيرا ما تعاون الانسان على أعمال يعجز هو عنها بقوته كالغلبة على الأعداء والطيران في الهواء والمشي على الماء، ويحفظه خصوصا المضطرين عن كثير من الآفات. وأما الجن والشياطين فيخالطون بعض الأناسي ويعاونونهم على السحر والطلسمات والنيرنجات، ثم تعرض لدفع الشبهة الواردة على هذا القول وهي أن الملائكة والجن والشياطين إن كانت أجساما ممتزجة من العناصر يجب أن تكون مرئية لكل سليم الحس كسائر المركبات وإلا لجاز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة وأصوات هائلة لا نبصرها ولا نسمعها، والعقل جازم ببطلان ذلك على ما هو شأن العلوم العادية وإن كانت غلبته اللطيف بحيث لا تجوز رؤية الممتزج يلزم أن لا يروا أصلا، وأن تتمزق أبدانهم وتنحل تراكيبهم بأدنى سبب، واللازم باطل لما تواتر من مشاهدة بعض الأولياء والأنبياء إياهم ومكالمتهم ومن بقائهم زمانا طويلا مع هبوب الرياح العاصفة والدخول في المضائق الضيقة، وأيضا لو كان من المركبات المزاجية لكانت لهم صور نوعية وأمزجة مخصوصة تقتضي أشكالا مخصوصة كما في سائر الممتزجات، فلا يتصور التصور بأشكال مختلفة . والجواب: منع الملازمات: أما على القول باستناد الممكنات إلى القادر المختار فظاهر، لجواز أن يخلق رؤيتهم في بعض الابصار والأحوال دون البعض، وأن يحفظ بالقدرة والإرادة تركيبهم ويبدل أشكالهم. وأما على القول بالايجاب فلجواز أن يكون فيهم من العنصر الكثيف ما يحصل منه الرؤية لبعض الابصار دون البعض وفي بعض الأحوال دون البعض، أو يظهروا أحيانا في أجسام كثيفة هي بمنزلة الغشاء والجلباب لهم فيبصروا وأن يكون نفوسهم أو أمزجتهم أو صورهم النوعية تقتضي حفظ تركيبهم عن الانحلال وتبدل أشكالهم بحسب اختلاف الأوضاع والأحوال ويكون فيهم من الفطنة والذكاء ما يعرفون به جهات هبوب الرياح وسائر أسباب انحلال التركيب، فيحترزون عنها ويأوون إلى أماكن لا يلحقهم ضرر. وأما الجواب بأنه يجوز أن تكون لطافتهم بمعنى الشفافية دون رقة القوام فلا يلائم ما يحكى عنهم من النفوذ في المنافذ الضيقة والظهور في ساعة واحدة في صور مختلفة بالصغر والكبر ونحو ذلك. ثم ذكر مذاهب الحكماء في ذلك فقال: والقائلون من الفلاسفة بالجن والشيطان زعموا أن الجن جواهر مجردة لها تصرف وتأثير في الأجسام العنصرية من غير تعلق بها تعلق النفوس البشرية بأبدانها والشياطين هي القوى المتخيلة في أفراد الانسان من حيث استيلائها على القوى العقلية وصرفها عن جانب القدس واكتساب الكمالات العقلية إلى اتباع الشهوات واللذات الحسية والوهمية. ومنهم من زعم أن النفوس البشرية بعد مفارقتها عن الأبدان وقطع العلاقة عنها إن كانت خيرة مطيعة للدواعي العقلية فهم الجن، وإن كانت شريرة باعثة على الشرور والقبائح معينة على الضلال والانهماك في الغواية فهم الشياطين وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله تعالى و كلام الأنبياء عليهم السلام وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء فلا وجه لنفيها كما لا سبيل إلى إثباتها بالأدلة العقلية، ثم ذكر طريقة المتألهين من الحكماء وقولهم بالعالم بين العالمين وعالم المثال، وانهم جعلوا الملائكة والجن والشياطين والغيلان من هذا العالم وقد مضى بعض الكلام فيه. الثانية: اختلف أصحابنا والمخالفون في أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟ فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أصحابنا وغيرهم أنه لم يكن من الملائكة، وقد مرت الأخبار الدالة عليه. قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المقالات: إن إبليس من الجن خاصة وإنه ليس من الملائكة ولا كان منها، قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " وجاءت الاخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام بذلك، وهو مذهب الإمامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث انتهى. وذهب طائفة من المتكلمين إلى أنه منهم، واختاره من أصحابنا شيخ الطائفة روح الله روحه في التبيان وقال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام والظاهر في تفاسيرنا، ثم قال رحمه الله: ثم اختلف من قال: كان منهم. فمنهم من قال: إنه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، ومنهم من قال: إنه كان يوسوس ما بين السماء والأرض انتهى. واحتج الأولون بوجوه: أحدها قوله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " قالوا: ومتى أطلق لفظ الجن لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف الذي يقابل بالانس في الكتاب الكريم. وأجيب عنه بوجهين: الأول أن معنى " كان من الجن " صار من الجن كما أن قوله: " وكان من الكافرين " معناه صار من الكافرين ذكر ذلك الأخفش وجماعة من أهل اللغة. الثاني: أن إبليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة وقيل: سموا جنا لاجتنانهم من العيون، واستشهدوا بقول الأعشى في سليمان عليه السلام: وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر ورد الأول بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا لدليل . وثانيها: قوله تعالى: " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " فنفى عن الملائكة المعصية نفيا عاما فوجب أن لا يكون إبليس منهم. وأجيب عنه بأنه قوله تعالى: " لا يعصون " صفة لخزنة النيران لا لمطلق الملائكة يدل عليه قوله تعالى: " عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم " ولا يلزم من كونهم معصومين كون الجميع كذلك، ويرد عليه أن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة كثيرة وقد مر كثير منها. وثالثها: أن إبليس له نسل وذرية قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " والملائكة لا ذرية لهم لأنه ليس فيهم أنثى لقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " والذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى. ويمكن الجواب عنه بعد تسليم دلالة الآية على السلب الكلي بأن انتفاء الأنثى فيهم لا يدل على انتفاء الذرية، كما أن الشياطين ليس فيهم أنثى مع أن لهم ذرية كما مر أن ذرية إبليس من نفسه وأنه يبيض ويفرخ. وقال الشيخ رحمه الله في التبيان: من قال: إن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون، فقد عول على خبر غير معلوم . ورابعها: أن الملائكة رسول الله لقوله: " جاعل الملائكة رسلا " ورسل الله معصومون لقوله سبحانه ": الله أعلم حيث يجعل رسالته " ولا يجوز على رسل الله الكفر والعصيان ملائكة كانوا أم بشرا. وأجيب بأنه ليس المراد بالآية العموم لقوله تعالى: " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " قال في التبيان: وكلمة " من " للتبعيض بلا خلاف . ولو لم يكن كذلك لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله تعالى: " إلا إبليس " لأن حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز كما أن تخصيص العموم مجاز وإذا تعارضا سقطا لو لم يكن التخصيص أولى . واستدلوا على مغايرة الجن للملائكة بأن الملائكة روحانيون مخلوقون من الريح في قول بعضهم ومن النور في قول بعضهم ولا يطعمون ولا يشربون، والجن خلقوا من النار لقوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وقد ورد في الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث لكونهما طعاما لهم ولدوابهم. وأجيب بمنع المقدمات، قال في التبيان: الأكل والشرب لو علم فقدهما في الملائكة فلا نعلم أن إبليس كان يأكل ويشرب، وقد قيل: إنهم يتشمون الطعام ولا يأكلونه انتهى. واستدل أيضا بقوله تعالى: " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون " وعورض بقوله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " لأن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم بقوله: " سبحان الله عما يصفون " وأجيب بالمنع فإنه فسرت الآية بوجوه أخرى: منها أن المراد به قول الزنادقة: إن الله وإبليس أخوان أو إن الله خلق النور والخير والحيوان النافع، وإبليس خلق الظلمة والشر والحيوان الضار، وبعضهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى، وذلك هو النسب الذي جعلوه بينه سبحانه وبين الجنة. ومنها أنهم قالوا: صاهر الله الجن فحدثت الملائكة. واحتج القائلون بأنه من الملائكة بوجهين: الأول أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد اخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب كونه من الملائكة. وأجيب بأن الاستثناء ههنا منقطع، وهو مشهور في كلام العرب، كثير في كلامه تعالى، قال سبحانه: " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما " وقال: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " وأيضا فلانه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة فغلبوا عليه في قوله: " فسجدوا " ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم وقد كان مأمورا بالسجود معهم، فلما دخل معهم في الأمر جاز اخراجه بالاستثناء منهم. ورد بأن كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا حمل الاستثناء على المنقطع، ومعلوم أن تخصيص العموم أكثر في كتاب الله من حمل الاستثناء على المنقطع فكان قولي أولى، وأما قولكم: إنه جني واحد بين الألوف من الملائكة فغلبوا عليه فنقول: إنما يغلب الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه، وأما إذا كان معظم الحديث ليس إلا عن ذلك الواحد لم يجز تغليب غيره عليه، وفيه نظر. الثاني أنه لو لم يكن من الملائكة لما كان قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا " متناولا له، فلا يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية، ولما استحق الذم والعقاب فعلم أن الخطاب كان متناولا له، ولا يتناوله الخطاب إلا إذا كان من الملائكة. وأجيب بأنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ منهم وطالت خلطته بهم والتصق بهم فلا جرم تناوله ذلك الخطاب، وأيضا يجوز أن يكون مأمورا بالسجود بأمر آخر ويكون قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " إشارة إلى ذلك الأمر، ورد الأول بأن مخالطته لهم لا يوجب توجه الخطاب إليه كما حقق في موضعه، والثاني بأن ظاهر قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " الآية أن الاباء والعصيان إنما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر. هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام. لكن الظاهر من أكثر الأخبار والآثار عدم كونه من الملائكة، وإنه لما كان مخلوطا بهم وتوجه الخطاب إليهم شمله هذا الخطاب، وقوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة " مبني على التغليب الشايع في الكلام وأما ما يشعر به كلام الشيخ رحمه الله في التبيان من ورود الأخبار بأن إبليس كان من الملائكة فلم نظفر بها وإن ورد في بعضها فهو نادر مأول. وقال رحمه الله: وأما ما روي عن ابن عباس من أن الملائكة كانت تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة فتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا إلا إبليس فلذلك قال تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " فإنه خبر واحد لا يصح، والمعروف عن ابن عباس أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين . الثالثة: لا خلاف في أن الجن والشياطين مكلفون، وأن كفارهم في النار معذبون، وأما أن مؤمنهم يدخلون الجنة فقد اختلف فيه العامة، ولم أر لأصحابنا فيه تصريحا. قال علي بن إبراهيم في تفسيره: سئل العالم عليه السلام عن مؤمني الجن يدخلون الجنة؟ فقال: لا، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنوا الجن وفساق الشيعة . ولا خلاف في أن نبينا صلى الله عليه وآله مبعوث عليهم، وأما سائر أولي العزم عليهم السلام فلم يتحقق عندي بعثهم عليهم نفيا أو إثباتا، وإن كان بعض الأخبار يشعر بكونهم مبعوثين عليهم، ولا بد في إثبات الحجة عليهم من بعثة نبي عليهم منهم أو بعثة الأنبياء من الانس عليهم أيضا، وقد مر أنه بعث فيهم نبي يقال له: يوسف، وقد مضى كلام الطبرسي رحمه الله والأقوال التي ذكرها في ذلك. الرابعة: فيما ذكره المخالفون في ذلك ورواياتهم التي رووها في خواصهم و أنواعهم وأحكامهم، قال الدميري في كتاب حياة الحيوان: إن الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الكلام والأعمال الشاقة وهم خلاف الانس، الواحد جني، ويقال: إنما سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى وروى الطبراني باسناد حسن عن ثعلبة الحسني أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حياة، وصنف يحلون ويظعنون، وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الاسناد وروى أبو الدنيا في كتاب مكائد الشيطان من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف حياة وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب، وخلق الله الانس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها، وله آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. وأجمع المسلمون على أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الانس، قال الله تعالى: " وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " والجن بلغهم القرآن، وقال تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " الآية، وقال: " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا " قال: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وما أرسلناك إلا كافة للناس " وقال الجوهري: الناس قد تكون من الجن والإنس، وقال تعالى خطابا لفريقين: " سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان " والثقلان: الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب وقال: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " ولذلك قيل: إن من الجن مقربين و أبرارا، كما أن من الانس كذلك، وخالف في ذلك أبو حنيفة والليث فقال: ثواب وقال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ذكر الآية بتمامها. المؤمنين منهم أن يجاروا من العذاب، وخالفهم الأكثرون حتى أبو يوسف ومحمد وليس لأبي حنيفة والليث حجة إلا قوله تعالى: " يجركم من عذاب أليم " وقول: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا " فلم يذكر في الآيتين ثوابا غير النجاة من العذاب. والجواب من وجهين: أحدهما أن الثواب مسكوت عنه. والثاني أن ذلك من قول الجن، ويجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلى علي ذلك وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب، وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الانس بل يكونون في ربضها ، وفي الحديث عن ابن عباس: قال: الخلق كلهم أربعة أصناف فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة، وخلق في النار كلهم وهم الشياطين، وخلق في الجنة والنار وهم الجن والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب، وفيه شئ : وهو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة. ومن المستغربات ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة، فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب. ويدل على عموم بعثته صلى الله عليه وآله من السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أعطيت جوامع الكلم وأرسلت إلى الناس كافة. وفيه: من حديث جابر: وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وفيه: عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، قال: أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم، قال: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن. وروى الطبراني باسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فسكت القوم ولم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى يتباعد عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز وإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق ، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله صلى الله عليه وآله بإبهام رجله في الأرض خطا وقال لي: اقعد في وسطه، فلما جلست ذهب عنى كل شئ أجده من ريبة، وبقي صلى الله عليه وآله بيني وبينهم فتلا قرآنا رفيعا حتى طلع الفجر ثم أقبل حتى مر بي فقال: الحق بي، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال : التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟ قلت يا رسول الله أرى سوادا كثيرة، فخفض رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إلى الأرض فنظم عظما بروثة فرمى به إليهم، ثم قال: هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة. قال الزبير: ولا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة. ثم روى أيضا عن ابن مسعود قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة فقال: إن نفرا من الجن خمسة عشر بنو إخوة وبنو عم يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه وقال: لا تخرجن من هذا فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله من السحر وفي يده عظم حائل وروثة وجمجمة، وقال: إذا أتيت الخلا فلا تستنج بشئ من هذا، قال فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا. وفي كتاب خبر البشر بخير البشر للعلامة محمد بن ظفر عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بمكة: من أحب منكم أن يحصر الليلة أمر الجن ؟ فانطلقت معه حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي خطا ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسود كثيرة فحالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل الرهط؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه، ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث. وفي إسناده ضعف. وفيه أيضا عن بلال بن الحارث. قال: نزلنا مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره بالعرج فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا وخصومة رجال لم أسمع أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله وهو يضحك فقال: اختصم إلي الجن المسلمون والجن المشركون وسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المشركين الغور كل مرتفع من الأرض: جلس ونجد، وكل منخفض غور وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال: انطلق النبي صلى الله عليه وآله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب؟ قالوا : ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن أنصتوا ، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ورجعوا إلى قومهم فقالوا: " إنا سمعنا قرآنا عجبا " الآيتين . وهذا الذي ذكره ابن عباس أول ما كان من أمر الجن مع النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله رآهم إذ ذاك، إنما أوحي إليه بما كان منهم. روى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما وتزوجت امرأته ثم أتى المدينة فسأله عمر عن ذلك فقال: اختطفتني الجن فلبثت فيهم زمانا طويلا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا وسبوني معهم فقالوا: نراك رجلا مسلما ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم أو القفول إلى أهلي فاخترت أهلي، فأتوا بي إلى المدينة، فقال له عمر: ما كان طعامهم ؟ الظاهر أن الحديث ينتهى بذلك، والباقي كلام الدميري. قال: الفول وما لم يذكر اسم الله عليه قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجذف، وهو الرغوة لأنها تجذف عن الماء، وقيل: نبات يقطع ويؤكل، وقيل: كل إناء كشف عنه غطاؤه. وأما الاجماع فنقل ابن عطية وغيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى الثقلين. فان قيل: لو كانت الاحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي صلى الله عليه وآله يتعلمونها ، ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة. قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون، ويكون صلى الله عليه وآله يراهم هو، ولا يراهم أصحابه، فان الله تعالى يقول عن رأس الجن: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " فقد يراهم هو صلى الله عليه وآله بقوة يعطيها الله له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة الشيطان الذي يسرق من زكاة رمضان، كما رواه البخاري. فان قيل: فما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن؟ قلنا عجب أن يثبت ذلك عمن صدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة يريد أن يقطع علي صلاتي فذعته - بالذال المعجمة والعين المهملة أي خنقته - وأردت أن أربطه في سواري المسجد فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام وقال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا. وقال: لا يسمع نداء صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة. وروى المسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير. وروي: فأسلم بفتح الميم وضمها وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وأجمعت الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، وأعلمنا أنه معنا لنتحرز منه بحسب الامكان، والأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر، ثم إنه أمر لا يحيله العقل ولا يكذبه الحس، ولذلك جرت التكاليف عليهم، ومما اشتهر أن سعد بن عبادة لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر سار إلى الشام فنزل حوران وأقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران وأنهم لم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرميناه بسهمين ولم نخط فؤاده. فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرا. فقال له: انه خاف أن تقتله الجن! وروي عن حجاج بن علاط السلمي أنه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخوف موحش فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا لأصحابك، فجعل لا ينام بل يطوف بالركب ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي * من كل جني بهذا النقب حتى أعود سالما وركبي فسمع قائلا يقول: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض " الآية ، فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت يا أبا كلاب، إن هذا يزعم أنه انزل على محمد ، فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي ثم أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة وابتنى بها مسجدا يعرف به. وقال محمد بن الحسن الأبرسي: قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " إلا أن يكون الزاعم نبيا. وعد ابن سعد والطبراني والحافظ وأبو موسى وغيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال: خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب، فلم نلبث أن ماتت فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟ قلنا: ما نعرفه، قال: أيكم صاحب الجان؟ قالوا: هذا، قال: جزاك الله خيرا أما إنه كان آخر التسعة الجن الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وآله موتا. وكذا رواه الحاكم في المستدرك. وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عليه فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتي له من الليل فسلم عليه وشكر وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا صالحا من جن نصيبين اسمه زوبعة. قال: وبلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا حية ميتة فكفنها فضلة من ردائه فإذا قائل يقول: يا سرق أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال: ومن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا من الجن الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبق منهم إلا أنا وهذا الذي قد مات . وروى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر قال: قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإنس والجن فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر أستقي منها فلقيت الشيطان في صورته حتى قاتلني فصرعته ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: إن عمارا لقي الشيطان عند بئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، وكان أبو هريرة يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وهذا الذي أشار إليه البخاري بما رواه عن إبراهيم النخعي قال: ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال: اللهم ارزقني جليسا صالحا، فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه؟ يعني عمارا، قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السواك أو السوار ؟ قلت: بلى، قال: كيف كان عبد الله يقرأ: " والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى "؟ قلت: " والذكر والأنثى " الحديث. وفي كتاب خبر البشر بخير البشر: عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا حية بيضاء تثني علي الطريق يفوح منها ريح المسك فقال: قلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أرى ماذا يصير إليه أمره، فما لبثت أن ماتت فظننت به الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنته في خرقة ثم نحيتها عن الطريق وأدركت أصحابي في المتعشى، قال: فوالله أنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمروا؟ فقلنا: من عمرو؟ فقالت: أيكم دفن الحية؟ قال: قلت؟ أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما يؤمن بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة، قال: فحمدت الله ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر فأخبرته خبر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيه هذا. فيه أيضا عن ابن عمر قال: كنت عند عثمان إذ جاءه رجل فقال: ألا أحدثك بعجب ؟ قال: بلى، قال: بينما أنا بفلاة من الأرض رأيت عصابتين قد التقتا ثم افترقتا قال: فجئت معتركهما قال: فإذا أنا من الحيات شئ ما رأيت مثله قط، وإذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، وظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها فلففتها في عمامتي ثم دفنتها فبينما أنا أمشي إذا مناديا ينادي: هداك الله إن هذين حيان من أحياء الجن كان بينهما قتال، فاستشهدت الحية التي دفنت وهو من الذين استمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفيه أيضا: أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: كان تابع من الجن وكان إذا اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما فجاءني يوما فوقع على الجدار ولم يصنع كما يصنع، فقلت له: ما بالك لم تصنع كما كنت تصنع صنيعك قبل؟ فقال: إنه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا. وروى أبو بكر في رباعياته والقاضي أبو يعلى عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال: دخلت على طرطوس فقيل له : ههنا امرأة يقال لها: نهوس رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها، فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، حدثني علية بن سمحج وسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما من مريض يقرأ على حوت من نور يتلجلج في النور، قالت: قال: تعنى سمحج وسمعته صلى الله عليه وآله يقول: ما من مريض. عنده يس إلا مات ودخل قبره ريانا وحشره يوم القيامة ريانا . وفي أسد الغابة: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من جبال مكة إذ أقبل شيخ متكئ على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وآله: مشية جني ونغمته قال: أجل، قال: من أي الجن؟ قال: أنا هامة بن الهيم أو أبي هيم بن لاقيس بن إبليس، قال: لا أرى بينك وبينه إلا أبوين، قال: أجل. قال: كم أتى عليك؟ قال: أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أستوي على الآكام وأورش بين الأنام، فقال صلى الله عليه وآله: بئس العمل، فقال: يا رسول الله دعني من العتب فاني ممن آمن بنوح عليه السلام وتبت على يديه، وإني عاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: إني والله من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولقيت هودا وآمنت به ولقيت إبراهيم وكنت معه في النار إذ القي فيها، وكنت مع يوسف إذ القي في الجب فسبقته إلى قعره وكنت مع شعيب وموسى ولقيت عيسى بن مريم وقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأه مني السلام، وقد بلغت رسالته وآمنت بك، فقال رسول الله: وعلى عيسى وعليك السلام ما حاجتك يا هامة؟ قال: إن موسى علمني التوارة، وإن عيسى علمني الإنجيل فعلمني القرآن فعلمه. وفي رواية: علمه عشر سور من القرآن، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينعه إلينا فلا نراه والله أعلم إلا حيا. وفيه أيضا أن عمر بن الخطاب قال ذات يوم لابن عباس: حدثني بحديث تعجبني به، فقال: حدثني خريم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في أبرق الغراف وسمي بذلك بأنه يسمع به غريف الجن قال: فعقلتها وتوسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان، وفي رواية: بكبير هذا الوادي، وإذا بهاتف يهتف ويقول: تعوذن بالله ذي الجلال * منزل الحرام والحلال ووحد الله ولا تبال * ما هول ذي الجن من الأهوال فقلت: يا أيها الداعي ما تخييل * أرشد عنك أم تضليل؟ فقال: هذا رسو الله ذو الخيرات * جاء بياسين وحاميمات وسور بعد مفصلات * يدعو إلى الجنة والنجاة يأمر بالصوم وبالصلاة * ويزجر الناس عن الهنات قال: فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله على جن أهل نجد، قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به، قال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء الله فاقتعدت بعيرا منها حتى أتيت النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة فاني أنيخ راحلتي إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وآله: ادخل فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك ألبث حتى يفرغ من خطبته فإذا أبو ذر قد خرج فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أرسلني إليك وهو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني اسلامك فادخل فصل مع الناس، قال: فتطهرت و دخلت فصليت ثم دعاني وقال: ما فعل. أن يرد إبلك إلى أهلك؟ أما إنه قد أداها إلى أهلك سالمة، فقلت: رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أجل رحمه الله فأسلم وحسن إسلامه. وفي مسند الدارمي عن الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: لقي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الانسي فقال له الانسي: إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا والله إني من بينهم لضليع، ولكن عاودني الثانية فان صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم، قال: فعاوده فصرعه فقال له: أتقرأ: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم "؟ قال: نعم، قال: فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخل حتى يصبح. قال الدارمي: الضئيل: الرقيق والشخيت: المهزول. والضليع: جيد الأضلاع. والخبج: الريح. قال أبو عبيدة: الخبج: الضراط. ثم قال الدميري: يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا، سواء كانوا من الجن أو من الانس أو منهما. قال القمولي: لكن نقل في مناقب الشافعي: إنه كان يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن ردت شهادته، وعزر لمخالفته قوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " إلا أن يكون الزاعم نبيا، ويحمل قوله على من ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه، وقول القمولي على ما إذا تصورا صور بني آدم. والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا يتناسلون لأنهم ليس فيهم إناث، وقيل: الجن جنس وإبليس واحد منهم، ولا شك أن لهم ذرية بنص القرآن ومن كفر من الجن يقال له: شيطان. وفي الحديث: لما أراد الله تعالى أن يخلق لإبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منه امرأته. ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل جمال ومعه دن فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم، قال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته، قال: ثم ذكرت قوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " فقلت: إنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم، فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيته يختبرني . وروي أن الله تعالى قال لإبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس أحد من ولد آدم إلا وله شيطان قد قرن به. وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والإناث يتوالدون من ذلك، وأما إبليس فان الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات . وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس وولها وهو صاحب الطهارة والصلاة، والهفاف وهو صاحب الصحارى، ومرة به يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق ويزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلعة. وبثر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فان أكل ولم يذكر اسم الله تعالى أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله ورأي شيئا يكره فليقل: " داسم داسم أعوذ بالله منه " ومطرش وهو صاحب الاخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يكن لها أصل ولا حقيقة. والأقبض وأمهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم، ويقال: إنه باض ثلاثين بيضة: عشرا في المشرق، وعشرا في المغرب، وعشرا في وسط الأرض، وإنه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان و أسماء مختلفة، كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " إلا من آمن منهم، وكنية إبليس أبو مرة. واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن أم ليس من الملائكة، وفي أنه اسم عربي أو عجمي ، فقال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جريح والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن وكان اسمه بالعبرانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض نعوذ بالله من خذلانه، قالوا: وقوله تعالى: " كان من الجن " أي من طائفة من الملائكة هم الجن . وقال ابن جبير والحسن: لم يكن من الملائكة طرفة عين وانه لأصل الجن كما أن آدم أصل الانس. وقال عبد الرحمن بن زيد وشهر بن حوشب : وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء. وقال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله، والصحيح كما قاله الامام النووي وغيره من الأئمة الاعلام: أنه من الملائكة وأنه اسم أعجمي، والاستثناء متصل لأنه لم يقل: : إن غيرهم امر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه. وقال القاضي عياض: الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، والاستثناء من غير الجنس شايع في كلام العرب، قال تعالى: " ما لهم به علم إلا اتباع الظن " والصحيح المختار على ما سبق عن النووي ومن وافقه، وعن محمد بن كعب القرظي: إنه قال: الجن مؤمنون والشياطين كفار وأصلهم واحد، وسئل وهب بن منبه عن الجن ما هم؟ وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون في الدنيا ولا يتوالدون ولهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون وهم السعالى والغيلاب والقطارب وأشباه ذلك. وقال القرافي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم عليه السلام وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كذلك، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا، وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء فضلا عن غيرهم، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبة الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، وأظهر ذلك من فحوى قوله: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " ومراده على ما قاله الأئمة المحققون من المفسرين وغيرهم؟ أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، فهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى وتنزه كافر. واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أولا؟ فقيل: لا وإنه أول من كفر، قيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض انتهى. وقد اختلفوا في كفر إبليس هل كان جهلا أو عنادا على قولين لأهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم الذي كان عنده عند كفره، ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه، قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز ولا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء. وذكر البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في قوله تعالى: " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله تعالى أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها علمها من علمها وجهلها من جهلها وهي قوله تعالى " ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم " ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبى بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس انتهى. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس: فقال: لو نام لوجدنا راحة، ولا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى. وقال في الاحياء: من غفل عن ذكر الله تعالى ولو لحظة ليس له قرين في تلك اللحظة الا الشيطان، قال تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ". واختلفوا هل بعث الله إليهم من الجن رسلا قبل بعثة نبينا محمد؟ فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط، وإنما الرسل من الانس خاصة، وهذا هو الصحيح المشهور، أما الجن ففيهم النذر، وأما الآية فمعناها من أحد الفريقين كقوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وإنما يخرجان من المالح دون العذب. وقال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود: إن الذين لقوا النبي صلى الله عليه وآله من الجن كانوا رسلا إلى قومهم، وقال مجاهد: النذر من الجن والرسل من الانس، ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى: " أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس انهم كانوا خاسرين " وقوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " قيل: المراد مؤمنوا الفريقين فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، ولا خلق الأشقياء إلا للشقاوة ولا مانع من إطلاق العام وإرادة الخاص، وقيل: معناه إلا لأمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها، وقيل: إلا ليوحدوني. فان قيل: لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين بخلاف الملائكة فان الله تعالى عصمهم كما تقدم. فان قيل: لم قدم الجن على الانس في هذه الآية؟ فالجواب أن لفظ الانس أخف لمكان النون الخفيفة والسين الهموسة وكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته. فرع: كان الشيخ عماد الدين يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول: لا يجوز للإنسي أن يتزوج لقوله تعالى: " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " فالمودة الجماع، والرحمة الولد ونص على منعه جماعة من الحنابلة، وفي الفتاوى السراجية : لا يجوز ذلك لاختلاف الجني، وفي القنية: سئل البصري عنه فقال: يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل ابن حرب عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك، ثم روى بسند فيه ابن لهيعة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن نكاح الجن. وعن زيد العمي أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كانت . وذكر ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن ولم أعد إلى ذلك . وروى في ترجمة سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحد أبوي بلقيس كان جنيا. قلت: وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم تزوج أربعا من الجن واحدة بعد واحدة، لكن يبقى النظر في حكم طلاقها ولعانها والايلاء منها وعدتها ونفقتها وكسوتها والجمع بينها وبين أربع سواها وما يتعلق بذلك، وكل ذلك فيه نظر لا يخفى. قال شيخ الاسلام شمس الدين الذهبي: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري يقول: وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت أبا الفتح القشيري يقول: سمعت الشيخ عز الدين عبد السلام يقول وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب، فقال : وكذاب أيضا؟ قال نعم تذاكرنا يوما نكاح الجن فقال: الجن روح لطيف والانس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ ثم غاب عنا مدة وجاء وفي رأسه شجة فقيل له في ذلك فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شئ فشجني هذه الشحة قال الامام الذهبي بعد ذلك: وما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة. فرع: روى أبو عبيد في كتاب الأموال والبيهقي عن الزهري عن النبي أنه نهى عن ذبائح الجن، وذبائح الجن هو أن يشتري الرجل الدار ويستخرج العين وما أشبه ذلك فيذبح لها ذبيحة للطيرة وكانوا في الجاهلية يقولون، إذا فعل الرجل ذلك لا يضر أهلها الجن، فأبطل صلى الله عليه وآله ذلك ونهى عنه. وقال الدميري: لا تدخل الجن بيتا فيه أترج، قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيه فرس عتيق . وأقول: قال: السعلاة: أخبث الغيلان وكذلك السعلاء يمد ويقصر والجمع السعالى. قال الجاحظ: كان عمرو بن يربوع متولدا من السعلاة والانسان، قال: وذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، قال: وكان الملائكة إذا عصى ربه أهبط إلى الأرض في صورة رجل كما صنع بهاروت وماروت فولدت منهما جرهما . قال: ومن هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبا، وكذلك كان ذو القرنين كانت أمه آدمية وأبوه من الملائكة، ولذلك لما سمع عمر رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة، انتهى. والحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر والكبائر كالأنبياء عليهم السلام كما قاله القاضي عياض وغيره وما ذكروه من أمر جرهم وذي القرنين وبلقيس فممنوع، واستدلالهم بقصة هارون وماروت ليس بشئ فإنها لم تثبت على الوجه الذي أرادوه بل قال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقال الجاحظ: وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله تعالى: " وشاركهم في الأموال والأولاد " وهذا ظاهر، وذلك أن الجنية إنما تصرع رجال الانس على جهة العشق في طلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء الانس ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال والنساء للنساء قال تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " فلولا كان الجان تقتض الآدميات ولم يكن ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى هذا القول، وذكروا أن الواق واق نتاج ما بين بعض النباتات وبعض الحيوان. وقال السهيلي: السعلاة: ما يتراءى للناس بالنهار، والغول: الذي يتراءى بالليل . وقال القزويني: السعلاة نوع من المتشيطنة مغاير للغول، وأكثر ما توجد السعلاة في الغياض إذا ظفرت بانسان ترقصه وتلعب به، كما يلعب القط بالفأر، وقال: وربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها فإذا افترسها ترفع صوتها وتقول: أدركوني فان الذئب قد أكلني، وربما تقول: من يخلصني ومعي ألف دينار يأخذها؟ والناس يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب . وقال الدميري أيضا الغول واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، قال الجوهري: هو من السعالى والجمع أغوال وغيلان وكل من اغتال الانسان فأهلكه فهو غول، والتغول: التلون. وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان فان الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص أي ضراط. قال النووي في الأذكار: إنه حديث صحيح أرشد صلى الله عليه وآله إلى دفع ضررها بذكر الله. قال النووي: وكذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للانسان شيطان، لما روى مسلم عن سهل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا، أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فاني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الشيطان إذا نوي بالصلاة أدبر. وروى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا عدوى ولا طيرة ولا غول. قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم فأبطل النبي صلى الله عليه وآله ذلك، وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، و إنما معناه إبطال ما تزعم العرب من تلون الغول بالصور المختلفة، قالوا: ومعنى لا غول، أي لا تستطيع أن تضل أحدا، ويشهد له حديث آخر: " لا غول ولكن السعالى " قال العلماء: السعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة من سحرة الجن، ومنه ما روى الترمذي والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: كانت لي سهوة فيها تمر فكانت تجيئ الغول كهيئة السنور فتأخذ منه، فشكونا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اذهب فإذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله " فأخذتها فحلفت أن لا نعود، فأرسلها ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حلفت أن لا تعود، قال صلى الله عليه وآله: كذبت وهي معاودة للكذب فأخذها وقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: إني ذاكرة لك شيئا: آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبره بما قال، قال صلى الله عليه وآله، صدقك وهو كذوب . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهذا روى مثله البخاري عن أبي هريرة وفي آخره: تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: صلى الله عليه وآله: ذاك الشيطان. وروى الحاكم وابن حبان عن أبي بن كعب أنه كان له جرين تمر وكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم قال: فسلمت فرد علي السلام، فقلت: ما أنت ناولني يدك، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: أجني أم إنسي؟ فقال بل جني، قلت: إني أراك ضئيل الخلقة، أهكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن حلفت أن لا تعود قال صلى الله عليه وآله: كذبت وهي معاودة للكذب، قال: فأخذها مرة أخرى فحلفت أن لا تعود فأرسلها، ثم جاء. أن ما فيهم أشد مني فقلت، ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك، فقلت: فما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي فإنك إن قرأتها غدوة اجرت منا حتى تمسي، وإن قرأتها حين تمسي اجرت منا حتى تصبح، قال: فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: صدق الخبيث. وتزعم العرب أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة انسان فلا يزال يتبعها حتى تضله عن الطريق وتدنو له وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه روعا، وقالوا: إذا أرادت أن تضل إنسانا أو قدت له نارا فيقصدها فيفعل ذلك ، قالوا: وخلقتها خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار. وقال القزويني: ورأي الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الاسلام فضربها بالسيف. وذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه رأى الغول، وذكر أبياته النونية في ذلك . وقال الدميري أيضا: قطرب: طائر يجول الليل كله لا ينام. وقال ابن سيدة: إنه الذكر من السعالى، وقيل: هم صغار الجن، وقيل: القطارب: صغائر الكلاب واحدها قطرب: دويبة لا تستريح نهارها سعيا، وقال محمد بن ظفر: القطرب حيوان يكون بالصعيد في أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا إلا لم ينته حتى ينكحه، فإذا نكحه هلك، وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروع، فان قال: منكوح يئسوا منه ، وإن قال: مروع عالجوه، قال: وقد رأيت أهل مصر يلهجون بذكره انتهى ما أخرجته من كتاب حياة الحيوان. ولنبين بعض ما ربما يحتاج إلى البيان: الحشاش مثلثة: حشرات الأرض، وفي النهاية: مستطير أي منتشر متفرق كأنه طائر في نواحيها، ومنه حديث ابن مسعود فقدنا رسول الله ليلة فقلنا: اغتيل استطير أي ذهب به بسرعة، كأن الطير حملته أو اغتاله أحد، والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب، والاغتيال: أن يخدع فيقتل في موضع لا يراه فيه أحد، قوله: أو فرما كان قال الآبي: الأظهر انه مما يبقى عليه بدع الأكل، ويحتمل أنه تعالى يخلق ذلك عليها، والنظر في أنه هل يستحب أن لا يستقصى العظام بتقشير ما عليها وهل يثاب مثله له، والأظهر ان انتفاعهم إنما هو بالشم لأنه لا يبقى ع؟ ليه ما يقولون إلا أن يكونوا في القوت بخلاف الانس انتهى. وفي النهاية في صفة الجن: فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم هو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. وقال: العرج بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة، وقال: اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناه، وقال: الجلس: كل مرتفع من الأرض، والغور: ما انخفض من الأرض. وقال: فيه ذكر عكاظ وهي موضع بقرب مكة كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياما. وقال: في حديث عمر أنه سأل رجلا استهوته الجن فقال: ما كان طعامهم؟ قال: الفول وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجذف. الفول هو الباقلي والجذف بالتحريك: نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء، وقيل: هو كل ما لا يغطى من الشراب وغيره قال القتيبي: أصله من الجدف: القطع، أراد ما يرمى به عن الشراب من زبد أو رغوة أو قذى كأنه قطع من الشراب فرمي به، هكذا حكاه الهروي عنه، والذي جاء في صحاح الجوهري: أن القطع هو الجذف بالذال المعجمة، ولم يذكره في الدال المهملة، وأثبته الأزهري فيهما. وقال: تفلت علي أي تعرض في صلاتي فجأة. وقال في ذعت: فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته، والذعت والدعت بالذال والدال: الدفع العنيف، والذعت أيضا: المعك في التراب. وقال: وفيه ما من آدمي إلا ومعه شيطان، قيل: ومعك؟ قال: نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم، وفي رواية: حتى أسلم أي انقاد وكف عن وسوستي، وقيل: دخل في الاسلام فسلمت من شره، وقيل: إنما هو فأسلم بضم الميم على أنه فعل مستقبل أي أسلم أنا منه ومن شره، ويشهد للأول الحديث الآخر: كان شيطان آدم كافرا وكان شيطاني مسلما انتهى. وأقول: قصة سعد مما افترى على الجن، وإنما قتله من بعثه عمر ليقتله كما ذكرناه في كتاب الفتن مفصلا. وفي النهاية: يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وكانت العرب تسمي النبي صلى الله عليه وآله الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام ويسمون المسلمين الصباة بغير همز. وقال: لهث الكلب وغيره يلهث لهثا: إذا أخرج لسانه من شدة العطش والحر وقال الفهر: الحجر ملء الكف، وقيل: هو الحجر مطلقا. وفي القاموس: الغريف: صوت الجن وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وكشداد رمل لبني سعد أو جبل بالدهناء على اثني عشر ميلا من المدينة سمي به لأنه كان يسمع به غريف الجن، وأبرق الغراف، ماء لبني أسد. وقال: القعدة بالضم من الإبل: ما يقتعده الراعي في كل حاجة، واقتعده، اتخذه قعدة. وفي النهاية: قال للجني: إني أراك ضئيلا شخيتا، الضئيل: النحيف الدقيق والشخت والشخيت: النحيف الجسم الدقيق. وقال: إني منهم لضليع رأي عظيم الخلق، وقيل: هو العظيم الصدر الواسع الجبينين، وقال: الشظية: الفلقة من العصا ونحوها، وقال الفيروزآبادي: القط بالكسر السنور. وقال في النهاية: الحصاص: شدة العدو وحدته، وقيل: هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو، وقيل: هو الضراط وقال: السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة وقيل: هو كالصفة يكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف والطاق يوضع فيه شئ وقال: الجرين هو موضع تجويف التمر وهو له كالبيدر للحنطة. وقال الرازي في مفتتح تفسيره في تحقيق الاستعاذة من الشيطان وفي بيان المستعاذ منه قال: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في وجود الجن والشياطين، فمن الناس من ينكر الجن والشياطين، واعلم أنه لا بد من البحث أولا عن ماهية الجن والشياطين، فنقول: أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيئ وتذهب مثل الناس والبهائم، بل القول المحصل فيه قولان: الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة. والقول الثاني أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية، ثم إن هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية، وهي الملائكة المقربون كما قال تعالى: " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون " وتليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام، وأشرفها حملة العرش كما قال تعالى: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ". والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى: " وترى الملائكة حافين من حول العرش " . المرتبة الثالثة: ملائكة الكرسي. والمرتبة الرابعة: ملائكة السماوات طبقة فطبقة. والمرتبة الخامسة: ملائكة كرة الأثير. والمرتبة السادسة: ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم. والمرتبة السابعة: ملائكة كرة الزمهرير. والمرتبة الثامنة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار. والمرتبة التاسعة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال. والمرتبة العاشرة: مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم. واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن، وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين. واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه: الحجة الأولى أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما لطيفا أو كثيفا، والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده، وإنما قلنا: إنه يمتنع أن يكون كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس، إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئته ورعود وبروق، مع أنا لا نشاهد شيئا منها، ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل. وإنما قلنا: إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمزق ويتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية، وأيضا يلزم أن لا يكون لها قدرة وقوة على الأعمال الشاقة ومثبتوا الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة، ولما بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن. والحجة الثانية: أن هذه الاشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم ومخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة، فان حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة، إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة، وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن، وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء، وسمعت ممن تاب عن هذه الصنعة قال: إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها، ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا. الحجة الثالثة: أن الطريق إلى معرفة هذه الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل، أما الحس فلم يدل دليل على وجود هذه الأشياء ، فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها، والذين يقولون: إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان: المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها، والكاذبون المنحرفون. وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة أخبار الأنبياء والرسل عليهم السلام فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء، فان على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال: إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل بإعانة الجن والشياطين، وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الانسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول صلى الله عليه وآله لأجل أن الشيطان دخل في بطنها وتكلم؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الشجرة إنما انقلعت من أصلها لأن الشيطان اقتلعها، فثبت أن القول باثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام، وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه الأشياء باطلا، فهذا جملة شبه منكري الجن والشياطين. والجواب عن الأول بأنا نقول: إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال: إنه جوهر مجرد عن الجسمية؟ واعلم أن القائلين بهذا القول فرق: الأولى: الذين قالوا: النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة، وقد تكون شريرة، فان كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المتشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فان كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الالهام والوسوسة على قول هؤلاء. الفريق الثاني: الذين قالوا: الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها، وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية، ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا، فان كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية وهم المسمون بصالحي الجن، وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية، إذا عرفت هذا فنقول: الجنسية علة الضم، فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم. إليها تلك الأرواح النورانية الطاهرة ، وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها علي أعمالها التي هي من باب الشر والاثم والعدوان. الفريق الثالث: وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية، ولكنهم أثبتوا الأرواح المجردة الفلكية، وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها، فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين، وهو ذلك الفلك المعين، وكما أن الروح البشري يتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك العلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية ذلك العالم، وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في الشرائين والأعصاب إلى أجزاء البدن وتصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوطا شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتأدى قوة ذلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم، وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من أجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن، فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة، مثل نفس زيد ونفس عمرو، وهذه النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة، والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة أخرى، فتكون النفوس المنسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة، ويحصل بينها مودة ومحبة ، وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشترى، وإذا عرفت هذا فنقول: قالوا: إن العلة تكون أقوى من المعلول، فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية، وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية، وتلك الروح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم، فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على صلاحها وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا والأخرى في اليقظة على سبيل الالهام. ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي. الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات، فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين، ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسما. واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات، والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية. واعلم أن هذا باطل لوجهين: الأول أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه انسان وليس بفرس، والقاضي على الشيئين لابد وأن يحضره المقضي عليهما، فههنا شئ واحد هو مدرك للكلي وهو النفس، فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس. الثاني: هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء، لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية، فلم لا يجوز أن يقال: إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذهب. وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا: الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار، وهذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض والأشياء المختلفة في الماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم، فلم لا يجوز أن يقال: إن الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة، وإن كانت مشتركه في قبول الحجمية والمقدار. وإذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال: أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الاعمال الشاقة لذواتها، وهي غير قابلة للتفرق والتمزق؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة، ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا: إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة؟ وعلى هذا التقدير فان الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس، وعلى التصرف فيها، وإنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الاجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال الاحتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القول بابطالها. والجواب عن الشبهة الثانية أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد، وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه، أما حال غيره فإنه لا يعلمها، فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال. فأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول: لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام، وسيظهر الجواب عن الشبهة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك، فهذا آخر الكلام في الجواب عن هذه الشبهات. المسألة الثانية: اعلم أن القرآن والاخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن فآيات: الآية الأولى قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ويهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم " . وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم. والآية الثانية: قوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان . والآية الثالثة: قوله تعالى في قصة سليمان: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " . وقال تعالى: والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد . وقال تعالى: ولسليمان الريح - إلى قوله تعالى: ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه . والآية الرابعة: قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض . والآية الخامسة: قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * و حفظا من كل شيطان مارد . وأما الأخبار فكثيرة: الخبر الأول: روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، قال: فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية نفرت فهممت أن أقتلها ، فأشار أبو سعيد: أن أجلس ، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال: ترى هذا البيت؟ قلت: نعم، قال: إنه كان فيه فتى من الأنصار حديث عهد بعرس - وساق الحديث إلى أن قال: - فرأى امرأته واقفة بين البابين فهيأ الرمح ليطعنها بسبب الغيرة، فقالت امرأته: ادخل بيتك لترى، فدخل بيته فإذا هو بحية على فراشها فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن بالمدينة جنيا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فأذنوا ثلاثة أيام فان عاد فاقتلوه فإنه شيطان . والخبر الثاني: روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من النار كلما التفت رآه فقال جبرئيل عليه السلام: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفيت شعلته وصرفته؟ ؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ينزل إلى الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. والخبر الثالث: روى أيضا مالك في الموطأ أن كعب الأحبار كان يقول: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شئ أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ. والخبر الرابع: روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني أروع في منامي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. والخبر الخامس: ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الاسلام. والخبر السادس: روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه. والخبر السابع: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال: ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم. والأحاديث في ذلك كثيرة والقدر الذي ذكرناه كاف. المسألة الثالثة: في بيا أن الجن مخلوق من النار، والدليل عليه قوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وقال تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين ". واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد، ألا ترى أن الأطباء قالوا: ان المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح وهما في غاية السخونة، وقال جالينوس: إني بقرت مرة بطن قرد وأدخلت يدي في بطنه وأدخلت إصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة ، ونقول: أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية وقال بعضهم: الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوة من الروحانيات. المسألة الرابعة: ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن؟ الأول: أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار، ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ومنه الجنة لأنها ساترة للانسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون، ومنه المجنون لاستتار عقله، ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى: " اتخذوا أيمانهم جنة أي وقاية وسترا. واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال: إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف. والقول الثاني: أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى. المسألة الخامسة: اعلم أن طوائف المكلفين أربعة: الملائكة والانس والجن و الشياطين، واختلفوا في الجن والشياطين فقيل: الشياطين جنس، والجن جنس آخر كما أن الانسان جنس والفرس جنس آخر، وقيل: الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لأشرار الجن. المسألة السادسة: المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك، وأما المثبتون فقد احتجوا بوجوه: الأول: أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه، وذلك غير مستبعد، وإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه في باطن بني آدم غير ممتنع قياسا على النفس وغيره. الثاني قوله تعالى: " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " الثالث: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم. أما المنكرون فقد احتجوا بأمور: الأول قوله تعالى حكاية عن إبليس: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد، وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل. والثاني: لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه، فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة، فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل. المسألة السابعة: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأما الجن والشياطين فإنهم يأكلون ويشربون، قال صلى الله عليه وآله في الروث والعظم: إنه زاد إخوانكم من الجن، وأيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " والله أعلم. المسألة الثامنة: في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار، ذكروا أنه يغوص في باطن الانسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة، واحتجوا عليه بما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع. وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض . ومن الناس من قال: هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها واحتج عليه بوجوه: الأول أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام. والثاني: ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لم يخصهم بمزيد الضرر؟ الثالث: أن الشيطان مخلوق من النار، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن، ومعلوم أنا لا نحس بذلك . الرابع: أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق، ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الكفر والفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة وبالجملة فلا نرى من عداوتهم ضررا ولا نجد من صداقتهم نفعا . وأجاب مثبتوا الشياطين عن السؤال الأول بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل، وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل. وعن الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الله والملائكة يمنعونهم من إيذاء علماء البشر. وعن الثالث: أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم: " يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم " فلم لا يجوز مثله ههنا؟ وعن الرابع: أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض. المسألة التاسعة: في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الاحياء قال: القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب، أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب، أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها الاشخاص فيتراءى فيها صورة بعد صورة، أو مثل حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة، واعلم أن مداخل هذه الآثار المجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس، وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والاخلاق المركبة في مزاج الانسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب، وأما إذا منع الانسان عن الادراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من الشئ إلى الشئ وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار، وأعني بهذا إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر، فإنما تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلا عنها، فالخواطر هي المحركات للإرادات، والإرادات محركة للأعضاء ثم إن هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر، أعني إلى ما يضر في العاقبة إلى الخير أعني ما ينفع في العاقبة، فهما خاطران مختلفان فافتقر إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، والمذموم يسمى وسواسا، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب، والتسلسل محال، فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود، هذا مخلص كلام الغزالي، وقد حذفنا التطويل منه . المسألة العاشرة: في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي، واعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول: لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات، فالمقدمة الأولى لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا وكل مطلوب فاما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره وأن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل، وهما محالان، فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شئ يكون مطلوبا لذاته ووجود شئ يكون مهروبا عنه لذاته. والمقدمة الثانية: أن الاستقراء يدل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما، والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن، و المهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما. والمقدمة الثالثة: أن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شئ آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شئ واللذيذ عند القوة السامعة شئ آخر، واللذيذ عند القوة الشهوانية شئ ثالث، واللذيذ عند القوة الغضبية شئ رابع، واللذيذ عند القوة العاقلة شئ خامس. والمقدمة الرابعة: أن القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الادراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي، وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما أو خاليا عنهما فان حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله، وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه وإن لم يحصل العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله. المقدمة الخامسة: أن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق، فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء، مثاله: إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الاقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضررا زائد، أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد، فعندئذ يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه راجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان، ومثال آخر لهذا المعنى أن الانسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها، فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض. المقدمة السادسة في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مترتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا، وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل والترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك وللترك بدلا عن الفعل، الا بضميمة تنضم إليها وهي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة، ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل انسان عاد البحث الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان، وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة، وهي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي فهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات والعلوم في القلب، فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان، إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشياطين ونفاة الوسوسة قالوا: ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المركوزة في العضلات والأوتاد وثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والإرادة إليها وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشئ لذيذا أو مؤلما، وثبت أن حصول ذلك الشعور لابد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه، وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا، فإنه إذا أحس بالشئ وعرف كونه ملائما مال طبعه إليه، وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب، وإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة، فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر، لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل، فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل، بل الحق أن نقول: إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالالهام، وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة، هذا تمام الكلام في تقرير هذا الاشكال. والجواب أن كل ما ذكرتموه حق وصدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الانسان غافلا عن الشئ، فإذا ذكره الشيطان ذلك الشئ تذكره ثم عند التذكر ترتب عليه الميل إليه وترتب الفعل على حصول ذلك الميل، فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " إلا أنه بقي لقائل أن يقول: فالانسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان، فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم التسلسل وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه، ولابد لذلك الاعتقاد الحادث من محدث، وما ذاك إلا الله تعالى، وعند هذا يظهر أن الكل من عند الله تعالى، فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق، وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل صلى الله عليه وآله وهو قوله: " وأعوذ بك منك " والله أعلم. المسألة الحادية عشر: اعلم أن الانسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية وكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه، وهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة: إن هذه الأشياء ليست حروفا ولا أصواتا، وإنما هي تخيلات الأصوات والحروف، وتخيل الشئ عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال، وهذا كما أنا إذا تخيلنا صورة البحار والاشخاص، فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب، بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها، وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة، فإذا أحسسنا صورة الفلك والشمس والقمر في المرآة فان ذلك ليس بأنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فان ذلك محال، وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وصورها وأمثلتها فإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك، فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل أن يقول: هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحروف والكلمة في الماهية أولا؟ فان حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات، وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء، وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شئ آخر مخالف للمبصرات والمسموعات، فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات؟ وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمات والعبارات وجد انا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل متعاقبة على الذهن؟ فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة، وأما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات خفية . واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا: فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الانسان أو انسان آخر، وإما شئ روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الانسان، سواء قيل: إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك، وإما أن يقال: خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى، أما القسم الأول وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الانسان فهذا قول باطل، لأن الذي يحصل باختيار الانسان يكون قادرا على تركه، فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الانسان لكان الانسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه، ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره. وأما القسم الثاني وهو أنها حصلت بفعل انسان آخر فهو ظاهر الفساد، ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى، وأما الذين قالوا: إن الله لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا: إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى، فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا: إنه لا يقبح من الله شئ فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من نسبة إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى. واعلم أن الثنوية يقولون: للعالم إلهان: أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شر وعسكره الشياطين، وهما يتنازعان أبدا، وكل شئ في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به، فالخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان، واعلم أن القول باثبات إلهين قول باطل على ما ثبت فساده بالدلائل، فهذا منتهى القول في هذا الباب. المسألة الثانية عشر: من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الاحياء وعلى الإماتة وعلى خلق الأجسام وعلى تغيير الاشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولوية ومنهم من أنكر هذه الأحوال وقال: إنه لا قدرة لها على شئ من هذه الأحوال، وأما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الايجاد والتكوين والاحداث ليست إلا لله، فبطلت هذه المذاهب كلها بالكلية، وأما المعتزلة فقد سلموا أن الانسان قادر على إيجاد بعض الحوادث، فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة، ودليلهم هو أن قالوا الشيطان جسم، وكل جسم فإنه قادر بالقدرة، والقدرة التي لنا لا تحصل لايجاد الأجسام، فهذه مقدمات ثلاث، فالمقدمة الأولى أن الشيطان جسم، فقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله إما متحيز وإما حال في المتحيز، وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة. وأما المقدمة الثانية وهي قولهم: الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة، فقد بنوا هذا على أن الأجسام متماثلة ، فلو كان شئ منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام. وأما المقدمة الثالثة وهي قولهم: هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام، فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام وهذا أيضا ضعيف، لأنه يقال لهم: لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا، وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام؟ فإنه لا يلزم من عدم وجود الشئ في الحال امتناع وجوده، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. المسألة الثالثة عشر: اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته، وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب، ومن الناس من يقول: إنهم يعلمون الغيب، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها و يتلقى بعض تلك الغيوب على ألسنة الملائكة، ومنهم من قال: إن لهم طرقا أخرى في معرفة الغيوب عن الله تعالى . اعلم أن فتح الباب في مثل هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات، والعالم بحقائقها هو الله سبحانه وتعالى . وقال أيضا في تفسير سورة الجن: اختلف الناس قديما وحديثا في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء: الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، ثم قال: وهذا شرح للاسم. فقوله: فهذا شرح للاسم، يدل على أن هذا الحد شرح المراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج . وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للأنبياء عليهم السلام فقد اعترفوا بوجود الجن واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية، وزعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى. واختلف المثبتون على قولين: فمنهم من زعم أنها ليست أجساما ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لان كونها ليست أجساما ولا جسمانية سلوب، والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلف بالماهية كاختلاف ماهيات الاعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وبعضها كريمة حرة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله تعالى، قالوا: وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخيرات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأفعال الخيرة ، فيفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لا يبعد [5] أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها قدرة البشر، ولا يبعد أيضا أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبيعية على أن التعلق [6] الأول للنفس الناطقة التي ليس للانسان إلا هي، هي الأرواح وهي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب، ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضا أنه يكون لكل واحد من هؤلاء هو المتعلق الأول لذلك الروح، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق تصرف في تلك الأجسام الكثيفة. ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها، ازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فان الجنسية علة الضم، فان اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمى ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة. والقول الثاني في الجن أنهم أجسام، ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين: منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة، وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد، قالوا: وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال: الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث هو جسم، بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك، وأيضا فلانه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف والعلوي والسفلي، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية، والتفاوت إنما يحصل بهذه الصفات وهي اللطافة والكثافة وكونها علوية وسفلية، قالوا: وهاتان الحجتان ضعيفتان. أما الحجة الأولى فلانا نقول: كما أن الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فكذا العرض من حيث أنه عرض له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للاعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك لكان ذلك المشترك جنسا لها، ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد. إذا ثبت هذا فنقول: الاعراض من حيث أنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا، فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك، فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية، ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض، وهو كونه عارضا لموضوعاتها، فكذا من الجائز أن يكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها، ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض وهو كونها مشارا إليها بالحس وحاصلة في الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا. وأما الحجة الثانية وهي قولهم: إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض، فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا عن التساوي في كل الذاتيات، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هنا أيضا كذلك، وإذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال، وحينئذ قالوا: لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية، ثم يكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، وعلى هذا التقدير يكون القول بالجن ظاهر الاحتمال، وتكون قدرتها على التشكل بالاشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال. القول الثاني: قول من قال: الأجسام متساوية في تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان: الفرقة الأولى الذين زعموا أن البنية ليست شرطا في الحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه، وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية، قالوا: لو كانت البنية شرطا في الحياة لكان إما أن يقال: إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الاجزاء، أو يقال قام بكل واحدة من الاجزاء حياة واحدة على حدة، والأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول. والثاني أيضا باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها متساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر، وحكم الشئ حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء يحصل [2] هذا الافتقار من الجانب الآخر، فيلزم وقوع الدور، وهو محال، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني، وإذا بطل هذا التوقيف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة والعلم وفي القدرة والإرادة وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا: وأما دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء، وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة، ومتى لم تفسد بقيت الحياة، فوجب توقف الحياة على حصول البنية، إلا أن هذا ركيك، فان الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل على أن حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد وأيضا فلان هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه، والفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه، فثبت أن البنية ليست شرطا في الحياة وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة وعند هذا ظهر القول بامكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة. القول الثاني: إن البنية شرط الحياة، وإنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة. فههنا مسألة أخرى: وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا، والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الادراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا، واستدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية ونقلية أما العقلية فأمران: الأول: أنا نرى الكبير من البعيد صغيرا، وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض، مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الاجزاء التي هي غير مرئية، فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الادراك واجبا. الثاني: إن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء، فأما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أولا يكون، فإن كان الأول لزم الدور، لأن الأجزاء متساوية، فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء، فيقع الدور، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة. ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا. وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها، وإذا عارضناهم بسائر الأمور العادية وقلنا لهم فجوزوا أن يقال: انقلبت مياه البحار ذهبا وفضة والجبال ياقوتا وزبرجدا، وحصل في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق، والسبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا [2] أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجب، فلما لم يجدوا قانونا مستقيما ومأخذا سليما بين البابين تشوش الامر عليهم، بل الواجب أن يسوي بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب، كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري، فأما التحكم في الفرق فهو بعيد. إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن وأن أجسامهم وإن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها وإن كانوا حاضرين، هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه. وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة والجن أيضا كذلك، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة، فإذا يجب في الملك والجن أن يكونوا كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا وهم الكرام الكاتبون والحفظة، ويحضرون أيضا عند قبض الأرواح وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أحدا من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا، فان وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها؟ وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصوفين بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم: إن البنية شرط الحياة، فان قالوا: إنها أجسام لطيفة ولكنها للطافتها لا تقدر على الاعمال الشاقة، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فحالهم في الاقرار بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيبة [3]. قوله: فأذنوه ثلاثة أيام، أي فأعلموه وأتموا الحجة عليه، قال النووي: فإنه إذا لم يذهب بالانذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن، بل هو شيطان فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا إلى الانتصار عليكم بثاره بخلاف العوامر وصفة الانذار أن يقول: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا وأن تظهروا لنا " قالوا: لا تقتل حياة المدينة إلا بالانذار، وفي غيرها يقتل بغيره، بسبب أن طائفة من الجن أسلم بها، وقيل: النهي في حياة البيوت في جميع البلاد، وما ليس في البيوت يقتل بدونه انتهى. وأقول: وفي بعض رواياتهم: " فليحرج عليها " قال في النهاية: قوله عليه السلام في قتل الحيات: فليحرج عليها، هو أن يقول لها: أنت في حرج أي ضيق، إن عدت إلينا فلا تلومينا، إن ضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل انتهى. وقال النووي: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا ولا تظهروا لنا فإن لم يذهب أو عاد بعده فاقتلوه، فإنه إما جني كافر أو حية. وقوله: شيطان، أي ولد من أولاد إبليس أو حية [2].
