Show clickable narrator chain
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إني لأرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش. فأغتم لذلك غما شديدا، وأرى من خالفنا فأراه حسن السمت، قال: لا تقل حسن السمت، فان السمت سمت الطريق، ولكن قل: حسن السيماء، فان الله عز وجل يقول: " سيماهم في وجوههم " قال: قلت: فأراه حسن السيماء، له وقار، فأغتم لذلك، قال: لا تغتم لما رأيت من نزق أصحابك، ولما رأيت من حسن سيماء من خالفك، إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم، خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعى، وقال لأصحاب الشمال: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج. ثم رفع لهم نارا فقال : ادخلوها بإذني، فكان أول من دخلها محمد صلى الله عليه وآله ثم اتبعه أولو العزم من الرسل. وأوصياؤهم وأتباعهم، ثم قال لأصحاب الشمال: ادخلوها باذني، فقالوا: ربنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين: اخرجوا بإذني من النار، فخرجوا لم تكلم منهم النار كلما، ولم تؤثر فيهم أثرا. فلما رآهم أصحاب الشمال قالوا: ربنا نرى أصحابنا قد سلموا، فأقلنا ومرنا بالدخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلما دنوا وأصابهم الوهج رجعوا فقالوا يا ربنا لا صبر لنا على الاحتراق، فعصوا فأمرهم بالدخول ثلاثا، كل ذلك يعصون ويرجعون وأمر أولئك ثلاثا كل ذلك يطيعون ويخرجون فقال لهم: كونوا طينا باذني، فخلق منه آدم. قال: فمن كان من هؤلاء، لا يكون من هؤلاء، ومن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء وما رأيت من نزق أصحابك وخلقهم، فمما أصاب من لطخ أصحاب الشمال، وما رأيت من حسن سيماء من خالفكم ووقارهم فمما أصابهم من لطخ أصحاب اليمين . السمت: الطريق، وسمت يسمت بالضم أي قصد، والسمت هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته أي هديه، وقال: السيما مقصور من الواو، قال تعالى: " سيماهم في وجوههم " وقد يجئ السيماء والسيمياء ممدودين . وقال الفيروزآبادي: السمت: الطريق وهيئة أهل الخير والسير على الطريق بالظن، وحسن النحو، وقصد الشئ ، وقال: السيمة والسيماء والسيمياء بكسرهن: العلامة [5]. وقال الجزري: السمت: الهيئة الحسنة، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه أي حسن هيئته ومنظره في الدين، وليس من الحسن والجمال، وقيل هو من السمت الطريق، يقال: الزم هذا السمت وفلان حسن السمت: أي حسن القصد. وقال الزمخشري: السمت أخذ النهج ولزوم المحجة، يقال: ما أحسن سمته: أي طريقته التي ينتهجها في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين. وفي المصباح: السمت: الطريق والقصد والسكينة والوقار والهيئة انتهى. ولعل منعه عليه السلام عن إطلاق السمت لان السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم ومذهبهم حسن، فعبر عليه السلام بعبارة أخرى لا يوهم ذلك، أو لما لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا، أمر بعبارة أخرى أفصح منه، أو أنه عليه السلام علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير والطريقة الحسنة، و الافعال المحمودة، فلذا نبهه عليه السلام بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت، و هذا قريب من الأول. والوقار: الاطمينان والسكينة البدنية، " لأصحاب اليمين " أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها، أو للذين كانوا في يمين العرش، أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش. " كونوا خلقا " أي مخلوقين ذوي أرواح، وقيل: أي كونوا أرواحا " بمنزلة الذر " أي النمل الصغار، " يسعى " وإطلاق السعي هنا، والدرج فيما سيأتي، إما لمحض التفنن في العبارة، أو المراد بالسعي سرعة السير، وبالدرج المشي الضعيف، كما يقال درج الصبي إذا مشى أول مشيه، فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات وبطء الآخرين عنها وقيل: المراد سعي الأولين إلى العلو، والآخرين إلى السفل. ولا دلالة في اللفظ عليهما. " ثم اتبعه أولو العزم ": أي سائرهم عليهم السلام، و " الكلم " الجرح، والفعل كضرب، وقد يبنى على التفعيل، وفي القاموس: وهج النار تهج وهجا ووهجانا: اتقدت، والاسم الوهج محركة. وأقول: يمكن أن يقال في تأويل هذا الخبر: إنه لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل ولمقتضيات النفس المقدس فكأنها طينتهم، ومن علم الله منهم الشقاوة، تابعين للشهوات البدنية، ودواعي النفس الامارة فكأنها طينتهم ولما مزج الله بينهما في عالم الشهود، جري في غالب الناس الطاعة والمعصية والصفات القدسية والملكات الردية، فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل والنفس، وهما طينة أصحاب اليمين، وإن كان في أصحاب الشمال، وما كان من الشرور والمعاصي فهو من الاجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال، وإن كان في أصحاب اليمين. ويمكن أيضا أن يقال: المعنى أن الله تعالى قرر في خلقة آدم عليه السلام وطينته دواعي الخير والشر، وعلم أنه يكون في ذريته السعداء والأشقياء، وخلق آدم عليه السلام مع علمه بذلك، فكأنه خلط بين الطينتين، ولما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع، لابد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة والمصاحبة، فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء وبالعكس، فلعل قوله " من لطخ أصحاب الشمال " و " من لطخ أصحاب اليمين " إشارة إلى هذا المعنى. ولما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء استيلاء أئمة الجور وأتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم، وعلم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام، لاستيلاء أهل الباطل عليهم، وعدم تولي أئمة الحق لسياستهم، فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم، ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم، مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في الاخبار الآتية إنشاء الله تعالى.
الهوامش6
[١]الفتح ٢٩.ص 122
[2]فقال لأصحاب اليمين ظ.ص 122
[١]الكافي ج ٢ ص ١١.ص 123
[2]الصحاح ص 254.ص 123
[3]الصحاح: 1956.ص 123
[4]القاموس ج 1 ص 150 [5] القاموس ج 4 ص 133ص 123