Usul16

Hadith record

bihar-28674

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

(باب الشرايع)

bihar-28674
الكافي: بالاسناد المتقدم عن أبي جعفر عليه السلام قال
Show clickable narrator chain

سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الايمان فقال: إن الله عز وجل جعل الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق، والاشفاق، والزهد، و الترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق عن النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، ومعرفة العبرة وسنة الأولين، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان مع الأولين واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجا بما نجا، ومن هلك بما هلك، وإنما أهلك الله من هلك بمعصيته، وأنجا من أنجا بطاعته. والعدل على أربع شعب غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، و روضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرايع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شئ الفاسقين غضب لله ومن غضب لله غضب الله له فذلك الايمان ودعائمه وشعبه . مجالس المفيد، أمالي الطوسي: عن المفيد، عن المرزباني، عن أحمد بن سليمان الطوسي، عن الزبير بن بكار، عن عبد الله بن وهب، عن السدي، عن عبد خير، عن جابر الأسدي قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن الايمان فقام عليه السلام خطيبا فقال: الحمد لله الذي شرع الاسلام وساق نحوه إلى قوله غضب لله، ومن غضب لله تعالى فهو مؤمن حقا فهذه صفة الايمان ودعائمه، فقال له السائل: لقد هديت يا أمير المؤمنين وأرشدت فجزاك الله عن الدين خيرا . ولنوضح هذه الرواية الشريفة مشيرا إلى اختلاف النسخ في الكتب: " أما بعد " أي بعد الحمد والصلاة " فسهل شرائعه لمن ورده " الشرع والشريعة بفتحهما ما شرع الله لعباده من الدين أي سنه وافترضه عليهم، وشرع الله لنا كذا أي أظهره وأوضحه، والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري وكذلك المشرعة قال الأزهري ولا تسميها العرب مشرعة إلا إذا كان الماء غير منقطع كماء الأنهار ويكون ظاهرا معينا ولا يستقى منه برشاء، فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع بفتحتين، ووردت الماء كوعدت إذا حضرته لتشرب، وقيل الشريعة مورد الشاربة ويقال لما شرع الله تعالى لعباده، إذ به حياة الأرواح كما بالماء حياة الأبدان " وأعز أركانه لمن حاربه " ركن الشئ جانبه أو الجانب الأقوى منه، والعز و المنعة، وما يتقوى به من ملك وجند وغيره، كما يستند إلى الركن من الحائط عند الضعف، والعز القوة والشدة والغلبة، وأعزه أي جعله عزيزا، أي جعل أصوله وقواعده أو دلائله وبراهينه قاهرة غالبة منيعة قوية لمن أراد محاربته أي هدمه وتضييعه، وقيل محاربته كناية عن محاربة أهله وفي بعض النسخ " جأر به " كسأل بالجيم والهمز أي استغاث به ولجأ إليه، وفي النهج على من غالبه أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر، وفي تحف العقول على من جانبه. " وجعله عزا لمن تولاه " أي جعله سببا للعزة والرفعة والغلبة لمن أحبه وجعله وليه في الدنيا من القتل والأسر والنهب والذل، وفي الآخرة من العذاب والخزي وفي مجالس الشيخ " لمن والاه " وفي النهج مكانه " فجعله أمنا لمن علقه " أي نشب واستمسك به " وسلما لمن دخله " والسلم بالكسر كما في النهج وبالفتح أيضا الصلح، ويطلق على المسالم أيضا بالتحريك الاستسلام، إذ من دخله يؤمن من المحاربة والقتل والأسر " لمن تجلله " كأنه على الحذف والإيصال أي تجلل به، أو علاه الاسلام وظهر عليه، أو أخذ جلاله وعمدته قال الجوهري تجليل الفرس أن تلبسه الجل، وتجلله أي: علاه، وتجلله: أي أخذ جلاله انتهى، و ربما يقرأ بالحاء المهملة، ويفسر بأن جعله حلة على نفسه ولا يخفى ما فيه وفي المجالس والتحف " لمن تحلى به " وهو أظهر. " وعذرا لمن انتحله " الانتحال أخذه نحلة ودينا، ويطلق غالبا على ادعاء أمر لم يتصف به، فعلى الثاني المراد أنه عذر ظاهرا في الدنيا. ويجري به عليه أحكام المسلمين، وإن لم ينفعه في الآخرة، والعروة من الدلو والكوز المقبض و كل ما يتمسك به، شبه الاسلام تارة بالعروة التي في الحبل يتمسك بها في الارتقاء إلى مدارج الكمال، والنجاة من مهاوي الحيرة والضلال، كما قال تعالى: " فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وتارة بالحبل المتين يصعد بالتمسك به إلى درجات المقربين والحبل يطلق على الرسن وعلى العهد