Show clickable narrator chain
سمعته يقول: ليس لأحد على الله ثواب على عمل إلا للمؤمنين.
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
سمعته يقول: ليس لأحد على الله ثواب على عمل إلا للمؤمنين.
إذا أحسن العبد المؤمن ضاعف الله له عمله، لكل عمل سبعمائة ضعف، وذلك قول الله عز وجل: " والله يضاعف لمن يشاء "
إن المؤمن ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض، وقال عليه السلام: إن المؤمن ولي الله يعينه ويصنع له، ولا يقول على الله إلا الحق، ولا يخاف غيره.
وقال عليه السلام: إن المؤمنين ليلتقيان فيتصافحان، فلا يزال الله عز وجل مقبلا عليهما بوجهه، والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يفترقا.
لا يقدر الخلائق على كنه صفة الله عز وجل، فكما لا يقدر على كنه صفة الله عز وجل، فكذلك لا يقدر على كنه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكما لا يقدر على كنه صفة الرسول صلى الله عليه وآله فكذلك لا يقدر على كنه صفة الإمام عليه السلام، وكما لا يقدر على كنه صفة الإمام عليه السلام كذلك لا يقدر على كنه صفة المؤمن.
يقول الله عز وجل: من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي، وما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن، إني لأحب لقاءه فيكره الموت فأصرفه عنه، وإنه ليسألني فاعطيه وإنه ليدعوني فأجيبه، ولو لم يكن في الدنيا إلا عبد مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد.
لو كانت ذنوب المؤمن مثل رمل عالج ومثل زبد البحر لغفرها الله له فلا تجتروا.
يتوفى المؤمن مغفورا له ذنوبه والله جميعا.
ومنه: عنه عليه السلام قال: إن المؤمن إذا دعا الله أجابه، فشخص بصري نحوه إعجابا بما قال، فقال: إن الله واسع لخلقه.
[1]وفى المطبوع " اعجابا بها قال فقال: وهو تصحيفص 65
إذا مات المؤمن صعد ملكاه فقالا: يا رب مات فلان، فيقول، انزلا فصليا عليه عند قبره، وهللاني وكبراني إلى يوم القيامة واكتبا ما تعملان له.
رأي المؤمن ورؤياه جزء من سبعين جزءا من النبوة ومنهم من يعطى على الثلث.
إن عمل المؤمن يذهب فيمهد له في الجنة كما يرسل الرجل غلامه فيفرش له ثم تلا: " ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ".
ومنه: عنه عليه السلام قال: إن الله عز وجل يذود المؤمن عما يكره كما يذود الرجل البعير الغريب ليس من أهله.
ومنه: عنه عليه السلام أنه قال: كما لا ينفع مع الشرك شئ، فلا يضر مع الايمان شئ.
يقول الله عز وجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي على المؤمن، لأني أحب لقاءه ويكره الموت فأزويه عنه، ولو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاكتفيت به عن جميع خلقي، وجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج فيه إلى أحد.
ما مؤمن يموت في غربة من الأرض فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وبكته أثوابه وبكته أبواب السماء التي كان يصعد بها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به. وأقول: ستأتي الاخبار في ذلك وشرحها في كتاب الجنائز إن شاء الله.
إن ذنوب المؤمن مغفورة، فيعمل المؤمن لما يستأنف، أما إنها ليست إلا لأهل الايمان.
نهج البلاغة، في بعض خطبه عليه السلام: سبيل أبلج المنهاج، أنور السراج فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان، وبالايمان يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت، وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الآخرة وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين، وتبرز الجحيم للغاوين، وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى .
[1]نهج البلاغة عبده ط مصر ص 301 الخطبة 154 [2] يوسف: 17 [3] بل الصحيح أن الاستدلال ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفلاسفة والمتكلمين بل هو بمعناه اللغوي وهو الاستهداء والمراد أن الايمان يهدى إلى عمل الصالحات فيمن آمن ولم يكن ليعمل الصالحات كما أن الصالحات تهدى إلى الايمان بالله فيمن يعمل الصالحات ولم يكن ليؤمن بالله كما سيجئ احتماله فيما بعد.ص 67
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها شتاء ولا قيظا، قيل: يا رسول الله وما هي؟ قال: النخلة.
يعير الله عز وجل عبدا من عباده يوم القيامة، فيقول: عبدي! ما منعك إذ مرضت أن تعودني؟ فيقول: سبحانك سبحانك أنت رب العباد لا تألم ولا تمرض، فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده، وعزتي وجلالي لو عدته لوجدتني عنده، ثم لتكفلت بحوائجك فقضيتها لك وذلك من كرامة عبدي المؤمن وأنا الرحمان الرحيم .
[١]أمالي الطوسي ج ٢ ص ٢٤٢ ط النجف.ص 70
إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل، وقدر أمر به إلى النار، فيقول: يا فلان أغثني فاني كنت أصنع إليك المعروف في دار الدنيا فيقول للملك: خل سبيله: فيأمر الله به فيخلي سبيله.
يؤتى بعبد يوم القيامة ليست له حسنة فيقال له: أذكر وتذكر هل لك حسنة؟ فيقول: ما لي حسنة غير أن فلانا عبدك المؤمن مر بي فسألني ماء ليتوضأ به فيصلي، فأعطيته فيدعى بذلك العبد، فيقول: نعم يا رب فيقول الرب جل ثناؤه: قد غفرت لك، أدخلوا عبدي جنتي.
يقال للمؤمن يوم القيامة: تصفح وجوه الناس، فمن كان سقاك شربة أو أطعمك أكلة، أو فعل بك كذا وكذا فخذ بيده فأدخله الجنة - قال: فإنه ليمر على الصراط ومعه بشر كثير، فيقول الملائكة: يا ولي الله إلى أين يا عبد الله؟ فيقول جل ثناؤه: أجيزوا لعبدي، فأجازوه، وإنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يجيز على الله فيجيز أمانه.
قال لي أبو جعفر عليه السلام: إن المؤمن ليفوض الله إليه يوم القيامة فيصنع ما يشاء، قلت: حدثني في كتاب الله أين قال؟ قال: قوله " لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد " فمشية الله مفوضة إليه، والمزيد من الله ما لا يحصى، ثم قال: يا جابر ولا تستعن بعدو لنا في حاجة، ولا تستطعمه ولا تسأله شربة، أما إنه ليخلد في النار فيمر به المؤمن، فيقول: يا مؤمن ألست فعلت كذا وكذا؟ فيستحيي منه، فيستنقذه من النار، وإنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن على الله فيجيز الله أمانه.
[٢]ق: ٣٥.ص 70
المؤمن زعيم أهل بيته، شاهد عليهم ولايتهم، وقال: إن المؤمن يخشع له كل شئ حتى هوام الأرض وسباعها و طير السماء.
قال الباقر عليه السلام: إن الله أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا وفي دينه، والفلح في الآخرة، والمهابة في صدور العالمين.
المؤمن أعظم حرمة من الكعبة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن في الأرض ما بين المشرق والغرب إلا عبد واحد مع إمام عادل لاستغنيت بهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وسبع أرضين بهما، وجعلت لهما من إيمانهما انسا لا يحتاجون إلى انس سواهما.
ومنه: قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ما من شئ أحب إلى الله من الايمان والعمل الصالح، وترك ما أمر أن يترك.
ومنه: عنه صلى الله عليه وآله قال: لا يعذب الله أهل قرية وفيها مائة من المؤمنين لا يعذب الله أهل قرية وفيها خمسون من المؤمنين، لا يعذب الله أهل قرية وفيها عشرة من المؤمنين، لا يعذب الله أهل قرية وفيها خمسة من المؤمنين، لا يعذب الله أهل قرية وفيها رجل واحد من المؤمنين.
مرحبا بالبيت ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله؟! والله للمؤمن أعظم حرمة منك، لان الله حرم منك واحدة، ومن المؤمن ثلاثة: ماله، ودمه، وأن يظن به ظن السوء.
ومنه: عنه صلى الله عليه وآله قال: من آذى مؤمنا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل ومن آذى الله فهو ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
ومنه: عنه صلى الله عليه وآله قال: مثل المؤمن كمثل ملك مقرب، وإن المؤمن أعظم حرمة عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب ومؤمنة تائبة، وإن المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده.
إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا، أما تسمع الله عز وجل يقول: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا، وقال: إن المؤمن أعز من الجبل، يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه.
[١]المنافقون: ٨.ص 72
أنه قال يا فضل لا تزهدوا في فقراء شيعتنا، فان الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر، ثم قال: يا فضل إنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن على الله فيجيز الله أمانه، ثم قال: أما سمعت الله تعالى يقول في أعدائكم إذا رأوا شفاعة الرجل منكم لصديقه يوم القيامة: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " الخبر
[٢]الشعراء: ١٠٠.ص 72
[3]أمالي الطوسي ج 1 ص 46.ص 72
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو كشف الغطاء عن الناس، فنظروا إلى ما وصل ما بين الله وبين المؤمن، خضعت للمؤمن رقابهم وتسهلت له أمورهم، ولانت طاعتهم، ولو نظروا إلى مردود الأعمال من السماء، لقالوا: ما يقبل الله من أحد عملا. 2 * (باب) * * (أن المؤمن ينظر بنور الله، وان الله خلقه من نوره) * 1 - بصائر الدرجات: عن محمد بن عيسى، عن سليمان الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام قال: يا سليمان اتق فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، فسكت حتى أصبت خلوة، فقلت: جعلت فداك سمعتك تقول: اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله؟ قال: نعم يا سليمان إن الله خلق المؤمن من نوره، وصبغهم في رحمته وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية، والمؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمه، أبوه النور وأمه الرحمة، وإنما ينظر بذلك النور الذي خلق منه.
[١]المحاسن: ١٣٢.ص 73
[٢]بصائر الدرجات: ٧٩.ص 73
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك هذا الحديث الذي سمعته منك ما تفسيره؟ قال: وما هو؟ قلت: " إن المؤمن ينظر بنور الله " قال: يا معاوية، إن الله خلق المؤمن من نوره، وصبغهم في رحمته، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية على معرفته، يوم عرفه نفسه، فالمؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمه، أبوه النور وأمه الرحمة، فإنما ينظر بذلك النور الذي خلق منه. فضائل الشيعة للصدوق: عن أبيه، عن سعد، عن عباد بن سليمان، عن محمد ابن سليمان، مثله.
[١]بصائر الدرجات ص ٨٠.ص 74
[٢]فضائل الشيعة: ١٥٠.ص 74
إن الله جعل لنا شيعة فجعلهم من نوره، وصبغهم في رحمته، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية على معرفته يوم عرفهم نفسه، فهو المتقبل من محسنهم، المتجاوز عن مسيئهم، من لم يلق الله بما هو عليه لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز عنه سيئة.
[٣]بصائر الدرجات ص ٨٠.ص 74
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم تلا: " إن في ذلك لايات للمتوسمين ".
[٤]الحجر: ٧٥.ص 74
[٥]بصائر الدرجات: ٣٥٧.ص 74
" إن في ذلك لايات للمتوسمين " قال: هم الأئمة عليهم السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله لقول الله: " إن في ذلك لايات للمتوسمين ".
[5]عيون أخبار الرضا ج 2 ص 200.ص 75
قال لي: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من نوره وصبغهم في رحمته، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية، فالمؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمه، وأبوه النور وأمه الرحمة فاتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله الذي خلق منه
[6]نهج البلاغة: 219 تحت الرقم 309 من باب الحكم والمواعظص 75
إن الله تبارك وتعالى أجرى في المؤمن من ريح روح الله، والله تبارك وتعالى يقول: " رحماء بينهم ".
[٣]الفتح: ٢٩.ص 75
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إياكم وفراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن ينظر بنور الله.
نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اتقوا ظنون المؤمنين، فإن الله سبحانه جعل الحق على ألسنتهم.
تقبضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي؟ قال: نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخ المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها . أي تأوهت، " من ريح روحه " أي من نسيم من روحه الذي نفخه في الأنبياء والأوصياء عليهم السلام كما قال: " ونفخت فيه من روحي " أو من رحمة ذاته كما قال الصادق عليه السلام: والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون. أو الإضافة بيانية، شبه الروح بالريح لسريانه في البدن، كما أن نسبة النفخ إليه لذلك، أي من الروح الذي هو كالريح واجتباه واختاره، ويمكن أن يقرء بفتح الراء أي من نسيم رحمته، كما في خبر آخر: " وأجرى فيهم من روح رحمته ". " لأبيه وأمه " الظاهر تشبيه الطينة بالام والروح بالأب ويحتمل العكس.
[١]الكافي ج ٢ ص ١٦٦. وتراه في المحاسن: ١٣٣.ص 76
[٣]الحجر: ٢٩، ص: 72ص 76
* (باب) * * " (طينة المؤمن وخروجه من الكافر وبالعكس) " * * " (وبعض اخبار الميثاق زائدا على ما تقدم) " * * " (في كتاب التوحيد والعدل) " *
خلق الله تبارك وتعالى شيعتنا من طينة مخزونة، لا يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل أبدا إلى يوم القيامة. .
[1]المحاسن: 134.ص 77
إنا وشيعتنا خلقنا من طينة واحدة.
[2]المصدر: 135.ص 77
قال أبو عبد الله عليه السلام: المؤمن آنس الانس جيد الجنس، من طينتنا أهل البيت.
[3]المصدر نفسه: 135.ص 77
إن الله إذا أراد أن يخلق المؤمن من المؤمن والمؤمن من الكافر، بعث ملكا فأخذ قطرة من ماء المزن، فألقاها على ورقة، فأكل منها أحد الأبوين فذلك المؤمن منه.
[4]أو هو الانس خلاف الجن والمعنى أن المؤمن آنس أفراد الانس.ص 77
[١]والمراد الأب فإنه صاحب النطفة، وبه يلحق الولد، وهذا التعبير وزان قوله عليه السلام: " اختاروا لنطفكم فان الخال أحد الضجيعين ".ص 78
إن نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك، فلا يصيبه شئ من الشر حتى يضعه، فإذا صار بشرا سويا، لم يصبه شئ من الشر حتى يجري عليه القلم .
[٣]المصدر: ١٣٨.ص 78
سألت الصادق عليه السلام من أي شئ خلق الله طينة المؤمن؟ قال: من طينة عليين، قال: قلت: فمن أي شئ خلق المؤمن؟ قال: من طينة الأنبياء فلن ينجسه شئ .
[٤]الاختصاص: ٢٥. ومثله في الكافي ج ٢ ص ٣ باسناده عن صالح بن سهل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك من أي شئ خلق الله عز وجل طينة المؤمن؟ص 78
إن الله خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق الكفار من طينة سجين قلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر، ويلد الكافر المؤمن، ومن هذا يصيب المؤمن السيئة، ومن ههنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه، وقلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه .
