Show clickable narrator chain
قلت للإمام الباقر محمد بن علي عليهما السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن المؤمن من شيعة أمير المؤمنين إذا بلغ وكمل في المعرفة هل يزني؟ قال عليه السلام: لا، قلت: فيلوط؟ قال: لا، قلت: فيسرق؟ قال: لا، قلت: فيشرب خمرا؟ قال: لا، قلت: فيذنب ذنبا؟ قال: لا قال الراوي: فتحيرت من ذلك، وكثر تعجبي منه، قلت: يا ابن رسول الله إني أجد من شيعة أمير المؤمنين ومن مواليكم من يشرب الخمر، ويأكل الربا، و يزني ويلوط، ويتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وأبواب البر حتى أن أخاه المؤمن يأتيه في حاجة يسيرة فلا يقضيها له، فكيف هذا يا ابن رسول الله؟ ومن أي شئ هذا؟. قال: فتبسم الإمام عليه السلام وقال: يا أبا إسحاق هل عندك شئ غير ما ذكرت؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله وإني أجد الناصب الذي لا أشك في كفره يتورع عن هذه الأشياء: لا يستحل الخمر ولا يستحل درهما لمسلم، ولا يتهاون بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ويقوم بحوائج المؤمنين والمسلمين، لله وفي الله تعالى فكيف هذا ولم هذا؟. فقال عليه السلام: يا إبراهيم لهذا أمر باطن، وهو سر مكنون، وباب مغلق مخزون، وقد خفي عليك وعلى كثير من أمثالك وأصحابك، وإن الله عز وجل لم يؤذن أن يخرج سره وغيبه إلا إلى من يحتمله وهو أهله، قلت: يا ابن رسول الله إني والله لمحتمل من أسراركم، ولست بمعاند ولا بناصب، فقال عليه السلام: يا إبراهيم نعم أنت كذلك، ولكن علمنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، وإن التقية من ديننا ودين آبائنا ومن لا تقية له فلا دين له. يا إبراهيم لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا، يا إبراهيم إن من حديثنا وسرنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن. قلت: يا سيدي ومولاي فمن يحتمله إذا؟ قال: ما شاء الله وشئنا، ألا من أذاع سرنا إلا إلى أهله، فليس منا - ثلاثا - ألا من أذاع سرنا أذاقه الله حر الحديد. ثم قال: يا إبراهيم خذ ما سألتني علما باطنا مخزونا في علم الله تعالى الذي حبا الله جل جلاله به رسوله صلى الله عليه وآله، وحبا به رسوله وصيه أمير المؤمنين عليه السلام ثم قرء عليه السلام هذه الآية " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول " ويحك يا إبراهيم إنك قد سألتني عن المؤمنين من شيعة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن زهاد الناصبة وعبادهم، من ههنا قال الله عز وجل " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " ومن ههنا قال الله عز وجل: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية ". وهذا الناصب قد جبل على بغضنا، ورد فضلنا، ويبطل خلافة أبينا أمير المؤمنين عليه السلام، ويثبت خلافة معاوية وبني أمية، ويزعم أنهم خلفاء الله في أرضه، و يزعم أن من خرج عليهم وجب عليه القتل، ويروي في ذلك كذبا وزورا، ويروي أن الصلاة جايزة خلف من غلب، وإن كان خارجيا ظالما، ويروي أن الإمام الحسين بن علي صلوات الله عليهما كان خارجيا خرج على يزيد بن معاوية، و يزعم أنه يجب على كل مسلم أن يدفع زكاة ماله إلى السلطان وإن كان ظالما. يا إبراهيم هذا كله رد على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، سبحان الله قد افتروا على الله الكذب، وتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وآله الباطل، وخالفوا الله و خالفوا رسوله وخلفاءه. يا إبراهيم لاشرحن لك هذا من كتاب الله، الذي لا يستطيعون له إنكارا ولا منه فرارا، ومن رد حرفا من كتاب الله فقد كفر بالله ورسوله. فقلت: يا ابن رسول الله إن الذي سألتك في كتاب الله؟ قال: نعم، هذا الذي سألتني في أمر شيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأمر عدوه الناصب في كتاب الله عز وجل، قلت: يا ابن رسول الله هذا بعينه؟ قال: نعم هذا بعينه في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. يا إبراهيم اقرأ هذه الآية " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض " أتدري ما هذه الأرض؟ قلت: لا، قال عليه السلام: اعلم أن الله عز وجل خلق أرضا طيبة طاهرة، وفجر فيها ماء عذبا زلالا، فراتا سائغا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام، ثم نضب عنها ذلك الماء بعد السابع فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا، فجعله طين الأئمة عليهم السلام ثم أخذ جل جلاله ثفل ذلك الطين، فخلق منه شيعتنا، ومحبونا من فضل طينتنا، فلو ترك يا إبراهيم طينتكم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن سواء. قلت: يا ابن رسول الله ما صنع بطينتنا؟ قال: مزج طينتكم ولم يمزج طينتنا قلت: يا ابن رسول الله وبما ذا مزج طينتنا؟ قال عليه السلام: خلق الله عز وجل أيضا أرضا سبخة خبيثة منتنة، وفجر فيها ماء أجاجا مالحا آسنا، ثم عرض عليها جلت عظمته ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فلم تقبلها، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام، ثم نضب ذلك الماء عنها. ثم أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث وخلق منه أئمة الكفر و الطغاة والفجرة، ثم عمد إلى بقية ذلك الطين فمزج بطينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم ما عملوا أبدا عملا صالحا، ولا أدوا أمانة إلى أحد ولا شهدوا الشهادتين، ولا صاموا ولا صلوا ولا زكوا ولا حجوا ولا أشبهوكم في الصور أيضا. يا إبراهيم ليس شئ أعظم على المؤمن أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عز وجل، والمؤمن لا يعلم أن تلك الصورة من طين المؤمن ومزاجه. يا إبراهيم ثم مزج الطينتان بالماء الأول والماء الثاني، فما تراه من شيعتنا من ربا وزنا ولواطة وخيانة وشرب خمر وترك صلاة وصيام وزكاة وحج و جهاد، فهي كلها من عدونا الناصب، وسنخه ومزاجه الذي مزج بطينته، وما رأيته في هذا العدو الناصب من الزهد والعبادة والمواظبة على الصلاة وأداء الزكاة و الصوم والحج والجهاد وأعمال البر والخير، فذلك كله من طين المؤمن وسنخه ومزاجه. فإذا عرض أعمال المؤمن وأعمال الناصب على الله، يقول عز وجل: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ما أظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب وطينه ومزاجه. هذه الأعمال الصالحة كلها من طين المؤمن ومزاجه، والأعمال الردية التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب، ويلزم الله تعالى كل واحد منهم ما هو من أصله وجوهره وطينته، وهو أعلم بعباده من الخلائق كلهم، أفترى ههنا ظلما وجورا وعدوانا؟ ثم قرء عليه السلام " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ". يا إبراهيم إن الشمس إذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلها، أهو بائن من القرصة أم هو متصل بها؟ شعاعها تبلغ في الدنيا في المشرق والمغرب حتى إذا غابت يعود الشعاع ويرجع إليها، أليس ذلك كذلك؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فكذلك يرجع كل شئ إلى أصله وجوهره وعنصره. فإذا كان يوم القيامة ينزع الله تعالى من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويرده إلى المؤمن، وينزع الله من المؤمن سنخ الناصب ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية، ويرده إلى الناصب عدلا منه جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ويقول للناصب: لا ظلم عليك، هذه الأعمال الخبيثة من طينتك ومزاجك، وأنت أولى بها وهذه الأعمال الصالحة من طينة المؤمن ومزاجه، وهو أولى بها! " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ". أفترى ههنا ظلما وجورا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله، بل أرى حكمة بالغة فاضلة، وعدلا بينا واضحا، ثم قال عليه السلام: أزيدك بيانا في هذا المعنى من القرآن؟ قلت: بلى يا بن رسول الله قال: أليس الله عز وجل يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " وقال عز وجل: " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ". فقلت: سبحان الله العظيم ما أوضح ذلك لمن فهمه؟ وما أعمى قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته؟ فقال عليه السلام: يا إبراهيم من هذا قال الله تعالى " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " [2] ما رضي الله تعالى أن يشبههم بالحمير والبقر والكلاب والدواب حتى زادهم فقال: " بل هم أضل سبيلا ". يا إبراهيم قال الله عز وجل ذكره في أعدائنا الناصبة: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " وقال عز وجل " يحسبون أنهم يحسنون صنعا " [4] وقال جل جلاله " يحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون " [5] وقال عز وجل: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا " [6] كذلك الناصب يحسب ما قدم من عمله نافعة حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ثم ضرب مثلا آخر " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ". (7 ثم قال عليه السلام يا إبراهيم أزيدك في هذا المعنى من القرآن؟ قلت: بلى، يا بن رسول الله قال عليه السلام: قال الله تعالى " يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، وحسنات أعدائنا سيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. هذا يا إبراهيم من باطن علم الله المكنون، ومن سره المخزون، ألا أزيدك من هذا الباطن شيئا في الصدور؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال عليه السلام: " قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ وإنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " [2] والله الذي لا إله إلا هو فالق الاصباح، فاطر السماوات والأرض، لقد أخبرتك بالحق، وأنبأتك بالصدق، والله أعلم وأحكم. وقال بعض المحققين في شرحه: جملة القول في بيان السر فيه أنه قد تحقق وثبت أن كلا من العوالم الثلاثة، له مدخل في خلق الانسان، وفي طينته ومادته، من كل حظ ونصيب، ولعل " الأرض الطيبة " كناية عماله في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي منه الأرواح المثالية، والقوى الخيالية الفلكية، المعبر عنهم بالمدبرات أمرا. و " الماء العذب " عما له في طينته من إفاضات عالم الجبروت، الذي منه الجواهر القدسية، والأرواح العالية، المجردة عن الصور، المعبر عنهم بالسابقات سبعا. و " الأرض الخبيثة " عما له في طينته من أجزاء عالم الملك الذي منه الأبدان العنصرية المسخرة تحت الحركات الفلكية، المسخرة لما فوقها. و " الماء الأجاج المالح الاسن " عماله في طينته من تهيجات الأوهام الباطلة والأهواء المموهة الردية، الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت، مما لا أصل له ولا حقيقة. ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك والثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت منه، و " كدورة الطين المنتن الخبيث " مما غلب عليه طبايع عالم الملك، وما يتبعه من الأهواء المضلة. وإنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة عليهم السلام، مع أن أبدانهم العنصرية منه، لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا ولا بهذه الأجساد تعلق ركون وإخلاد، فهم وإن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية، ولكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه. قال الصادق عليه السلام في حديث حفص بن غياث: " يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها " فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية، إذا ارتحلوا عنها، ولم يبق معهم منها كدورة، وإنما لم يذكر نصيب الناصب وأئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت، مع أن لهم منه حظ الشعور والإدراك وغير ذلك، لعدم تعلقهم ولا ركونهم إليه، ولذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم والحكمة ويثقل عليهم، فهم الاسرار والمعارف، فليس لهم من ذلك العالم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال نسوا الله فأنساهم أنفسهم فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم، حيث أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم. فإذا جاء يوم الفصل وميز الله الخبيث من الطيب، ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت وأعلى الجنان والتحق بالمقربين، ومن غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت، ومواصلة الحور والولدان، والتحق بأصحاب اليمين، وبقي من غلب عليه الملك في الحسرة والثبور والهوان، والتعذيب بالنيران إذ فرق الموت بينه وبين محبوباته ومشتهياته. فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت، خلقت بتبعيتها بالعرض، إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به، ويعذبون بمجاورته، من سموم وحميم وظل من يحموم، ومن حياة وعقارب وذوات لدغ وسموم، ومن ذهب وفضة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل الله واشرب في قلوبهم محبتها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ومن آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها، مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم وهو يضرهم، إذ يقال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - وبالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل، بل هو متاع الغرور، فإذا كان يوم القيامة وبرزت وحواق الأمور كسد متاعهم، وصار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف، لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم. أعمالهم التي أحاطت بهم، وجميع المعاصي والشهوات، يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية ومحبتها، فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة، ومن ليس من أهلها وإنما ابتلي بها، وارتكبها مع إيمان منه بقبحها، وخوف من الله سبحانه في إتيانها، فلا جرم يندم على ارتكابها، إذا رجع إلى عقله، وأناب إلى ربه فيصير ندامته عليها، والاعتراف بها، وذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه، وهذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات. فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك، وشهوتهم له، وعقد ضمائرهم على فعله دائما إن تيسر لهم، لأنهم كانوا من أهله ومن جنسه، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. والسعداء إنما لم يخلدوا في العذاب، ولم يشتد عليهم العقاب، بما فعلوا من القبائح، لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم، وخوف من ربهم، لأنهم لم يكونوا من أهلها، ولا من جنسها، بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه، وعزمهم عليه، وعقد ضمائرهم على فعله، إن تيسر لهم. فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وإنما ينوي كل ما ناسب طينته، ويقتضيه جبلته، كما قال الله سبحانه: " قل كل يعمل على شاكلته " ولهذا ورد في الحديث: إن كلا من أهل الجنة والنار، إنما يخلدون فيما يخلدون على نياتهم، وإنما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء مما أنسوا به قليلا، وألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا. وروى الشيخ الصدوق رحمه الله في اعتقاداته مرسلا: أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها، وإنما يصيبهم آلام عند الخروج منها فيكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم، وما الله بظلام للعبيد، انتهى. وأقول: بناء هذه التأويلات على أمور ليست مخالفتها لأصول متكلمي الإمامية أقل من مخالفة ظواهر تلك الأخبار، وقد تكلمنا في أمثال هذه الروايات في كتاب العدل، وكان ترك الخوض فيها وفي أمثالها، ورد علمها مع صحتها إلى من صدرت عنه أحوط وأولى، كما قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه.
الهوامش11
[١]الجن: ٢٧ و ٢٨.ص 103
[٢]الفرقان: ٢١.ص 103
[١]الغاشية: ٤.ص 104
[٢]النجم: ٣٢.ص 104
[١]يوسف: ٧٩.ص 106
[٢]المؤمن: ١٧.ص 106
[٣]النور: ٢٤.ص 106
[١]الأنفال: ٣٧ و ٣٨ [٢] الفرقان: ٤٤.ص 107
[٣]الفرقان: ٢١ [4] الكهف: 105 [5] المجادلة: 18 [6] النور: 40 [7] النور: 41ص 107
[١]الفرقان: ٧١ [2] العنكبوت: 12 و 13.ص 108
[١]أسرى: ٨٤.ص 111