Show clickable narrator chain
كان أبو عبد الله عليه السلام ربما أطعمنا الفراني والأخبصة ثم يطعم الخبز والزيت، فقيل له: لو دبرت أمرك حتى يعتدل، فقال: إنما تدبيرنا من الله إذا أوسع علينا وسعنا وإذا قتر علينا قترنا . المحاسن: عن محمد بن علي عن يونس بن يعقوب عن عبد الاعلى قال: أكلت مع أبي عبد الله عليه السلام فدعا واتى بدجاجة محشوة وبخبيص فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذه أهديت لفاطمة ثم قال: يا جارية ائتنا بطعامنا المعروف: فجاء بثريد خل وزيت . 4 باب التواضع في الطعام واستحباب ترك التنوق في الأطعمة وكثرة الاعتناء به الآيات الأحقاف: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون " . تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار " يعني يوم القيامة أي يدخلون النار كما يقال: عرض فلان على السوط، وقيل: معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " أي فيقال لهم: آثرتم طيباتكم ولذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة " واستمتعتم بها " أي انتفعتم بها منهمكين فيها وقيل: هي الطيبات من الرزق يقول: أنفقتموها في شهواتكم وفي ملاذ الدنيا ولم تنفقوها في مرضات الله تعالى. ولما وبخ الله سبحانه الكفار بالتمتع بالطيبات واللذات في هذه الدنيا، آثر النبي وأمير المؤمنين عليهما السلام الزهد والتقشف واجتناب الترفة والنعمة، وقد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال: استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فسلمت عليه ثم جلست، فقلت: يا رسول الله أنت نبي الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولئك قوم عجلت طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنما أخرت لنا طيباتنا. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض خطبه: والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى. وروي محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: والله إن كان علي ليأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميص فيخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه، ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أورث بيضاء ولا حمراء، وإن كان ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخل، ولا ورد عليه أمران كلاهما لله عز وجل فيه رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يمينه تربت منه يداه وعرق فيه وجهه، وما أطاق عمله أحد من الناس، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وإن كان أقرب الناس شبها به لعلي بن الحسين عليه السلام وما أطاق عمله أحد من الناس بعده. ثم إنه قد اشتهر في الرواية أنه عليه السلام لما دخل على العلا بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلا: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد لبس العباء، و تخلي من الدنيا، فقال عليه السلام: علي به فلما جاء قال: يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين: هذا أنت في خشونة عيشك و جشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت، إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره انتهى . وأقول: الخطاب في هذه الآية للكفار، فان طيباتهم كانت منحصرة فيما تمتعوا بها في الدنيا لتفويتهم على أنفسهم استحقاق نعيم الآخرة، فلا تكون حجة في رجحان ترك المؤمنين ملاذ الدنيا ونعيمها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر: واعلموا يا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الآخرة في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال الله عز اسمه: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون " سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما اكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة. فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل، ويعمل له تقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ومثل ذلك كثير أوردتها في كتاب الايمان والكفر، وأما الاخبار المعارضة لها فصنفان: أحدهما ما ورد في كيفية تعيش رسول الله وأمير المؤمنين وبعض الأئمة عليهم السلام فمع معارضتها لأطوار بعضهم أيضا محمولة على أنها من خصائص النبي صلى الله عليه وآله والامام الممكن من التصرف، كما يدل عليه خبر عاصم بن زياد المتقدم وغيره، والصنف الآخر الذي لا يحتمل ذلك محمولة على من يحصله من الحرام أو الشبهة، أو يكون مسرفا في ذلك بحيث لا يناسب حاله أو يعلم من نفسه أن ذلك يصير سببا لطغيانه فيحتاج إلى تذليل بدنه وامتهانه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في أبواب المكارم مع ساير الأخبار المتعلقة بذلك.
الهوامش5
[١]المحاسن: ٤٠٠.ص 319
[٢]المحاسن: ٤٠٠.ص 319
[٣]الأحقاف: ٢٠.ص 319
[1]مجمع البيان 5 ر 87 - 88.ص 321
[2]راجع أمالي الطوسي 1 ر 25 - 26.ص 321