[٥]الاختصاص: ٢٤. ومثله في الكافي ج ٢ ص ٢.ص 78
إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنة، وخلق الكافر من طينة النار، وقال: إذا أراد الله بعبد خيرا طيب روحه وجسده، فلا يسمع شيئا من الخير إلا عرفه، ولا يسمع شيئا من المنكر إلا أنكره. قال: وسمعته يقول: الطينات ثلاث: طينة الأنبياء، والمؤمن من تلك الطينة إلا أن الأنبياء هم من صفوتها هم الأصل ولهم فضلهم، والمؤمنون الفرع من طين لازب كذلك، لا يفرق الله عز وجل بينهم وبين شيعتهم، وقال: طينة الناصب من حمأ مسنون، وأما المستضعفون فمن تراب، لا يتحول مؤمن عن إيمانه، ولا ناصب عن نصبه، ولله المشية فيهم .
[١]الكافي ج ٢ ص ٣.ص 82
إن في الجنة لشجرة تسمى المزن، فإذا أراد الله أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة فلا تصيب بقلة ولا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلا أخرج الله عز وجل من صلبه مؤمنا .
[٢]الكافي ج ٢ ص ١٤.ص 84
قلت له: جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان قال: أما النسب فأعرفه وأما أنت فلست أعرفك. قال: قلت له: إني ولدت بالجبل ونشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك، فأخالط الرجل، فأرى له حسن السمت، وحسن الخلق وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأفتشه عن عداوتكم، وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق، وقلة أمانة، وزعارة، ثم أفتشه فأفتشه عن ولايتكم فيكف يكون ذلك؟ قال: فقال لي: أما علمت يا ابن كيسان أن الله عز وجل أخذ طينة من الجنة طينة من النار فخلطهما جميعا، ثم نزع هذه من هذه من وهذه من هذه؟ فما رأيت في أولئك من الأمانة، وحسن الخلق، وحسن السمت، فمما مستهم من طينة الجنة، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة، وسوء الخلق والزعارة، فمما مستهم من طينة النار، وهم يعادون إلى ما خلقوا منه
[١]الكافي ج ٢ ص ٤.ص 86
إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام بعث جبرئيل عليه السلام في أول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة فبلغت قبضته من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، و أخذ من كل سماء تربة، وقبض قبضة أخرى من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة القصوى. فأمر الله عز وجل كلمته فأمسك القبضة الأولى بيمينه، والقبضة الأخرى بشماله ففلق الطين فلقتين، فذرا من الأرض ذروا ومن السماوات ذروا، فقال للذي بيمينه: منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصديقون المؤمنون والسعداء ومن أريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال، وقال للذي بشماله: منك الجبارون و المشركون والكافرون والطواغيت ومن أريد هوانه وشقوته، فوجب لهم ما قال كما قال. ثم إن الطينتين خلطتا جميعا، وذلك قول الله عز وجل " إن الله فالق الحب والنوى " فالحب طينة المؤمنين التي ألقى الله عليها محبته، والنوى طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير، وإنما سمي النوى من أجل أنه نأى عن كل خير وتباعد عنه، وقال الله عز وجل: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر، والميت الذي يخرج هو من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن، فالحي المؤمن والميت الكافر، وذلك قول الله عز وجل: " أو من كان ميتا فأحييناه " فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، وكان حياته حين فرق الله عز وجل بينهما بكلمته، كذلك يخرج الله عز وجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور، ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النور، وذلك قوله عز وجل: " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين " . والمراد بكلمته جبرئيل عليه السلام لأنه حامل كلمته، أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله، أو لكونه مخلوقا بكلمة " كن " بلا مادة، وقيل: المراد بالسماوات درجات الجنة، وبالأرضين دركات سجين، ليطابق الاخبار الاخر ويحتمل أخذها منهما معا. وقيل: كأن المراد بالتربة ماله مدخل في تهيئة المادة القابلة لان يخلق منها شئ فيشمل الطينة بمعنى الجبلة، وآثار القوى السماوية المربية للنطفة وبالجملة ماله مدخل في السبب القابلي. انتهى. وقيل: إطلاق التربة على ما اخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة وينقلب إليهما، و " القصوى " مؤنث الأقصى أي الابعد، ويدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال الله تعالى: " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " . قوله عليه السلام " ففلق الطين فلقتين " ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل وكذا قوله " فذرا " وفي القاموس: فلقه يفلقه شقه كفلقه، وفالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه، وقال: ذرت الريح الشئ أو أذرته، وذرته أطارته وأذهبته وذرا هو بنفسه. الأول أن يكون قوله " ففلق " تفريعا وتأكيدا لما مضى أي فصار بقبض بعض الطين باليمين وبعضه بالشمال الطين صنفين. ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض، وكذا الثاني، فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذرو أو للذي كان بيمينه بعده. الثاني أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينتين فلقة، أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين والأطفال و المجانين، وقال لما بقي في اليمين: " منك الرسل " الخ ولما بقي في الشمال " منك الجبارون " الخ وعلى هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله أولى، فيقرء " أريد " في الموضعين بصيغة المتكلم، وعلى الوجه الاخر يقرء بصيغة الغائب المجهول. الثالث ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: كأن الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الانسان، وإنما ذرا من كل منهما ما ذرا، لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الانسان وإنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة. قوله عليه السلام: " ثم إن الطينتين خلطتا " أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما وغير المذروء. قوله عليه السلام: " فالحب طينة المؤمنين " هذا بطن من بطون الآية، وعلى هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما وإخراج الاخر منه، أو شق كل منهما عن صاحبه، أو خلقهما. " من أجل أنه نأى ": كأن مناسبة نأى ونوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فان الأول مهموز الوسط والثاني من المعتل . ويحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس، ويؤيده أن صاحب مصباح المنير، والراغب في المفردات ذكرا " نأى " في باب النون مع الواو، أو يقال ليس الغرض هنا بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد وذكر نأى لتناسب اللفظين فان الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى، قال في القاموس: النية الوجه الذي يذهب فيه والبعد كالنوى فيهما انتهى. والآية في سورة الأنعام هكذا: " إن الله فالق الحب والنوى " قال: في مجمع البيان أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات، وشاق النواة اليابسة فيخرج منه النخل والشجر، وقيل: معناه خالق الحب والنوى ومنشئهما ومبدئهما، وقيل المراد به ما في الحبة والنواة من الشق وهو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه. " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " أي يخرج النبات الغض الطري الخضر، من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج، والعرب تسمي الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي، فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا. وقيل: معناه يخلق الحي من النطفة وهي موات ويخلق النطفة وهي موات من الحي عن الحسن وغيره وهذا أصح وقيل: معناه يخرج الطير من البيض والبيض من الطير عن الجبائي ، وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا: " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " قال الطبرسي [3] " أو من كان مينا ": أي كافرا " فأحييناه " بأن هديناه إلى الايمان عن ابن عباس وغيره، شبه سبحانه الكفر بالموت والايمان بالحياة، وقيل معناه من كان نطفة فأحييناه " وجعلنا له نورا " المراد بالنور العلم والحكمة أو القرآن، أو الايمان وبالظلمات ظلمات الكفر. وإنما سمى الله الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته، ولا ينتفع غيره بحياته، فهو أسوء حالا من الميت، إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه، ولا يتضرر غيره به. وسمى المؤمن حيا لأنه له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته، و كذلك سمى الكافر ميتا والمؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله: " إنك لا تسمع الموتى " و " لينذر من كان حيا " وقوله " وما يستوي الاحياء ولا الأموات " وسمى القرآن والايمان والعلم نورا لان الناس يبصرون بذلك، ويهتدون به من ظلمات الكفر، وحيرة الضلالة، كما يهتدي بسائر الأنوار، وسمى الكفر ظلمة لان الكافر لا يهتدي بهداه، ولا يبصر أمر رشده انتهى. وأقول: على التأويل المذكور في الخبر وأكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى " يخرج الحي " بيان لقوله " فالق الحب ". قوله " حين فرق الله بينهما بكلمته " أي بقدرته أو بأمر " كن " أو بجبرئيل والتفريق في الميلاد أو في الطينة، والأول أظهر، فقوله " كذلك " تشبيه الاخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس، باخراج الحي من الميت وبالعكس، في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر وبالعكس. وليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه " أو من كان ميتا الخ " فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة بل فيها أنه في الظلمات ليس بخارج منها، بل هو إشارة إلى قوله تعالى " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " الآية. ولا ينافيه قوله عليه السلام " ويخرج الكافر " مع أن في الآية نسب الاخراج إلى الطاغوت لان لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك مع أنه يمكن أن يقرء على بناء المجرد المعلوم، أو على بناء المجهول. وما قيل من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين: [وقت] تفريق الطين ووقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت ثم استشهد عليه السلام لاطلاق الحياة على الايمان، أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه " لينذر من كان حيا " أي كان من طينة الجنة على تأويله عليه السلام. قال الطبرسي : أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لان الكافر كالميت بل أقل من الميت، أو من كان عاقلا كما روي عن علي عليه السلام وقيل: من كان حي القلب حي البصر. " ويحق القول على الكافرين " أي يجب الوعيد والعذاب على الكافرين بكفرهم، وأقول على تأويله عليه السلام يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه " منك الجبارون والمشركون والكافرون " إلى آخره.
[1]الانعام: 95 وما بعدها ذيلها.ص 87
[١]الانعام: ١٢٢.ص 88
[٢]يس: ٧٠ [٣] الكافي ج ٢ ص ٥ص 88
[١]الطلاق: ١٢، ولكنها لا تدل على أن الأرض ذات طباق كالسماوات ولعل المراد مثلهن عددا، أو مثلهن قطعا فينطبق مع سبع قارات لأرضنا هذه التي نحن عليها.ص 89
[1]ولعل ذلك إشارة إلى أن الحب وهو ما كان له قشر ولباب يؤكل إنما يناسب المؤمن ذا اللب وأن النوى وهو ما كان كله كالقشر وليس له لباب يؤكل إنما يناسب الكافر ليس له لب.ص 90
[2]الانعام: 95.ص 90
[3]مجمع البيان ج 4 ص 338.ص 90
[4]الانعام: 95.ص 90
[١]وليس بشئ فان النطفة ليست بميتة بل الحيوانات والنباتات كلها إنما يخلقون من نطفة حي.ص 91
[٢]الانعام: ١٢٢.ص 91
[٣]مجمع البيان ج ٤ ص ٣٥٩.ص 91
[٤]النمل: ٨٠.ص 91
[٥]يس: ٧٠.ص 91
[٦]فاطر: ٢٢.ص 91
[1]مجمع البيان ج 8 ص 432ص 92
هو التصديق بما لا يكون حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عن الصادق عليه السلام قال: إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا فان الميت هو الكافر إن الله عز وجل يقول: " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن [2].
[١]الروم: ١٨ [٢] معاني الأخبار: ٢٩٠ [٣] الكافي ج ٢: ٣. وفيه فلم تنجس أبدا [٤] الكافي ج ٢: ٥.ص 93
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك من أي شئ خلق الله عز وجل طينة المؤمن؟ فقال: من طينة الأنبياء فلن تنجس أبدا [3].
قلت لأبي - عبد الله عليه السلام: المؤمنون من طينة الأنبياء؟ قال: نعم [4].
لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق [ل] ما اختلف اثنان: إن الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق، قال: كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن، ثم أخذ طينة من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذر يدبون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي. ثم أمر نارا فأسعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فقال: كوني بردا وسلاما فكانت بردا وسلاما. فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا قال: قد أقلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوها فثم ثبتت الطاعة والمعصية، ولا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء من هؤلاء. " كن ماء عذبا " أمر تكويني، أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق واستعداداتهم وما هم إليه صائرون، وفي القاموس ماء أجاج: ملح مر وقال: أديم النهار: عامته أو بياضه ومن الضحى: أوله، ومن السماء والأرض: ما ظهر وقال: عركه: دلكه وحكه حتى عفاه، وقال: الذر: صغار النمل ومائة منها زنة حبة شعير، الواحدة ذرة، وقال: دب يدب دبا وديبا: مشى على هنيئة، وقال أقلته: فسخته واستقاله طلب إليه أن يقيله، وقال: هابه يهابه هيبا ومهابة: خافه. وقال السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة: [2] روى اليماني عن أحمد بن قتيبة، عن عبد الله بن يزيد، عن مالك بن دحية، قال: كنا عند أمير المؤمنين علي عليه السلام وقد ذكر اختلاف الناس قال: إنما فرق بينهم مبادي طينهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن تربة وسهلها، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافهم يتفاوتون، فتام الرواء ناقص العقل، وماد القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، ونائر القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان. وقال ابن ميثم [3] في قوله عليه السلام " إنما فرق بينهم " الخ: أي تقاربهم في الصور والأخلاق تابع لتقارب طينهم، وتقارب مباديه وهي السهل والحزن والسبخ والعذب، وتفاوتهم فيها لتفاوت طينهم ومباديه المذكورة. وقال أهل التأويل: الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الاجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة أو السبخ كناية عن الحار اليابس، والعذب عن الحار الرطب، والسهل عن البارد الرطب، والحزن عن البارد اليابس انتهى. وأقول: لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الانسان من الدواعي إلى الخير والصلاح كالعقل والنفس الملكوتي، والماء الأجاج عما ينافي ويعارض ذلك ويدعو إلى الشهوات الدنية، واللذات الجسمانية من البدن، وما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات. ومزجهما كناية عن تركيبهما في الانسان، فقوله " أخلق منك " أي من أجلك " جنتي وأهل طاعتي " إذ لولا ما في الانسان من جهة الخير، لم يكن لخلق الجنة فائدة ولم يكن يستحقها أحد، ولم يصر أحد مطيعا له تعالى. وكذا قوله " أخلق منك ناري " إذ لولا ما في الانسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد، ولم يحتج إلى خلق النار، للزجر عن الشرور. ثم لاظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم ولبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر، وميز من علم منهم الايمان ممن علم منهم خلافه، وكلفهم بدخول النار، ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد أن ما علم منهم مطابق للواقع. " فثم ثبتت الطاعة والمعصية " وعلم الملائكة من يطيع بعد ذلك ومن يعصي وأثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى. وقوله: " فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر " أي لأجل ما قرر في الانسان من جهتي الخير والشر، ترى الأب يصير تابعا للعقل ومقويا لدواعي الخير، وزاجرا للشهوات فيصير من الأخيار، والابن يتبع الهوى والشهوات ويسلطها على العقل فيصير من الأشرار، مع نهاية الارتباط بينهما. وقوله " ولا يستطيع هؤلاء " أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم، لكن لا يختارونها إلا باختيارهم وإرادتهم واستطاعتهم، هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال والله يعلم غوامض أسرارهم عليهم السلام. وقال بعض أهل التأويل: عبر عن المادة تارة بالماء، وأخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الاشكال، ولاجتماعهما في طينة الانسان، وتركيب خلقته و " أديم الأرض " وجهها، وكأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء للانسان، ويحصل منه النطفة، أو تتربى به و " العرك " الدلك وكأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج ويستعد للحياة و " الذر ": النمل الصغار، ووجه الشبه الحس والحركة، وكونهم محل الشعور مع صغر الجثة والخفاء. وهذا الخطاب إنما كان في عالم الامر، ولشدة ارتباط الملك بالملكوت، وقوامه به، جاز إسناد مادته إليه، وإن كان عالم الامر مجردا عن المادة، واجتماعهم في الوجود عند الله إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الامر، وإن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق. ووجودهم في عالم الامر وجود ملكوتي ظلي، ينبعث من حقيقته هذا الوجود الخلقي الجسماني، وهو صورة علمه سبحانه بها، وعنه عبر بالظلال في حديث آخر. وأمره تعالى إياهم إلى الجنة والنار هدايته إياهم إلى سبيلهما، ثم توفيقه أو خذلانه، ولعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية، وتحصيل المعرفة المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها. واستقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة، وعدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشهوة عليهم، وكونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " انتهى. ولعل إبداء تلك التأويلات في الاخبار جرأة على الله ورسوله والأئمة الأخيار، إلا أن يكون على سبيل الاحتمال، لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان واليقين، بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.