وعلى الذمة و على الأمان. والكل مناسب، وقيل: شبهه بالعروة لان من أخذ بعروة الشئ كالكوز مثلا ملك كله، وكذلك من تمسك بالاسلام اتسولى على جميع الخيرات. " وبرهانا لمن تكلم به " البرهان: الحجة والدليل، أي الاسلام إذا أحاط الانسان بأصوله وفروعه يحصل منه براهين ساطعة على من أنكرها إذ لا تحصل الإحاطة التامة إلا بالعلم بالكتاب والسنة وفيهما برهان كل شئ " ونورا لمن استضاء به " شبهه بالنور للاهتداء به إلى طرق النجاة، ورشحه بذكر الاستضاءة . " وشاهدا لمن خاصم به " إذ باشتماله على البراهين الحقة يشهد بحقيته من خاصم به " وفلجا لمن حاج به " الفلج بالفتح الظفر والفوز كالافلاج، والاسم بالضم والمحاجة المغالبة بالحجة " وعلما لمن وعاه " أي سببا لحصول العلم وإن كان مسببا عنه أيضا في الجملة. إذ العلم به يزداد ويتكامل و " حديثا لمن روى " أي يتضمن الإحاطة بالاسلام أحاديث وأخبارا لمن أراد روايتها، ففي الفقرة السابقة حث على الدراية وفي هذه الفقرة حث على الرواية " وحكما لمن قضى " أي يتضمن ما به يحكم بين المتخاصمين لمن قضى بينهما، وفي المجالس رواه وقضى به " وحلما لمن جرب " الحلم بمعنى العقل أو بمعنى الأناة وترك السفه، وكلاهما يحصلان باختيار الاسلام، وتجربة ما ورد فيه من المواعظ والاحكام، واختصاص التجربة بالاسلام لان من سفه وبادر بسبب غضب عرض له، يلزمه في دين الاسلام أحكام من الحد والتعزير والقصاص من جربها واعتبر بها تحمله التجربة على العفو والصفح وعدم الانتقام لا سيما مع تذكر العقوبات الأخروية على فعلها، والمثوبات الجليلة على تركها، وكل ذلك يظهر من دين الاسلام. " ولباسا لمن تدبر " أي لباس عافية لمن تدبر في العواقب أو في أوامره و نواهيه، بتقريب ما مر أو لباس زينة، والأول أظهر " وقد يقرأ تدثر " بالثاء المثلثة أي لبسه وجعله مشتملا على نفسه كالدثار، وهو تصحيف لطيف وفي النهج والكتابين ولبا لمن تدبر، واللب بالضم العقل وهو أصوب " وفهما لمن تفطن " الفهم العلم وجودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه، والفطنة الحذق، والتفطن طلب الفطانة أو إعماله. وظاهر أن الاسلام والانقياد للرسول والأئمة عليهم السلام يصير سببا للعلم وجودة الذهن لمن أعمل الفطنة فيما يصدر عنهم من المعارف والحكم وفي المجالس " لمن فطن ". " ويقينا لمن عقل " أي يصير سببا لحصول اليقين لمن تفكر وتدبر، يقال عقلت الشئ عقلا كضربت أي تدبرته، وعقل كعلم لغة فيه، ويمكن أن يراد بمن عقل من كان من أهل العقل، وهو قوة بها يكون التمييز بين الحسن والقبيح وقيل: غريزة يتهيأ بها الانسان لفهم الخطاب " وبصيرة لمن عزم " وفي النهج و المجالس " وتبصرة " قال الراغب يقال لقوة القلب المدركة: بصيرة، وبصر، و منه " أدعو إلى الله على بصيرة " أي على معرفة وتحقق، وقوله " تبصرة " أي تبصيرا وتبيينا يقال: بصرته تبصيرا وتبصرة كما يقال: ذكرته تذكيرا وتذكرة، وقال: العزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الامر يقال: عزمت الامر وعزمت عليه واعتزمت انتهى أي تبصرة لمن عزم على الطاعة كيف يؤديها أو في جميع الأمور فان في الدين كيفية المخرج في جميع أمور الدين والدنيا، وأيضا من كان ذا دين لا يعزم على أمر إلا على وجه البصيرة. " وآية لمن توسم " أي الاسلام مشتمل على علامات لمن تفرس ونظر بنور العلم واليقين إشارة إلى قوله تعالى " إن في ذلك للآيات للمتوسمين " قال: الراغب: الوسم التأثير، والسمة الأثر، قال تعالى " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " وقال: " تعرفهم بسيماهم " وقوله تعالى " إن في ذلك لايات للمتوسمين " أي للمعتبرين العارفين المتفطنين، وهذا التوسم هو الذي سماه قوم الذكاء، و قوم الفطنة، وقوم الفراسة، وقال صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن، وقال: المؤمن ينظر بنور الله، وتوسمت تعرفت السمة. " وعبرة لمن اتعظ " العبرة بالكسر ما يتعظ به الانسان ويعتبره ليتسدل به على غيره، والاتعاظ قبول الوعظ " ونجاة لمن صدق " بالتشديد، ويحتمل التخفيف كما ورد في الخبر من صدق نجا، والأول هو المضبوط في نسخ النهج " وتؤدة " كهمزة بالهمز " لمن أصلح " وفي القاموس: التؤدة بفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأني، وقد اتأد وتوأد وفي المصباح اتأد في مشيه على افتعل اتئادا ترفق ولم يعجل، وهو يمشي على تؤدة وزان رطبة، وفيه تؤدة أي تثبت، وأصل التاء فيها واو انتهى أي يصير الاسلام سبب وقار ورزانة لمن أصلح نفسه بشرائعه وقوانينه، أو أصلح