وقيل : تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى. وقيل : إن البشرى تكون في ثلاثة مواطن : عند الموت ، وفي القبر ، وعند البعث « ألا تخافوا ولا تحزنوا » أي يقولون لهم : لا تخافوا عقاب الله ولا تحزنوا لفوت الثواب. وقيل : لا تخافوا ما أمامكم من امور الآخرة ، ولا تحزنوا على ما وراءكم وعلى ما خلفتم من أهل وولد. وقيل : لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم ، فإني أغفرها لكم. وقيل : إن الخوف يتناول المستقبل ، والحزن يتناول الماضي أي لا تخافوا فيما يستقبل من الاوقات ، ولا تحزنوا على ما مضى. « وجاءت سكرة الموت » أي غمرة الموت [١] وشدته التي تغشي الانسان وتغلب على عقله « بالحق » أي أمر الآخرة حتى عرفه صاحبه واضطر إليه. وقيل : معناه : جاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت « ذلك » أي ذلك الموت « ما كنت منه تحيد » أي تهرب وتميل. « فلولا إذا بلغت الحلقوم » أي فهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت وأنتم يا أهل الميت » حينئذ تنظرون « أي ترون تلك الحال وقد صار إلى أن يخرج نفسه. وقيل : معناه : تنظرون لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا » ونحن أقرب إليه منكم « بالعلم و القدرة » ولكن لا تبصرون « ذلك ولا تعلمونه. وقيل : معناه : ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون رسلنا » فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها « يعني فهلا ترجعون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم وتردونها إلى موضعها إن كنتم غير مجزيين بثواب وعقاب وغير محاسبين. وقيل : أي غير مملوكين. وقيل : أي غير مبعوثين ، والمرد أن الامر لو كان كما تقولونه من أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يحاسب ويجازي فهلا رددتم الارواح والنفوس من حلوقكم إلى أبدانكم إن كنتم صادقين في قولكم ، فإذا لم تقدروا على ذلك فاعلموا أنه من تقدير مقدر حكيم و تدبير مدبر عليم. « فأما إن كان » ذلك المحتضر « من المقربين » عند الله « فروح » أي فله روح وهو الراحة والاستراحة من تكاليف الدنيا ومشاقها. وقيل : الروح : الهواء الذي تستلذه النفس ويزيل عنها الهم « وريحان » يعني الرزق في الجنة. وقيل : هو الريحان المشموم من ريحان الجنة يؤتى به عند الموت فيشمه. وقيل : الروح : الرحمة ، والريحان : كل نباهة وشرف. وقيل : الروح : النجاة [١]غمرة الشئ : شدته ومزدحمه ، غمرة الموت : مكارهه وشدائده. من النار ، والريحان : الدخول في دار القرار. وقيل : روح في القبر ، وريحان في الجنة. وقيل : روح في القبر ، وريحان في القيامة. « فسلام لك من أصحاب اليمين » أي فترى فيهم ما تحب لهم من السلامة من المكاره والخوف. وقيل : معناه : فسلام لك أيها الانسان الذي هو من أصحاب اليمين من عذاب الله ، وسلمت عليك ملائكة الله ، قال الفراء : فسلام لك إنك من أصحاب اليمين ، فحذف إنك. وقيل : معناه : فسلام لك منهم في الجنة لانهم يكونون معك ويكون « لك » بمعنى عليك. « فنزل من حميم » أي فنزلهم الذي اعد لهم من الطعام والشراب من حميم جهنم « وتصلية جحيم » أي إدخال نار عظيمة « كلا » أي ليس يؤمن الكافر بهذا. وقيل : معناه : حقا « إذا بلغت » أي النفس أو الروح » التراقي « أي العظام المكتنفة بالحلق ، وكني بذلك عن الاشفاء على الموت. وقيل : « من راق » أي وقال من حضره : هل من راق أي من طيب شاف يرقيه ويداويه فلا يجدونه ، أو قالت الملائكة : من يرقي بروحه؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقال الضحاك : أهل الدنيا يجهزون البدن وأهل الآخرة يجهزون الروح « وظن إنه الفراق » أي وعلم عند ذلك أنه الفراق من الدنيا والاهل والمال والولد ، وجاء في الحديث أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته ، ومفاصله يسلم بعضها على بعض تقول : عليك السلام تفارقني وافارقك إلى يوم القيامة. « والتفت الساق بالساق » فيه وجوه : أحدها التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا ، والثاني التفت حال الموت بحال الحياة ، والثالث التفت ساقاه عند الموت لانه تذهب القوة فتصير كجلد بعضه ببعض ، وقيل : هو أن يضطرب فلا يزال يمد إحدى رجليه و يرسل الاخرى ويلف إحداهما بالاخرى. وقيل : هو التفاف الساقين في الكفن ، والرابع التفت ساق الدنيا بساق الآخرة وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع ، والمعنى في الجميع أنه تتابعت عليه الشدائد فلا يخرج من شدة إلا جاء أشد منها. « إلى ربك يومئذ المساق » أي مساق الخلائق إلى المحشر الذي لا يملك فيه الامر والنهي إلا الله تعالى. وقيل : يسوق الملك بروحه إلى حيث أمر الله به ، إن كان من أهل الجنة فإلى عليين ، وإن كان من أهل النار فإلى سجين. « يا أيتها النفس المطئمنة » بالايمان ، المؤمنة ، الموقنة بالثواب والبعث. وقيل : المطمئنة الآمنة بالبشارة بالجنة عند الموت ويوم البعث. وقيل : النفس المطمئنة التي يبيض وجهها وتعطى كتابها بيمينها فحينئذ تطمئن « ارجعي إلى ربك » أي يقال لها عند الموت وقيل : عند البعث : ارجعي إلى ثواب ربك وما أعده لك من النعيم. وقيل : ارجعي إلى الموضع الذي يختص الله سبحانه بالامر والنهي فيه دون خلقه. وقيل : إن المراد : ارجعي إلى صاحبك وجسدك فيكون الخطاب للروح أن ترجع إلى الجسد « راضية » بثواب الله « مرضية » أعمالها التي عملتها. وقيل : راضية عن الله بما أعد لها ، مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته. وقيل : راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها ورضي باعتقادها وأفعالها « فادخلى في عبادي » أي في زمرة عبادي الصالحين المصطفين الذين رضيت عنهم « وادخلي جنتي » التي وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها.
الهوامش · 1⌄
[١]بالباء المفتوحة والراء المهملة ، والالف والهمزة.ص 148