[١]الكافي ج ٢: ٦ [2] نهج البلاغة ط مصر عبده ج 1 ص 253 [3] شرح النهج لابن ميثم ص 419 ط إيران قديم.ص 94
[1]بل الصحيح كما أشرنا إليه قبل أن النطفة هي التي خلقت من سلالة من الطين فليس الانسان مركبا من الماء والتراب وإنما ذلك هو النطفة ولست أعني الماء الدافق ولا " اسپرماتوزئيد " على اصطلاح المتأخرين بل هي شئ آخر سميت بالنطفة عند المتأخرين في داخل " اسپرماتوزئيد " وإنما شخصية الجنين بها فالنطفة التي أخذت وأستلت من سهل الأرض غير ما أخذت وأستلت من حزنها وما أخذت من طين لازب رس غير ما أخذت من حما مسنون وهكذا.ص 95
[١]المؤمنون: ١٠٧.ص 97
إن الله عز وجل لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام أرسل الماء على الطين، ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده، ثم ذراهم فإذا هم يدبون. ثم رفع لهم نارا، فأمر أهل الشمال أن يدخلوها فذهبوا إليها فهابوها، ولم يدخلوها، ثم أمر أهل اليمين أن يدخلوها، فذهبوا فدخلوها، فأمر الله عز وجل النار، فكانت عليهم بردا وسلاما. فلما رأى ذلك أهل الشمال، قالوا: ربنا أقلنا، فأقالهم، ثم قال لهم: ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها ولم يدخلوها، فأعادهم طينا وخلق منها آدم عليه السلام. وقال أبو عبد الله عليه السلام: فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، قال: فيرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول من دخل تلك النار، فلذلك قوله عز وجل " قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين ".
[٢]الزخرف: ٨١.ص 97
[٣]الكافي ج ٢: ٧.ص 97
إن الله عز وجل خلق الخلق، فخلق من أحب مما أحب، فكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق ما أبغض مما أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال.
قلت لأبي عبد الله عليه السلام كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا
أتاه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟ فقال علي عليه السلام: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم، وردوا عليه الجواب فثقل ذلك على ابن الكوا ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرء كتاب الله إذ يقول لنبيك " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " فأسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب، كما تسمع في قول الله، يا ابن الكواء " قالوا: بلى " فقال: إني أنا الله لا إله إلا أنا وأنا الرحمان، فأقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقروا بذلك في الميثاق فقالت الملائكة: شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا
[٣]الأعراف: ١٧١.ص 101
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الذر حيث أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى والله، وأسر بعضهم خلاف ما أظهر، كيف علموا القول حيث قيل لهم: " ألست بربكم "؟ قال: إن الله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه .
[٢]تفسير العياشي ج ٢ ص ٤٢ [٣] تفسير العياشي ج ٢ ص ٤٠ص 102
في قول الله " ألست بربكم قالوا بلى " قلت: قالوا بألسنتهم؟ قال: نعم، وقالوا بقلوبهم، قلت: وأي شئ كانوا يومئذ؟ قال: صنع فيهم ما اكتفى به [3].
قلت للإمام الباقر محمد بن علي عليهما السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن المؤمن من شيعة أمير المؤمنين إذا بلغ وكمل في المعرفة هل يزني؟ قال عليه السلام: لا، قلت: فيلوط؟ قال: لا، قلت: فيسرق؟ قال: لا، قلت: فيشرب خمرا؟ قال: لا، قلت: فيذنب ذنبا؟ قال: لا قال الراوي: فتحيرت من ذلك، وكثر تعجبي منه، قلت: يا ابن رسول الله إني أجد من شيعة أمير المؤمنين ومن مواليكم من يشرب الخمر، ويأكل الربا، و يزني ويلوط، ويتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وأبواب البر حتى أن أخاه المؤمن يأتيه في حاجة يسيرة فلا يقضيها له، فكيف هذا يا ابن رسول الله؟ ومن أي شئ هذا؟. قال: فتبسم الإمام عليه السلام وقال: يا أبا إسحاق هل عندك شئ غير ما ذكرت؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله وإني أجد الناصب الذي لا أشك في كفره يتورع عن هذه الأشياء: لا يستحل الخمر ولا يستحل درهما لمسلم، ولا يتهاون بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ويقوم بحوائج المؤمنين والمسلمين، لله وفي الله تعالى فكيف هذا ولم هذا؟. فقال عليه السلام: يا إبراهيم لهذا أمر باطن، وهو سر مكنون، وباب مغلق مخزون، وقد خفي عليك وعلى كثير من أمثالك وأصحابك، وإن الله عز وجل لم يؤذن أن يخرج سره وغيبه إلا إلى من يحتمله وهو أهله، قلت: يا ابن رسول الله إني والله لمحتمل من أسراركم، ولست بمعاند ولا بناصب، فقال عليه السلام: يا إبراهيم نعم أنت كذلك، ولكن علمنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، وإن التقية من ديننا ودين آبائنا ومن لا تقية له فلا دين له. يا إبراهيم لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا، يا إبراهيم إن من حديثنا وسرنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن. قلت: يا سيدي ومولاي فمن يحتمله إذا؟ قال: ما شاء الله وشئنا، ألا من أذاع سرنا إلا إلى أهله، فليس منا - ثلاثا - ألا من أذاع سرنا أذاقه الله حر الحديد. ثم قال: يا إبراهيم خذ ما سألتني علما باطنا مخزونا في علم الله تعالى الذي حبا الله جل جلاله به رسوله صلى الله عليه وآله، وحبا به رسوله وصيه أمير المؤمنين عليه السلام ثم قرء عليه السلام هذه الآية " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول " ويحك يا إبراهيم إنك قد سألتني عن المؤمنين من شيعة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن زهاد الناصبة وعبادهم، من ههنا قال الله عز وجل " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " ومن ههنا قال الله عز وجل: " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين آنية ". وهذا الناصب قد جبل على بغضنا، ورد فضلنا، ويبطل خلافة أبينا أمير المؤمنين عليه السلام، ويثبت خلافة معاوية وبني أمية، ويزعم أنهم خلفاء الله في أرضه، و يزعم أن من خرج عليهم وجب عليه القتل، ويروي في ذلك كذبا وزورا، ويروي أن الصلاة جايزة خلف من غلب، وإن كان خارجيا ظالما، ويروي أن الإمام الحسين بن علي صلوات الله عليهما كان خارجيا خرج على يزيد بن معاوية، و يزعم أنه يجب على كل مسلم أن يدفع زكاة ماله إلى السلطان وإن كان ظالما. يا إبراهيم هذا كله رد على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، سبحان الله قد افتروا على الله الكذب، وتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وآله الباطل، وخالفوا الله و خالفوا رسوله وخلفاءه. يا إبراهيم لاشرحن لك هذا من كتاب الله، الذي لا يستطيعون له إنكارا ولا منه فرارا، ومن رد حرفا من كتاب الله فقد كفر بالله ورسوله. فقلت: يا ابن رسول الله إن الذي سألتك في كتاب الله؟ قال: نعم، هذا الذي سألتني في أمر شيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأمر عدوه الناصب في كتاب الله عز وجل، قلت: يا ابن رسول الله هذا بعينه؟ قال: نعم هذا بعينه في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. يا إبراهيم اقرأ هذه الآية " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض " أتدري ما هذه الأرض؟ قلت: لا، قال عليه السلام: اعلم أن الله عز وجل خلق أرضا طيبة طاهرة، وفجر فيها ماء عذبا زلالا، فراتا سائغا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام، ثم نضب عنها ذلك الماء بعد السابع فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا، فجعله طين الأئمة عليهم السلام ثم أخذ جل جلاله ثفل ذلك الطين، فخلق منه شيعتنا، ومحبونا من فضل طينتنا، فلو ترك يا إبراهيم طينتكم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن سواء. قلت: يا ابن رسول الله ما صنع بطينتنا؟ قال: مزج طينتكم ولم يمزج طينتنا قلت: يا ابن رسول الله وبما ذا مزج طينتنا؟ قال عليه السلام: خلق الله عز وجل أيضا أرضا سبخة خبيثة منتنة، وفجر فيها ماء أجاجا مالحا آسنا، ثم عرض عليها جلت عظمته ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فلم تقبلها، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام، ثم نضب ذلك الماء عنها. ثم أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث وخلق منه أئمة الكفر و الطغاة والفجرة، ثم عمد إلى بقية ذلك الطين فمزج بطينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم ما عملوا أبدا عملا صالحا، ولا أدوا أمانة إلى أحد ولا شهدوا الشهادتين، ولا صاموا ولا صلوا ولا زكوا ولا حجوا ولا أشبهوكم في الصور أيضا. يا إبراهيم ليس شئ أعظم على المؤمن أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عز وجل، والمؤمن لا يعلم أن تلك الصورة من طين المؤمن ومزاجه. يا إبراهيم ثم مزج الطينتان بالماء الأول والماء الثاني، فما تراه من شيعتنا من ربا وزنا ولواطة وخيانة وشرب خمر وترك صلاة وصيام وزكاة وحج و جهاد، فهي كلها من عدونا الناصب، وسنخه ومزاجه الذي مزج بطينته، وما رأيته في هذا العدو الناصب من الزهد والعبادة والمواظبة على الصلاة وأداء الزكاة و الصوم والحج والجهاد وأعمال البر والخير، فذلك كله من طين المؤمن وسنخه ومزاجه. فإذا عرض أعمال المؤمن وأعمال الناصب على الله، يقول عز وجل: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ما أظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب وطينه ومزاجه. هذه الأعمال الصالحة كلها من طين المؤمن ومزاجه، والأعمال الردية التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب، ويلزم الله تعالى كل واحد منهم ما هو من أصله وجوهره وطينته، وهو أعلم بعباده من الخلائق كلهم، أفترى ههنا ظلما وجورا وعدوانا؟ ثم قرء عليه السلام " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ". يا إبراهيم إن الشمس إذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلها، أهو بائن من القرصة أم هو متصل بها؟ شعاعها تبلغ في الدنيا في المشرق والمغرب حتى إذا غابت يعود الشعاع ويرجع إليها، أليس ذلك كذلك؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فكذلك يرجع كل شئ إلى أصله وجوهره وعنصره. فإذا كان يوم القيامة ينزع الله تعالى من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويرده إلى المؤمن، وينزع الله من المؤمن سنخ الناصب ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية، ويرده إلى الناصب عدلا منه جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ويقول للناصب: لا ظلم عليك، هذه الأعمال الخبيثة من طينتك ومزاجك، وأنت أولى بها وهذه الأعمال الصالحة من طينة المؤمن ومزاجه، وهو أولى بها! " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ". أفترى ههنا ظلما وجورا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله، بل أرى حكمة بالغة فاضلة، وعدلا بينا واضحا، ثم قال عليه السلام: أزيدك بيانا في هذا المعنى من القرآن؟ قلت: بلى يا بن رسول الله قال: أليس الله عز وجل يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " وقال عز وجل: " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ". فقلت: سبحان الله العظيم ما أوضح ذلك لمن فهمه؟ وما أعمى قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته؟ فقال عليه السلام: يا إبراهيم من هذا قال الله تعالى " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " [2] ما رضي الله تعالى أن يشبههم بالحمير والبقر والكلاب والدواب حتى زادهم فقال: " بل هم أضل سبيلا ". يا إبراهيم قال الله عز وجل ذكره في أعدائنا الناصبة: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " وقال عز وجل " يحسبون أنهم يحسنون صنعا " [4] وقال جل جلاله " يحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون " [5] وقال عز وجل: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا " [6] كذلك الناصب يحسب ما قدم من عمله نافعة حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ثم ضرب مثلا آخر " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ". (7 ثم قال عليه السلام يا إبراهيم أزيدك في هذا المعنى من القرآن؟ قلت: بلى، يا بن رسول الله قال عليه السلام: قال الله تعالى " يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، وحسنات أعدائنا سيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. هذا يا إبراهيم من باطن علم الله المكنون، ومن سره المخزون، ألا أزيدك من هذا الباطن شيئا في الصدور؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال عليه السلام: " قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ وإنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " [2] والله الذي لا إله إلا هو فالق الاصباح، فاطر السماوات والأرض، لقد أخبرتك بالحق، وأنبأتك بالصدق، والله أعلم وأحكم. وقال بعض المحققين في شرحه: جملة القول في بيان السر فيه أنه قد تحقق وثبت أن كلا من العوالم الثلاثة، له مدخل في خلق الانسان، وفي طينته ومادته، من كل حظ ونصيب، ولعل " الأرض الطيبة " كناية عماله في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي منه الأرواح المثالية، والقوى الخيالية الفلكية، المعبر عنهم بالمدبرات أمرا. و " الماء العذب " عما له في طينته من إفاضات عالم الجبروت، الذي منه الجواهر القدسية، والأرواح العالية، المجردة عن الصور، المعبر عنهم بالسابقات سبعا. و " الأرض الخبيثة " عما له في طينته من أجزاء عالم الملك الذي منه الأبدان العنصرية المسخرة تحت الحركات الفلكية، المسخرة لما فوقها. و " الماء الأجاج المالح الاسن " عماله في طينته من تهيجات الأوهام الباطلة والأهواء المموهة الردية، الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت، مما لا أصل له ولا حقيقة. ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك والثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت منه، و " كدورة الطين المنتن الخبيث " مما غلب عليه طبايع عالم الملك، وما يتبعه من الأهواء المضلة. وإنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة عليهم السلام، مع أن أبدانهم العنصرية منه، لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا ولا بهذه الأجساد تعلق ركون وإخلاد، فهم وإن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية، ولكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه. قال الصادق عليه السلام في حديث حفص بن غياث: " يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها " فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية، إذا ارتحلوا عنها، ولم يبق معهم منها كدورة، وإنما لم يذكر نصيب الناصب وأئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت، مع أن لهم منه حظ الشعور والإدراك وغير ذلك، لعدم تعلقهم ولا ركونهم إليه، ولذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم والحكمة ويثقل عليهم، فهم الاسرار والمعارف، فليس لهم من ذلك العالم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال نسوا الله فأنساهم أنفسهم فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم، حيث أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم. فإذا جاء يوم الفصل وميز الله الخبيث من الطيب، ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت وأعلى الجنان والتحق بالمقربين، ومن غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت، ومواصلة الحور والولدان، والتحق بأصحاب اليمين، وبقي من غلب عليه الملك في الحسرة والثبور والهوان، والتعذيب بالنيران إذ فرق الموت بينه وبين محبوباته ومشتهياته. فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت، خلقت بتبعيتها بالعرض، إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به، ويعذبون بمجاورته، من سموم وحميم وظل من يحموم، ومن حياة وعقارب وذوات لدغ وسموم، ومن ذهب وفضة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل الله واشرب في قلوبهم محبتها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ومن آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها، مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم وهو يضرهم، إذ يقال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - وبالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل، بل هو متاع الغرور، فإذا كان يوم القيامة وبرزت وحواق الأمور كسد متاعهم، وصار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف، لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم. أعمالهم التي أحاطت بهم، وجميع المعاصي والشهوات، يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية ومحبتها، فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة، ومن ليس من أهلها وإنما ابتلي بها، وارتكبها مع إيمان منه بقبحها، وخوف من الله سبحانه في إتيانها، فلا جرم يندم على ارتكابها، إذا رجع إلى عقله، وأناب إلى ربه فيصير ندامته عليها، والاعتراف بها، وذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه، وهذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات. فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك، وشهوتهم له، وعقد ضمائرهم على فعله دائما إن تيسر لهم، لأنهم كانوا من أهله ومن جنسه، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. والسعداء إنما لم يخلدوا في العذاب، ولم يشتد عليهم العقاب، بما فعلوا من القبائح، لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم، وخوف من ربهم، لأنهم لم يكونوا من أهلها، ولا من جنسها، بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه، وعزمهم عليه، وعقد ضمائرهم على فعله، إن تيسر لهم. فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وإنما ينوي كل ما ناسب طينته، ويقتضيه جبلته، كما قال الله سبحانه: " قل كل يعمل على شاكلته " ولهذا ورد في الحديث: إن كلا من أهل الجنة والنار، إنما يخلدون فيما يخلدون على نياتهم، وإنما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء مما أنسوا به قليلا، وألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا. وروى الشيخ الصدوق رحمه الله في اعتقاداته مرسلا: أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها، وإنما يصيبهم آلام عند الخروج منها فيكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم، وما الله بظلام للعبيد، انتهى. وأقول: بناء هذه التأويلات على أمور ليست مخالفتها لأصول متكلمي الإمامية أقل من مخالفة ظواهر تلك الأخبار، وقد تكلمنا في أمثال هذه الروايات في كتاب العدل، وكان ترك الخوض فيها وفي أمثالها، ورد علمها مع صحتها إلى من صدرت عنه أحوط وأولى، كما قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه.