أموره بالتأني أو يتأنى في الاصلاح بين الناس أو بينه وبين الناس وفي بعض النسخ ومودة وهو بالأخير أنسب. وفي المجالس: " ومودة من الله لمن أصلح " وفي التحف " ومودة من الله لمن صلح " أي يوده الله أو يلقي حبه في قلوب العباد كما قال سبحانه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا " " وزلفى لمن اقترب " الزلفى كحبلى القرب والمنزلة والحظوة، والاقتراب الدنو، وطلب القرب وكأن المعنى الاسلام سبب قرب من الله تعالى لمن طلب ذلك بالأعمال الصالحة التي دل عليها دين الاسلام وشرائعه، وفي بعض النسخ " لمن اقترن " أي معه ولم يفارقه، وكأنه تصحيف وفي المجالس والتحف " لمن ارتقب " أي انتظر الموت أو رحمة الله، أو حفظ شرايع الدين وترصد مواقيتها، في القاموس الرقيب الحافظ والمنتظر، والحارس ورقبه انتظره كترقبه وارتقبه، والشئ حرسه كراقبه مراقبة، وارتقب أشرف وعلا. " وثقة لمن توكل " الثقة من يؤتمن ويعتمد عليه، يقال وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا أي ائتمنته، ووثق الشئ بالضم وثاقة فهو وثيق أي ثابت محكم، و توكل عليه أي فوض أمره إليه أي الاسلام ثقة مأمون لمن وكل أموره إليه أي راعى في جميع الأمور قوانينه، فلا يخدعه، أو يصير الاسلام سببا لوثوق المرء على الله إذا توكل عليه ويعلم به أن الله حسبه ونعم الوكيل. " ورجاء لمن فوض " أي الاسلام سبب رجاء لمن فوض أموره إليه أو إلى الله على الوجهين السابقين، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة أي سعة عيش، وفي النهج والكتابين وراحة وهو أظهر " وسبقة لمن أحسن " في القاموس: سبقه يسبقه و يسبقه تقدمه، والفرس في الحلبة جلى، والسبق محركة والسبقة بالضم الخطر يوضع بين أهل السباق وهما سبقان بالكسر أي يستبقان انتهى والظاهر هنا سبقة بالضم أي الاسلام متضمن لسبقة لمن أحسن المسابقة أو لمن أحسن إلى الناس فإنه من الأمور التي تحسن المسابقة فيه أو لمن أحسن صحبته، أو لمن أتى بأمر حسن فيشمل جميع الطاعات، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى قوله تعالى " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان " بأن يكون المعنى اتبعوهم في الاحسان " وخيرا لمن سارع " على الوجوه المتقدمة إشارة إلى قوله سبحانه في مواضع " يسارعون في الخيرات . " وجنة لمن صبر " الجنة بالضم الترس وكل ما وقي من سلاح وغيره، فالاسلام يحث على الصبر وهو جنة لمخاوف الدنيا والآخرة، وقيل استعار لفظ الجنة للاسلام لأنه يحفظ من صبر على العمل بقواعده وأركانه من العقوبة الدنيوية و الأخروية، وقيل جنة لمن صبر في المناظرة مع أعادي الدين " ولباسا لمن اتقى " كأنه إشارة إلى قوله تعالى " ولباس التقوى ذلك خير " بناء على أن المراد بلباس التقوى خشية الله، أو الايمان، أو العمل الصالح، أو الحياء الذي يكسب التقوى، أو السمت الحسن، وقد قيل كل ذلك أو اللباس الذي هو التقوى، فإنه يستر الفضائح والقبائح، ويذهبها، لا لباس الحرب كالدرع والمغفر والآلات التي تتقى بها عن العدو كما قيل، فالاسلام سبب للبس لباس الايمان والتقوى و الأعمال الصالحة، والحياء وهيئة أهل الخير لمن اتقى وعمل بشرائعه. " وظهيرا لمن رشد " أي معينا لمن اختار الرشد والصلاح، في القاموس: رشد كنصر وفرح رشدا ورشدا ورشادا اهتدى والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه " وكهفا لمن آمن " الكهف كالغار في الجبل، والملجأ أي محل أمن من مخاوف الدنيا والعقبى، لمن آمن بقلبه، لا لمن أظهر بلسانه و نافق بقلبه، " وأمنة لمن أسلم " الامنة بالتحريك الامن، وقيل: في الآية جمع كالكتبة والظاهر أن المراد بالاسلام هنا الانقياد التام لله ولرسوله ولائمة المؤمنين فان من كان كذلك فهو آمن في الدنيا والآخرة من مضارهما " ورجاء لمن صدق " أي الاسلام باعتبار اشتماله على الوعد بالمثوبات الأخروية، والدرجات العالية سبب لرجاء من صدق به، ويمكن أن يقرأ بالتخفيف، ويؤيده أن في التحف " وروحا للصادقين " وفي بعض نسخ الكتاب أيضا روحا ومنهم من فسر الفقرتين بأن الاسلام أمنة في الدنيا لمن أسلم ظاهرا وروح في الآخرة لمن صدق باطنا أقول: وكأنه يؤيده قوله تعالى: " فأما إن كان من المقربين فروح وريحان و جنة نعيم " . " وغنى لمن قنع " أي الاسلام لاشتماله على مدح القناعة وفوائدها فهو يصير سببا لرضا من قنع بالقليل وغناه عن الناس، وقيل: لان التمسك بقواعده يوجب وصول ذلك القدر إليه كما قال عز شأنه: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " ويحتمل أن يراد