Show clickable narrator chain
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في مرضة مرضها، لم يبق منه إلا رأسه، فقال: يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الامر، لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت، يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا وشيعتنا هدينا الصراط المستقيم. يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار! إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له، يا فضيل بن يسار! لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة، ما سقى عدوه منها شربة ماء، يا فضيل بن يسار! إنه من كان همه هما واحدا، كفاه الله همه [2] ومن كان همه في كل واد، لم يبال الله بأي واد هلك . التمحيص: عن الفضيل مثله، بأدنى تغيير واختصار. " كثيرا ما أقول " " ما " زائدة للابهام، و " ما " في قوله: " ما على رجل " نافية أو استفهامية للانكار، وحاصلهما واحد، أي لا ضرر ولا وحشة عليه، " أخذوا يمينا وشمالا " أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه، من الافراط كالخوارج، أو التفريط كالمخالفين له، " ما بين المشرق " أي والحال أن له ما بينهما، أو " أصبح " بمعنى صار، " مقطعا " على بناء المفعول للتكثير " أعضاؤه " بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا ومنهم من قرء " أعضاء " بالنصب على التميز. وقوله عليه السلام: " إن الله لا يفعل بالمؤمن " تعليل لهاتين الجملتين، فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن، لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج، بل لأنه علم أنه يشكره ويصرفه في مصارف الخير، ولا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله كما فعل ذلك بسليمان عليه السلام، بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن، فإنه لاتمام الحجة عليه، واستدراجه، فيصير سببا لشده عذابه. وكذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه، فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى ورفعة درجاته في الآخرة، فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين، ويرضى بقضائه فيهما. ولما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين وابتلائهم بأنواع البلاء، وغنى الكفار والأشرار والجهال، رغب الأولين بالصبر، وحذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا والفخر: بقوله عليه السلام " لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء " فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده، بل لهوانهم عليه، ولذا لم يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر ومنزلة شيئا، وقد قال تعالى: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ". " إنه من كان همه هما واحدا " الهم: القصد والعزم والحزن، والحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا، وهو طلب دين الحق، ورضى الله تعالى وقربه وطاعته، ولم يخلطه بالاغراض النفسانية والأهواء الباطلة فان الحق واحد، و للباطل شعب كثيرة أو غرضه في العبادات قربه تعالى ورضاه دون الأغراض الدنيوية " كفاه الله همه " أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود، ونصره على النفس والشيطان وجنود الجهل، " ومن كان همه في كل واد " من أودية الضلالة والجهالة " لم يبال الله بأي واد هلك " أي صرف الله لطفه وتوفيقه عنه، وتركه مع نفسه و أهوائها، حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة، أو الأغراض الباطلة. أو كل واد من أودية الدنيا، وكل شعبة من شعب أهواء النفس الامارة بالسوء، من حب المال والجاه والشرف والعلو، ولذة المطاعم والمشارب والملابس والمناكح وغير ذلك من الأمور الفانية الباطلة. والحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية أو الآراء الباطلة، ولم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق، وطاعة الله وما يوجب قربه، لم يمدده الله بنصره وتوفيقه، ولم يكن له عند الله قدر ومنزلة، ولم يبال بأي طريق سلك، ولا في أي واد هلك، وقيل: بأي واد من أودية جهنم. وقيل: يمكن أن يراد بالهم الواحد: القصد إلى الله، والتوكل عليه في جميع الأمور، فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا والآخرة، بخلاف من اعتمد على رأيه، وقطع علاقة التوكل عن نفسه، ويحتمل أن يكون المراد بالهم: الحزن والغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك، وأوصله إلى سرور الأبد، ومن كان حزنه للدنيا وكله الله إلى نفسه، حتى يهلك في واد من أودية أهوائها.
الهوامش3
[١]في التمحيص: لو أصبح له ملك ما بين المشرق الخ [٢] في التمحيص: كفاه الله ما أهمه.ص 151
[٣]الكافي ج ٢ ص ٢٤٦.ص 151
[١]الزخرف: ٣٣ص 152