توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام يا مفضل فكر في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والنجارة والصناعة والخياطة وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الأشياء، وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة ذوات براثن ومخاليب تصلح لاخذ الصيد ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد، خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض ليتهيأ للركوب والحمولة. تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فإنه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك وأعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا يحتاج إليه لأنها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد وتتعيش، أفلا ترى كيف أعطي كل واحد من الصنفين ما يشأ كل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه؟ انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع أمهاتها مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند أمهاتها ما عند أمهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالأكف والأصابع المهيأة لذلك، أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدراج والقبج تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض، فأما ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الأمهات فضل عطف عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتى تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على تربية فراخها، فلا تفسد ولا تموت، فكل أعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير. انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتهيأ للمشي ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك، لان الماشي ينقل بعض قوائمه ويعتمد على بعض: فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الأربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الأرض كما لا يثبت السرير وما أشبهه، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الأخريين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى. أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به؟ والفرس الكريم يركب السيوف والأسنة بالمواتاة لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد، ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الأصناف المسخرة للانسان، فبم كانت كذلك إلا بأنها عدمت العقل والروية، فإنها لو كانت تعقل وتروى في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه وتتفرق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من الأمور. وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تحاجهم ، فمن كان يقوم للأسد، والذئاب والنمورة والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلا بالليل، فهي مع صولتها كالخائف للانس بلا مقموعة ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيقت عليهم ، ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه وحفاظ له، فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه وذب الدغار عنه ، ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة، فلم طبع الكلب على هذه الألف إلا ليكون حارسا للانسان، له عين بأنياب ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويحضرها . يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو؟ فإنك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في أسفل الخطم ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الأرض، ألا ترى أن الانسان لا يتناول بها الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من أسفله لتقبض به على العلف ثم تقضمه، وأعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد. اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنه بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعا يواريهما ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذئاب والبعوض، فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع، ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة، فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم، يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها، فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه تستطيع أن يأتيها كفاحا كما يأتي الرجل المرأة؟ تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، لأنه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة؟ فان قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام؟ قيل له: إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه، فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته. انظر الآن كيف حياء الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام، ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه. فكر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عز وجل أن نتاجها من فحول شتى، قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالباري جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، و أظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي تراه في البغل، فإنك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار وشحيجه كالممتزج من صهيل ونهيق الحمار، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء و يزيد في الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء دلالة على قدرته على الأشياء وأنه لا يعجزه شئ أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوت من ثمارها. تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه ويحكي كثيرا مما يرى الانسان بفعله، حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه، أن يكون عبرة للانسان في نفسه، فيعلم أنه من طينة البهائم و سنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، ولولا أنه فضيلة فضله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا أخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو أعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، و الفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة انظر يا مفضل: إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد، وكثرة الآفات، وألبست " وهو " وعلى هذا فلا يبعد أن تكون الصحة تصحيف القحة أي قلة الحياء. الأظلاف والحوافر والاخفات ليقيها من الحفاء إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا: لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها، فأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات: من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته ولبسها إذا شاء، ومنها: أنه يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا، لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها، وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه وفي ذلك معايش لمن يعلمه من الناس، ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة، والأظلاف والحوافر والأخفاف مقام