به أن الاسلام باعتبار اشتماله على ما لا بد للانسان منه، من العلوم الحقة والمعارف الإلهية، والاحكام الدينية يغني من قنع به عن الرجوع إلى العلوم الحكمية، والقوانين الكلامية، والاستحسانات العقلية، والقياسات الفقهية وإن كان بعيدا. " فذلك الحق " أي ما وصفت لك من صفة الاسلام حق أو " ذلك " إشارة إلى الاسلام أي فلما كان الاسلام متصفا بتلك الصفات فهو الحق الثابت الذي لا يتغير أولا بشوبه باطل أو ذلك هو الحق الذي قال الله تعالى: " أفمن يعلم أن ما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب " وقوله: " سبيله الهدى " استيناف بياني آو الحق صفة لاسم الإشارة، وسبيله الهدى خبره أي هذا الدين الحق الذي عرفت فوائده وصفاته سبيله الهدى كما قيل في قوله سبحانه " أولئك على هدى من ربهم " وكأنه إشارة إليه أيضا، والمراد بالهدى الهداية الربانية الموصلة إلى المطلوب. " ومأثرته المجد " المأثرة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الثاء وفتحها وفتح الراء: واحدة المآثر وهي المكارم من الأثر، وهو النقل والرواية لأنها تؤثر و تروى، وفي القاموس المكرمة المتوارثة. والمجد نيل الكرم والشرف، ورجل ماجد أي كريم شريف، ويطلق غالبا على ما يكون بالإباء فكأن المعنى أنه يصير سببا لمجد صاحبه حتى يسري في أعقابه أيضا " وصفته الحسنى " أي موصوف بأنه أحسن الأخلاق والأحوال والأعمال، وفي المجالس بعد قوله " وجنة لمن صبر " الحق سبيله، والهدى صفته، والحسنى مأثرته. " فهو أبلج المنهاج " في القاموس بلج الصبح أضاء وأشرق كابتلج وتبلج وأبلج و كل متضح أبلج، والنهج والمنهج والمنهاج: الطريق الواضح وأنهج: وضح وأوضح وفي النهج بعده " أوضح الولائج " أي المداخل " مشرق المنار " المنار جمع منارة و هي العلامة توضع في الطريق، وكأنها سميت بذلك لأنهم كانوا يضعون عليها النار لاهتداء الضال في الليل، وفي القاموس المنارة والأصل منورة موضع النور كالمنار والمسرجة والمأذنة، والجمع مناور، ومنائر، والمنار العلم انتهى، وفي النهج " مشرف " بالفاء أي العالي وبعده " مشرق الجواد " جمع الجادة و " ذاكي المصباح " وفي النهج والكتابين " مضئ المصابيح " وفي القاموس ذكت النار واستذكت اشتد لهبها، وهي ذكية، وأذكاها وذكاها أوقدها " رفيع الغاية " الغاية منتهى السباق أو الراية المنصوبة في آخر المسافة، وهي خرقة تجعل على قصبة وتنصب في آخر المدى، يأخذها السابق من الفرسان وكأن الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف وقيل: هو من قولهم رفع البعير في مسيره بالغ أي يرفع إليها. " يسر المضمار " في النهاية تضمير الخيل هو أن تضامر عليها بالعلف، حتى يسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف، وقيل: تشد عليها سروجها وتجلل بالاجلة حتى تعرق فيذهب رهلها ويشتد لحمها، وفي حديث حذيفة " اليوم مضمار وغدا السباق " أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة، والمضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل، ويكون وقتا للأيام التي تضمر فيها، وفي القاموس المضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل، وغاية الفرس في السباق انتهى، والحاصل أن المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق وزمانه، وعلى الميدان الذي يسابق فيه. شبه عليه السلام أهل الاسلام بالخيل التي تجمع للسباق، ومدة عمر الدنيا بالميدان الذي يسابق فيه، والموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان، فان ما يتسابق فيه من الأعمال الصالحة إنما هو قبل الموت، والقيامة موضع تجمع فيه الخيل بعد السباق ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه، ويظهر خسران من تأخر، والجنة بالسبقة، و النار بما يلحق المتأخر من الحرمان والخسران، أو شبه عليه السلام الدنيا بزمان تضمير الخيل أو مكانه، والقيامة بميدان المسابقة، فمن كان تضميره في الدنيا أحسن، كانت سبقته في الآخرة أكثر، كما ورد التشبيه كذلك في قوله عليه السلام في خطبة أخرى: " ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار " ولكن ينافيه ظاهرا قوله: " والموت غايته " إلا أن يقال: المراد بالموت ما يلزمه من دخول الجنة أو النار، إشارة إلى أن آثار السعادة والشقاوة الأخروية تظهر عند الموت كما ورد " ليس بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت " وعلى التقديرين المراد بقوله: " يسير المضمار " قلة مدته وسرعة ظهور السبق وعدمه: أو سهولة قطعه و عدم وعورته أو سهولة