Usul16

Hadith record

bihar-28744

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

3 - كتاب سليم بن قيس: قال أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل فقال له:

bihar-28744
الكافي: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

إن أناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله " الآية فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات. إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه " أن اعبدوا الله واتقوه و أطيعون " ثم دعاهم إلى الله عز وجل وحده، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم بعث الأنبياء صلوات الله عليهم - على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وقال: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله، الاقرار بما جاء به من عند الله، فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد، وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة و منهاجا، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " . وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة، وكان من السبيل والسنة التي أمر الله عز وجل بها موسى عليه السلام أن جعل عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله أدخله الله الجنة، ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من العمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عز وجل النار، وذلك حيث استحلوا الحيتان، واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن، ولا شكوا، في شئ مما جاء به موسى عليه السلام قال الله عز وجل: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " . ثم بعث الله عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك، وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى، فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار، وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا. ثم بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد صلى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن. وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " إلى قوله تعالى " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف، ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شئ مما نهي عنه، وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها، وقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا * ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا * ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا * وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا * ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا * ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها * ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا " . وأنزل في والليل إذا يغشى: " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصليها إلا الأشقى الذي كذب وتولى " فهذا مشرك، وأنزل في إذا السماء انشقت: " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور بلى " فهذا مشرك، وأنزل في تبارك " كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ " فهؤلاء مشركون، وأنزل في الواقعة " وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم " فهؤلاء مشركون، وأنزل في الحاقة " وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه " إلى قوله: " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " فهذا مشرك. وأنزل في طسم " وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون " جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: " وما أضلنا إلا المجرمون " يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم، وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد، وتصديق ذلك قول الله عز وجل: " كذبت قبلهم قوم نوح " " كذب أصحاب الأيكة " " كذبت قوم لوط " ليس هم اليهود الذين قالوا عزير ابن الله ولا النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله سيدخل الله اليهود والنصارى النار، ويدخل كل قوم بأعمالهم. وقولهم: " وما أضلنا إلا المجرمون " إذ دعونا إلى سبيلهم، ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم إلى النار " وقالت أوليهم لأخراهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " وقوله: " كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا " برئ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا. يريد بعضهم أن يحجج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار، ولا قبول معذرة ولا حين نجاة، والآيات وأشباههن مما نزل به بمكة، ولا يدخل الله النار إلا مشركا. فلما أذن الله لمحمد صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وأنزل عليه الحدود، وقسمة الفرائض، وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار، لمن عمل بها، و أنزل في بيان القاتل " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل: " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا " وكيف يكون في المشية وقد ألحق به - حين جزاه جهنم - الغضب واللعنة وقد بين ذلك من الملعونون في كتابه؟ وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " وذلك أن آكل مال اليتيم يجئ يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه، حتى يخرج لهب النار من فيه، يعرف أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل " ويل للمطففين " ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا قال الله تعالى: " فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " وأنزل في العهد إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " والخلاق النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شئ يدخل الجنة وأنزل بالمدينة " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الايمان كخلع القميص. وأنزل بالمدينة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم " فبرأ الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عز وجل: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وجعله الله منافقا قال الله عز وجل: " إن المنافقين هم الفاسقون " وجعله الله عز وجل من أولياء إبليس قال: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه وجعله الله ملعونا فقال: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، قال الله عز وجل: " فأما من أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " . وسورة النور أنزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " والسبيل الذي قال الله عز وجل : " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " . وقال الراغب: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى وقال الفقهاء: المتشابه مالا ينبئ ظاهره عن مراده. وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الاطلاق، ومتشابه على الاطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، و متشابه من جهتهما، فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين. والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو " فان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " وضرب لبسط الكلام نحو " ليس كمثله شئ " لأنه لو قيل ليس مثله شئ كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام نحو: " أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " تقديره " الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا " والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، فان تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه. والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص، نحو " اقتلوا المشركين " والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو " فانكحوا ما طاب لكم من النساء ". والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو " اتقوا الله حق تقاته " والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، نحو " ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " وقوله عز وجل: " إنما النسيئ زيادة في الكفر " فان من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية، والخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح، وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه " ألم " وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك، وضرب للانسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، والاحكام المغلقة، وضرب متردد بين الامرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وإذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله: " إلا الله " ووصله بقوله " والراسخون في العلم " جائزان، وأن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم انتهى . قوله تعالى " منه آيات محكمات " قيل أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الاجمال " هن أم الكتاب " أي أصله يرد إليها غيرها. " واخر متشابهات " قيل أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر، ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها، وردها إلى المحكمات، وليتوصلوا بها إلى معرفة الله وتوحيده وأقول: بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن، واحتياجهم في تفسيره إلى الامام المنصوب من قبل الله، وهم الراسخون في العلم، وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المحكم والمتشابه فقال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله، وفي رواية أخرى والمتشابه الذي يشبه بعضه بعضا، وفي رواية أخرى فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين به، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به . " فأما الذين في قلوبهم زيغ " أي ميل عن الحق كالمبتدعة " فيتبعون ما تشابه منه " فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل " ابتغاء الفتنة " أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، وفي مجمع البيان عن الصادق عليه السلام أن الفتنة هنا الكفر " وابتغاء تأويله " أي وطلب أن يأولوه على ما يشتهونه " وما يعلم تأويله " الذي يجب أن يحمل عليه " إلا الله والراسخون في العلم " الذين تثبتوا وتمكثوا فيه. وأقول: قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الإمامة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة عليهم السلام . قوله عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " كأن هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الايمان المأمور به في مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما وكيفا، ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الايمان نفس الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط، بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة، وكان الايمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات ونصب الوالي والامر بولايته، ويحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ، و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات وخطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ، ويستدلون بالآيات المنسوخة على الاحكام مع عدم علمهم بنسخها، وعد المنسوخات التي لا يعلم نسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابهة. ولما كان المحكم غير المتشابه، والناسخ غير المنسوخ ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم، غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال: " والمحكمات من الناسخات " للإشارة إلى ذلك، وتسمية غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع وإطلاق لفظ الجزء على الكل، أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة، أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها، ويمكن حمل الناسخ على معناه وحمل الكلام على القلب، بأن يكون الناسخ أيضا أخص من المحكم، ولا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة والمنسوخة. وقيل: لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة، منسوخا بآيات اخر، ونسخها خافيا على أكثر الناس، فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة، ولهذا قال عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " وفي بعض النسخ من المشتبهات، وإنما غير الأسلوب في أختها لان المحكم أخص من الناسخ من وجه بخلاف المتشابه، فإنه أعم من المنسوخ مطلقا انتهى، وفيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لاوجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه، وقيل: الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات والمتشابهات، دون المحكمات والناسخات، لان المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها وبقاؤها، والمحكمات من قبيل الناسخات في الثبات والبقاء، فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات، لأنهما من باب واحد، وإذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات، وإذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات، لأنهما أيضا من باب واحد. قوله عليه السلام: " إن الله عز وجل بعث نوحا " هذا شروع في المقصود، وحاصله أن الايمان في بداية بعثة كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد والرسالة، ومن مات عليه حينئذ كان مؤمنا، ووجبت له الجنة، فلما استجابوا لهم ذلك وكثرت أتباعهم وضعوا أعمالا وشرائع، وأوجبوها عليهم، وأوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للايمان. فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحا عليه السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد والاقرار بنبوته فقط، وكان ذلك الايمان، حيث قال في سورة نوح: " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله " أي مخلصا من غير شرك " واتقوه " أي اتقوا عذابه الذي قرره على الشرك " وأطيعون " فيما آمركم به، وأذعنوا لنبوتي، فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الامرين " ثم دعاهم " أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد ونفي الشريك، وكان قبولهم ذلك منه مستلزما للاذعان بنبوته. " ثم بعث الأنبياء " أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الامر فقط، إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم وسائر الأنبياء إلى محمد صلى الله عليه وآله فكان صلى الله عليه وآله في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد وما يتبعه من الاقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها، قبل الهجرة، فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة، وذكر التوحيد على المثال أو على أن الاقرار به مستلزم للاقرار بسائر الأصول ويؤيده قوله عليه السلام بعد ذلك " الاقرار بما جاء به من عند الله ". قوله عليه السلام: " وقال " أي في سورة الشورى، وهي مكية على ما ذكره المفسرون إلا قوله " والذين استجابوا " " والذين إذا أصابهم " إلى قوله " لا يحب الظالمين " عن الحسن، وعلى قول ابن عباس وقتادة إلا. أربع آيات منها نزلت بالمدينة " قل لا أسألكم عليه أجرا " إلى قوله " لهم عذاب شديد " وعلى التقادير الآيات المذكورة مكية، والاستشهاد بالآية لان الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع، مع أن قوله سبحانه " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " يشعر بأن الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد ونفي الشرك مع الاقرار بالنبوة لقوله تعالى " الله يجتبي ". قال الطبرسي رحمه الله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " أي بين لكم ونهج وأوضح من الدين والتوحيد والبراءة من الشرك ما وصى به نوحا " والذي أوحينا إليك " أي وهو الذي أوحينا إليك يا محمد " و " هو " ما وصينا به إبراهيم و موسى وعيسى " ثم بين ذلك بقوله: " أن أقيموا الدين " وإقامة الدين التمسك به والعمل بموجبه، والدوام عليه، والدعاء إليه " ولا تتفرقوا " أي لا تختلفوا " فيه " وائتلفوا فيه واتفقوا وكونوا عباد الله إخوانا " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من توحيد الله والاخلاص له، ورفض الأوثان، وترك دين الاباء لأنهم قالوا: " أجعل الألهة إلها واحدا " وقيل: معناه ثقل عليهم وعظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه، و تخصيصك بالوحي والنبوة دونهم " الله يجتبي إليه من يشاء " أي ليس لهم الاختيار لان الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة، وقيل: معناه: الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء " ويهدي إليه من ينيب " أي ويرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته، أو يهدي إلى جنته وثوابه من يرجع إليه بالنية والاخلاص . قوله عليه السلام: " فمن آمن مخلصا " أي بقلبه ولسانه، دون لسانه فقط، ولم يخلطه بشرك " وذلك أن الله " كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الاقرار، وإن لم يعمل من الطاعات شيئا ولم يترك سائر المحرمات، لأنه كان بذلك مؤمنا في ذلك الزمان، وإدخال المؤمن النار ظلم " وذلك أن الله " المشار إليه بذلك، إما عدم تعذيب من ترك العمل بالنار، أو أنه إن لم يدخله الجنة وأدخله النار كان ظالما. وهذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعاصي التي نهي عنها في مكة من المكروهات، ويكون النهي عنها نهي تنزيه، والطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لان التعذيب على ترك المستحبات، وفعل المكروهات في الآخرة ظلم، وثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم، و الامر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي وترك الطاعات النار ولم يغلظ فيهما وإنما أوعد النار على الشرك، والاخلال بالعقائد، وإنكار النبوة والمعاد، فهي كانت بمنزلة الفرائض والكبائر وغيرها بمنزلة الصغائر وسائر الواجبات وقد أوجب الله تعالى على نفسه لسعة كرمه ورحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر، فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الاخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم. أو يقال: التعذيب بالنار مع ترك الايعاد بها ظلم، أو يقال: التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد ووعيد وتغليظ، لا سيما ممن كملت قدرته، ووسعت رحمته ظلم، أو يقال: اللطف على الله تعالى واجب وأعظم الألطاف التهديد والوعيد بالنار، فتركه ظلم، أو يقال: اطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا، والكل مبني على أن الأعمال والتروك التي هي أجزاء الايمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار، وفي مكة سوى العقائد لم تكن كذلك ولما شرع في المدينة شرائع، وجعل فيها فرائض وكبائر يستحق بترك الأولى و فعل الثانية دخول النار، جعلتا من أجزاء الايمان. " جعل لكل نبي " إشارة إلى قوله تعالى في المائدة وهي مدنية " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال البيضاوي: شرعة شريعة، وهي الطريقة إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية، وقرئ بفتح الشين " ومنهاجا " وطريقا واضحا في الدين من نهج الامر إذا وضح، واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة انتهى. وقال الراغب: الشرع نهج الطريق الواضح يقال شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده وعمارة بلاده، وذلك المشار إليه بقوله: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " الثاني ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع، ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله " ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها " قال ابن عباس: الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما ورد به السنة وقوله " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " الآية فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصح عليها النسخ كمعرفة الله ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء، من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة [المصدوقة] روي وتطهر قال: وأعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله رويت بلا شرب، وبالتطهر ما قال تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " انتهى. والشرعة والمنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين اللذين فسرهما عليه السلام بهما أيضا متقاربان، فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون على اللف والنشر، فعلى الأول اطلق على أعمال الدين وأحكامه الشرعة، لايصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية والتطهر من الأدناس الردية، والمنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية، والدرجات العالية، وعلى الثاني المراد بالأول الواجبات، وبالثاني المستحبات ولذا عبر عليه السلام عن الثاني بالسنة أو بالأول العبادات، وبالثاني سائر الأحكام، والوجه الأول أوفق بقوله " وكان من السبيل والسنة " وإن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما وإن كان من أحدهما. قال الطبرسي رحمه الله: الشرعة والشريعة واحدة، وهي الطريقة الظاهرة والشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة، فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم، وهي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع، والأصل فيه الظهور، والمنهاج الطريق المستمر، يقال: طريق نهج ومنهج أي بين، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، قال: وهذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه، وقد جاء أيضا لمعنى واحد كقول الشاعر أقوى وأقفر وهما بمعنى انتهى . قوله " أن جعل عليهم السبت " قال الراغب: أصل السبت قطع العمل، ومنه سبت السير أي قطعه، وسبت شعره حلقه، وقيل: سمي يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره، فقطع عملة يوم السبت، فسمي بذلك، وسبت فلان صار في السبت، وقوله عز وجل: " يوم سبتهم " قيل: يوم قطعهم للعمل " ويوم لا يسبتون " قيل: معناه لا يقطعون العمل وقيل: يوم لا يكونون في السبت، وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة، وقوله: " إنما جعل السبت " أي ترك العمل فيه انتهى . قوله عليه السلام: " ولم يستحل " الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله، وانتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا، لقوله بعد ذلك " ولا شكوا في شئ مما جاء به موسى " وما قيل: دل على أن مخالفة الاحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال، والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة، وما ذلك إلا لان الاقرار بها والعمل بها داخلان في الايمان، وإذا كان كذلك كان تاركها وإن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا فلا يخفى وهنه. " حيث استحلوا الحيتان " أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا، وقوله " يوم السبت " ظرف لكل من " احتبسوها " و " أكلوها " أو لاستحلوا، أيضا أي استحلوا أولا حبسها يوم السبت، ثم استحلوا صيدها وأكلها فيه، وقيل: يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوها يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد وأكلوها، فعلوا ذلك حيلة ولم تنفعهم، لان احتباسها فيه هتك لحرمته، فخرجوا بذلك من الايمان إلى الكفر، ولذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمان، وأن يشكوا في رسالة موسى وما جاء به، ولذلك لم يصطادوا يوم السبت، فعلم أن الايمان ليس مجرد التصديق، بل هو مع العمل لان المؤمن لا يغضب ولا يدخل النار، وفيه شئ لان استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى، ويمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت وهم استحلوها يوم الأحد، ولحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت انتهى. وأقول: قد عرفت معنى الاستحلال، وهو معنى شائع في المحاورات فلا يرد ما أورده، وأما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن ولا يغنى من جوع، لان الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه، فكيف عذبوا عليه، وإن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الاشكال، مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد والاكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا وبقيت طائفة منهم فمسخوا أيضا، لتركهم النهي عن المنكر، وإن اختلف المفسرون في ذلك. قال في مجمع البيان: اختلف في أنهم كيف اصطادوا؟ فقيل: إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك، ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد، وهذا السبب محظور، وفي رواية ابن عباس اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها، ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الأحد ، وقيل: إنهم اصطادوها وتناولوها باليد يوم السبت عن الحسن . " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " قال البيضاوي: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع، أمروا أن يجردوه للعبادة، فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام واشتغلوا بالصيد وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها: أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، وإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " جامعين بين صورة القردة والخسوء، وهو الصغار والطرد، قال مجاهد: ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله " كمثل الحمار يحمل أسفارا " وقوله: " كونوا " ليس بأمر، إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم انتهى. قوله عليه السلام: " فهدمت " أي الشرعة والمنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث، ويمكن أن يقرأ على بناء المجهول باضمار السنة في السبت، و قوله " أن يعظموه " بدل اشتمال للضمير، و " عامة " عطف على السبت " سبيل عيسى " أي شرائعه المختصة به، قوله عليه السلام " وإن كان الذي جاء به النبيون " أي هدمت شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه، وإن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد وسائر الأصول باقيا لم يتغير، أو المعنى أدخله الله النار وإن كان منه الاقرار بما جاء به النبيون وهو التوحيد ونفي الشرك، وقوله " أن لا يشركوا " عطف بيان أو بدل للموصول، وعلى الوجهين يحتمل كون كان تامة وناقصة، وقيل: الموصول اسم كان وأن لا يشركوا خبره، وله أيضا وجه وإن كان بعيدا. قوله عليه السلام: " عشر سنين " أقول: هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله ولما هو المشهور من أنه صلى الله عليه وآله أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة فقيل: هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين وهو بعيد في مثل هذا الكسر والذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الاخبار أنه لما نزل " وأنذر عشيرتك الأقربين " وكان أول بعثته دعا بني عبد المطلب وأظهر لهم رسالته، ودعاهم إلى بيعته، والايمان به، فلم يؤمن به إلا علي عليه السلام ثم خديجة رضي الله عنها، ثم جعفر رضي الله عنه، وكان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل " فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين " فدعا الناس إلى الاسلام فلذا لم يعد عليه السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة لأنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة، وقد مرت الأخبار في المجلد الثالث في ذلك ويحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه لعدم تمكنه في هاتين المدتين من التبليغ كما ينبغي، لكنهما بعيدان، والأظهر ما ذكرنا أولا. قوله عليه السلام: " يشهد أن لا إله إلا الله " الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد والرسالة وما يلزمهما فقط، أو مع الاقرار باللسان أو عدم الانكار الظاهري لا مجرد الاقرار باللسان، بقرينة قوله " وهو إيمان التصديق " وقد عرفت أن الايمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة وإن احتمل التعميم ويكون قوله " إلا من أشرك بالرحمن " أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا، وعلى الأول يكون الاستثناء منقطعا، وعلى التقديرين يكون المراد بقوله " وهو إيمان التصديق " أنه الايمان بمعنى التصديق فقط، ولا يدخل فيه الأعمال لا شرطا ولا شطرا، وإن كانت سببا لكماله، بخلاف الايمان بعد الهجرة، فان الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين، وذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب، وإنما نهوا عن أشياء نهي أدب وعظة وتخفيف، ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر، والتواعد عليها، ولم يكن التغليظ والتواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة، فلما جاء التغليظ والايعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر والعذاب بالمخالفة فيها. " وتصديق ذلك " أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف، ومعنى الايمان قبل الهجرة وبعدها، وقال الفاضل الاسترآبادي: بيان لأول الواجبات على المكلفين، وأن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج، وفي كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف انتهى. ولنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمام عليه السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات: " لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا " ثم قال: " وقضى ربك " قيل أي أمر أمرا مقطوعا به " أن لا تعبدوا إلا إياه " لان غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الانعام، " وبالوالدين إحسانا " أي بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش " إما يبلغن " " إما " إن الشرطية، زيدت عليها ما للتأكيد " عندك الكبر " في كنفك وكفالتك " أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف " إن أضجراك " ولا تنهرهما " أي ولا تزجرهما إن ضرباك " وقل لهما قولا كريما " أي حسنا جميلا " واخفض لهما جناح الذل " أي تذلل لهما وتواضع " من الرحمة " أي من فرط رحمتك عليهما " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " جزاء لرحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري. " ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا " عن الصادق عليه السلام الأوابون التوابون المتعبدون " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا " وهو صرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الاسراف " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " أي أمثالهم " وكان الشيطان لربه كفورا " أي مبالغا في الكفر " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا * ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما " أي فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالاسراف وسوء التدبير " محسورا " أي نادما أو منقطعا بك لا شئ عندك " إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسعه ويضيقه بمشيته التابعة للحكمة " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " يعلم سرهم وعلانيتهم. قوله " أدب وعظة " أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى وهو قوله " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " تأديب وموعظة، وهذا مبني على أن قوله " وبالوالدين " بتقدير " وأحسنوا " عطفا على جملة " قضى ربك " لان فيها تأكيدا وتهديدا في الجملة ويحتمل أن يكون المراد جميعها، لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر وفيما سيأتي من الآيات كقوله " ولا تجعل مع الله إلها آخر ". فان قيل: قوله " وآت ذي القربى حقه " إلى قوله " كفورا " فيه وعيد و تهديد، قلنا ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا ووعيدا صريحا بالنار، بل قيل قوله " كانوا " يدل على أن في أواخر شرائع ساير أولي العزم كانت كذلك فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك، والاجتراح الاكتساب. " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " قيل أي مخافة الفاقة وقتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه، وضمن لهم أرزاقهم فقال " نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا " أي ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع والخطأ الاثم، يقال خطا خطأ كأثم إثما، وقرأ ابن عامر خطأ بالتحريك، وهو اسم من أخطأ يضاد الثواب، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر، وقرأ ابن كثير خطأ بالمد والكسر، وهو إما لغة أو مصدر خاطأ وقرئ خطأ بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا، وعلى التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا ولا ترتب العقوبة عليه. " ولا تقربوا الزنا " بالقصد وإتيان المقدمات فضلا أن تباشروه " إنه كان فاحشة " فعلة ظاهرة القبح زائدته " وساء سبيلا " أي وبئس طريقا طريقه، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " قيل أي إلا بإحدى ثلاث خصال: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمدا " ومن قتل مظلوما " غير مستوجب للقتل " فقد جعلنا لوليه " للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث " سلطانا " أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل " فلا يسرف " أي القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله، فان العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل " إنه كان منصورا " علة النهي على الاستيناف، والضمير إما للمقتول، فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله، وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه فان الله نصره حيث أوجب القصاص له، و أمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافا بايجاب القصاص والتعزير، و الوزر على المسرف. " ولا تقربوا مال اليتيم " فضلا أن تتصرفوا فيه " إلا