[١]الجن: ٢٧ و ٢٨.ص 103
[٢]الفرقان: ٢١.ص 103
[١]الغاشية: ٤.ص 104
[٢]النجم: ٣٢.ص 104
[١]يوسف: ٧٩.ص 106
[٢]المؤمن: ١٧.ص 106
[٣]النور: ٢٤.ص 106
[١]الأنفال: ٣٧ و ٣٨ [٢] الفرقان: ٤٤.ص 107
[٣]الفرقان: ٢١ [4] الكهف: 105 [5] المجادلة: 18 [6] النور: 40 [7] النور: 41ص 107
[١]الفرقان: ٧١ [2] العنكبوت: 12 و 13.ص 108
[١]أسرى: ٨٤.ص 111
" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " إلى آخر الآية فقال وأبوه يسمع عليهما السلام: حدثني أبي أن الله عز وجل قد قبض قبضة من تراب التربة التي خلق الله منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات، ثم تركها أربعين صباحا، ثم صب عليها الماء المالح الأجاج، فتركها أربعين صباحا، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين، فصارت عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها . وفي تفسير العياشي هكذا: عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام إلى آخر الخبر، وهو أصوب. " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " قال البيضاوي: أي أخرج من أصلابهم نسلا على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، و " من ظهورهم " بدل من بني آدم بدل البعض، وقرء نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب " ذرياتهم " و " أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " أي نصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها، حتى صاروا بمنزلة من قيل: " ألست بربكم قالوا بلى " فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه، منزلة الاشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل، ويدل عليه قوله " قالوا بلى شهدنا ". " أن تقولوا يوم القيامة ": أي كراهة أن تقولوا " إنا كنا عن هذا غافلين " لم نتنبه عليه بدليل " أو تقولوا " عطف على " أن تقولوا ". " إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " فاقتدينا بهم، لان التقليد عند قيام الدليل، والتمكن من العلم به، لا يصلح عذرا " أفتهلكنا بما فعل المبطلون " يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، وقيل: لما خلق الله آدم أخرج من ذريته ذرية كالذر، وأحياهم، وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر انتهى. وقال بعض المحققين: لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بألسنة قابليات جواهرها، وألسن استعدادات ذواتها، وأن تصديقهم به كان بلسان طباع الامكان، قبل نصب الدلائل لهم، أو بعد نصب الدلائل أو أنه نزل تمكينهم من العلم وتمكنهم منه، بمنزلة الاشهاد والاعتراف، على طريقة التخيل. نظير ذلك قوله عز وجل " إنما قولنا لشئ " الخ وقوله عز وعلا " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " ومعلوم أنه لا قول ثمة وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى، ويحتمل أن يكون النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شئ بحمد ربه، وذلك لأنهم مفطورون على التوحيد. قوله عليه السلام " من تراب التربة " هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل، قوله " من يمينه وشماله " الضميران راجعان إلى الملك المأمور بهذا الامر كجبرئيل أو العرش أو إلى التراب، فاستعار اليمين للجهة التي فيها اليمن والبركة، والشمال للأخرى أو اليمين لصفة الرحمانية والشمال لصفة القهارية، فالضميران راجعان إلى الله تعالى، كما في الدعاء: " والخير في يديك: أي كلما يصدر منك من خير أو شر أو نفع أو ضر فهو خير، ومشتمل على المصالح الجليلة.
[٢]الأعراف: ١٧١.ص 111
[١]الكافي ج ٢ ص ٧.ص 112
[٢]تفسير العياشي ج ٢ ص ٣٩.ص 112
[١]راجع الدر المنثور ج ٣ ص ١٤٢، ففيه أحاديث متعددة عن رسول الله " ص " بأسانيد مختلفة.ص 113
[٢]النحل: ٤٠.ص 113
[٣]فصلت: ١١.ص 113
إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق، خلق ماء عذبا، وماء مالحا أجاجا، فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا، فقال لأصحاب اليمين، وهم كالذر يدبون: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. ثم أخذ الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم وأن هذا محمد رسولي وأن هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى: فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم، أنني ربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزان علمي، وأن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعا وكرها، قالوا: أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر. فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن لادم عزم على الاقرار به، وهو قوله عز وجل " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " قال: إنما هو فترك. ثم أمر نارا فأججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فكانت عليهم بردا وسلاما، فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية . " أن تقولوا " كذا في أكثر النسخ بصيغة الخطاب، كما في القراءات المشهورة فيكون ذكر تتمة الآية استطرادا، والأصوب هنا. " أن يقولوا " بصيغة الغيبة موافقا لقرائة أبي عمرو في الآية. قوله عليه السلام: " ثم أخذ " لعل كلمة " ثم " هنا للتراخي الرتبي لا الزماني لما بين الميثاقين من التفاوت وإلا فالظاهر تقدم أخذ الميثاق من النبيين على غيرهم كما أن ميثاق أولي العزم مقدم على غيرهم أيضا، وأريد بأولي العزم: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم، ولا ينافي دخول الاقرار بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله فيما عهد إليهم، دخوله في المعهود إليهم. قيل: ولما كانوا معهودين معلومين، جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصلا، وإنما زاد في أخذ الميثاق على من زاد في رتبته وشرفه لان التكليف إنما يكون بقدر الفهم والاستعداد، فكلما زاد زاد، وإنما يعرف مراتب الوجود من له حظ منها وبقدر حظه منها، وأما آدم فلما لم يعزم على الاقرار بالمهدي، لم يعد من أولي العزم وإنما عزم على الاقرار بغيره من الأوصياء. " إنما هو فترك " يعني معنى " فنسي " هنا ليس إلا " فترك "، ولعل السر في عدم عزمه عليه السلام على الاقرار بالمهدي، استبعاده أن يكون لهذا النوع الانساني اتفاق على أمر واحد انتهى. وأقول: الظاهر أن المراد بعدم العزم، عدم الاهتمام به وبتذكره، أو عدم التصديق اللساني، حيث لم يكن شئ من ذلك واجبا، لا عدم التصديق به مطلقا فإنه لا يناسب منصب النبوة، بل ولا ما هو أدون منه، وقوله: " إنما هو فترك " أي معنى النسيان هنا الترك، لان النسيان غير مجوز على الأنبياء عليهم السلام، أو كان في قرا نهم عليهم السلام: " ترك " مكان " فنسي ". أو المعنى أن الزم إنما هو ما ذكر، أي العزم على الاقرار المذكور فترك آدم عليه السلام، أو كان المطلوب الاقرار التام ولم يأت به، أو عزم أولا ثم ترك والأول كأنه أظهر. وفي القاموس: الأجيج تلهب النار كالتأجج، وأججتها تأجيجا فتأججت.
[١]طه: ١١٥.ص 114
[٢]الكافي ج ٢ ص ٨.ص 114
سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل لما أخرج ذرية بني آدم من ظهره، ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له، وبالنبوة لكل نبي، فكان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوته، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله. ثم قال الله عز وجل لآدم: انظر ماذا ترى؟ قال: فنظر آدم عليه السلام إلى ذريته وهم ذر قد ملؤا السماء، قال آدم عليه السلام: يا رب ما أكثر ذريتي؟ ولامر ما خلقتهم! فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟ قال الله عز وجل: يعبدونني ولا يشركون بي شيئا ويؤمنون برسلي ويتبعونهم. قال آدم: يا رب فمالي أرى بعض الذر أعظم من بعض؟ وبعضهم له نور كثير؟ وبعضهم له نور قليل؟ وبعضهم ليس له نور أصلا؟ فقال الله عز وجل: وكذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم. قال آدم عليه السلام: يا رب فتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال الله عز وجل: تكلم فإن روحك من روحي، وطبيعتك خلاف كينونتني، قال آدم عليه السلام: فلو كنت خلقتهم على مثال واحد، وقدر واحد، وطبيعة واحدة، وجبلة واحدة وألوان واحدة، وأعمار واحدة، وأرزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض ولم يك بينهم تحاسد ولا تباغض، ولا اختلاف في شئ من الأشياء. قال الله عز وجل: يا آدم بروحي نطقت، وبضعف طبيعتك تكلمت مالا علم لك به، وأنا الخالق العليم، بعلمي خالفت بين خلقهم. وبمشيتي يمضي فيهم أمري، وإلى تدبيري وتقديري صائرون، ولا تبديل لخلقي، إنما خلقت الجن والإنس ليعبدوني، وخلقت الجنة لمن عبدني فأطاعني منهم واتبع رسلي، ولا أبالي، وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني، ولم يتبع رسلي ولا أبالي. وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك وإليهم، وإنما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم، وقبل مماتكم فلذلك خلقت الدنيا والآخرة، والحياة والموت، والطاعة والمعصية، والجنة والنار. وكذلك أردت في تقديري وتدبيري، وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم، وألوانهم وأعمارهم، وأرزاقهم، وطاعتهم ومعصيتهم، فجعلت منهم الشقي والسعيد، والبصير والأعمى، والقصير والطويل، والجميل والدميم، والعالم والجاهل والغني والفقير، والمطيع والعاصي، والصحيح والسقيم، ومن به الزمانة، ومن لا عاهة به. فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة، فيحمدني على عافيته، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه، ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي، وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني، وينظر المؤمن إلى الكافر، فيحمدني على ما هديته. فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء، وفيما أعافيهم، وفيما أبتليهم وفيما أعطيهم، وفيما أمنعهم، وأنا الله الملك القادر، ولي أن أمضي جميع ما قدرت على ما دبرت، ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت، وأقدم من ذلك ما أخرت، وأؤخر من ذلك ما قدمت، وأنا الله الفعال لما أريد، لا اسأل عما أفعل وأنا أسأل خلقي عما هم فاعلون . " قال آدم " جواب لما، و " لأمر ما " أي لأمر عظيم، قوله " يعبدونني " أي أريد منهم أن يعبدوني، قوله " لا يشركون بي شيئا " حال أو استيناف بياني. قوله " وكذلك خلقتهم " في بعض النسخ " لذلك " أي لأجل الاختلاف كما قال سبحانه " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " على بعض التفاسير، أو لان يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا. " من روحي " أي من روح اصطفيته واخترته، أو من عالم المجردات، بناء على تجرد النفس، قيل: الروح الأول النفس والثاني جبرئيل، ولا يخفى ما فيه. " وطبيعتك " أي خلقتك الجسمانية البدنية أو صفاتها التابعة لها " خلاف كينونتي " أي وجودي فإنها من عالم الماديات، ولا تناسب عالم المجردات، و الخطاء والوهم ناش منها. وقيل: الكينونة هنا مصدر كان الناقصة، والإضافة أيضا للتشريف: أي صفاتك البدنية مخالفة للآداب المرضية لي، ككونك صابرا وقانعا وراضيا بقضائه تعالى، " والجبلة " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام: الخلقة، قوله " وبضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به " في بعض النسخ: وبضعف قوتك تكلمت. والحاصل أن حكمك بأنهم إذا كانوا على صفات واحدة كان أقرب إلى الحكمة والصواب، إنما نشأ من الأوهام التابعة للقوى البدنية، فإنهم لو كانوا كذلك، لم يتيسر التكليف المعرض لهم لارفع الدرجات، ولم يبق نظام النوع ولم يرتكبوا الصناعات الشاقة التي بها بقاء نوعهم، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح. " بعلمي خالفت بين خلقهم " إذ علمت أن في مخالفة خلقتهم صلاحهم وبقاء نوعهم، " وبمشيتي " أي إرادتي التابعة لحكمتي، " يمضي فيهم أمري " أي الامر التكويني أو التكليفي أو الأعم، " لا تبديل لخلقي ": أي لتقديري أو لما قررت فيهم من القابليات والاستعدادات. وقيل: أي من حسنت أحواله في ذلك الوقت، حسنت أحواله في الدنيا ومن حسنت أحواله في الدنيا، حسنت أحواله في الآخرة، ومن قبحت أحواله في ذلك الوقت قبحت أحواله في الموطنين الآخرين، لا يتبدل هؤلاء إلى هؤلاء، ولا هؤلاء إلى هؤلاء.