الهوامش246
[1]الدر المنثور:ص 283
[2]إبراهيم: 22.ص 283
[1]في النسخة المخطوطة: بعض الأنبياء والأولياء.ص 284
[2]في النسخة المخطوطة: بالاشكال المختلفة.ص 284
[١]الكهف: ٥١.ص 286
[٢]أوائل المقالات: ١١٠.ص 286
[٣]التبيان ١: ١٥٠ و 151.ص 286
[١]في النسخة المخطوطة: بدليل.ص 287
[٢]التحريم: ٩.ص 287
[٣]التحريم: ٩.ص 287
[٤]الكهف: ٥١.ص 287
[٥]الزخرف: ١٥.ص 287
[٦]التبيان ٧: ٥٧.ص 287
[٧]فاطر: ١.ص 287
[8]الانعام: 124.ص 287
[١]الحج: ٧٥.ص 288
[٢]لم يذكر فيه قوله: بلا خلاف، نعم ذكر في ج ٧: ٣٤٢: عند أهل اللغة.ص 288
[٣]التبيان ١: ١٥٣.ص 288
[٤]الحجر: ٢٧.ص 288
[٥]التبيان ٧: ٥٧: لم يذكر فيه قوله: وقد قيل ولعله في موضع آخر.ص 288
[٦]سبأ: ٤٠ و ٤١.ص 288
[٧]الصافات: ١٥٩ و ١٦٠.ص 288
[٨]الصافات: ١٥٩ و 160.ص 288
[١]الواقعة: ٢٦.ص 289
[٢]النساء: ٢٨.ص 289
[١]راجع التبيان ١: ١٥٠ و ١٥١ [٢] في المصدر: " كان صغيرا مع الملائكة.ص 290
[٣]في المصدر: الا إبليس أبى.ص 290
[٤]في المصدر: ما قلناه انه كان.ص 290
[٥]التبيان ١: ١٥٣.ص 290
[1]تفسير القمي: 664.ص 291
[2]هكذا في الكتاب وفيه وهم والصحيح كما في المصدر: [عن أبي ثعلبة الخشني] قال ابن الأثير في اللباب 1: 374: الخشني بضم الخاء وفتح الشين وفى آخرها نون. هذه النسبة إلى قبيلة وقرية، أما القبيلة فهي من قضاعة نسبة إلى خشين بن النمر بن وبرة بن تغلب بن عمران بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، منها أبو ثعلبة الخشني.ص 291
[١]في المصدر: كالبهائم قال الله عز وجل: ان هم الا كالانعام بل هم أضل سبيلا.ص 292
[٢]الانعام: ١٩.ص 292
[٣]الأحقاف: ٢٩.ص 292
[٤]الفرقان: ١.ص 292
[٥]الأنبياء: ١٠٧.ص 292
[٦]في المصدر: وقال تعالى.ص 292
[٧]سبأ: ٢٨.ص 292
[٨]الرحمن: ٣١ و ٣٢.ص 292
[٩]الرحمن: ٤٦.ص 292
[١]في المصدر: وخالفهما الأكثرون.ص 293
[٢]الأحقاف: ٣١.ص 293
[4]الربض: مأوى الغنم. مسكن القوم. ما حول المدينة من بيوت ومساكن. سور المدينة.ص 293
[5]أي في الحديث شئ من الغرابة.ص 293
[6]بناء على ما تقدم من قول الجوهري: الناس قد تكون من الجن والإنس.ص 293
[1]في المصادر: حتى تباعدت.ص 294
[2]في المصدر: مستدثري.ص 294
[3]الفرق: الفزع.ص 294
[4]في المصدر: ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله.ص 294
[5]في المصدر: فقال صلى الله عليه وآله لي.ص 294
[1]المصدر: فنظر عظما وروثا.ص 295
[2]في المصدر: فرمى بهما.ص 295
[3]في المصدر: مع السحر.ص 295
[4]في المصدر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه.ص 295
[5]في المصدر: أمر الجن فلينطلق معي.ص 295
[6]في المصدر: كما يتقطع السحاب.ص 295
[7]في المصدر: سمعت لغة.ص 295
[١]في المصدر: [فأسكنت المسلمين الجلس وأسكنت المشركين الغور] أقول:ص 296
[٢]في المصدر: فقالوا: مالكم؟ قالوا حيل.ص 296
[٣]في المصدر: فقالوا.ص 296
[٥]الجن: ١ و 2.ص 296
[6]أي طعام مشركيهم، لان مؤمنيهم قد مر ان طعامهم مما يذكر اسم الله عليه.ص 296
[١]الفول: الباقلي.ص 297
[٢]في المصدر: حتى يتعلمونها.ص 297
[٣]في المصدر: ويكون هو صلى الله عليه وآله يراهم.ص 297
[٤]الأعراف: ٢٦.ص 297
[5]في المصدر: الشيطان الذي أتاه ليسرق.ص 297
[6]في المصدر: عجيب.ص 297
[1]في المصدر: مدى صوت المؤذن.ص 298
[2]لما تخلف سعد عن بيعة أبى بكر وبعده عن بيعة عمر كان ذلك قدحا في أمرهما فأرسل عمر محمد بن سلمة الأنصاري وخالد بن الوليد من المدينة ليقتلاه فرمى كل واحد منهما إليه سهما فقتلاه، وكان مصلحة الوقت يوجب ستره عن العامة فنسبوه إلى الجن، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ان رجلا من العامة سأل شيعيا: لم سكت علي عليه السلام عن المطالبة بحقه الذي تزعمونه حتى أمات نفسه وهو صاحب ما هو صاحبه من المآثر المشهورة؟ص 298
[3]في المصدر: وانهم لم يشعروا بموته بمدينة.ص 298
[١]الرحمن: ٣٣.ص 299
[2]صبأ الرجل: خرج من دين إلى دين آخر. تدين بدين الصابئين، وكان مشركو مكة يسمون من دخل في الاسلام صابئا.ص 299
[3]في المصدر: ان هذا الذي قلته يزعم محمد انه انزل عليه.ص 299
[4]في المصدر: والحافظ أبى موسى.ص 299
[5]في المصدر: جزاك الله عنا خيرا.ص 299
[6]في المصدر: من الجن.ص 299
[1]في المصدر: من ردائه ودفنها.ص 300
[2]في المصدر: وسرق هذا.ص 300
[3]قد عرفت في حكاية صفوان قبل ذلك أن آخر التسعة مات في زمانها فلم يبق أحد من التسعة حتى يكفنه ويدفنه عمر بن عبد العزيز هذا، وصفوان بن المعطل من الصحابة مات سنة ثمان وخمسين على ما قيل وعمر بن عبد العزيز مات سنة احدى ومائة وله أربعون سنة.ص 300
[4]في المصدر: الجن والإنس.ص 300
[5]في المصدر: فرأيت.ص 300
[6]في المصدر: فصارعني.ص 300
[7]في المصدر: وقد أشار إليه البخاري فيما رواه.ص 300
[1]في المصدر: اللهم يسر لي.ص 301
[2]في المصدر: والوساد.ص 301
[3]في المصدر: وأنا معهم يريدون.ص 301
[4]في المصدر: الحية والمرأة.ص 301
[5]في المصدر: بعجيب.ص 301
[١]في المصدر: إذا بمناد.ص 302
[٢]في نسخة من حياة.ص 302
[٣]في المصدر: قد كان لي تابع.ص 302
[٤]في المصدر: فوقف.ص 302
[٥]في المصدر: دخلت طرطوس فقيل لي.ص 302
[٦]في أسد الغابة: منوس.ص 302
[٧]في نسخة: [عبد علية بن سمج] وفى المصدر: [حدثني سمحج] وهو الصحيح راجع أسد الغابة ٢: ٣٥٣.ص 302
[8]في المصدر: قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل السماوات والأرض؟ قال:ص 302
[1]في المصدر: الا مات ريان ودخل قبره ريان وحشر يوم القيامة ريان.ص 303
[2]في المصدر: يتوكأ.ص 303
[3]في المصدر: أتشوف.ص 303
[1]في المصدر: ويحك عذ بالله ذي الجلال.ص 304
[2]في المصدر: فما تخييل.ص 304
[3]في المصدر: عندك.ص 304
[4]في المصدر: من أنت أيها الهاتف.ص 304
[5]في المصدر: إلى جن.ص 304
[6]في المصدر: فقال: ان أردت الاسلام فأنا أكفيكها حتى أردها.ص 304
[7]في نسخة [فاعتلقت] وفى المصدر: فامتطيت راحلتي وقصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد وقلت:ص 304
[١]في المصدر: قد ردها.ص 305
[٢]في المصدر وفى نسخة: محمد.ص 305
[٣]في المصدر: لا يدخله.ص 305
[٤]في المصدر: الدقيق.ص 305
[٥]في المصدر: نقل الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الأبري في مناقب الشافعي التي ألفها عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي يقول.ص 305
[٦]الأعراف: ٢٧.ص 305
[1]في المصدر: في صورة.ص 306
[2]في المصدر: ولا شك ان الجن ذريته.ص 306
[3]في المصدر: فرأيت أنه مجتاز بي.ص 306