بالتي هي أحسن " أي إلا بالطريقة التي هي أحسن " حتى يبلغ أشده " غاية لجواز التصرف الذي يدل عليه الاستثناء " وأوفوا بالعهد " بما عاهدكم الله من تكاليفه، أوما عاهدتموه و غيره " إن العهد كان مسؤولا " مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو مسؤولا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه، أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة " بأي ذنب قتلت " ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولا " وأوفوا الكيل إذا كلتم " ولا تبخسوا فيه " وزنوا بالقسطاس المستقيم " بالميزان السوي وهو رومي عرب وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف " ذلك خير وأحسن تأويلا " أي وأحسن عاقبة، تفعيل من آل إذا رجع. " ولا تقف " ولا تتبع " ما ليس لك به علم " ما لم يتعلق به علمك، تقليدا أو رجما بالغيب، قيل: واحتج به من منع من اتباع الظن، وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا واستعماله بهذا المعنى شائع، وقيل: إنه مخصوص بالعقائد، وقيل: بالرمي وشهادة الزور " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك " أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، هذا وإن أولاء وإن غلب على العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا، وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم، كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام " كان عنه مسؤولا " في ثلاثتها ضمير كل، أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في " عنه " لمصدر " ولا تقف " أو لصاحب السمع والبصر. وقيل " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله " غير المغضوب عليهم " والمعنى يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لان الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم، وقيل: المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها، أو سؤال أصحابها، كما يظهر من " أولئك " أو جعلت بمنزلة ذوي العقول، أو هم ذوو العقول مع الله تعالى. " ولا تمش في الأرض مرحا " أي ذا مرح وهو الاختيال، وفي القاموس المرح شدة الفرح والنشاط " إنك لن تخرق الأرض " لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك " ولن تبلغ الجبال طولا " بتطاولك ومد عنقك، وهوتهكم بالمختال، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل " كل ذلك كان سيئه " قيل: يعني المنهي عنه، فان المذكور مأمورات ومناهي، وقرأ الحجازيان والبصريان " سيئة " على أنها خبر كان، والاسم ضمير " كل " و " ذلك " إشارة إلى أحدهما أبو عمرو بن العلاء، من السبعة، والثاني يعقوب من غيرهم. ما نهي عنه خاصة، وعلى هذا قوله " عند ربك مكروها " بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى. " ذلك " إشارة إلى الاحكام المتقدمة " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به " ولا تجعل مع الله إلها آخر " كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الامر ومنتهاه، ورأس الحكمة وملاكها " ملوما " تلوم نفسك " مدحورا " مطرودا مبعدا من رحمة الله. وأقول: هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد بالنار والتهديد في الشرك ونحوه، بخلاف ما ورد في غيره مما مضى، فان كونه " خطأ كبيرا " و " فاحشة " و " مسؤولا " و " مسؤولا عنه " و " مكروها " ليس في شئ منها تصريح بالعذاب والنكال الأخروي، ولا يحتاج إلى ما يتكلف بأن " كان خطأ " و " كان فاحشة " و " كان مسؤولا " و " كان عنه مسؤولا " و " كان سيئة عند ربك مكروها " محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك، وستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد، وزيادة " كان " في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد، كقوله " وكان ربك قديرا " و " كان غفورا رحيما " بل الوجه ما ذكرنا فتفطن. " نارا تلظى " أي تتلهب " لا يصليها " أي لا يلزمها مقاسيا شدتها " إلا الأشقى " قيل: أي إلا الكافر، فان الفاسق وإن دخلها لم يلزمها، ولكن سماه " أشقى " ووصفه بقوله " الذي كذب وتولى " أي كذب بالحق وأعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي وقال في قوله تعالى بعد ذلك " وسيجنبها الأتقى ": أي الذي اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله " لا يصليها " أي لا يدخل تلك النار ولا يلزمها " إلا الأشقى " وهو الكافر بالله " الذي كذب " بآيات الله ورسله " وتولى " أي أعرض عن الايمان " وسيجنبها " أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب " الأتقى " المبالغ في التقوى " الذي يؤتي ماله " أي ينفقه في سبيل الله " يتزكى " أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولا سمعة. قال القاضي قوله: " لا يصليها " الآية لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج وبعض المرجئة، وذلك لأنه نكر النار المذكورة ولم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله، والنيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصليها قوم آخرون، وبعد فان الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الامرين، فلابد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب، وقيل: إن الأتقى والأشقى المراد بهما التقي والشقي انتهى. ثم اعلم أنه عليه السلام استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار، لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول وتولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم، ومن كذب الرسول وأعرض عما جاء به كافر مشرك، فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين والكفار من الفساق، وإليه أشار عليه السلام بقوله " فهذا مشرك " وهذا وجه حسن واستدلال متين، لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية وهي قوله " وسيجنبها الأتقى " الخ فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار. ويمكن الجواب عنه بوجوه: الأول أن المضارع في قوله تعالى: " لا يصليها " للحال، واستعمل الصلي في سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك وفي قوله: " سيجنبها " للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدنية، بعد دخول الأعمال في الايمان، فلا تنافي بينهما، وتكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا. الثاني أن يقال إن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روى في تفسير علي بن إبراهيم إنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة، الثالث أن يقال إن الآيات الأخيرة وإن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار، لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم، فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار، وما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح، و تهديد عظيم، بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها، لا سيما مع الحصر المتقدم، ولعل السر في هذا الاجمال عدم اجترائهم على المعاصي. " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره قيل: يغل يمناه إلى عنقه ويجعل يسراه وراء ظهره " فسوف يدعوا ثبورا " أي يتمنى الثبور، ويقول: وا ثبوراه، وهو الهلاك " ويصلى سعيرا " أي نارا مسعرة " إنه كان في أهله " أي في الدنيا " مسرورا " بطرا بالمال والجاه فارغا عن ذكر الآخرة " إنه ظن أن لن يحور " أي لن يرجع بعد أن يموت " بلى " يرجع " إن ربه كان به بصيرا " أي عالما بأعماله، فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه، " فهذا مشرك " لأنه أنكر البعث وإنكاره كفر، أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون. " كلما القي فيها فوج " أي جماعة من الكفرة " سألهم خزنتها " أي خزنة جهنم " ألم يأتكم نذير " يخوفكم هذا العذاب؟ وهو توبيخ وتبكيت " قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا " أي الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الانزال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، حيث قالوا بعد ذلك " إن أنتم إلا في ضلال كبير " فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله ورسله. " وأما إن كان من المكذبين " بالبعث والرسل وآيات الله " الضالين " عن الهدى الذاهبين عن الصواب والحق " فنزل من حميم " أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام والشراب من حميم جهنم " وتصلية جحيم " أي إدخال نار عظيمة، فهؤلاء مشركون، للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين. " وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول " لما رأى من قبح العمل وسوء العاقبة " يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه " الهاء فيهما وفيما بعدهما للسكت: تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقالوا استحب الوقف لثباتها في الامام ولذلك قرئ باثباتها في الوصل " يا ليتها " أي يا ليت الموتة التي متها " كانت القاضية " أي القاطعة لامري فلم ابعث بعدها، أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي، أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا " ما أغنى عني ماليه " أي مالي من المال والتبع أو " ما " نفي والمفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لاغنى، وبعد ذلك " هلك عني سلطانيه " أي ملكي وتسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا " خذوه " يقوله الله لخزنة جهنم " فغلوه ثم الجحيم صلوه " أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس " ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه " أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك. قوله " في طسم " أي في الشعراء " وبرزت الجحيم للغاوين " فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها " وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله " أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم " هل ينصرونكم " بدفع العذاب عنكم " أو ينتصرون " بدفعه عن أنفسهم، لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما قال " فكبكبوا فيها هم والغاوون " أي الألهة وعبدتهم " والكبكبة " تكرير الكب لتكرير معناه، كأن من القي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها " وجنود إبليس " قيل متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه " أجمعون " تأكيد للجنود إن جعل مبتدءا خبره ما بعده، أو للضمير وما عطف عليه وكذا الضمير المنفصل، و ما يعود إليه في قوله " قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين " على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة ويؤيده الخطاب في قوله " إذ نسويكم برب العالمين " أي في استحقاق العبادة، ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالوا، والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها. كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات فقوله عليه السلام " يعني المشركين " هو خبر لقوله " قوله " بحذف العائد أي يعني به، والمعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعتهم هؤلاء القائلون على شركهم، وكلاهما من أمة محمد صلى الله عليه وآله " وتصديق ذلك " أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين وعبدة الأوثان، من كل أمة، ولم يدخل فيهم اليهود والنصارى فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة وليس هم اليهود والنصارى لقوله تعالى سابقا " فكبكبوا فيها هم والغاوون " لدلالته على أن معبوديهم في النار، فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفى بالوجه الأول، ويقال لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم، ولم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة، فهم المرادون به. وقوله: " كذبت قبلهم قوم نوح " كأنه نقل بالمعنى، لان تلك الآيات في سورة الشعراء، وليس فيها " قبلهم "، وإنما هو في ص والمؤمن ويحتمل أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا، هذا ما خطر بالبال، وقيل: لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم " وما أضلنا إلا المجرمون " هم مشركوا قوم نبينا صلى الله عليه وآله الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء، بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة وليس المراد بهم أحدا من اليهود والنصارى الذين صدقوا نبيهم، وإنما أشركوا من جهة أخرى وإن كان الفريقان يدخلان النار أيضا، فقوله " سيدخل الله " استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار، وعدم دخول غيرهما ممن أساء العمل انتهى. قوله عليه السلام " ليس هم اليهود " تأكيد لقوله " ليس فيهم " أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين والمجرمين، وبالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة، وقيل الأول نفي للتشريك والثاني نفي للاختصاص والأوسط أظهر، و " قولهم " مبتدأ " إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك " من كلامه عليه السلام ذكره تفسيرا للآية، و " قول الله " خبر للمبتدأ، ويحتمل أن يكون ذلك مبتدءا ثانيا إشارة إلى قولهم و " قول الله " خبره، والمجموع خبرا للمبتدأ الأول، وحاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة، وقيل: حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضع المدلول. ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا " حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين * قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن و الانس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار * قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت أوليهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون " فظهر أن قوله " وقالت أوليهم لأخراهم " من سهو النساخ أو الرواة، وأن قوله " كلما دخلت " مقدم على السابق في الترتيب، فالواو في قوله " وقوله " بمعنى " مع " مع أنه لا يدل على الترتيب. " كلما دخلت أمة " أي في النار " لعنت أختها " التي ضلت بالاقتداء بها " حتى إذا اداركوا فيها " أصل " اداركوا " " تداركوا " فادغم ومعناه تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم في النار " قالت اخريهم " دخولا ومنزلة وهم الاتباع " لاوليهم " أي لأجل أوليهم إذ الخطاب مع الله لا معهم " ربنا هؤلاء أضلونا " أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم " فآتهم عذابا ضعفا من النار " أي مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا " قال لكل ضعف " أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم " ولكن لا تعلمون " ما لكم أو ما لكل فريق " وقالت أوليهم لأخراهم: فما كان لكم علينا من فضل " عطفوا كلامهم على جواب الله لأخراهم وبنوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب " فذوقوا العذاب " من قول القادة أو من قول الفريقين. " أن يحج بعضا " بضم الحاء أي يغلبه بالحجة في القاموس: الحج الغلبة بالحجة، وفي المصباح حاجه محاجة فحجه بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة وقال: فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته أظهرها وقال: أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته أنا إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازما ومتعديا، وفلت فلتا من باب ضرب لغة وفلته يستعمل أيضا لازما و متعديا وانفلت خرج بسرعة. " وليس بأوان بلوى ولا اختبار " يعني أنهم يطمعون في غير مطمع، فان الاحتجاج وطلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف والاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الامر ودخول النار " ولا حين نجاة " أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة وغيرها. وفي بعض النسخ " ولات حين نجاة " مقتبسا من قوله تعالى " ولات حين مناص " قال البيضاوي: أي ليس الحين حين مناص " ولا " هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، وقيل: هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل: للفعل والنصب باضماره أي ولا أرى حين مناص، وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام انتهى. " والآيات " أي تلك الآيات المتقدمة " ولا يدخل الله " الجملة حالية أي نزلت تلك الآيات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا، قوله عليه السلام " فلما أذن الله " قال المحدث الاسترآبادي: تصريح بأن مصداق الاسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة انتهى، وعد الشهادتين واحدة لتلازمهما وكأن الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت، وعدم التصريح للتقية، أو أنه عليه السلام استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما عليهم، وكان ذكر العبادات الأربع وتخصيصها لكونها أهم الفرائض، أو لأنها صرحت بها في القرآن واكدت عليها دون غيرها أو أنه بني عليها أولا ثم زيد سائر الفرائض. " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار وأول بوجوه: الأول: أن المراد بالمتعمد من قتله لايمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا، الثاني أن المراد بالخلود المكث الطويل، الثالث أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا، الرابع أن المراد بالمتعمد المستحل، الخامس أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار، و استدل عليه السلام على عدم إيمانه بأن الله لعنه ولا يلعن مؤمنا لقوله تعالى " إن الله لعن الكافرين " وكأنه عليه السلام استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته، ويمكن أن يكون لخصوص سياق الآية أيضا مدخل فيه. " وكيف يكون في المشية " أي كيف يكون أمر القاتل في مشية الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له " و " الحال أنه " قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب واللعنة " المختصين بالكفار. أو إشارة إلى قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فيدل على أن ما دون الشرك مما يغفره الله لمن يشاء، والقتل داخل في ذلك، فيكون داخلا في المشية كما قال في مجمع البيان: قال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي " إن الله لا يغفر أن يشرك به " الآية نزلت بعد الشديدة وهي " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " الآية وعلى الأول فكان جوابه مبني على أن آية القتل ليست مشتملة على الوعيد فقط، بل على أنه ممن غضب الله عليه ولعنه فإذا دخل الجنة من غير توبة، أو غيرها مما يكفره يكون كذبا ولم يكن مغضوبا ولا ملعونا مبعدا من رحمة الله، وعلى الثاني مبني على وجهين: الأول: أن القتل المذكور داخل في الشرك والكفر حيث لعنه الله ولا يلعن إلا الكافر، والثاني أنه لا يكون داخلا فيمن يشاء مغفرته حيث أخبر بأنه مغضوب وملعون، وهذا صريح في عدم المغفرة، والوجوه كأنها متقاربة " وقد بين ذلك " المشار إليه آية الأحزاب أي " إن الله لعن الكافرين ". " وأنزل " أي في سورة النساء أيضا " من أكله " بدل اشتمال لمال اليتيم " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " قال في المجمع: أي ينتفعون بأموال اليتامى ويأخذونها ظلما بغير حق، ولم يرد به قصر الحكم على الاكل، وإنما خص لأنه معظم منافع المال المقصودة " إنما يأكلون في بطونهم نارا " قيل فيه وجهان: أحدهما أن النار تلتهب من أفواههم وأسماعهم وآنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى، عن السدى وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية، والاخر أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلئ بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم " وسيصلون سعيرا " أي يلزمون النار المسعرة للاحراق، وإنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال نظرت بعيني، وقلت بلساني، وأخذت بيدي، و مشيت برجلي انتهى . و " أنزل في الكيل " فان قيل سورة المطففين من السور المكية والغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة، قلنا: لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان: مكية وقال المعدل مدنية عن الحسن والضحاك وعكرمة، قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات منها " هي إن الذين أجرموا " إلى آخر السورة انتهى فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة، ويؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة، عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل " ويل للمطففين " فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وروي عن السدى أنه صلى الله عليه وآله قدم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فنزلت الآيات ويؤنسه أن الطبرسي رحمه الله ذكرها في ترتيب نزول السور آخر السور المكية فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة وقبل نزول المدينة. وفي القاموس الويل حلول الشر و " ويل " كلمة عذاب، وواد في جهنم أو بئر أو باب لها انتهى واستدل عليه السلام بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " " وويل للكافرين من عذاب شديد " " فويل للذين ظلموا من عذاب يوم عظيم " " ويل لكل همزة لمزة " " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا " " يا ويلنا إنا كنا طاغين " وفي المجمع " ويل للمطففين " هم الذين ينقصون المكيال و الميزان، ويبخسون الناس حقوقهم في الكيل والوزن، قال الزجاج وإنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشئ اليسير الطفيف. و " أنزل في العهد " أي في سورة آل عمران وهي مدنية " إن الذين يشترون بعهد الله " لعل المراد بالعهد هنا على ظاهر سياق الحديث ما عاهدوا الله عليه فخالفوه وباليمين الايمان التي يحلفون بها على المستقبل ثم يخالفونها، ويحتمل شموله لليمين الغموس الكاذبة ويحتمل أن يكون العهد شاملا للبيعة، وما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نقضوه، وقال الراغب: العهد حفظ الشئ ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا، قال عز وجل: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا " أي أوفوا بحفظ الايمان، وعهد فلان إلى فلان أي ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه، قال عز وجل: " ولقد عهدنا إلى آدم " وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بكتا به وبسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها انتهى . وأما ما ذكره المفسرون في تلك الآية فقال الطبرسي قدس سره: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وآله وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرئاسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحق عن ابن جريج وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته عن مجاهد والشعبي ثم قال: " إن الذين يشترون بعهد الله " أي يستبدلون بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به، وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله ونقضه " وأيمانهم " أي وبالايمان الكاذبة " ثمنا قليلا " أي عوضا نزرا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب، وقيل: العهد ما أوجبه الله تعالى على الانسان من الطاعة والكف عن المعصية وقيل: هو ما في عقل الانسان من الزجر عن الباطل والانقياد للحق " أولئك لأخلاق لهم " أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة " ولا يكلمهم الله " أي بما يسرهم أولا يكلمهم أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة استهانة لهم " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل للغير: انظر إلي! يريد ارحمني " ولا يزكيهم " أي لا يطهرهم، وقيل: لا ينزلهم منزلة الأزكياء، وقيل لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك. بل يحكم بأنهم كفرة فجرة " ولهم عذاب أليم " مؤلم موجع انتهى. وقال البيضاوي: أي يستبدلون بما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول والوفاء بالأمانات " وبأيمانهم " وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه، " ثمنا قليلا " متاع الدنيا " ولا يكلمهم الله " الظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " فان من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه، والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه " ولا يزكيهم " ولا يثني عليهم انتهى وظاهر الخبر أن ناقض العهد واليمين. لا يدخل الجنة أصلا فيمكن حمله على الاستحلال أو على أنه لا يدخل الجنة ابتداء وحمله على المشركين والكافرين كما هو ظاهر المفسرين ينافي سياق الحديث ويمكن حمله على أنهم لا يستحقون دخول الجنة، ولا يلزم على الله ذلك، لعدم الوعد إلا أن يدخلهم الجنة بفضله. " وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور وهي مدنية " الزاني لا ينكح " قال في مجمع البيان: اختلف في تفسيره على وجوه أحدها أن يكون المراد بالنكاح العقد ونزلت الآية على سبب، وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي صلى الله عليه وآله في أن يتزوج أم مهزول، وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية عن ابن عباس وغيره، والمراد بالآية النهي وإن كان ظاهره الخبر، وثانيها أن النكاح ههنا الجماع، والمعنى أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، فيكون نظير قوله " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات " في أنه خرج مخرج الأغلب الأعم، وثالثها أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله وأنكحوا الأيامى منكم الآية عن سعيد بن المسيب وجماعة، ورابعها أن المراد به العقد وذلك الحكم ثابت فيمن زنا بامرأة فإنه لا يجوز له أن يتزوج