[١]فكذلك ظ، وزان قوله فيما سبق وكذلك خلقتهم، وكذلك أردت في تقديري.ص 117
[٢]الكافي ج ٢ ص ٨ - 10 [3]ص 117
[3]هود: 118.ص 117
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إني لأرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش. فأغتم لذلك غما شديدا، وأرى من خالفنا فأراه حسن السمت، قال: لا تقل حسن السمت، فان السمت سمت الطريق، ولكن قل: حسن السيماء، فان الله عز وجل يقول: " سيماهم في وجوههم " قال: قلت: فأراه حسن السيماء، له وقار، فأغتم لذلك، قال: لا تغتم لما رأيت من نزق أصحابك، ولما رأيت من حسن سيماء من خالفك، إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم، خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعى، وقال لأصحاب الشمال: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج. ثم رفع لهم نارا فقال : ادخلوها بإذني، فكان أول من دخلها محمد صلى الله عليه وآله ثم اتبعه أولو العزم من الرسل. وأوصياؤهم وأتباعهم، ثم قال لأصحاب الشمال: ادخلوها باذني، فقالوا: ربنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين: اخرجوا بإذني من النار، فخرجوا لم تكلم منهم النار كلما، ولم تؤثر فيهم أثرا. فلما رآهم أصحاب الشمال قالوا: ربنا نرى أصحابنا قد سلموا، فأقلنا ومرنا بالدخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلما دنوا وأصابهم الوهج رجعوا فقالوا يا ربنا لا صبر لنا على الاحتراق، فعصوا فأمرهم بالدخول ثلاثا، كل ذلك يعصون ويرجعون وأمر أولئك ثلاثا كل ذلك يطيعون ويخرجون فقال لهم: كونوا طينا باذني، فخلق منه آدم. قال: فمن كان من هؤلاء، لا يكون من هؤلاء، ومن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء وما رأيت من نزق أصحابك وخلقهم، فمما أصاب من لطخ أصحاب الشمال، وما رأيت من حسن سيماء من خالفكم ووقارهم فمما أصابهم من لطخ أصحاب اليمين . السمت: الطريق، وسمت يسمت بالضم أي قصد، والسمت هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته أي هديه، وقال: السيما مقصور من الواو، قال تعالى: " سيماهم في وجوههم " وقد يجئ السيماء والسيمياء ممدودين . وقال الفيروزآبادي: السمت: الطريق وهيئة أهل الخير والسير على الطريق بالظن، وحسن النحو، وقصد الشئ ، وقال: السيمة والسيماء والسيمياء بكسرهن: العلامة [5]. وقال الجزري: السمت: الهيئة الحسنة، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه أي حسن هيئته ومنظره في الدين، وليس من الحسن والجمال، وقيل هو من السمت الطريق، يقال: الزم هذا السمت وفلان حسن السمت: أي حسن القصد. وقال الزمخشري: السمت أخذ النهج ولزوم المحجة، يقال: ما أحسن سمته: أي طريقته التي ينتهجها في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين. وفي المصباح: السمت: الطريق والقصد والسكينة والوقار والهيئة انتهى. ولعل منعه عليه السلام عن إطلاق السمت لان السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم ومذهبهم حسن، فعبر عليه السلام بعبارة أخرى لا يوهم ذلك، أو لما لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا، أمر بعبارة أخرى أفصح منه، أو أنه عليه السلام علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير والطريقة الحسنة، و الافعال المحمودة، فلذا نبهه عليه السلام بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت، و هذا قريب من الأول. والوقار: الاطمينان والسكينة البدنية، " لأصحاب اليمين " أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها، أو للذين كانوا في يمين العرش، أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش. " كونوا خلقا " أي مخلوقين ذوي أرواح، وقيل: أي كونوا أرواحا " بمنزلة الذر " أي النمل الصغار، " يسعى " وإطلاق السعي هنا، والدرج فيما سيأتي، إما لمحض التفنن في العبارة، أو المراد بالسعي سرعة السير، وبالدرج المشي الضعيف، كما يقال درج الصبي إذا مشى أول مشيه، فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات وبطء الآخرين عنها وقيل: المراد سعي الأولين إلى العلو، والآخرين إلى السفل. ولا دلالة في اللفظ عليهما. " ثم اتبعه أولو العزم ": أي سائرهم عليهم السلام، و " الكلم " الجرح، والفعل كضرب، وقد يبنى على التفعيل، وفي القاموس: وهج النار تهج وهجا ووهجانا: اتقدت، والاسم الوهج محركة. وأقول: يمكن أن يقال في تأويل هذا الخبر: إنه لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل ولمقتضيات النفس المقدس فكأنها طينتهم، ومن علم الله منهم الشقاوة، تابعين للشهوات البدنية، ودواعي النفس الامارة فكأنها طينتهم ولما مزج الله بينهما في عالم الشهود، جري في غالب الناس الطاعة والمعصية والصفات القدسية والملكات الردية، فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل والنفس، وهما طينة أصحاب اليمين، وإن كان في أصحاب الشمال، وما كان من الشرور والمعاصي فهو من الاجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال، وإن كان في أصحاب اليمين. ويمكن أيضا أن يقال: المعنى أن الله تعالى قرر في خلقة آدم عليه السلام وطينته دواعي الخير والشر، وعلم أنه يكون في ذريته السعداء والأشقياء، وخلق آدم عليه السلام مع علمه بذلك، فكأنه خلط بين الطينتين، ولما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع، لابد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة والمصاحبة، فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء وبالعكس، فلعل قوله " من لطخ أصحاب الشمال " و " من لطخ أصحاب اليمين " إشارة إلى هذا المعنى. ولما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء استيلاء أئمة الجور وأتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم، وعلم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام، لاستيلاء أهل الباطل عليهم، وعدم تولي أئمة الحق لسياستهم، فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم، ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم، مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في الاخبار الآتية إنشاء الله تعالى.
[١]الفتح ٢٩.ص 122
[2]فقال لأصحاب اليمين ظ.ص 122
[١]الكافي ج ٢ ص ١١.ص 123
[2]الصحاح ص 254.ص 123
[3]الصحاح: 1956.ص 123
[4]القاموس ج 1 ص 150 [5] القاموس ج 4 ص 133ص 123
إن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من نور عظمته، وجلال كبريائه فمن طعن على المؤمن أو رد عليه فقد رد على الله في عرشه، وليس هو من الله في ولاية وإنما هو شرك شيطان .
[1]المحاسن: 132 [2] القتال 11.ص 125
إن الله خلق محمدا من طينة من جوهرة من تحت العرش وإنه كان لطينته نضج، فجعل طينة أمير المؤمنين عليه السلام من نضج طينة رسول الله صلى الله عليه وآله وكان لطينة أمير المؤمنين عليه السلام نضج، فجعل طينتنا من فضل طينة أمير المؤمنين. وكانت لطينتنا نضج؟ جعل طينة شيعتنا من نضج طينتنا، فقلوبهم تحن إلينا وقلوبنا تعطف عليهم كعطف الوالد على الولد، ونحن لهم خير منهم لنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله لنا خير ونحن له خير.
قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الحجاج إن الله خلق محمدا وآل محمد صلى الله عليهم من طين عليين، وخلق قلوبهم من طين عليين، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد صلى الله عليه وآله، وإن الله تعالى خلق عدو آل محمد من طين سجين، وخلق قلوبهم أخبث من ذلك، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجين، فقلوبهم من أبدان أولئك، وكل قلب يحن إلى بدنه.
[١]كأنه يعنى قلوب شيعتهم.ص 126
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي - طالب عليه السلام: ألا أبشرك ألا أمنحك؟ قال: بلى يا رسول الله قال: فإني خلقت أنا وأنت من طينة واحدة، ففضلت منها فضلة، فخلق منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأمهاتهم إلا شيعتك، فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم .
[٢]بشارة المصطفى ص ١١٥ و 17.ص 126
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام: ألا أبشرك يا علي؟ قال: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، قال: أنا وأنت وفاطمة والحسن والحسين خلقنا من طينة واحدة، وفضلت منها فضلة فجعل منها شيعتنا ومحبينا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء أمهاتهم، ما خلا نحن وشيعتنا ومحبينا، فإنهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم .
[١]فخلق خ ل.ص 127
[٢]بشارة المصطفى ٢٤.ص 127
أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق، حيث أقامهم أشباحا، فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى قال: ومحمد رسولي؟ قالوا: بلى، قال: وعلي أمير المؤمنين؟ فأبى الخلق جميعا إلا استكبارا وعتوا عن ولايتك، إلا نفر قليل، وهم أقل القليل، وهم أصحاب اليمين .
[٣]بشارة المصطفى: ١٤٤.ص 127
حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الآية " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون ". وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم وقال بعض أرباب التأويل: كل ما يدركه الانسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه، ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته، وكذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة، وسيما ما رسخت بسبب الهيئات وتأكدت به الصفات، وصار خلقا وملكة. فالأفاعيل المتكررة، والعقائد الراسخة في النفوس، وهي بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح، كما قال الله تعالى " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " [4] وهذه الألواح النفيسة يقال لها: صحائف الأعمال، وإليه الإشارة بقوله سبحانه " وإذا الصحف نشرت " وقوله عز وجل " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا " فيقال له: " قد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ". فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين، وكانت معلوماته أمورا قدسية وأخلاقه زكية، وأعماله صالحة، " فقد أوتي كتابه بيمينه " أعني من الجانب
[٤]المطففين: ١٨ - 21.ص 127
[٥]كورت ١٠.ص 128
[٦]أسرى: ١٣.ص 128
[٧]ق: ٢٢.ص 128
[٨]الجاثية: ٢٨.ص 128
[9]أسرى:ص 128
الحاقة: 19. الأقوى الروحاني، وهو جهة عليين، وذلك لان كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرمة، المرفوعة المطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة يشهده المقربون. ومن كان من الأشقياء المردودين، وكانت معلوماته مقصورة على الجرميات وأخلاقه سيئة، وأعماله خبيثة، فقد أوتي كتابه بشماله، أعني من جانبه الأضعف الجسماني، وهو جهة سجين، وذلك لان كتابه من جنس الأوراق السفلية والصحائف الحسية القابلة للاحتراق، فلا جرم يعذب بالنار. وإنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه، كما قال سبحانه " كما بدأكم تعودون " " كما بدأنا أول خلق نعيده " [3] فما خلق من عليين فكتابه في عليين وما خلق من سجين، فكتابه في سجين انتهى. وسياق تلك التحقيقات على مذاقه من أصول الدين، ولما لم يصرح بنفي ما حققه جماهير الامامية من أصحاب اليقين، لا أدري أنها ثبتت له في عليين أو سجين، وفقنا الله لسلوك مسالك المتقين.
[١]اقتباس من قوله تعالى في عبس: ١٣ - ١٦.ص 129
[٢]الأعراف: ٢٩ [٣] الأنبياء: ١٠٤ [٤] بشارة المصطفى: ١٠٥.ص 129
إنا وشيعتنا خلقنا من طينة عليين، وخلق الله عدونا من طينة خبال من حماء مسنون [4].
* (باب) * * " (فطرة الله سبحانه وصبغته) " * * (الآيات) * البقرة: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون. الروم: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [2] * (تفسير) * صبغة الله، قال البيضاوي: أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الانسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالايمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب. أو للمشاكلة فان النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر، يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم، وبه تحقق نصرانيتهم، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله " آمنا " وقيل: على الاغراء، وقيل على البدل من ملة إبراهيم. " ومن أحسن من الله صبغة " لا صبغة أحسن من صبغته، " ونحن له عابدون " تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم. وأقول: قد مضى تفسير الآية الثانية في باب فضل الايمان .
[١]البقرة: ١٣٨ [2] الروم: 30.ص 130
[١]راجع ص ٤٣ و ٤٤ فيما سبق [٢] البقرة: ١٣٨.ص 131
في قول الله عز وجل " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " [2] قال: الاسلام، وقال في قوله عز وجل: " فقد استمسك بالعروة الوثقى " قال: هي الايمان بالله وحده لا شريك له .
[٣]البقرة: ٢٥٦.ص 131
[٤]الكافي ج ٢ ص ١٤.ص 131
" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قال: الصبغة هي الاسلام .
[٢]الكافي ج ٢: ١٤.ص 132
سألته عن قول الله عز وجل " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: على التوحيد.
[٣]كتاب التوحيد: ٣٤١ [٤] الروم: ٣٠.ص 132
" فطرة الله التي فطر الناس عليها " [4] قال: فقال: على التوحيد ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي أمير المؤمنين عليه السلام . وقيل: معناه كل مولود يولد على معرفة الله والاقرار به، فلا تجد أحدا إلا وهو يقر بأن الله صانعه، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، ومنه حديث حذيفة " على غير فطرة محمد " أراد دين الاسلام الذي هو منسوب إليه انتهى. وقيل: الفطرة بالكسر مصدر للنوع من الايجاد، وهو إيجاد الانسان على نوع مخصوص من الكمال، وهو التوحيد ومعرفة الربوبية، مأخوذا عليهم ميثاق العبودية، والاستقامة على سنن العدل. وقال بعض العامة: الفطرة ما سبق من سعادة أو شقاوة، فمن علم الله سعادته ولد على فطرة الاسلام، ومن علم شقاوته، ولد على فطرة الكفر، تعلق بقوله تعالى " لا تبديل لخلق الله " وبحديث الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام، طبع يوم طبع كافرا، فإنه يمنع من كون تولده على فطرة الاسلام. وأجيب عن الأول بأن معنى لا تبديل لا تغيير، يعني لا يكون بعضهم على فطرة الكفر، وبعضهم على فطرة الاسلام، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه " فان المراد بهذه الفطرة فطرة الاسلام. وعن الثاني: بأن المراد بالطبع حالة ثانية طرأت، وهي التهيؤ للكفر عن الفطرة التي ولد عليها. وقال بعضهم: المراد بالفطرة: كونه خلقا قابلا للهداية، ومتهيئا لها، لما أوجد فيه من القوة القابلة لها، لان فطرة الاسلام وصوابها موضوع في العقول وإنما يدفع العقول عن إدراكها تغيير الأبوين، أو غيرهما. وأجيب عنه بأن حمل الفطرة على الاسلام لا يأباه العقل، وظاهر الروايات يدل عليه. وحملها على خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند.
[٥]بصائر الدرجات: ٧٨ص 132
[١]الروم: ٣٠.ص 133
سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على معرفة أنه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم .
[1]المحاسن: 241 والآية في الروم: 30ص 134
سألته عن قول الله عز وجل " فطرة الله التي فطر الناس عليها " ما تلك الفطرة؟ قال: هي الاسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد .
[١]الكافي ج ٢ ص ١٢، والآية في الروم: ٣٠ [٢] الحج: ٣ [٣] الأعراف: ١٧١ [٤] لقمان: ٢٥.ص 135
سألته عن قول الله عز وجل " حنفاء لله غير مشركين به " [2] قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به. فقال زرارة: وسألته عن قول الله عز وجل " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " [3] قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر، فعرفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، وكذلك قوله: [4] " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " .
[٥]الكافي ج ٢: ١٢ و 13ص 135
* (باب) * * " (فيما يدفع الله بالمؤمن) " *
إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء .
[١]منسوب إلى تيم اللات، والرجل علي بن الحسن بن فضال الفطحي الثقة.ص 143
[٢]الكافي ج ٢ ص ٢٤٧ [٣] يوسف: ٨٢.ص 143
لا يصيب قرية عذاب، وفيها سبعة من المؤمنين .
