حياة الحيوان: ذكر ابن خلكان في ترجمة جعفر الصادق عليه السلام أنه سأل أبا حنيفة ما تقول: في محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال:
Show clickable narrator chain
يا بن بنت رسول الله لا أعلم فيه، فقال: إن الظبي لا يكون له رباعيا وهو ثني أبدا. كذا حكاه كشاجم في كتاب المصائد والمطارد. وقال الجوهري: في مادة سنن في قول الشاعر في وصف إبل. فجاءت كسن الظبي لم أر مثلها * سناء قتيل أو حلوبة جائع أي هي ثنيان لان الثني هو الذي يلقي ثنيته والظبي لا تثبت له ثنية قط فهي ثني أبدا. وروى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط عن أنس بن مالك والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولي خشفان فاستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود إليهم فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وتأتي إليكم قالوا ومن لنا بذلك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: أنا، فأطلقوها فذهبت فأرضعتهما ثم عادت إليهم فأوثقوها، فقال صلى الله عليه وآله: أتبيعونيها؟ قالوا: هي لك يا رسول الله! فخلوا عنها فأطلقها. وفي رواية عن زيد بن أرقم قال: لما أطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الصحراء فإذا مناد ينادي يا رسول الله فالتفت فلم ير أحدا، ثم التفت فإذا ظبية موثوقة، فقالت: ادن مني يا رسول الله فدنا منها، فقال: ما حاجتك؟ فقالت: إن لي خشفتين في هذا الجبل فخلني حتى أذهب إليهما فأرضعهما ثم أرجع إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وتفعلين؟ فقالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها، وانبته الاعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: نعم تطلق هذه، فأطلقها فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وفي دلائل النبوة للبيهقي عن أبي سعيد قال: مر النبي صلى الله عليه وآله بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله خلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني فقال صلى الله عليه وآله: صيد قوم وربيطة قوم فأخذ عليها فحلفت له فحلها فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال عليه السلام: لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا. وذكر الأزرقي في تعظيم صيد الحرم عن عبد العزيز بن أبي داود أن قوما انتهوا إلى ذي طوى ونزلوا بها فإذا ظبي من ظباء الحرم قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: ويلك أرسله، فجعل يضحك وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال ثم أرسله، فناموا في القائلة فانتبه بعضهم فإذا هو بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: ويلك لا تحرك فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث ما كان من الظبي. ثم روى عن مجاهد قال: دخل قوم مكة تجارا من الشام في الجاهلية بعد قصي بن كلاب فنزلوا بوادي طوى تحت سمرات يستظلون بها فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم أدم فقام رجل منهم إلى قوسه فوضع عليها سهما ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى، فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها، فبينما هم كذلك وقدرهم على النار تغلي بها وبعضهم يشوى إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها. ورأيت في مختصر الاحياء للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه في باب الاخلاص أن من أخلص لله تعالى في العمل وإن لم ينو ظهرت آثار بركته عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة، كما قيل: إنه لما اهبط آدم عليه السلام إلى الأرض جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو لكل جنس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر منهن نوافج المسك، فلما رأى ما فيها من ذلك غزلان اخر فقالوا : من أين هذا لكن؟ فقلن: زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر لهن من ذلك شئ، فقالوا: قد سلمنا كما فعلتم فلم نر شيئا مما حصل لكم؟ فقالوا: أنتم كان عملكم لتنالوا كما نال إخوانكم، وأولئك كان عملهم لله من غير شئ فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة انتهى. {أبواب} {الصيد والذبائح وما يحل وما يحرم من الحيوان وغيره} 1 {باب} {جوامع ما يحل وما يحرم من المأكولات والمشروبات} {وحكم المشتبه بالحرام وما اضطروا إليه} الآيات: البقرة 2: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم 22. وقال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا 29. وقال تعالى: كلوا واشربوا من رزق الله 60. وقال تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين 168. وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم 172 و 173. آل عمران 3: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون 93 و 94. المائدة 5: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم 1. وقال تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق - إلى قوله تعالى: - فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم * يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات 3 و 4. وقال: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم 5. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون 87 و 88. وقال تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين 93. وقال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون 100. الانعام: ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين 119. هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المغز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * قل لا أحد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم * وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون 141 - 146. الأعراف 7: ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون 10. وقال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 31 و 32. وقال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث 157. يونس 10: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات 93. إبراهيم 14: فأخرج به من الثمرات رزقا لكم - إلى قوله: - وسخر لكم الأنهار 32. الحجر 15: وجعل لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين 20. النحل 16: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون 5. وقال تعالى: وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون 66 و 67. وقال تعالى: ورزقكم من الطيبات 72. وقال تعالى: فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم * ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وحرام لتفتروا على الله الكذب 114 - 116. طه 20: فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم 53 و 54. وقال تعالى: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي 81. المؤمنون 23: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون * وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين * وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون 18 - 21. لقمان 31: ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة 20. التنزيل 32: أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون 27. فاطر 35: ومن كل تأكلون لحما طريا 12. يس 36: وأخرجنا منه حبا فمنه يأكلون - إلى قوله تعالى: - ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون 33 - 35. المؤمن 40: الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون 79 و 80. عبس 80: فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم 27 - 32. تفسير: " الذي جعل لكم الأرض فراشا " يدل على جواز الانتفاع بالأرض على أي وجه كان من السكنى والزراعة والعمارة وحفر الأنهار وإجراء القنوات و غيرها من وجوه الانتفاعات إلا ما أخرجه الدليل. وقوله: " رزقا لكم " يدل على حلية جميع الثمرات وبيعها وسائر الانتفاعات " ولكم " صفة " رزقا " إن أريد به المرزوق، ومفعول له إن أريد به المصدر، كأنه قال: رزقه إياكم، ويدل تتمة الآية على وجوب شكر المنعم " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " أمتن سبحانه على عباده بخلق جميع ما في الأرض لهم، وهذا يدل على صحة انتفاعهم بكل ما فيها من وجوه المصالح إذا خلا عن المفسدة، ومنه يستدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة إذ هي مباحة لمن خلقت له، وقيل: الامتنان بخلق الجميع يقتضي حل الجميع، وأن لكل شئ منها فائدة ونفعا، وما يقال: من أن ما لا نفع به كالسم والعقرب وبعض الحشرات خارج عن ذلك ففيه نظر، وإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ووجود ضرر في شئ لا يدل على انتفاء النفع فيه، ألا ترى أن المأكولات الطيبة تضر المريض غاية المضرة؟ ومن تأمل في حكمته تعالى لم يتجاسر بمثل هذا المقال، فلعل المراد أن ليس في الخلق ما هو ضرر محض خال عن النفع، بل إنما فيه من جهة ضررا، وجهة خلا من ذلك الوجه من المنفعة لا يقع به امتنان من تلك الجهة بل الامتنان من جهة النفع مع الخلو عن الضرر و " الطيب " في بعض الآيات إشارة إلى ذلك كما فسره الطبرسي أن المراد الطاهر من كل شبهة خبث وضرر والله أعلم انتهى. وقال البيضاوي: معنى " لكم " لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط، أو دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، فهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد و " ما " يعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو و " جميعا " حال من الموصول الثاني " كلوا واشربوا " ظاهر الخطاب لبني إسرائيل فالمراد ما رزقهم الله من المن والسلوى والعيون، و يمكن الاستدلال على العموم بوجه لا يخلو من تكلف . " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض " قال الطبرسي رحمه الله: عن ابن عباس أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج لما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة والسائبة والوصيلة . وقال قدس سره: اختلف الناس في المآكل والمنافع لا ضرر على أحد فيها ، فمنهم من ذهب إلى أنها على الحظر ، ومنهم من ذهب إلى أنها على الإباحة، و اختاره المرتضى - رحمه الله - ومنهم من وقف بين الامرين وجوز كل واحد منهما وهذه الآية دالة على إباحة المآكل إلا ما دل الدليل على حظره فجاءت مؤكدة لما في العقل انتهى . والمراد بالاكل إما خصوص الاكل اللغوي أو مطلق الانتفاع فإنه مجاز شائع والحلال هو الجائز من أفعال العباد ونظيره المباح، والطيب يقال: لمعان: الأول ما حلله الشارع الثاني ما كان طاهرا. الثالث ما خلا عن الأذى في النفس والبدن. الرابع ما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه. الخامس ما لم يكن فيه جهة قبح توجب المنع عنه كما نفهم من أكثر موارد استعماله، وستعرفه، والخطاب هنا عام لجميع المكلفين من بني آدم والامر في " كلوا " للإباحة ولما كان في المأكول ما يحرم وما يحل بين ما يجب أن يكون عليه من الصفة فقال: " حلالا " وقيل: الامر للوجوب نظرا إلى مراعاة القيد " طيبا " قيل: هو الحلال أيضا، جمع بينهما لاختلاف اللفظين تأكيدا، وقيل: ما تستطيبونه وتلذونه في العاجل والآجل وفي الكشاف والجوامع: طاهرا من كل شبهة، قيل: ولا يبعد على تقدير مفعولية " حلالا " وحاليته أن يراد بالحلال ما خلا من جهة الحظر بحسب ذاته وأحواله الغالبة والطيب ما خلا من جهة الحظر من كل وجه . وأقول: على تقدير حالية الطيب وحمل الامر على الرجحان الأظهر أن يكون الحلال للاحتراز عن الحرام والطيب للاحتراز عن الشبهات ثم قوله: " حلالا " إما مفعول " كلوا " و " من " حينئذ ابتدائية أو بيانية وظاهر الكشاف أنها تبعيضية، ومنع منه التفتاراني لان من التبعضية في موقع المفعول أي كلوا بعض ما في الأرض. قال: فان قيل: لم لا يجوز أن يكون حالا من حلالا؟ قلنا: لان كون " من " التبعيضية ظرفا مستقرا وكون اللغو حالا مما لا تقول به النحاة، وقيل: فيه نظر لان كون " من " التبعيضية في موضع المفعول ليس معناه أنه مفعول به من حيث الاعراب مغن عن المفعول به. بل إنما يتحد مع المفعول به انتهى. أو حال من المفعول وهو " مما في الأرض " فيكون المراد بما في الأرض المأكولات المحللة، أو صفة مصدر محذوف أي كلوا أكلا حلالا و " من " للتبعيض أو ابتدائية أما كونه مفعولا له أو تميزا كما زعم بعضهم فغير واضح " وطيبا " مثل " حلالا " أو صفته. فان قيل: كيف يستقيم هذا مع أنه معلوم أن ما في الأرض مشتمل على محرمات كثيرة؟ قلنا: إذا حملنا " من " على التبعيض لا يرد ذلك، وأيضا يمكن أن يكون هذا قبل تحريم ما حرم من الأشياء فإنه يظهر من بعض الأخبار أنه لم يجب قبل الهجرة شئ سوى الشهادتين وما يتبعهما من العقائد ولم يحرم سوى الشرك وإنكار النبوة وما يلزمهما، وبعد الهجرة نزلت الواجبات والمحرمات تدريجا، على أنه يمكن أن يكون عاما مخصصا كما في سائر العمومات: فتدل على حل ما في الأرض جميعا إلا ما أخرجه الدليل. وقيل: يظهر من عمومات الخطاب حل المحللات للكفار والفساق أيضا وجواز إعطائهم منها إلا ما دل على المنع منه دليل. " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا وساوس الشيطان في تحريم ما أحل الله، أو في ترك شكر ما أنعم الله، ويؤيد الأول قوله: " وأن تقولوا على الله " وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن خطوات الشيطان الحلف بالطلاق والنذر في المعاصي وكل يمين بغير الله . وقيل: في هذا النهي تنبيه على أن المراد بحلالا في الامر التقييد لا إطلاق حل ما في الأرض والمأكول منه أو الاكل، وهو يعم مخالفة الامر بالتعدي إلى أكل غير الحلال، وباجتناب أكل الحلال وفعل غير ذلك من