[4]في المصدر: فليس من ولد آدم أحد الا.ص 306
[5]زاد في المصدر: يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة.ص 306
[6]في المصدر: وولهان.ص 306
[١]في المصدر: يكرهه وخاصم أهله فليقل.ص 307
[٢]في المصدر: ومطوس.ص 307
[٣]في المصدر: والأقنص.ص 307
[٤]في المصدر: كالغيلان والعقارب والقطارب.ص 307
[٥]الكهف: ٥١.ص 307
[6]في المصدر: واختلف العلماء في أنه هل من الملائكة من طائفة.ص 307
[7]وفى المصدر: وفي اسمه هل هو اسم أعجمي أم عربي.ص 307
[١]هكذا في الكتاب والصحيح اما ابن جريج أو ابن جرير، والموجود في المصدر الثاني.ص 308
[٢]زاد في المصدر: فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما وعظمة فذاك الذي دعاه إلى الكبر فعصى وكفر فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا.ص 308
[٣]الكهف: ٥١.ص 308
[4]في المصدر: يقال لهم: الجن.ص 308
[5]في المصدر: ما كان من الملائكة قط والاستثناء منقطع وزاد ابن حوشب: وإنما [6] في المصدر: لم ينقل.ص 308
[١]في المصدر: ولا ينامون.ص 309
[٢]على جماعة من متأخري الفقهاء.ص 309
[٣]الأعراف: ١١.ص 309
[١]الانعام: ١١١.ص 310
[٢]الصافات: ١٦٢ و ١٦٣.ص 310
[٣]في المصدر: في الاحياء قبيل بيانه دواء الصبر.ص 310
[٤]الزخرف: ٣٦.ص 310
[5]الانعام: 130.ص 310
[١]الرحمن: ٢٢.ص 311
[٢]الأحقاف: ١٨.ص 311
[٣]الذاريات: ٥٦.ص 311
[4]هكذا في الكتاب مطبوعه ومخطوطه، وفيه وهم والصحيح كما في المصدر: " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا " وقال تعالى: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " انتهى أقول: الآية الأولى في النحل: 72، والثانية في الروم: 21.ص 311
[1]في المصدر: الفتاوى السرجية.ص 312
[2]في المصدر: حيثما كنت.ص 312
[3]في المصدر: فلم أرجع إليه.ص 312
[4]المصدر: أخبرني انه تزوج.ص 312
[1]في المصدر: فقيل له.ص 313
[2]حياة الحيوان 1: 147 - 155 باب الجيم في الجن.ص 313
[3]في المصدر: وماروت فوقع بعض الملائكة على بعض بنات آدم فولدت جرهما.ص 313
[١]في المصدر: أوردوه.ص 314
[٢]الاسراء: ٦٤.ص 314
[٣]في المصدر: وذلك أن الجنيات إنما تتعرض لصرع رجال الانس.ص 314
[٤]الرحمن: ٧٤.ص 314
[5]في المصدر: ولو كان الجان لا يفتض الآدميات.ص 314
[6]في المصدر: للناس بالليل.ص 314
[7]حياة الحيوان 2: 14 - 16 باب السين.ص 314
[1]في المصدر: ترى هذا أرسلتك.ص 315
[2]في المصدر: ما تزعمه.ص 315
[1]في المصدر: فأخذها.ص 316
[2]زاد في المصدر: وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك؟ قال:ص 316
[3]في المصدر: بما قالت فقال صلى الله عليه وآله: صدقت وهي كذوب.ص 316
[4]في المصدر: فناولني فإذا.ص 316
[1]في المصدر: ما حملك.ص 317
[2]في المصدر: فتفعل به ذلك.ص 317
[3]حياة الحيوان 2: 134 - 137 باب الغين.ص 317
[4]في المصدر: آيسوا من حياته.ص 317
[5]حياة الحيوان 2: 181 باب القاف.ص 317
[١]الأنبياء: ١٩.ص 320
[٢]الحاقه: ١٧.ص 320
[٣]الزمر: ٧٥.ص 320
[1]في المصدر: تتمزق وتتفرق.ص 321
[1]زاد في المصدر بعد ذلك: لان وجودها اما بالصورة أو الصوت.ص 322
[1]في المصدر: تلك النفوس المفارقة.ص 323
[2]في المصدر: الطاهرة النورانية.ص 323
[1]في المصدر: وجود الأرواح.ص 324
[2]في المصدر: الروح البشرية تتعلق.ص 324
[3]في المصدر: تلك.ص 324
[1]في المصدر: محبة ومودة.ص 325
[2]في المصدر: وتلك الأرواح.ص 325
[3]في المصدر: على مصالحها.ص 325
[4]في المصدر: وأخرى.ص 325
[١]في المصدر: وأما الجواب.ص 327
[٢]في المصدر: عن الأجوبة التي.ص 327
[٣]الأحقاف: ٢٩ و ٣٠.ص 327
[٤]البقرة ١٠٢.ص 327
[٥]سبا: ١٣.ص 327
[٦]ص: ٣٨.ص 327
[7]سبا: 12.ص 327
[١]الرحمن: ٣٣.ص 328
[٢]الصافات: ٦ و 7.ص 328
[3]في المصدر: فقمت لأقتلها.ص 328
[4]في المصدر: أن اجلس فلما انصرف.ص 328
[5]في المصدر: بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت: لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه.ص 328
[6]في المصدر: وخر الفتى ميتا فما ندري.ص 328
[7]في المصدر: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله.ص 328
[8]في المصدر: فأذنوه ثلاثة أيام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان.ص 328
[1]في المصدر: وخر لفيه.ص 329
[2]في المصدر: وبكلماته.ص 329
[3]في المصدر: وبكلمات الله.ص 329
[١]في المصدر: في غاية السخونة بل تزيد.ص 330
[٢]في المصدر: لكونها.ص 330
[٣]المنافقون: ٢.ص 330
[١]البقرة: ٢٧٥.ص 331
[2]إبراهيم: 22.ص 331
[1]المصدر خال عن كلمة: والأرض.ص 332
[2]في المصدر ومعلوم أنه لا يحس بذلك.ص 332
[3]في المصدر: لا من عداوتهم ضررا ولا من صداقتهم نفعا.ص 332
[١]في المصدر: وملائكته.ص 333
[٢]الأنبياء: ٦٩.ص 333
[3]في المصدر: [تجتاز] وفيه: فتترائى.ص 333
[4]في المصدر: تنصب.ص 333
[5]في المصدر: [المتجددة] وفى النسخة المخطوطة: المحددة.ص 333
[6]في المصدر: من شئ إلى شئ.ص 333
[7]في المصدر: وإنما.ص 333
[1]في المصدر: بعد حذف التطويلات منه.ص 334
[2]في المصدر: وبوجود شئ.ص 334
[1]في المصدر: المذكورة.ص 336
[2]في المصدر: والأوتار.ص 336
[3]في المصدر: يترتب الميل عليه ويترتب.ص 336
[1]إبراهيم: 22.ص 337
[2]في المصدر: لزم تسلسل الشياطين.ص 337
[3]في المصدر: فإذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل انه حضرت.ص 337
[1]في المصدر: وأصوات حقيقة.ص 338
[1]في النسخة المخطوطة: [من نسبة انشاء هذه الخواطر] وفى المصدر: من اسناد هذه الخواطر.ص 339
[2]المصدر: شرير.ص 339
[3]في المصدر: [كل] بلا عاطف.ص 339
[4]في المصدر: الأولية.ص 339
[١]في المصدر: مما تستلزم مماثلة.ص 340
[٢]في المصدر: ويخبر ببعض الغيوب.ص 340
[٣]في المصدر: في معرفة الغيوب لا يعلمها الا الله.ص 340
[٤]تفسير الرازي ١: ٧٦ - 89.ص 340
[1]هذا لا يدل على ذلك بل المراد انه ليس حدا ذاتيا له بل هو شرح للاسم، وذلك أعم من أن يكون له وجود في الخارج أم لا.ص 341
[2]في المصدر: عالمة بالخبريات.ص 341
[3]في المصدر: [وتعلم الأحوال الخبرية] وفى النسخ المخطوطة: الأحوال الخيرة.ص 341
[4]في المصدر: وتفعل.ص 341
[5]في المصدر: لم يبعد.ص 341
[6]في المصدر: المتعلق الأول.ص 341
[1]في المصدر: الانسان.ص 342
[2]في المصدر: أن يكون.ص 342
[1]في المصدر: للحياة.ص 344
[2]في المصدر: لحصل.ص 344
[3]في المصدر؟ هذا التوقف.ص 344
[1]في المصدر: عند اجتماع الشرائط.ص 345
[١]في المصدر: أو حصلت.ص 346
[٢]في المصدر: فوهموا [٣] تفسير الرازي ٣٠: ١٤٨ - 152.ص 346