[٤]الكافي ج ٢ ص ٢٤٧ص 143
قيل له في العذاب إذا نزل بقوم، يصيب المؤمنين؟ قال: نعم ولكن يخلصون بعده
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٤٧ص 144
* (باب) * * (حقوق المؤمن على الله عز وجل) * * (وما ضمن الله تعالى له) *
للمؤمن على الله عز وجل عشرون خصلة، يفي له بها، له على الله تبارك وتعالى أن لا يفتنه ولا يضله، وله على الله أن لا يعريه ولا يجوعه، وله على الله أن لا يشمت به عدوه، وله على الله أن لا يهتك ستره، وله على الله أن لا يخذله ويعزه، وله على الله أن لا يميته غرقا ولا حرقا، وله على الله أن لا يقع على شئ ولا يقع عليه شئ. وله على الله أن يقيه مكر الماكرين، وله على الله أن يعيذه من سطوات الجبارين، وله على الله أن يجعله معنا في الدنيا والآخرة، وله على الله أن لا يسلط عليه من الأدواء ما يشين خلقته، وله على الله أن يعيذه من البرص والجذام، وله على الله أن لا يميته على كبيرة، وله على الله أن لا ينسيه مقامه في المعاصي حتى يحدث توبة، وله على الله أن لا يحجب عنه علمه ومعرفته بحجته. وله على الله أن لا يغرز في قلبه الباطل، وله على الله أن يحشره يوم القيامة ونوره يسعى بين يديه، وله على الله أن يوفقه لكل خير، وله على الله أن لا يسلط عليه عدوه فيذله، وله على الله أن يختم له بالأمن والايمان، ويجعله معنا في الرفيق الاعلى. هذه شرائط الله عز وجل للمؤمنين . الفضيحة بالعيوب والمعاصي، وذكر البرص والجذام بعد قوله " ما يشين خلقه " تخصيص بعد التعميم، وبذلك عدا شيئين، وكذلك: تسليط العدو وسطوات الجبارين بينهما العموم والخصوص، فالمراد بالعدو غير الجبارين " أن لا يحجب عنه علمه " أي بالحجة أو مطلقا بعد الفحص. وفي المصباح: غرزته غرزا من باب ضرب، أثبته بالأرض، وفي النهاية: في حديث الدعاء: وألحقني بالرفيق الاعلى: الرفيق جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وهو اسم جاء على فعيل، ومعناه: الجماعة، كالصديق والخليط، يقع على الواحد والجمع، ومنه قوله تعالى: " وحسن أولئك رفيقا " انتهى، ثم إن أكثر هذه الخصال يحتمل أن تكون مبنية على الغالب ومشروطة بالشرائط.
[١]الخصال: ج 2: 99.ص 145
[١]النساء: ٦٩.ص 146
قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تعالى ضمن للمؤمن ضمانا، قال: قلت ما هو؟ قال: ضمن له - إن أقر لله بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلي عليه السلام بالإمامة، وأدى ما افترض عليه - أن يسكنه في جواره، قال: فقلت: هذه والله هي الكرامة التي لا تشبهها كرامة الآدميين ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: اعملوا قليلا تنعموا كثيرا . ثواب الأعمال: ابن المتوكل مثله
[٢]أمالي الشيخ ص ١٩٥.ص 146
[٣]ثواب الأعمال ص ١٥.ص 146
إن رجلا جاء إلى سيدنا الصادق عليه السلام فشكى إليه الفقر، فقال: ليس الامر كما ذكرت، وما أعرفك فقيرا قال: والله يا سيدي ما استبنت، وذكر من الفقر قطعة، والصادق عليه السلام يكذبه، إلى أن قال: خبرني لو أعطيت بالبراءة منا، مائة دينار، كنت تأخذ؟ قال: لا، إلى أن ذكر ألوف دنانير، والرجل يحلف أنه لا يفعل، فقال له: من معه سلعة يعطى هذا المال لا يبيعها، هو فقير؟.
تلا أبو عبد الله عليه السلام علينا هذه الآية " واذكروا آلاء الله " قال: أتدري ما آلاء لله؟ قلت: لا. قال: هي أعظم نعم الله على خلقه، وهي ولايتنا .
[١]الأعراف: ٧٤.ص 147
[٢]بصائر الدرجات: ص 81ص 147
قال أبو عبد الله عليه السلام: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وحدانيا يدعو الناس، فلا يستجيبون له، ولقد كان أول من استجاب له علي بن أبي طالب عليه السلام وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .
[1]المحاسن: 159.ص 148
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه انسا يسكن إليه، حتى لو كان على قلة جبل [لم] يستوحش إلى من خالفه .
[2]المحاسن: 159.ص 148
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله تبارك وتعالى: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي عن المؤمن، فاني أحب لقاءه، ويكره الموت، فأزويه عنه، ولو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاكتفيت به عن جميع خلقي، وجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج معه إلى أحد .
[3]المحاسن: 159 و 160ص 148
قال أبو عبد الله عليه السلام: قال الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني مستذل عبدي المؤمن وما ترددت في شئ كترددي في موت المؤمن، إني لأحب لقاءه، ويكره الموت فأصرفه عنه، وإنه ليدعوني في أمر فأستجيب له لما هو خير له، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن، لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا، لا يستوحش فيه إلى أحد .
[١]المحاسن: ١٦٠.ص 149
قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما يضر أحدكم أن يكون على قلة جبل يجوع يوما ويشبع يوما، إذا كان على دين الله .
[٣]المحاسن: ١٦٠ [٤] المحاسن: ٢١٩ [٥] عدة الداعي: ١٣٨ص 149
سلامة الدين وصحة البدن خير من زينة الدنيا حسب [4].
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال: الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني من أذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن من خلقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلا مؤمن واحد مع إمام عادل، لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي ولقامت سبع أرضين وسبع سماوات بهما ولجعلت لهما من إيمانهما انسا لا يحتاجان إلى البشر سواهما [5].
سمعته يقول: ما ينبغي للمؤمن أن يستوحش إلى أخيه، فمن دونه، المؤمن عزيز في دينه .
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٤٥ص 150
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في مرضة مرضها، لم يبق منه إلا رأسه، فقال: يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الامر، لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت، يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا وشيعتنا هدينا الصراط المستقيم. يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار! إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له، يا فضيل بن يسار! لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة، ما سقى عدوه منها شربة ماء، يا فضيل بن يسار! إنه من كان همه هما واحدا، كفاه الله همه [2] ومن كان همه في كل واد، لم يبال الله بأي واد هلك . التمحيص: عن الفضيل مثله، بأدنى تغيير واختصار. " كثيرا ما أقول " " ما " زائدة للابهام، و " ما " في قوله: " ما على رجل " نافية أو استفهامية للانكار، وحاصلهما واحد، أي لا ضرر ولا وحشة عليه، " أخذوا يمينا وشمالا " أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه، من الافراط كالخوارج، أو التفريط كالمخالفين له، " ما بين المشرق " أي والحال أن له ما بينهما، أو " أصبح " بمعنى صار، " مقطعا " على بناء المفعول للتكثير " أعضاؤه " بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا ومنهم من قرء " أعضاء " بالنصب على التميز. وقوله عليه السلام: " إن الله لا يفعل بالمؤمن " تعليل لهاتين الجملتين، فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن، لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج، بل لأنه علم أنه يشكره ويصرفه في مصارف الخير، ولا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله كما فعل ذلك بسليمان عليه السلام، بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن، فإنه لاتمام الحجة عليه، واستدراجه، فيصير سببا لشده عذابه. وكذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه، فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى ورفعة درجاته في الآخرة، فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين، ويرضى بقضائه فيهما. ولما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين وابتلائهم بأنواع البلاء، وغنى الكفار والأشرار والجهال، رغب الأولين بالصبر، وحذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا والفخر: بقوله عليه السلام " لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء " فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده، بل لهوانهم عليه، ولذا لم يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر ومنزلة شيئا، وقد قال تعالى: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ". " إنه من كان همه هما واحدا " الهم: القصد والعزم والحزن، والحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا، وهو طلب دين الحق، ورضى الله تعالى وقربه وطاعته، ولم يخلطه بالاغراض النفسانية والأهواء الباطلة فان الحق واحد، و للباطل شعب كثيرة أو غرضه في العبادات قربه تعالى ورضاه دون الأغراض الدنيوية " كفاه الله همه " أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود، ونصره على النفس والشيطان وجنود الجهل، " ومن كان همه في كل واد " من أودية الضلالة والجهالة " لم يبال الله بأي واد هلك " أي صرف الله لطفه وتوفيقه عنه، وتركه مع نفسه و أهوائها، حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة، أو الأغراض الباطلة. أو كل واد من أودية الدنيا، وكل شعبة من شعب أهواء النفس الامارة بالسوء، من حب المال والجاه والشرف والعلو، ولذة المطاعم والمشارب والملابس والمناكح وغير ذلك من الأمور الفانية الباطلة. والحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية أو الآراء الباطلة، ولم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق، وطاعة الله وما يوجب قربه، لم يمدده الله بنصره وتوفيقه، ولم يكن له عند الله قدر ومنزلة، ولم يبال بأي طريق سلك، ولا في أي واد هلك، وقيل: بأي واد من أودية جهنم. وقيل: يمكن أن يراد بالهم الواحد: القصد إلى الله، والتوكل عليه في جميع الأمور، فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا والآخرة، بخلاف من اعتمد على رأيه، وقطع علاقة التوكل عن نفسه، ويحتمل أن يكون المراد بالهم: الحزن والغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك، وأوصله إلى سرور الأبد، ومن كان حزنه للدنيا وكله الله إلى نفسه، حتى يهلك في واد من أودية أهوائها.
[١]في التمحيص: لو أصبح له ملك ما بين المشرق الخ [٢] في التمحيص: كفاه الله ما أهمه.ص 151
[٣]الكافي ج ٢ ص ٢٤٦.ص 151
[١]الزخرف: ٣٣ص 152
قال أبو جعفر عليه السلام: يا عبد الواحد ما يضر رجلا، إذا كان على ذا الرأي ما قال الناس له، ولو قالوا مجنون، وما يضره ولو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت.
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٤٥ص 153
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى: لو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد، لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج إلى أحد.
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٤٥ [2] المصدر ج 2 ص 245.ص 154
ما يبالي من عرفه الله هذا الامر أن يكون على قلة جبل يأكل من نبات الأرض حتى يأتيه الموت. [2]
سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن إنني لأحب لقاءه ويكره الموت، فأصرفه عنه، وإنه ليدعوني، فأجيبه، وإنه ليسألني فاعطيه، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد. وعلى التقديرين فلابد فيه من تأويل وفيه وجوه عند الخاصة والعامة أما عند الخاصة فثلاثة: الأول أن في الكلام إضمارا، والتقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شئ كترددي في وفاة المؤمن. الثاني أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق، وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو، بل يوقعها من غير تردد وتأمل، صح أن يعبر عن توقير الشخص واحترامه بالتردد وعن إدلاله واحتقاره بعدمه، فالمعنى ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية. الثالث: أنه ورد من طريق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به، ويصير راضيا بنزوله وراغبا في حصوله، فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد في أنه كيف يوصل هذا الألم إليه، على وجه يقل تأذيه. فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية، والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول، فيكون في الكلام استعارة تمثيلية. وأما وجوهه عند العامة فهي أيضا ثلاثة: الأول أن معناه: ما تردد عبدي المؤمن في شئ أنا فاعله كتردده في قبض روحه، فإنه متردد بين إرادته للبقاء وإرادتي للموت، فأنا ألطفه وأبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت، فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة وتعظيما له، كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعاهد ولي من أوليائه: عبدي! مرضت فلم تعدني؟ فيقول: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول: مرض عبدي فلان فلم تعده، فلو عدته لوجدتني عنده، وكما أضاف مرض وليه وسقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده، وتنويها بكرامة منزلته، كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك. الثاني أن " ترددت " في اللغة بمعنى " رددت " مثل قولهم: فكرت وتفكرت، ودبرت وتدبرت فكأنه يقول: ما رددت ملائكتي ورسلي في أمر حكمت بفعله، مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن، فارددهم في إعلامه بقبضي له وتبشيره بلقائي، وبما أعددت له عندي، كما ردد ملك الموت عليه السلام إلى إبراهيم وموسى عليهما السلام في القصتين المشهورتين إلى أن اختار الموت فقبضهما، كذلك خواص المؤمنين من الأولياء يرددهم إليهم رفقا وكرامة، ليميلوا إلى الموت، ويحبوا لقاءه تعالى. الثالث أن معناه ما رددت الأعلال والأمراض والبر واللطف والرفق، حتى يرى بالبر عطفي وكرمي، فيميل إلى لقائي طمعا، وبالبلايا والعلل فيتبرم بالدنيا ولا يكره الخروج منها. وما دل عليه هذا الحديث من أن المؤمن يكره الموت، لا ينافي ما دلت الروايات الكثيرة عليه من أن المؤمن يحب لقاء الله، ولا يكرهه، إما لما ذكره الشهيد في الذكرى من أن حب لقاء الله غير مفيد بوقت، فيحمل على حال الاحتضار، ومعاينة ما يحب، فإنه ليس شئ حينئذ أحب إليه من الموت ولقاء الله أو لأنه يكره الموت من حيث التألم به، وهما متغايران وكراهة أحد المتغايرين لا يوجب كراهة الاخر، أو لان حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل النافع وقت لقائه، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع له واللازم لا ينافي الملزوم، قوله تعالى " وإنه ليدعوني " بأن يقول يا الله مثلا، " فأجيبه " بأن يقول له لبيك مثلا، " وإنه ليسألني " أي يطلب حاجته كأن يقول: اصرف عني الموت، " لاستغنيت به " أي اكتفيت به في إبقاء نظام العالم للمصلحة، وضمن " يستوحش " معنى الاحتياج ونحوه. فعدي بإلى كما مر. 8 * (باب) * " (قلة عدد المؤمنين، وانه ينبغي ان لا يستوحشوا لقلتهم) " " (وأنس المؤمنين بعضهم ببعض) " الآيات: قال تعالى: وقليل من عبادي الشكور . وقال: وقليل ما هم [2]. وقال: وما آمن معه إلا قليل . وقال سبحانه: بل أكثرهم لا يعقلون . وقال: ولكن أكثرهم لا يشكرون . وأقول: مثله كثير في القرآن والغرض رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية أن الكثرة دليل الحقية، والقلة دليل البطلان، ولذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم، مع أن في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم وأولياءهم، وقد الكثير مدح القليل، الرب الجليل في التنزيل، والله يهدي إلى سواء السبيل.
[١]الكافي ج ٢: ٢٤٦.ص 155
[١]سبأ: ١٣ [٢] ص: ٢٤.ص 157
[٣]هود: ٤٠.ص 157
[٤]العنكبوت: ٦٣.ص 157
[٥]يونس: ٦٠ النمل: 73.ص 157
نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس! لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل .
[1]نهج البلاغة: 442، الخطبة 199.ص 158
قال لي: كم شيعتنا بالكوفة؟ قال: قلت خمسون ألفا فما زال يقول إلى أن قال: والله لوددت أن يكون بالكوفة خمسة وعشرون رجلا يعرفون أمرنا الذي نحن عليه، ولا يقولون علينا إلا الحق .
[١]صفات الشيعة ص ١٧٠.ص 159
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المؤمنة أعز من المؤمن، و المؤمن أعز من الكبريت الأحمر، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر؟.