التضمير فيه وعدم صعوبته لقصر المدة وتهيئ الأسباب من الله تعالى. وفي " النهج: " كريم المضمار " فكأن كرمه لكونه جامعا لجهات المصلحة التي خلق لأجله، وهي اختبار العباد بالطاعات، وفوز الفائزين بأرفع الدرجات، ولا ينافي ذلك ما ورد في ذم الدنيا، لأنه يرجع إلى ذم من ركن إليها وقصر النظر عليها، كما بين عليه السلام ذلك في خطبة نوردها في باب ذم الدنيا إنشاء الله. " جامع الحلبة " الحلبة بالفتح خيل تجمع للسباق من كل أوب أي ناحية، لا تخرج من اصطبل واحد، ويقال للقوم إذا جاؤوا من كل أوب للنصرة قد أحلبوا وكون الحلبة جامعة عدم خروج أحد منها أو المراد بالحلبة محلها وهو القيامة كما سيأتي فالمراد أنه يجمع الجميع للحساب، كما قال تعالى: " ذلك يوم مجموع له الناس " . " سريع السبقة " السبقة بالفتح كما في النهج أي يحصل السبق سريعا في الدنيا للعاملين، أو في في القيامة إلى الجنة، أو بالضم أي يصل إلى السابقين عوض السباق وهو الجنة سريعا لان مدة الدنيا قليلة وهو أظهر، وفي النهج والمجالس والتحف " متنافس السبقة " فالضم أصوب، وإن كان المضبوط في نسخ النهج بالفتح، والتنافس الرغبة في الشئ النفيس الجيد في نوعه " أليم النقمة " أي مؤلم انتقام من تأخر في - المضمار، لأنه النار. " كامل العدة " العدة بالضم والشد ما أعددته وهيأته من مال أو سلاح أو غير ذلك مما ينفعك يوما ما، والمراد هنا التقوى وكماله ظاهر " كريم الفرسان " وفي النهج " شريف الفرسان " والفرسان بالضم جمع فارس كالفوارس. ثم فسر صلوات الله عليه ما أبهم من الأمور المذكورة فقال: " فالايمان منهاجه " هذا ناظر إلى قوله " أبلج المنهاج " أي المنهاج الواضح للاسلام هو التصديق القلبي بالله وبرسوله وبما جاء به، والبراهين القاطعة الدالة عليه، وفي النهج و غيره " فالتصديق منهاجه " وهو أظهر " والصالحات مناره " ناظر إلى قوله: " مشرق المنار " شبه الأعمال الصالحة والعبادات الموظفة، بالأعلام والمنائر التي تنصب على طريق السالكين لئلا يضلوا فمن اتبع الشريعة النبوية وأتى بالفرائض والنوافل يهديه الله للسلوك إليه، وبالعمل يقوى إيمانه، وبقوة الايمان يزداد عمله، و كلما وصل إلى علم يظهر له علم آخر، ويزداد يقينه بحقية الطريق إلى أن يقطع عمره، ويصل إلى أعلا درجات كماله بحسب قابليته التي جعلها الله له، أو شبه الايمان بالطريق، والأعمال بالأعلام، فكما أن بسلوك الطريق تظهر الاعلام فكذلك بالتصديق بالله ورسله وحججه عليهم السلام تعرف الأعمال الصالحة، وقيل: الأعمال الصالحة علامات لاسلام المسلم، وبها يستدل على إيمانه ولا يتم حينئذ التشبيه. " والفقه مصابيحه " الفقه العلم بالمسائل الشرعية أو الأعم، وبه يرى طريق السلوك إلى الله وأعلامه، وهو ناظر إلى قوله " ذاكي المصباح " إذ علوم الدين وشرايعه ظاهرة واضحة للناس بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام وبما أفاضوا عليهم من العلوم الربانية. " والدنيا مضماره " قال ابن أبي الحديد: كأن الانسان يجري في الدنيا إلى غاية الموت وإنما جعلها مضمار الاسلام، لان السلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لاخرته، فالدنيا كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة " والموت غايته " قد عرفت وجه تشبيه الموت بالغاية، وقال ابن أبي الحديد: أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن، وقال ابن ميثم إنما جعل الموت غاية أي الغاية القريبة التي هي باب الوصول إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالموت موت الشهوات فإنها غاية قريبة للاسلام أيضا وهذا ناظر إلى قوله رفيع الغاية، وفي سائر الكتب هذه الفقرة مقدمة على السابقة، فالنشر على ترتيب اللف، وعلى ما في الكتاب يمكن أن يقال لعل التأخير هنا لأجل أن ذكر الغاية بعد ذكر المضمار أنسب بحسب الواقع، والتقديم سابقا باعتبار الرفعة والشرف، وأنها الفائدة المقصودة، فأشير إلى الجهتين الواقعيتين بتغيير الترتيب. " والقيامة حلبته " أي محل اجتماع الحلبة إما للسباق أو لحيازة السبقة كما مر وإطلاق الحلبة عليها من قبيل تسمية المحل باسم الحال، وقال ابن أبي - الحديد: حلبته أي ذات حلبته، فحذف المضاف كقوله تعالى: " هم درجات عند الله " أي ذووا درجات " والجنة سبقته " في أكثر نسخ النهج سبقته بالفتح فلذا قال الشراح: أي جزاء سبقته، فحذف المضاف والظاهر سبقته بالضم فلا حاجة إلى تقدير كما عرفت " والنار نقمته " أي نصيب من تأخر ولم يحصل له استحقاق للسبقة أصلا النار زائدا عن الحسرة والحرمان " والتقوى عدته " ناظر إلى قوله " كامل العدة " لان التقوى تنفع في أشد الأهوال وأعظمها وهو القيامة، كما أن العدة من المال و غيره تنفع صاحبها عند الحاجة إليها " والمحسنون فرسانه " لأنهم بالاحسان و الطاعات يتسابقون في هذا المضمار. " فبالايمان يستدل على الصالحات " إذ تصديق الله ورسوله وحججه يوجب العلم بحسن الأعمال الصالحة وكيفيتها من واجبها وندبها، وقيل: لان الايمان منهج الاسلام وطريقه، ولا بد للطريق من زاد يناسبه، وزاد طريق الاسلام هو الأخلاق والأعمال الصالحة، فيدل الايمان عليها كدلالة السبب على المسبب وقيل: أي يستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها انتهى، وكأنه حمل الكلام على القلب وإلا فلا معنى للاستدلال بالامر المخفي في القلب على الامر الظاهر نعم يمكن أن يكون المعنى أن بالايمان يستدل على صحة الأعمال وقبولها فإنه لا تقبل أعمال غير المؤمن، وهذا معنى حسن لكن الأول أحسن. " وبالصالحات تعمر الفقه " لان العمل يصير سببا لزيادة العلم، كما أن من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلا ما حوله، وكلما مشى ينتفع بالضوء ويرى ما لم يره، كما ورد: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وقد مر أن العلم يهتف بالعمل فان أجاب وإلا ارتحل عنه وقيل: الفقرتان مبنيتان على أن المراد بالعمل الصالح ولاية أهل البيت عليهم السلام كما ورد في تأويل كثير من الآيات، وظاهر أن بالايمان يستدل على الولاية، وبها يعمر الفقه لاخذه عنهم. " وبالفقه يرهب الموت " أي كثرة العلم واليقين سبب لزيادة الخشية كما قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت، أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له ولما بعده، فقوله: " و بالموت تختم الدنيا " كالتعليل لذلك لان الدنيا التي هي مضمار العمل، تختم بالموت، فلذا يرهبه لحيلولته بينه وبين العمل، والاستعداد للقاء الله، لا لحب الحياة واللذات الدنيوية، والمألوفات الفانية " وبالدنيا تجوز القيامة " هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق، أي إنما ترهب الموت لان بالدنيا والأعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة، وتخرج عنها إلى نعيم الأبد، بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز، وفي بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الانسان، وفي بعضها يجاز على بناء المجهول، وهو أظهر، وفي بعضها يحاز بالحاء المهملة من الحيازة أي تحاز مثوبات القيامة، وعلى التقادير فالوجه فيه أن كل ما يلقاه العبد في القيامة فإنها هو نتائج عقائده وأعماله وأخلاقه المكتسبة في الدنيا، فبالدنيا تجاز القيامة أو تحاز، ومنهم من قرأ تحوز بالحاء المهملة، أي سبب الدنيا وأعمالها تجمع القيامة الناس للحساب والجزاء، فان القيامة جامع الحلبة كما مر وفي التحف " تحذر القيامة " وكأنه أظهر. " وبالقيامة تزلف الجنة " أي تقرب للمتقين كما قال تعالى " وأزلفت الجنة للمتقين " وفي المجالس " وتزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين " وقال: البيضاوي : " وأزلفت الجنة للمتقين " بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها، و " برزت الجحيم للغاوين " فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد انتهى. " والجنة حسرة أهل النار " في القيامة حيث لا تنفع الحسرة والندامة، وتلك علاوة لعذابهم العظيم " والنار موعظة للمتقين " في الدنيا، حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها ويأتون بما يوجب البعد عنها " والتقوى سنخ الايمان " أي أصله وأساسه في القاموس السنخ بالكسر الأصل. " على أربع دعائم " الدعامة بالكسر عماد البيت، ودعائم الايمان ما يستقر عليه ويوجب ثباته واستمراره وقوته " على الصبر واليقين والعدل والجهاد " قال ابن ميثم فاعلم أنه عليه السلام أراد الايمان الكامل، وذلك له أصل وله كمالات بها يتم أصله، فأصله هو التصديق بوجود الصانع، وماله من صفات الكمال ونعوت الجلال، وبما تنزلت به كتبه، وبلغته رسله، وكمالاته المتممة هي الأقوال المطابقة ومكارم الأخلاق والعبادات، ثم إن هذا الأصل ومتمماته هو كمال النفس الانسانية لأنها ذات قوتين علمية وعملية وكمالها بكمال هاتين القوتين فأصل الايمان هو كمال القوة العلمية منها ومتمماته وهي مكارم الأخلاق، والعبادات هي كمال القوة العملية. إذا عرفت هذا فنقول: لما كانت أصول الفضائل الخلقية التي هي كمال الايمان أربعا: هي الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدل، أشار إليها واستعار لها لفظ الدعائم باعتبار أن الايمان الكامل لا يقوم في الوجود إلا بها، كدعائم البيت فعبر عن الحكمة باليقين، والحكمة منها علمية وهي استكمال القوة النظرية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية بقدر الطاقة ولا تسمى حكمة حتى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين والبرهان، ومنها عملية وهي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانية الخلقية، وكيفية اكتسابها ووجوه الرذائل النفسانية وكيفية الاحتزاز عنها واجتنابها، وظاهر أن العلم الذي صار ملكة هو اليقين، وعبر عن العفة بالصبر، والعفة هي الامساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة، وعدم الانقياد للشهوة، وقهرها وتصريفها بحسب الرأي الصحيح ومقتضى الحكمة المذكورة. وإنما عبر عنها بالصبر لأنها لازم من لوازمه إذ رسمه أنه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبائح اللذات، وقيل: هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها، ويلزم في العقل احتماله، أو يلزمها حب مشتهى يتوق الانسان إليه ويلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه، وظاهر أن ذلك يلازم العفة. وكذلك عبر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إياها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه، والشجاعة هي ملكة الاقدام الواجب على الأمور التي يحتاج الانسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه والآلام الواصلة إليه منها، وأما العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المذكورة وتلزمها، إذ كل واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الافراط والتفريط منها، ومقابلة برذيلة هي ضدها انتهى. " على أربع شعب " الشعبة من الشجرة بالضم الغصن المتفرع منها، وقيل: الشعبة ما بين الغصنين والقرنين، والطائفة من الشئ، وطرف الغصن، والمراد هنا فروع الصبر وأنواعه أو أسباب حصوله " على الشوق والاشفاق " وفي سائر الكتب " والشفق والزهد " وفي المجالس " والزهادة والترقب " الشوق إلى الشئ بنزوع النفس إليه وحركة الهوى، والشفق بالتحريك الحذر والخوف كالاشفاق والزهد ضد الرغبة، والترقب الانتظار، أي انتظار الموت والمداومة ذكره و عدم الغفلة عنه. ولما كان للصبر أنواع ثلاثة كما سيأتي في بابه: الصبر عند البلية، والصبر على مشقة الطاعة، والصبر على ترك الشهوات المحرمة، وكان ترك الشهوات قد يكون للشوق إلى اللذات الأخروية، وقد يكون للخوف من عقوباتها، جعل بناء الصبر على أربع على الشوق إلى الجنة ثم بين ذلك بقوله " فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات " أي نسيها وصبر على تركها، يقال سلا عن الشئ أي نسيه وسلوت عنه سلوا كقعدت قعودا أي صبرت، وعلى الاشفاق عن النار، وبينها بقوله " ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات " وفي المجالس والتحف " عن الحرمات " ويمكن أن تكون الشهوات المذكورة سابقا شاملة للمكروهات أيضا، وعلى الزهد وعدم الرغبة في الدنيا وما فيها من الأموال والأزواج والأولاد، وغيرها من ملاذها ومألوفاتها، وبينها بقوله " ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب " وفي بعض النسخ والكتابين " المصيبات " وفي النهج استهان بالمصيبات أي عدها سهلا هينا واستخف بها لان المصيبة حينئذ بفقد شئ من الأمور التي زهد عنها ولم يستقر في قلبه حبها وعلى ارتقاب الموت وكثرة تذكره، وبينها بقوله " ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات " وفي الكتابين " ومن ارتقب " وفي النهج " في الخيرات ". ثم إن تخصيص الشوق إلى الجنة، والاشفاق من النار بترك المشتهيات والمحرمات مع أنهما يصيران سببين لفعل الطاعات أيضا إما لشدة الاهتمام بترك المحرمات وكون الصبر عليها أشق وأفضل كما سيأتي في الخبر، أو لان فعل الطاعات أيضا داخلة فيهما، فان المانع من الطاعات غالبا الاشتغال بالشهوات النفسانية، فالسلو عنها يستلزم فعلها، بل لا يبعد أن يكون الغرض الأصلي من الفقرة الأولى ذلك، بل يمكن إدخال فعل الواجبات في الفقرة الثانية، لان ترك كل واجب محرم، ويدخل ترك المكروهات وفعل المندوبات في الفقرة الأولى. " واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة " التبصرة مصدر باب التفعيل، والفطنة الحذق وجودة الفهم، وقال ابن ميثم: هي سرعة هجوم النفس على حقائق ما تورده الحواس عليها، وقال: تبصرة الفطنة إعمالها.