المحرمات انتهى. وضعفه ظاهر مما ذكرنا " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " مضمون صدر الآية قريب مما تقدم إلا أنها خاصة باعتبار الخطاب للمؤمنين، وقيل: الامر للترغيب أو لإباحة أكل ما يستلذه المؤمنون ويستطيبونه ويعدونه طيبا لا خبيثا ينفر عنه الطبع ويجزم العقل بقبح أكله مثل الدم والبول والمني والحشرات وغيرها، فيفهم منه كونه طاهرا أيضا إذ النجس خبيث وليس مما يعدونه طيبا، فهو في الدلالة على إباحة جميع ما يعده العقل طيبا ولا يجد فيه ضررا وخبثا مما يسمى رزقا لبني آدم، أي ينتفع به في الاكل، أصرح مما تقدم ففهم كون الأشياء على أصل الحلية منها أولى. وبالجملة يشكل الاستدلال بأمثاله على تحريم ما تتنفر عنه عامة الطباع. وقال الرازي: اعلم أن الاكل قد يكون واجبا وذلك عند دفع الضرر، وقد يكون مندوبا وذلك أن الضيف قد يمتنع من الاكل إذا انفرد وينبسط إذا سوعد فهذا مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشئ أن يكون خاليا عن العوارض فلا جرم كان مسمى الاكل مباحا، وإذا كان الامر كذلك كان الامر كذلك. ثم قال: احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله: " من طيبات ما رزقناكم " بأن الطيب هو الحلال، فلو كان رزق حلالا لكان المعنى كلوا من محللات ما حللنا لكم فيكون تكرارا، وهو خلاف الأصل، وأجابوا عنه بأن الطيب في اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائد ما أحللنا لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى انتهى . ومضمون باقي الآية تعليق وجوب الشكر لله على عبادتهم إياه، وتلخيصه أن العبادة له إن كانت واجبة عليكم لأنه إلهكم فالشكر له أيضا واجب عليكم فإنه منعم محسن إليكم كذا ذكره الطبرسي - رحمه الله - وقال الرازي: فيه وجوه: أحدها: واشكروا الله إن كنتم عارفين بالله ونعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته اطلاقا لاسم الأثر على المؤثر. وثانيها: معناه إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه فان الشكر رئيس العبادات. وثالثها: واشكروا الله الذي رزقكم هذه النعمة إن كنتم إياه تعبدون، أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه هو سبحانه إلهكم لا غير انتهى . وأقول: يحتمل أن يكون الغرض أن شكركم إنما يصح ويستقيم بترك الشرك وإخلاص العبادة له تعالى. " إنما حرم عليكم الميتة " كأن هذه الآية كالاستثناء عن عموم ما تقدم أو أنه سبحانه لما أمر في الآية بأكل الطيبات بين في هذه الآية الخبائث ليعلم أن ما سواها من الطيبات، و " إنما " على المشهور بين أهل العربية والأصوليين للحصر فيدل على حصر المحرمات من المأكولات في هذه الأشياء، فهي حجة في حل ما سواها إلا ما أخرجه الدليل. وقال البيضاوي: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها انتهى . ويمكن أن يكون التحريم في هذا الوقت مقصورا على ما ذكر فحرم بعد ذلك غيرها كما مر، والأول من المحرمات في تلك الآية الميتة، وهي على المشهور ما فارقه الروح لاعلى وجه التذكية الشرعية. وفي المجمع: هي كل ماله نفس سائلة من دواب البر وطيره مما أباح الله أكله إنسيهما ووحشيهما فارقه روحه من غير تذكية، وقيل: الميتة كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سمى الجراد والسمك ميتا، فقال ميتتان مباحتان: الجراد والسمك انتهى . ولا يبعد أن يكون إطلاق الميتة على السمك والجراد على المجاز فان إخراج الأول من الماء وقبض الثاني تذكيتهما. واستدل بهذه الآية وأمثالها على حرمة جميع انتفاعات الميتة إلا ما أخرجه الدليل، لان الحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفا حرمة التصرف فيها مطلقا، وقيل: الحرمة المضافة إلى كل عين تفيد تحريم الانتفاع المتعارف الغالب فيه، فان المتبادر في تحريم الميتة الاكل لا سيما مع ذكرها مع الدم ولحم الخنزير، وفي تحريم الأمهات الوطئ وهكذا، وكان هذا أقوى، وحملوا الميتة عليها وعلى أجزائها التي تحل فيها الحياة فلا تحرم ما لا تحل فيه الحياة منها إلا ما كان خبيثا على المشهور لا لذلك بل لكونه خبيثا على رأيهم وحمل عليه كل ما أبين من حي مما حلت فيه الحياة. والثاني الدم وقيد بالمسفوح لتقييده به في الآية الأخرى، والمطلق محمول على المقيد والمسفوح هو الذي يخرج بقوة عند قطع عرق الحيوان أو ذبحه، من سفحت الماء: إذا صببته أي المصبوب، واحترز به عما يخرج من الحيوان بتثاقل كدم السمك فلا يكون نجسا. واختلفوا في حرمته فقيل: هو حرام لا طلاق هذه الآية وقد عرفت جوابه، ولأنه من الخبائث وقد منع ذلك، وستسمع الكلام في الخبائث وحرمتها. وأما الدم المتخلف في