[٢]الكافي ج ٢: ٢٤٢.ص 159
[٣]القاموس ج ٢ ص ١٨٢.ص 159
سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الناس كلهم بهائم - ثلاثا - إلا قليل من المؤمنين، والمؤمن غريب - ثلاث مرات . " المؤمن غريب " لأنه قلما يجد مثله فيسكن إليه، فهو بين الناس كالغريب الذي بعد عن أهله ووطنه ودياره، " ثلاث مرات " أي قال هذا الكلام ثلاث مرات وكذا قوله: " ثلاثا " وفي بعض النسخ " عزيز " مكان " غريب ".
[٤]المصدر ج ١ ص ١٥٥.ص 159
[٥]الكافي ج ٢ ص ٢٤٢ص 159
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لأبي بصير: أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي، ما استحللت أن أكتمهم حديثا .
[١]الكافي ج ٢: ٢٤٢ص 160
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: والله ما يسعك القعود، قال: ولم يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك و شيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين عليه السلام مالك من الشيعة والأنصار و والموالي، ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال: يا سدير! كم عسى أن يكونوا؟ قلت: مائة ألف. قال: مائة ألف؟ قلت: نعم ومائتي ألف، فقال: ومائتي ألف؟ قلت: نعم ونصف الدنيا، قال: فسكت عني، ثم قال: يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلت: نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا، فبادرت فركبت الحمار، فقال: يا سدير ترى أن تؤثرني بالحمار؟ قلت: البغل أزين وأنبل، قال: الحمار أرفق بي، فنزلت، فركب الحمار، وركبت البغل. فمضينا فحانت الصلاة، فقال: يا سدير انزل بنا نصلي، ثم قال: هذه أرض سبخة لا يجوز الصلاة فيها، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء، ونظر إلى غلام يرعى جداء، فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ونزلنا وصلينا، فلما فرغنا من الصلاة عطفت إلى الجداء، فعددتها فإذا هي سبعة عشر . وقال: " ينبع " كينصر حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر وفي النهاية: على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر انتهى، وقيل: على أربع مراحل وهو من أوقاف أمير المؤمنين عليه السلام، وهو عليه السلام أجرى عينه، كما يظهر من الاخبار. " أن يسرجا " بدل اشتمال لقوله: حمار وبغل، " أزين " أي الزينة في ركوبه أكثر، وعند الناس أحسن، وفي القاموس: " النبل " بالضم الذكاء والنجابة نبل ككرم نبالة فهو نبيل، وامرأة نبيلة في الحسن بينة النبالة، وكذا الناقة أو الفرس، والرجل ، والحاصل أني إنما اخترت لك البغل لأنه أشرف وأفضل واختار عليه السلام الحمار، لان التواضع فيه أكثر، مع سهولة الركوب والنزول والسير. " فحانت الصلاة " أي قرب أو دخل وقتها، في القاموس: حان يحين: قرب وآن، وكان الامر بالنزول أولا ثم الاعراض عنه للتنبيه على عدم جواز الصلاة فيها وفي المشهور محمول على الكراهة إلا أن يحصل الاستقرار، وسيأتي في كتاب الصلاة: " وكره الصلاة في السبخة إلا أن تكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستويا " وسنتكلم عليه إنشاء الله. وقال الجوهري: الجدي من ولد المعز، وثلاثة: أجد فإذا كثرت فهي الجداء، ولا تقل الجدايا ولا الجدي بكسر الجيم [2] وقال: " عطفت " أي ملت ويومئ إلى أن الصاحب عليه السلام مع كثرة من يدعي التشيع ليست له شيعة واقعية بهذا العدد وقيل: أي لابد أن يكون في عسكر الإمام عليه السلام هذا العدد من المخلصين، حتى يمكنه طلب حقه بهذا العسكر، لا أن هذا العدد كاف في جواز الخروج.
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٤٢ [2] القاموس ج 3: 87.ص 161
[١]القاموس ج ٤ ص ٥٤.ص 162
[٢]الصحاح: ٢٢٩٩.ص 162
قال لي عبد صالح عليه السلام: يا سماعة أمنوا على فرشهم وأخافوني، أما والله لقد كانت الدنيا، وما فيها إلا واحد يعبد الله، ولو كان معه غيره لأضافه الله عز وجل إليه حيث يقول: " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين " فصبر بذلك ما شاء الله، ثم إن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق، فصاروا ثلاثة. أما والله إن المؤمن لقليل، وإن أهل الكفر كثير، أتدري لم ذاك؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك، فقال: صيروا انسا للمؤمنين، يبثون إليهم ما في صدروهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه. " لقد كانت الدنيا وما فيها " الواو للحال، و " ما " نافية، " ولو كان معه غيره " أي من أهل الايمان، " لأضافه الله عز وجل إليه " لان الغرض ذكر أهل الايمان، التاركين للشرك، حيث قال: " ولم يك من المشركين " فلو كان معه غيره من المؤمنين لذكره معه. " إن إبراهيم كان أمة " قال في مجمع البيان: اختلف في معناه، فقيل: قدوة ومعلما للخير، قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم: أمة، وقيل: أراد إمام هدى، وقيل: سماه أمة لان قوام الأمة كان فيه، وقيل: لأنه قام بعمل أمة، وقيل: لأنه انفرد في دهره بالتوحيد، فكان مؤمنا وحده والناس كفار. " قانتا لله " أي مطيعا دائما على عبادته، وقيل: مصليا، " حنيفا " أي مستقيما على الطاعة وطريق الحق وهو الاسلام، " ولم يك من المشركين " بل كان موحدا انتهى. وقيل: يحتمل أن يكون " من " للابتداء أي لم يكن في آبائه مشرك، وهو بعيد، وفي النهاية: في حديث قس إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة، الأمة: الرجل المتفرد بدين، كقوله تعالى: " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله " انتهى. وأقول: كأن هذا كان بعد وفات لوط عليه السلام أو أنه لما لم يكن معه، وكان مبعوثا على قوم آخر، لم يكن ممن يؤنسه ويقويه على أمره في قومه، " فغبر بذلك " في أكثر النسخ بالغين المعجمة والباء الموحدة، أي مكث أو مضى وذهب، كما في القاموس، فعلى الأول فيه ضمير مستتر راجع إلى إبراهيم، وعلى الثاني فاعله ما شاء الله، وفي بعض النسخ " فصبر " فهو موافق للأول، وفي بعضها بالعين المهملة فهو موافق للثاني. " وإن أهل الكفر كثير " المراد بالكفر هنا مقابل الايمان الكامل، كما قال سبحانه: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " ، " أتدري لم ذاك " هذا بيان لحقية هذا الكلام أي قلة عدد المؤمنين مع أنهم بحسب الظاهر كثيرون أو لان الله تعالى لم جعل هؤلاء في صورة المؤمنين؟ أولم خلقهم؟ والمعنى على التقادير أن الله جعل هؤلاء المتشيعة انسا للمؤمنين لئلا يستوحشوا لقلتهم أو يكون علة لخروج هؤلاء عن الايمان، فالمعنى أن الله تعالى جعل المخالفين انسا للمؤمنين " فيبثون " أي المؤمنون إلى المخالفين أسرار أئمتهم، فبذلك خرجوا عن الايمان. ويؤيد الاحتمالات المتقدمة خبر علي بن جعفر " فيستريحون إلى ذلك " " إلى " بمعنى " " مع "، أو ضمن في متعلقه معنى التوجه ونحوه.
[٣]النحل: ١٢٠.ص 162
[4]فغبر، خ ل - كما في متن الكافي.ص 162
[١]الكافي ج ٢: ٢٤٣.ص 163
[2]مجمع البيان ج 6: 391.ص 163
[١]يوسف: ١٠٦.ص 164
[٢]الآتي تحت الرقم ٩ [٣] الكافي ج ٢ ص ٢٤٤ص 164
قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما أقلنا؟ لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟ المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة - قال حمران: فقلت: جعلت فداك ما حال عمار؟ قال: رحم الله عمارا أبا اليقظان بايع وقتل شهيدا. فقلت في نفسي: ما شئ أفضل من الشهادة، فنظر إلي فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة أيهات أيهات. [3].
سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: ليس كل من يقول بولايتنا مؤمنا ولكن جعلوا انسا للمؤمنين.
إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن، كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد.
[٤]الكافي ج ٢: ٢٤٧.ص 165
* (باب) * " (أصناف الناس في الايمان) " * الآيات * التوبة: الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم * ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم * ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ، الشعراء: ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين . محمد: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . تفسير: " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " الاعراب سكان البادية الذين لم يهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وآله، قال الراغب: العرب أولاد إسماعيل، والاعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسما لسكان البادية، قال تعالى: " قالت الاعراب آمنا " وقال: " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " انتهى . وكونهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر لتوحشهم وقساوتهم وجفائهم و نشوهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل، " وأجدر أن لا يعلموا " أي أحق بأن لا يعلموا " حدود ما أنزل الله على رسوله " من الشرائع فرائضها وسننها و أحكامها " والله عليم " يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر، " حكيم " فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابا وثوابا. " ومن الاعراب من يتخذ " أي يعد " ما ينفق " أي يصرفه في سبيل الله ويتصدق به، " مغرما " أي غرامة وخسرانا إذ لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابا و إنما ينفق رئاء وتقية، " ويتربص بكم الدوائر " أي ينتظر بكم صروف الزمان وحوادث الأيام من الموت والقتل والمغلوبية، فيرجع إلى دين المشركين و يتخلص من الانفاق، " عليهم دائرة السوء " اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم " والله سميع " لما يقولون عند الانفاق وغيره " عليم " بما يضمرون. " قربات " أي سبب قربات، " وصلوات الرسول " أي وسبب دعواته، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم " ألا إنها قربة لهم " شهادة من الله لهم بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم، " سيدخلهم الله " وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم " إن الله غفور رحيم " تقرير له.. " ما كانوا به مؤمنين " لفرط عنادهم واستنكافهم من اتباع العجم، وما قيل: من أن المراد بالأعجمين البهائم، فهو في غاية البعد. " وإن تتولوا " عطف على " وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم " وقال علي بن إبراهيم: يعني عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. " يستبدل قوما غيركم " أي يقم مكانكم قوما آخرين، وقال علي بن إبراهيم: يدخلهم في هذا الامر، " ثم لا يكونوا أمثالكم " قال: في معاداتكم و خلافكم وظلمكم لآل محمد عليه وعليهم السلام. قال في المجمع: " وإن تتولوا ": أي تعرضوا عن طاعته، وعن أمر رسوله " يستبدل قوما غيركم " أمثل وأطوع منكم، " ثم لا يكونوا أمثالكم " بل يكونوا خيرا منكم، وأطوع لله منكم. وروى أبو هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه؟ وكان سلمان إلى جنب رسول الله فضرب صلى الله عليه وآله يده على فخذ سلمان، فقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الايمان منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس. وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن تتولوا يا معشر العرب، يستبدل قوما غيركم، يعني الموالي، وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي .
[١]البراءة ٩٧ - ٩٩.ص 166
[٢]الشعراء: ١٩٨.ص 166
[1]القتال: 38.ص 167
[2]المفردات 238، وفيه الاعراب ولد إسماعيل.ص 167
[١]الشعراء: ١٩٨.ص 168
[2]القتال: 38.ص 168
[3]القتال: 36.ص 168
[4]مجمع البيان ج 9 ص 108.ص 168
قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون من لم يكن عربيا صلبا ومولى صريحا، فهو سفلي، فقال: وأي شئ المولى الصريح؟ فقال له الرجل: من ملك أبواه، قال: ولم قالوا هذا؟ قال: لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: مولى القوم من أنفسهم، فقال: سبحان الله أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا مولى من لا مولى له، أنا مولى كل مسلم، عربيها و عجميها، فمن والى رسول الله صلى الله عليه وآله، أليس يكون من نفس رسول الله؟. ثم قال: أيهما أشرف؟ من كان من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من كان من نفس أعرابي جلف بائل على عقبيه؟ ثم قال عليه السلام: من دخل في الاسلام رغبة خير ممن دخل رهبة، ودخل المنافقون رهبة، والموالي دخلوا رغبة، " الصريح ": الخالص من كل شئ، وقال [2]: " السفل والسفلة " بكسرهما نقيض العلو، وقد سفل ككرم، وعلم، ونصر، سفالا وسفولا وتسفل وسفل في خلقه وعلمه ككرم سفلا ويضم وسفالا ككتاب وفي الشئ سفولا نزل من أعلاه إلى أسفله، وسفلة الناس بالكسر كفرحة أسافلهم وغوغاؤهم. " مولى القوم من أنفسهم " كأن غرضه صلى الله عليه وآله حثهم على إكرام مواليهم ومعتقيهم، ورعايتهم وعدم الإزراء بشأنهم وتعييرهم بخسة نسبهم، لا أنهم في حكمهم في جميع الأمور، كما فهمه بعض العامة، قال في النهاية: في حديث الزكاة مولى القوم منهم، الظاهر من المذهب والمشهور أن موالي بني هاشم والمطلب لا يحرم عليهم أخذ الزكاة، لانتفاء النسب الذي به حرم على بني هاشم والمطلب، وفي مذهب الشافعي على وجه أنه يحرم على الموالي أخذها لهذا الحديث. ووجه الجمع بين الحديث، ونفي التحريم، أنه إنما قال هذا القول تنزيها لهم وبعثا على التشبه بسادتهم، والاستنان بسنتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس. وأقول: غرض القائل أنه ليس غير العرب من نجباء الناس، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مولى القوم من أنفسهم فالمولى الصريح أيضا ملحق بهم، فحمل الرواية على الحقيقة والعموم، وسائر الناس من أهل فارس وغيرهم من سقاط الناس وأراذلهم، وليسوا من أكفاء العرب، كما كان عمر لعنه الله يقوله. وذلك أنه سمع من النبي صلى الله عليه وآله أن أنصار علي وأهل بيته عليهم السلام يكونون من العجم، ولذا حكم بقتل العجم جميعا لما استولى على بلاد فارس، فمنعه أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. فصار أولادهم من أهل العراق وغيرهم من أصحاب أئمتنا صلوات الله عليهم وأنصارهم ومحل أسرارهم، ودونوا الأصول، وانتشر ببركتهم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم في العالم. وهذا الكلام الذي نقله الراوي عن المتعصبين من المخالفين، الذين كانوا أعداء أهل البيت وشيعتهم ومواليهم، كان مبنيا على ما ذكرنا، فأجاب عليه السلام متعجبا من كلامهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وإن قال: مولى القوم من أنفسهم، قال أيضا: أنا مولى من لا مولى له، فالعجم كلهم رسول الله مولاهم. وأيضا له صلى الله عليه وآله ولاء كل مسلم من العرب والعجم، أي هو أولى بأمورهم وناصرهم، ومعينهم في الدنيا والآخرة، وإن ماتوا ولا وارث لهم فهو وارثهم، وعليه نفقتهم إن كانوا فقراء، ويجب عليه قضاء ديونهم، إن ماتوا ولا مال لهم، من بيت مال المسلمين، وكذا بعده أوصياؤه عليهم السلام مواليهم بتلك المعاني، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله باتفاق المخالف والمؤالف: من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم بين عليه السلام أنهم أشرف من الموالي الصريح، الذي ذكره الراوي، لأنه على مقتضى قوله إذا أعتق والدي رجل أعرابي جلف يبول على عقبيه، ولا يغسلهما للشقاق الذي فيهما، وكان ذلك عادتهم، ولذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بغسل رجليهم قبل الصلاة، وقال: ويل للأعقاب من النار، فتوهموا أن ذلك في الوضوء كما ذكره الجزري في النهاية. أو هو كناية عن عدم احترازهم عن البول، فيصل إلى أرجلهم رشاشته ولا يغسلونها، والأول أظهر، فكان هذا الرجل مولى صريحا للعرب، وهو عندهم أشرف من العجم، مع أن العجم مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، بمقتضى الخبر الثاني، فهو من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله بمقتضى الخبر الأول، فكيف لا يكون أشرف منه ومن مولاه؟ ثم بين عليه السلام بوجه آخر أن العجم الذين كانوا في ذلك الزمان من شيعتهم وأصحابهم أفضل من العرب الذين يفتخرون هؤلاء بالانتساب بهم، فان " الموالي " أي أولاد فارس دخلوا في الاسلام رغبة، وهم كانوا منافقين أظهروا الاسلام خوفا ورهبة، فقوله: " فمن والى رسول الله صلى الله عليه وآله " أي دخل في الاسلام ولا مولى له وصار رسول الله مولاه، و " الجلف " في أكثر النسخ بالجيم، في القاموس: الجلف بالكسر: الرجل الجافي، وفي النهاية: الجلف: الأحمق، وفي بعض النسخ بالخاء المفتوحة واللام الساكنة، وهو الردئ من كل شئ.