الحذاء. فكر يا مفضل: في خلقة عجيبة في البهائم، فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شئ، وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق. فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظباء والمها والحمير والوعول والأيائيل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الأسد والضباع و الذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض وكذلك سراب الطير من الغربان والقطا والإوز والكراكي والحمام وسباع الطير جميعا، وكلها لا يرى منها إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص ويفترسه سبع، فإذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء ويحدث الأمراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وفي البهائم وغيرها أدكارا ليسلم الناس من معرة ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد. فكر يا مفضل: في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عز وجل لهم، لئلا يخلو من نعمه جل وعز أحد من خلقه لا بعقل وروية، فان الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه، والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت و نفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه، فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوي عليه السباع من مساورة الصيد، أعين بالدهاء والفطنة والاحتيال لمعاشه، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك أن يأخذ السمك فيقتله ويشرحه حتى يطفو على الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة. قال المفضل: فقلت: خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب، فقال عليه السلام: إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه كما يختطف حجر المقناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب، ولا يخرج إلا في القيظ مرة، إذا سحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة قلت: فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده، قال: ليدفع عن الناس مضرته. قال المفضل: فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر، فصف لي الذرة والنمل والطير، فقال عليه السلام: يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره. انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى بيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم ، فان أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز من الأرض كي لا يفيض السيل فيغرقها ، فكل هذا منه بلا عقل ولا روية، بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عز وجل انظر إلى هذا الذي يقال له الليث: وتسميه العامة أسد الذباب وما أعطي من الحيلة، والرفق في معاشه، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه، فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب، ثم يكمن في جوفه فإذا نشب فيه الذباب أحال [3] عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه، فكذلك يحكي صيد الكلاب والنهود، وهكذا يحكى صيد الاشراك والحبائل. فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل طبعها مالا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال آلات فيها فلا تزدر [4] بالشئ إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فان المعنى النفيس، قد يمثل بالشئ الحقير فلا يصنع منه ذلك، كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد. تأمل يا مفضل: جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر أن يكون طائرا في
الهوامش50
[2]في النسخة المخطوطة: والصناعة (والخياطة خ) وفي كتاب التوحيد من البحار 3: 92: " والصياغة " وفي بعض النسخ: والخياطة.ص 53
[3]في النسخة المخطوطة: معايشهم.ص 53
[4]قال المصنف في كتاب التوحيد: مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض قال الجوهري دمج الشئ دموجا: إذا دخل في الشئ واستحكم فيه، وأدمجت الشئ، إذا لففته في ثوب وفى بعض النسخ: مدبحة بالباء والحاء المهملة ولعل المراد معوجة من قولهم: دبح تدبيحا أي بسط ظهره وطأطأ رأسه، وهو تصحيف أقول: ويمكن أن يكون مصحف " مذبحة " كما في بعض النسخ.ص 53
[5]البراثن من السباع والطير: بمنزلة الأصابع من الانسان. والمخلب. ظفر البرثن.ص 53
[6]في نسخة: تقيمها.ص 53
[1]في النسخة المخطوطة: حيث جعلت.ص 54
[2]في المخطوطة وفى التوحيد: اماتها.ص 54
[3]القبج بالقاف والباء المفتوحين: طائر يشبه الحجل.ص 54
[1]في كتاب التوحيد من البحار: لتتهيأ.ص 55
[2]المواتاة: الموافقة.ص 55
[3]في الموضع المتقدم: مسخرة للانسان.ص 55
[4]تروى: تفكر.ص 55
[5]المآرب: الحوائج.ص 55
[6]هكذا في النسخ، وفى توحيد البحار: تجتاحهم، ولعله الصحيح أي تستأصلهم و تهلكهم.ص 55
[1]نكى ينكى نكاية العدو وفى العدو: قهره بالقتل والجرح.ص 56
[2]في نسخة: غير مقمعة.ص 56
[3]في نسخة: وضيعت عليهم.ص 56
[4]أي ودفع الهجوم عنه. وفي نسخة: وذب الذعار عنه.ص 56
[5]في نسخة: (ويحفرها) ولعله مصحف: " ويخفرها " كما في التوحيد من البحار.ص 56
[1]أي تسقط فيه.ص 57
[2]أي ملقى على وجهه [3] أي مستقبلا [4] الازدراد: البلع.ص 57
[5]أي ليرسله ويرخيه.ص 57
[1]الزرافة: دابة يقال لها بالفارسية: اشتر گاو پلنگ.ص 58
[2]شحج البغل أو الغراب: صوت أو غلظ صوته.ص 58
[7]هو النقص في العقل والذهن والنطق.ص 59
[1]الغياطل جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف.ص 59
[2]أي يشير إليه.ص 59
[3]أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان.ص 59
[4]السنخ: الأصل.ص 59
[5]في المخطوطة وفى التوحيد من البحار: وانه لولا فضيلة.ص 59
[6]في التوحيد من البحار: فضله الله بها.ص 59
[7]أي الفصل الصحيح الذي يصلح لان يكون فاصلا. وقال المصنف: في أكثر النسخ:ص 59
[1]في كتاب التوحيد من البحار: وألبست قوائمها الأظلاف.ص 60
[2]في التوحيد: إلى خلع كسوته إذا شاء.ص 60
[3]الروعة: المسحة من الجمال.ص 60
[4]الغربان جمع الغراب، والقطا جمع القطاة طائر في حجم الحمام. والإوز جمع الإوزة: طائر مائي يقال له: الوزة أيضا: والكراكي جمع الكركي: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوى إلى الماء أحيانا.ص 60
[1]في كتاب التوحيد: وكلها لا يرى منها شئ إذا ماتت.ص 61
[2]أي تواروا واختفوا.ص 61
[3]المعرة: الأذى.ص 61
[4]الدهاء: جودة الرأي والحذق. المكر والاحتيال.ص 61
[5]شرح اللحم: قطعه قطعا طوالا.ص 61
[1]الذرة: النملة الصغيرة الحمراء.ص 62
[2]ويقطع الكسفرة ويقسمها أرباعا لما الهم من أن نصفها أيضا ينبت.ص 62
[3]الزبية بالضم: الحفرة.ص 62
[4]قال الدميري: يحفر قريته بقوائمه وهي ست، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجرى إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف و طبقات معلقة يملاها حبوبا وذخائر للشتاء.ص 62
[1]في المخطوطة: دب دبيبا رقيقا.ص 63
[2]نشب فيه: وقع فيما لا مخلص منه.ص 63
[3]أحال عليه: اقبل، وفى كتاب التوحيد " اجال عليه " أي اداره، ويحتمل أن يكون مصحفا.ص 63
[4]هكذا في النسخ والظاهر أنه مصحف " فلا تزدرأ " حيث قال المصنف في تفسير الحديث في كتاب التوحيد الازدراء: الاحتقار.ص 63
[5]أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير، قال الفيروزآبادي:ص 63