الذبيحة في الحيوان مأكول اللحم فلا أعرف خلافا بين الأصحاب في كونه حلالا، ونقل العلامة الاجماع عليه، وما يجذبه النفس إلى باطن الذبيحة ليس في حكم المتخلف في الحل والطهارة، وفي تحريم المتخلف في الكبد والقلب وجهان ولا يبعد ترجيح عدم التحريم لظاهر الآية إلا أن يثبت كونه خبيثا، وحرمة مطلق الخبيث والدم المتخلف في حيوان غير مأكول اللحم تابع لذلك الحيوان، وظاهر الأصحاب الحكم بنجاسته، ونقل عن بعض المتأخرين التوقف فيها، وما عدا المذكورات من الدماء التي لم تخرج بقوة من عرق ولا لها كثرة انصباب لكنه مما له نفس فظاهر الأصحاب الاتفاق على نجاسته، وظاهر الفاضلين دعوى الاجماع عليه ويستفاد من بعض الأخبار أيضا، فيلزم التحريم أيضا، وأما دم غير السمك مما لا نفس له فقد نقل جماعة من الأصحاب الاجماع على طهارته، والكلام في حله وحرمته كالكلام في دم السمك. الثالث لحم الخنزير قيل: خص اللحم وإن كان كل أجزائه محرما لأنه هو المقصود بالاكل، وغيره تابع، ولشدة حرص الكفرة ومزيد اعتقادهم بحسنه وبركته فخصه ردا عليهم. الرابع ما أهل به لغير الله أي ما رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله كالصنم والمسيح وغيرهما، والاهلال أصله رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير إذا رئي سمي ذلك إهلالا، ثم قيل: لرفع الصوت وإن كان لغيره، وقال في موضع آخر: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " قيل: فهذا مطلق والأول مقيد فيحمل الثاني على الأول أو بينهما عموم وخصوص من وجه فجمع بينهما بمقتضى الروايات المعتبرة، وسيأتي أحكام التسمية إن شاء الله. " فمن اضطر " أي إلى أكل هذه الأشياء قال الطبرسي رحمه الله: ضرورة مجاعة عن أكثر المفسرين، وقيل: ضرورة إكراه عن مجاهد، وتقديره: فمن خاف على النفس من الجوع ولا يجد مأكولا يسد به الرمق، وقوله: " غير باغ ولا عاد " فيه ثلاثة أقوال. أحدها: غير باغ لذة ولا عاد سد الجوعة. وثانيها: غير باغ في الافراط ولا عاد في التقصير. وثالثها: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليه بالمعصية وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انتهى . وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق، لا تحل لهما الميتة . وفي التهذيب: الباغي: باغي الصيد. والعادي: السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما . وفي الفقيه عن الجواد عليه السلام: قال: العادي: السارق، والباغي: الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر . وقال البيضاوي: وغير باغ بالإستيثار على مضطر آخر، ولا عاد سد الرمق والجوعة، وقيل: غير باغ على الوالي، ولا عاد بقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح على العاصي بالسفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد . " فلا إثم عليه " قال الطبرسي رحمه الله: أي لا حرج عليه، وإنما ذكر هذا اللفظ لتبيين أنه ليس بمباح في الأصل، وإنما رفع الحرج للضرورة " إن الله غفور رحيم " إنما ذكر المغفرة لأجل أمرين: إما لتبيين أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يؤاخذ فيما رخص فيه، واما لأنه وعد بالمغفرة عند الإنابة إلى الطاعة مما كانوا عليه من تحريم ما لم يحرمه الله من السائبة وغيرها انتهى . وأقول: وإن كان ظاهر بعض الأخبار اختصاص الحكم بالاضطرار في المخمصة لكن لفظ الآية شامل لكل اضطرار من مجاعة أو خوف قتل أو ضرر عظيم لا يتحمل عادة. " كل الطعام " في المجمع: كل المأكولات " كان حلا " أي حلالا " لبني إسرائيل " وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: ان يعقوب عليه السلام أخذه وجع العرق الذي يقال له: عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الإبل وهو أحب الطعام إليه عن ابن عباس وغيره، وقيل: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله وسأل الله أن يجيز له فحرم الله تعالى ذلك على ولده، عن الحسن، وقيل: حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما حملته الظهور عن عكرمة، واختلف في أنه كيف حرمه على نفسه؟ فقيل: بالاجتهاد، وقيل: بالنذر، وقيل: بنص ورد عليه، وقيل: حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه " من قبل أن تنزل التوراة " أي كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة على موسى فإنها تضمنت تحريم ما كان حلالا لبني إسرائيل، واختلفوا فيما حرم عليهم وحالها بعد نزول التوراة. فقيل: إنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب عن السدي. وقيل: لم يحرمه الله عليهم في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا وصب عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " . وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى فاحتج عليهم بالتوراة وأمرهم بالاتيان بها وبأن يقرأوا ما فيها فإنه كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه فلم يجسروا على إتيانها لعلمهم بصدقه صلى الله عليه وآله وكذبهم وكان ذلك دليلا على صحة نبوته " من بعد ذلك " أي بعد قيام الحجة " فأولئك هم الظالمون " لأنفسهم . وأقول: ظاهره على بعض الوجوه تحليل ما حرموه على أنفسهم فتأمل. " أحلت لكم بهيمة الأنعام " قد مر تفسيره في باب الانعام. " إلا ما يتلى عليكم " قيل: أي إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله: " حرمت عليكم الميتة " أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه " غير محلي الصيد " حال من الضمير في " لكم " وقيل: من واو " أوفوا " وقيل: استثناء، وهو تعسف، والصيد يحتمل المصدر والمفعول " وأنتم حرم " حال عما استكن في " محلي " والحرم جمع حرام وهو المحرم، وسيأتي تفسير الآيات في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. " والمنخنقة " قال الطبرسي رحمه الله تعالى: هي التي تدخل رأسها بين شعبين من شجر فتختنق وتموت عن السدي، وقيل: هي التي تخنق بحبل الصائد وتموت عن الضحاك وقتادة، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقونها فيأكلونها " والموقوذة " هي التي تضرب حتى تموت عن ابن عباس، والسدي، والوقذ: شدة الضرب يقال: وقذتها أقذها وقذا وأوقذتها إيقاذا: إذا أثخنتها ضربا. " والمتردية " وهي التي تقع من جبل أو موضع عال أو تقع في بئر فتموت عن ابن عباس وغيره، ومتى وقع في بئر ولا يقدر على تذكيته جاز أن يطعن ويضرب في غير المذبح حتى يبرد ثم يؤكل. " والنطيحة " وهي التي تنطحها غيرها فتموت، وإنما تثبت فيها الهاء، وإن كان فعيل بمعنى المفعول لا تثبت فيها الهاء، مثل لحية دهين وعين كحيل وكف خضيب لأنها أدخلت في حيز الأسماء، وقال بعض الكوفيين: إنما تحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها مثل كف خضيب وعين كحيل، فأما إذا حذف الكف والعين وما يكون فعيل نعتا له واجتزؤا بفعيل أثبتوا فيه ها التأنيث ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة لمؤنث فيقال: رأينا كحيلة وخضيبة. " وما أكل السبع " أي وحرم عليكم ما أكله السبع بمعنى قتله السبع، وهو فريسة السبع عن ابن عباس وغيره. " إلا ما ذكيتم " يعني الا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه من هذه الأشياء، وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام أن أدنى ما تدرك به الذكاة أن تدركه يتحرك اذنه أو ذنبه أو يطرف عينه. واختلف في الاستثناء إلى ماذا يرجع؟ فقيل: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل من الخنزير والدم عن علي عليه السلام وابن عباس. وقيل: هو استثناء من التحريم لا من المحرمات لان الميتة لا ذكاة لها وللخنزير فمعناه حرمت عليكم سائر ما ذكر الا ما ذكيتم مما أحله الله لكم بالتذكية فإنه حلال لكم انتهى . وقيل: الاستثناء راجع إلى الأخير فقط. ثم قال رحمه الله: ومتى قيل ما وجه التكرار في قوله: " والمنخنقة والموقوذة " إلى آخر ما عدد تحريمه مع أنه افتتح الآية بقوله: " حرمت عليكم الميتة " وهي تعم جميع ذلك، وان اختلفت أسباب الموت من خنق أو ترد أو نطح أو إهلال لغير الله به أو أكل سبع. فالجواب: أن الفائدة في ذلك أنهم كانوا لا يعدون الميتة الا ما مات حتف أنفه من دون شئ من هذه الأسباب، فأعلمهم الله سبحانه أن حكم الجميع واحد، وأن وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط. قال السدي: إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميتا: إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. " وما ذبح على النصب " أي الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الأوثان يعني حرم عليكم ما ذبح على اسم الأوثان، وقيل: معناه ما ذبح للأوثان تقربا إليها واللام وعلى يتعاقبان، ألا ترى إلى قوله سبحانه: " فسلام لك من أصحاب اليمين " بمعنى عليك، وكانوا يقربون ويلطخون الأوثان بدمائها، قال ابن جريح : ليست النصب أصناما إنما الأصنام ما يصور وينقش، بل كانت حجارة منصوبة حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين حجرا، وقيل: كانت ثلاثمائة منها لخزاعة، وكانوا إذا ما ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا الدم وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق بتعظيمه فأنزل الله