الهوامش32

[3]في المصدر: بالاسناد الأول، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام.ص 350

[١]الكافي ج ٢ ص ٥٠ و 51.ص 351

[١]أمالي المفيد: ١٧٠، أمالي الطوسي ج ١ ص ٣٥.ص 352

[٢]راجع تحف العقول ص ١٥٨ - وسيأتي تحت الرقم 32 نقل الحديث منه. وقد مر مرارا الإشارة إلى أن هذه التعليقات الواردة ههنا منقولة عن شرح المؤلف العلامة على الكافي المسمى بمرآة العقول، ولذلك ترى أنه قدس سره يذكر النسخة التي لم ينقل بعد هنا.ص 352

[١]البقرة: ٢٥٦.ص 353

[2]الترشيح: من توابع الاستعارة بالكناية، وهي أن تثب أحد لوازم المشبه به للمشبه لينتقل السامع إلى حقيقة التشبيه كما في المثال المعروف: مخالب المنية نشبت بفلان فقد شبه المنية بالسبع، ثم أثبت للمشبه وهو المنية أحد لوازم المشبه به وهي المخالب بالكناية، فيكون ذكر النشوب ترشيحا وتزيينا لهذه الاستعارة، وههنا استعير السراج للاسلام لكنه لم يذكر المشبه به الذي هو المستعار منه كما في المثال المعروف بل كنى عنها بذكر النور الذي هو من لوازم السراج، فيكون ذكر الاستضاءة ترشيحا لها. فافهم.ص 353

[1]أمالي الطوسي وأمالي المفيد.ص 354

[١]يوسف: ١٠٨.ص 355

[٢]الحجر: ٧٥.ص 355

[3]المفردات: 524، والآيات في الفتح: 29، البقرة: 273.ص 355

[١]القاموس ج ١ ص ٣٤٣.ص 356

[٢]مريم: ٩٦.ص 356

[١]القاموس ج ٣ ص ٢٤٣.ص 357

[٢]براءة: ١٠٠.ص 357

[٣]آل عمران: ١١٤، الأنبياء ٩٠، المؤمنون: ٦١.ص 357

[٤]الأعراف: ٢٥.ص 357

[١]آل عمران: ١٥٤.ص 358

[٢]الواقعة: ٨٨.ص 358

[٣]الطلاق: ٣.ص 358

[١]الرعد: ١٩.ص 359

[٢]البقرة: ٥.ص 359

[1]الرهل: محركة: استرخاء اللحم، والرخاوة مع انتفاخ.ص 360

[2]تحت الرقم 28 من خطب النهج.ص 360

[١]هود: ١٠٣.ص 361

[1]شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 220.ص 362

[2]شرح النهج لابن ميثم ص 260.ص 362

[١]آل عمران: ١٦٣.ص 363

[٢]الكافي ج ١ ص ٤٤.ص 363

[١]فاطر: ٢٨.ص 364

[2]تفسير البيضاوي ص 309، والآية في الشعراء: 90.ص 364

[1]شرح النهج ص 582.ص 365

[1]أمالي الطوسي وأمالي المفيد، أقول: وهكذا في نسخة النهج.ص 367

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 65, Page 350

View original source
بحار الأنوار · Hadith 19 — Usul16