[١]معاني الأخبار: ٤٠٥ [2] القاموس ج 3: 396.ص 169
[١]جواب قوله: " إذا أعتق ".ص 171
إنما شيعتنا المعادن والأشراف، وأهل البيوتات ومن مولده طيب، قال علي بن جعفر: فسألته عن تفسير ذلك فقال: المعادن من قريش والأشراف من العرب وأهل البيوتات من الموالي ومن مولده طيب من أهل السواد .
[٢]معاني الأخبار: ١٥٨.ص 171
سمعت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول: المؤمن علوي، لأنه علا في المعرفة والمؤمن هاشمي لأنه هشم الضلالة، والمؤمن قرشي، لأنه أقر بالشئ المأخوذ عنا، والمؤمن عجمي، لأنه استعجم عليه أبواب الشر، والمؤمن عربي لان نبيه صلى الله عليه وآله عربي، وكتابه المنزل بلسان عربي مبين، والمؤمن نبطي، لأنه استنبط العلم، والمؤمن مهاجري، لأنه هجر السيئات، والمؤمن أنصاري، لأنه نصر الله ورسوله وأهل بيت رسول الله، والمؤمن مجاهد، لأنه يجاهد أعداء الله عز وجل في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحق بالسيف . بل يمكن إثبات تلك الصفات له أيضا، لأنه متصف بما هو مناط الشرف فيها فالمؤمن علوي لان فضل العلوي من جهة الانتساب إلى علي عليه السلام من جهة النسب وفضله عليه السلام من جهة كماله في الايمان والمعرفة. والعلم والعمل، فمن انتسب إليه عليه السلام بهذه الجهات، كان انتسابه الروحاني إليه أقوى من الانتساب الجسماني، من جهة النسب فقط، فهو علوي لعلوه في المعرفة، وانتسابه إليه من هذه الجهة. وكذا الهاشمي لان شرافة الانتساب إلى هاشم إما لشرفه، أو لشرف الرسول صلى الله عليه وآله فإن الانتساب إليه يستلزم قرابته، فعلى الأول ففضل هاشم من جهة كونه من أوصياء إبراهيم عليه السلام وكسره للضلالة والبدع أقوى من إطعامه وكسره للثريد، فالانتساب إليه من هذه الجهة أقوى، والمؤمن منسوب إليه من تلك الجهة، وأما على الثاني فظاهر بتقريب ما مر في العلوي. قال الفيروزآبادي : " الهشم " كسر الشئ اليابس، أو الأجوف، أو كسر العظام، والرأس خاصة، أو الوجه والأنف، أو كل شئ، وهاشم أبو عبد المطلب واسمه عمرو، لأنه أول من ثرد الثريد وهشمه. وهذا البيان بوجهه جاء في القرشي، وقوله " لأنه أقر بالشئ " لرعاية المناسبة اللفظية، لا لبيان جهة الاشتقاق، وإن أمكن حمله على الاشتقاق الكبير. قال في القاموس : قرشه يقرشه ويقرشه: قطعه وجمعه من ههنا وههنا وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش لتجمعهم إلى الحرام، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لان النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوما، فقالوا: تقرش أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا كأنه جمل قريش، أي شديد، أو لان قصيا كان يقال له: القرشي، أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها إلى أن قال: والنسبة قرشي وقريشي. وقال: " العجم " بالضم وبالتحريك خلاف العرب، والأعجم: من لا يفصح كالأعجمي، والأخرس والعجمي من جنسه العجم وإن أفصح، وأعجم فلان الكلام: ذهب به إلى العجمة، واستعجم: سكت، والقراءة: لم يقدر عليها لغلبة النعاس. وفي النهاية: كل من لا يقدر على الكلام، فهو أعجم ومستعجم، ومنه الحديث فإذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه،: أي ارتج عليه فلم يقدر أن يقرء، كأنه صار عجمة انتهى. والحاصل: أنه لا يهتدي إلى الشر، ولا يأتي منه إلا الخير، فهو على بناء المجهول، ويحتمل المعلوم، وسيأتي الكلام في النبطي، وسائر الفقرات ظاهرة مما مر. ويحتمل أن يكون المعنى أن المؤمن لشرفه وكماله يمكن أن يطلق عليه كل من هذه الألفاظ بوجه حسن، وإن كان قريبا مما مر، أو المعنى أنه من أي هذه الأصناف كان، فاطلاقه عليه بوجه حسن يتضمن مدحا عظيما، والأول أظهر.
[١]علل الشرائع ج ٢ ص ١٥٢.ص 172
[2]القاموس ج 2 ص 190. وقد مر نقله فيما سبق.ص 172
[١]المصدر ج ٢: ٢٨٣ و ٢٨٤.ص 173
[٢]المصدر ج ٤: ١٤٧.ص 173
الصادق عليه السلام: لو نزل القرآن على العجم، ما آمنت به العرب، وقد نزل على العرب، فآمنت به العجم. فهذه فضيلة العجم.
[٣]الشعراء: ١٩٨.ص 173
قال أبو عبد الله عليه السلام: يا ابن قيس " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " عنى أبناء الموالي المعتقين.
[١]القتال: ٣٨.ص 174
[5]القاموس ج 2: 175.ص 174
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو كان العلم منوطا بالثريا لتناولته رجال من فارس
ب: بهذا الاسناد، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله في فارس: ضربتموهم على تنزيله ولا تنقضي الدنيا حتى يضربوكم على تأويله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا قريشا، ولا تبغضوا العرب، ولا تذلوا الموالي، ولا تساكنوا الخوز، ولا تزوجوا إليهم، فان لهم عرقا يدعوهم إلى غير الوفاء [4].
سألته عن الرجل يفتري على الرجل من جاهلية العرب؟ قال: يضرب حدا، قلت حدا؟ قال: نعم، إن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله
[١]انه يدخل، خ ل.ص 175
[٢]علل الشرائع ج ٢ ص ٧٩.ص 175
له عمرو، عن ذريح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أصاب بعيرا لنا علة، ونحن في ماء لبني سليم، فقال الغلام لأبي عبد الله عليه السلام: يا مولاي أنحره؟ قال: لا تلبث فلما سرنا أربعة أميال، قال: يا غلام انزل فانحره، ولإن تأكله السباع أحب إلي من أن تأكله الاعراب.
صعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر يوم فتح مكة، ثم قال: أيها الناس إن الله تبارك وتعالى قد ذهب عنكم بنخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنكم من آدم وآدم من طين، وخير عباد الله عنده أتقاهم، إن العربية ليست بأب والد، ولكنها لسان ناطق، فمن قصر به عمله فلم يبلغه رضوان الله حسبه، ألا إن كل دم كان في الجاهلية أو إحنة، فهو تحت قدمي هاتين إلى يوم القيامة.
[٤]علمه ولم يبلغه خ ل.ص 175
[٥]معاني الأخبار: ٢٠٧.ص 175
قال: الناس [ثلاثة] عربي ومولى، وعلج، فأما العرب فنحن، وأما المولى فمن والانا، وأما العلج فمن تبرأ منا وناصبنا.
[١]معاني الأخبار: ٤٠٣ [2] المصدر: 403.ص 176
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نحن قريش، وشيعتنا العرب، وعدونا العجم. [2]
نحن العرب، وشيعتنا منا، سائر الناس همج أو هبج، قال: قلت: وما الهمج؟ قال: الذباب، فقلت: وما الهبج؟ قال: البق.
[3]المصدر: 404.ص 176
قلت له: ما يزال الرجل ممن ينتحل أمرنا، يقول لمن من الله عليه بالاسلام: يا نبطي، قال فقال: نحن أهل البيت والنبط، من ذرية إبراهيم ، إنما هما نبطان من النبط الماء والطين، وليس بضاره في ذريته شئ فقوم استنبطوا العلم فنحن هم. وفي النهاية: نبط الماء ينبط إذا نبع، وأنبط الحفار بلغ الماء في البئر والاستنباط الاستخراج، والنبط والنبيط: الماء يخرج من قعر البئر إذا احتفرت. وفي حديث عمر: تمعدوا ولا تستنبطوا، أي تشبهوا بمعد، ولا تشبهوا بالنبط النبط والنبيط: جيل معروف كانوا ينزلون بالبطايح بين العراقين، ومنه حديثه الاخر: لا تنبطوا في المدائن أي لا تشبهوا بالنبط في سكناها واتخاذ العقار والملك. وحديث ابن عباس: نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثى ، قيل لان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه ولد بها، وكان النبط سكانها. ومنه حديث عمرو بن معد يكرب سأله عمر عن سعد فقال: أعرابي في حبوته نبطي في جبوته، أراد أنه في جباية الخراج، وعمارة الأرضين كالنبط حذقا بها ومهارة فيها لأنهم كانوا سكان العراق وأربابها. وفي حديث الشعبي أن رجلا قال لاخر: يا نبطي، قال: لاحد عليه، كلنا نبط، يريد الجوار والدار، دون الولادة. وفي الصحاح: في كلام أيوب بن القرية: أهل عمان عرب استنبطوا وأهل البحرين نبيط استعربوا. وفي القاموس: النبط محركة أول ما يظهر من ماء البئر وأنبط الحافر انتهى إليها وغور المرء وجيل ينزلون بالبطايح بين العراقين، كالنبيط والأنباط، وهو نبطي محركة، وتنبط تشبه بهم، أو تنسب إليهم، والكلام استخرجه، وكل ما أظهر بعد خفاء، فقد أنبط واستنبط مجهولين، واستنبط الفقيه: استخرج الفقه الباطن بفهمه واجتهاده . إذا عرفت هذا، فاعلم أن الخبر يحتمل وجهين: أحدهما أن المراد أنا أهل البيت والنبط جميعا من ذرية إبراهيم، إما على الحقيقة أو على التأويل، لأنه عليه السلام كان يساكنهم في ديارهم، فلهم أيضا شرافة النسب، ثم بين عليه السلام فضلهم من جهة اشتقاق اللفظ فقال: النبط له اشتقاقان: أحدهما من استنباط الماء، وتعمير الأرض، وهذا لا يضرهم إن لم يفعلوا مثل أفعالهم، فإن فعل الاباء لا يضر الأبناء، فهذا لا يصير سببا لذمهم كما يوهمه كلام عمر، وثانيهما: استنباط العلم والحكمة فنحن أنباط بهذا المعنى، وشيعتنا الذين يستبطون منا داخلون في ذلك، كما قال سبحانه: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم " . وثانيهما: أن يكون المعنى أنا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وخلفاؤه، وبذلك لنا الفضيلة على سائر الخلق، وليس لغيرنا فضل على النبط، لأنهم أيضا من ذرية إبراهيم. ثم بين عليه السلام أن للنبطي بحسب الاشتقاق معنيين: أحدهما مستخرج الماء من الطين، وهذا لا يضرهم في شرافة نسبهم، والاخر استنباط العلم فنحن هم فلا يكون النبطي شتما لهم، بل هو مدح لهم، وعلى التقديرين ضمير ضاره عائد إلى إبراهيم عليه السلام وكذا ضمير ذريته، ويحتمل عودهما إلى النبطي، وعود الأول إلى النبطي، والثاني إلى إبراهيم عليه السلام: وفي بعض النسخ من ذرية آدم وإبراهيم، ولا يختلف المعنى، ويحتمل أن يكون المراد بالنبط: من يقال له على وجه الذم نبطي،: أي الذين أسلموا بعد الكفر والأسر، وهم كانوا غالبا إما من قريش، أو أهل الكتاب، وهم من ذرية إبراهيم عليه السلام، ويحتمل الخبر وجوها اخر، تظهر مما ذكرنا للمتدبر.
[١]من ذرية آدم وإبراهيم إنما هما نبطيان من أنبط الماء والطين خ ل.ص 177
[٢]معاني الأخبار ص ٤٠٤.ص 177
[3]كوثى - بالضم - بلدة بالعراق قاله الفيروزآبادي.ص 177
[١]الصحاح: ١١٦٢.ص 178
[٢]القاموس ج ٢ ص ٣٨٧.ص 178
[٣]النساء: ٨٣.ص 178
سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من ولد في الاسلام فهو عربي، ومن دخل فيه طوعا أفضل ممن دخل فيه كرها، والمولى هو الذي يؤخذ أسيرا من أرضه ويسلم، فذلك المولى
من ولد في الاسلام حرا، فهو عربي، ومن كان له عهد، فخفر في عهده فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن دخل في الاسلام طوعا، فهو مهاجر .
[٢]معاني الأخبار: ٤٠٥.ص 179
الناس ثلاثة: عربي، ومولى وعلج، فأما العرب فنحن، وأما الموالي فمن والانا، وأما العلج فمن تبرأ منا وناصبنا .
[٢]الخصال ج ١: ٦٠.ص 180
من ولد في الاسلام فهو عربي، ومن دخل فيه بعد ما كبر فهو مهاجر، ومن سبي واعتق فهو مولى، ومولى القوم من أنفسهم .
[٣]معاني الأخبار: ٢٣٩.ص 180
قال أبو عبد الله عليه السلام: جاءني ابن عمك، كأنه أعرابي مجنون، عليه إزار وطيلسان ونعلان في يده، فقال لي: إن قوما يقولون فيك، فقلت: ألست عربيا، قال: بلى، فقلت: إن العرب لا تبغض عليا، ثم قلت له: لعلك ممن يكذب بالحوض أما والله لئن أبغضته ثم وردت عليه الحوض، لتموتن عطشا .
[4]المحاسن: 89 و 90.ص 180
سألته عن هذه الآية: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " (1 قال: الموالي .
[٢]تفسير العياشي ج ١: ٣٢٧.ص 181