سبحانه: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ". " وأن تستقسموا بالأزلام " موضعه رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ومعناه طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفألون بها في أسفارهم وابتداء أمورهم وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي وبعضها غفل لم يكتب عليها شئ فإذا أرادوا سفرا أو أمرا يهتمون به ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه: " أمرني ربي " مضى الرجل لحاجته، وإن خرج الذي عليه " نهاني ربي " لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شئ أعادوها، فبين الله تعالى أن العمل بذلك حرام عن الحسن وجماعة من المفسرين، ثم ذكر ما سيأتي عن علي بن إبراهيم، ثم قال: وقيل: هي كعاب فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها عن مجاهد، وقيل: الشطرنج عن سفيان بن وكيع " ذلكم فسق " معناه أن جميع ما سبق ذكره فسق، أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله إلى معصيته عن ابن عباس، وقيل: إن " ذلكم " إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أي أن ذلك الاستقسام فسق وهو الأظهر انتهى . وقيل على الأول: وسبب التحريم أنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه، وافتراء على الله إن أريد بربي الله، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم، وعلى هذا يفهم منه تحريم الاستخارة المشهورة التي قال الأكثر بجوازها بل باستحبابها وتدل عليه الروايات: فلا يكون سبب التحريم ما ذكر بل مجرد النص المخصوص و تكون الاستخارة خارجة عنه بالنص، فان الظاهر أن خصوص ما كانوا يفعلونه من اقتراح أنفسهم لا طريق إليه شرعا، والروايات طرق شرعية وحجة بالغة، وليس هذا مثل ذلك كذا ذكره بعض المحققين. وأقول: يظهر من بعض الأخبار أيضا أنهم كانوا يضربون بالقداح عند آلهتهم ويتوسلون في ذلك إليهم فيمكن أن يكون كونه فسقا من هذه الجهة أيضا. ثم إن الآيات المعترضة بين تلك الآيات وبين قوله: " فمن اضطر " اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والاسلام المرضي. وأقول: لا يبعد تغيير نظم الآيات عن الترتيب المنزل لدلالة الروايات المتواترة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام التي نزلت يوم الغدير، فلعلهم تعمدوا ذلك تبعيدا للأذهان عن فهم المراد. " فمن اضطر في مخمصة " في المجمع معناه فمن دعته الضرورة في مجاعة حتى لا يمكنه الامتناع من أكله عن ابن عباس وغيره " غير متجانف لاثم " أي غير مائل إلى إثم، وهو نصب على الحال، يعني فمن اضطر إلى أكل الميتة وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد لذلك ولا مختار له ولا مستحل فان الله سبحانه أباح تناول ذلك له قدر ما يمسك به رمقه بلا زيادة عليه عن ابن عباس وغيره، وبه قال أهل العراق، وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة، وقيل: إن معنى قوله: " غير متجانف لاثم " غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية عن قتادة. " فان الله غفور رحيم " في الكلام محذوف دل ما ذكر عليه، والمعنى فمن اضطر إلى ما حرمت عليه غير متجانف لاثم فأكله فان الله غفور لذنوبه ساتر عليه أكله لا يؤاخذه به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك الاكل ولا يستحق العقاب على فعل المباح، وهو رحيم أي رفيق بعباده، ومن رحمته أباح لهم ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس. " يسألونك " يا محمد " ماذا أحل لهم " معناه أي شئ أحل لهم؟ أي يستخبرك المؤمنون ماذا أحل لهم من المطاعم والمآكل؟ وقيل: من الصيد والذبائح " قل أحل لكم الطيبات " منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من المأكولات والذبائح والصيد عن الجبائي وأبي مسلم، وقيل: مما لم يرد بتحريمه كتاب ولا سنة، وهذا أولى لما ورد أن الأشياء كلها على الاطلاق والإباحة حتى يرد الشرع بالتحريم، وقال البلخي: الطيبات ما يستلذ . " اليوم أحل لكم الطيبات " قال رحمه الله: هذا يقتضي تحليل كل مستطاب من الأطعمة إلا ما قام الدليل على تحريمه . " لا تحرموا " قال في المجمع: هو يحتمل وجوها: منها: أن يريد لا تعتقدوا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تظهروا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم. ومنها: أن لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه، والطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب وقد يقال: الطيب بمعنى الحلال كما يقال: يطيب له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضع .
الهوامش52
[4]في المصدر: لا اعلم ما فيه.ص 88
[5]في المصدر: شفاء عليل.ص 88
[6]في المصدر: " في شعبه " أقول: أي في كتاب شعب الايمان.ص 88
[1]في المصدر: ثم أتى خباء أصحابها.ص 89
[2]في المصدر: أبى رواد.ص 89
[1]في المصدر: دخل مكة قوم تجار من الشام.ص 90
[2]الملة، الجمر. الرماد، الحار، خبز ملة: هو الذي يخبز فيها، وفى المصدر فاختبزوا على ملة لهم.ص 90
[3]في المصدر: ولم ينو به مقابلا.ص 90
[4]في المصدر: فلما رأى بواقيها ذلك قلن.ص 90
[1]حياة الحيوان 2: 70 - 74 فيه: فقلن قد فعلنا كما فعلتن فلم نر شيئا مما حصل لكن، فقيل: أنتن كان عملكن لتنلن كما نال اخوانكن وأولئك كان عملهن لله من غير شئ فظهر ذلك في نسلهن وعقبهن إلى يوم القيامة.ص 91
[1]الظاهر أنه سقط هنا قوله: " وقال تعالى " على ما هو من دأبه عند فصل الآيات.ص 93
[1]قوله: " جعل لكم " و " رزقا لكم " وأمثالهما تدل على أن ما في الأرض يعم كل فرد من الانسان وانهم مشتركون فيه بالسوية على الأصل، الا ما اخرج بالدليل.ص 96
[1]أنوار التنزيل.ص 97
[2]مجمع البيان 1: 252 فيه: والوصيلة فنهاهم الله عن ذلك.ص 97
[3]في المصدر: والمنافع التي لا ضرر على أحد فيها.ص 97
[4]الحظر: المنع.ص 97
[5]مجمع البيان 1: 252.ص 97
[1]تفسير الكشاف.ص 98
[1]مجمع البيان 2: 252.ص 99
[1]تفسير الرازي.ص 100
[1]مجمع البيان 2: 252.ص 101
[2]تفسير الرازي.ص 101
[3]أنوار التنزيل.ص 101
[1]في المصدر: اهليها ووحشيها.ص 102
[2]مجمع البيان 3: 157.ص 102
[١]في المصدر: غير باغ على امام المسلمين.ص 104
[٢]مجمع البيان ١: ٢٥٧.ص 104
[٣]فروع الكافي ٦: ٢٦٥ رواه الكليني باسناده عن العدة عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام.ص 104
[٤]تهذيب الأحكام: ج ٩ ص ٧٨.ص 104
[٥]من لا يحضره الفقيه ٣: ٢١٧ رواه الصدوق في حديث طويل باسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام.ص 104
[6]أنوار التنزيل.ص 104
[1]مجمع البيان 1: 257 فيه: " ليبين " وفيه: " بما رخص فيه " وفيه: إلى طاعة الله.ص 105
[2]في المصدر: بعض ما كان حلالا.ص 105
[١]النساء: ١٦٠.ص 106
[2]أضاف في المصدر: وقال: قل يا محمد: " فأتوا بالتوراة فاتلوها " حتى يتبين انه كما قلت لا كما قلتم " ان كنتم صادقين " في دعواكم، فاحتج.ص 106
[3]مجمع البيان 2: 475.ص 106
[4]في المصدر: بين شعبتين من شجرة فتنخنق.ص 106
[1]في المصدر: ويضرب بالسكين.ص 107
[2]في المصدر: سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير.ص 107
[١]مجمع البيان ٣: ١٥٦ - ١٥٨.ص 108
[٢]الواقعة: ٩١.ص 108
[3]الصحيح: ابن جريج بالجيم في أوله وآخره.ص 108
[4]في المصدر: ما تصور وتنقش بل كانت أحجارا منصوبة حول الكعبة.ص 108
[5]في المصدر: وشرحوا اللحم.ص 108
[١]الحج: ٣٧.ص 109
[2]الغفل: مالا علامة فيه من القداح والدواب وغيرهما.ص 109
[3]مجمع البيان 3: 157 و 158.ص 109
[1]في المصدر: ولا مستحل له.ص 110
[2]في المصدر: لأنه اباحه له ولا يستحق.ص 110
[1]مجمع البيان: 3: 159 - 161.ص 111
[2]مجمع البيان 3: 162.ص 111
[3]مجمع البيان 3: 236.ص 111