بها، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وإنما قرن الله سبحانه بين الزاني والمشرك تعظيما لأمر الزنا وتفخيما لشأنه، ولا يجوز أن تكون هذه الآية خبرا لأنا نجد الزاني يتزوج غير زانية ولكن المراد هنا الحكم في كل زان، أو النهي، سواء كان المراد بالنكاح الوطي أو العقد، وحقيقة النكاح في اللغة الوطي " وحرم ذلك على المؤمنين " أي حرم نكاح الزانيات أو حرم الزنا على المؤمنين، فلا يتزوج بهن ولا يطأهن إلا زان أو مشرك انتهى . ثم المشهور بين الأصحاب كراهة نكاح المشهورات بالزنا وذهب الشيخان وجماعة إلى اشتراط التوبة في الحل سواء زنا بها من أراد نكاحها أو غيره للآية المتقدمة، وبعض الأخبار، وأجيب عن الآية تارة بأن المراد بالنكاح الوطي وأخرى بأنها منسوخة بقوله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم " وبقوله " فانكحوا ما طاب لكم " أو قوله " وأحل لكم ما وراء ذلكم " وفي الأول أنه خلاف الظاهر، فإنه إن أريد الوطي لم يظهر للكلام فائدة ظاهرة، وفي الثاني أنه خلاف الأصل، مع أن الظاهر من " طاب " حل ومن " وراء ذلكم " سائر أصناف النساء ولا ينافيه عروض الحرمة لعروض زنا ونحوه. والظاهر أنه عليه السلام استدل بالآية على أن الله تعالى أخرج الزناة والزواني في هذه الآية من عداد المؤمنين، حيث قابل بين المؤمنين وبينهما إذ الظاهر من سياق الآية أن المراد أنه لا يليق نكاح الزاني إلا بزانية أو مشركة، ولا نكاح الزانية إلا بزان أو مشرك وأما المؤمن فإنه لا يليق به هذا الفعل وهو محرم عليه إما بمعناه أو بمعنى الكراهة الشديدة أو بمعنى المحرومية كما في قوله سبحانه " وحرمنا عليه المراضع فظهر أنه لم يسمهما بالايمان، لما عرفت من المقابلة مع أنه جمع بينهما وبين المشرك والمشركة، ففيه أيضا إيماء بعدم إيمانهما. وهذا وجه حسن خطر بالبال للآية والخبر معا، فان حمل الآية على وجه آخر لا يستقيم ظاهرا فإنه إذا حمل النكاح على الوطي، فالكلام إما في قوة النهي أو الخبر، فعلى الأول المعنى النهي عن أن يطأ الزاني سوى الزانية والمشركة، وجواز وطيه لهما وفيه مالا يخفى، وكذا العكس، وعلى الثاني يكون كذبا إن أراد بالوطي غير الزنا أو الأعم، وإن أريد به الزنا كان الكلام خاليا عن الفائدة، و إذا حمل على العقد فلو كان في قوة النهي كان مفادها النهي عن أن ينكح الزاني سوى الزانية والمشركة، وتجويز نكاحه إياهما، وتجويز نكاح الزانية بالزاني والمشرك ولم يقل به أحد، ولو كان خبرا لزم الكذب، فلابد من حمل الآية على ما ذكرنا فيتضح استدلاله عليه السلام غاية الوضوح، ويظهر منه عدم تمام الاستدلال بها على تحريم نكاحهما، نعم قوله سبحانه " وحرم ذلك " فيه دلالة على التحريم إن لم نحمله على معنى الحرمان، وحمله على الكراهة الشديدة، مع وجود المعارض غير بعيد، مع أنه يحتمل أن يكون " ذلك " إشارة إلى الزنا بكون الجملة حالية أو تعليلية. قوله عليه السلام " ليس يمتري " الامتراء الشك، والجملة إلى قوله " أنه قال " معترضة، وضمير " فيه " راجع إلى الرسول، وقوله " أنه قال " بدل اشتمال للضمير، وقوله " لا يزني " مفعول " قال " أولا والاعتراض لبيان أن الخبر معلوم متواتر بين الفريقين، وكأن المراد بقوله " حين يزني وحين يسرق " حين يصر عليهما ولم يتب، ولا فساد في مفارقة الايمان بالمعنى الذي ذكرناه، حيث اشتمل على الفرائض وترك الكبائر عنه، وبها يستحق العذاب في الجملة، لا الخلود في النار، ومن لم يقل بذلك أوله بتأويلات بعيدة. قال في النهاية في الحديث " لا يزني الزاني وهو مؤمن " قيل معناه النهي وإن كان في صورة الخبر، والأصل حذف الياء من يزني أي " لا يزن المؤمن ولا يسرق ولا يشرب " فان هذه الأفعال لا يليق بالمؤمن، وقيل: هو وعيد يقصد به الردع كقوله " لا إيمان لمن لا أمانة له " و " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وقيل: معناه لا يزني وهو كامل الايمان، وقيل: معناه أن الهوى يغطي الايمان فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الايمان في تلك الحالة قد انعدم، وقال ابن عباس: الايمان نزه فإذا أذنب العبد فارقه، ومنه الحديث الاخر إذا زنى الرجل خرج منه الايمان فوق رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الايمان وكل هذا محمول على المجاز ونفي الكمال، دون الحقيقة في رفع الايمان وإبطاله انتهى. وقيل: إنه ليس بمؤمن إذا كان مستحلا، وقيل: ليس بمؤمن من العقاب وقيل: المقصود نفي المدح أي لا يقال له مؤمن بل يقال: زان أو سارق، وقيل: إنه لنفي البصيرة أي ليس هو ذا بصيرة، وقال ابن عباس: أي ليس ذا نور، وقيل: أي ليس بمستحضر الايمان، وقيل: أي ليس بعاقل، لان المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة، والحكم بالمرجوح بخلاف العقول، وقيل: المقصود نفي الحياء والحياء شعبة من الايمان، أي ليس بمستحي من الله سبحانه، ولا يخفى ما في أكثر هذه الوجوه من البعد والركاكة. " وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور أيضا " والذين يرمون المحصنات " أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا " ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ما رموهن به من الزنا " فاجلدوهم ثمانين جلدة " خبر الذين بتأويل " ولا تقبلوا لهم شهادة " خبر ثان، وتنكير شهادة للعموم أي في أي أمر من الأمور كان " أبدا " تأكيد للعموم أي ما لم يتب " وأولئك هم الفاسقون " أي هم في أعلا مراتب الفسق حتى كأنه لا فاسق غيرهم، فقد عبر عنهم باسم الإشارة وعرف الخبر وأتى بضمير الفصل مبالغة في ادعاء حصر الفسق فيهم، وقصره عليهم، قيل: ويمكن أن يكون حالا أو اعتراضا يجري مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة " إلا الذين تابوا " عن القذف وندموا ورجعوا بالتدارك " من بعد ذلك " أي من بعد إقامة الحد وقيل: من بعد الرمي، " وأصلحوا " سرائرهم وأعمالهم فاستقاموا على مقتضى التوبة، قالوا: ومنه الاستسلام للحد، والاستحلال من المقذوف، والعزم على عدم العود إلى ذلك، وعلى ترك جميع المناهي على قول، وفي المجمع: ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله، فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته " فان الله غفور رحيم " علة للاستثناء. قوله عليه السلام " فبرأه الله " الظاهر أنه عليه السلام استدل على عدم وصفهم بالايمان بوصفهم بالفسق، لان في عرف القرآن الفسق لازم للكفر، ولم يطلق فيه الفاسق إلا على الكافر كقوله تعالى " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " فقابل بين الايمان والفسق فدل على أن الفاسق ليس بمؤمن، وقال " إن المنافقين هم الفاسقون " فحصر الفاسق في المنافق فجعله الله منافقا، " وجعله من أولياء إبليس " حيث أطلق الفسق عليهما، وأيضا إذا نظرت في الآيات الكريمة وسبرتها لم تر الفاسق اطلق فيها إلا على الكافر، قال الراغب: فسق فلان خرج من حد الشرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه وإذا قيل للكافر الأصلي: فاسق، فلانه أخل بحكم ما ألزمه العقل، واقتضاه الفطرة قال عز وجل " ففسق عن أمر ربه " " ففسقوا فيها فحق عليها القول " " وأكثرهم الفاسقون " و " أولئك هم الفاسقون " " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقال " ومن يكفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " وقال تعالى " وأما الذين فسقوا فمأواهم النار " " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " " والله لا يهدي القوم الفاسقين " " إن المنافقين هم الفاسقون " " وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون " انتهى " . و " جعله " أي الرامي " المحصنات " أي العفائف " الغافلات " مما قذفن به " المؤمنات " بالله ورسوله وما جاء به " لعنوا في الدنيا والآخرة " بما طعنوا فيهن " ولهم عذاب عظيم " لعظم ذنوبهم " يوم تشهد عليهم " ظرف لما في " لهم " من معنى الاستقرار لا للعذاب " ألسنتهم وأيديهم " يعترفون بها بانطاق الله إياها بغير اختيارهم أو بظهور آثاره عليها، قوله عليه السلام " وليست تشهد " يدل على أن شهادة الجوارح إنما هي للكفار كما ذكره جماعة من المفسرين، وذكره الشيخ البهائي رحمه الله في الأربعين. قوله عليه السلام " فيعطى كتابه بيمينه " أي فيقرؤه ومن تنطق جوارحه يختم على فيه لقوله تعالى " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " أو لان سياق آيات شهادة الجوارح تدل على غاية الغضب، والآيات النازلة في المؤمنين مشتملة على نهاية اللطف كقوله سبحانه " يوم ندعو كل أناس بامامهم فمن أوتي " أي من المدعوين " كتابه بيمينه " أي كتاب عمله " فأولئك يقرؤن كتابهم " ابتهاجا بما يرون فيه " ولا يظلمون فتيلا " أي ولا ينقصون من أجورهم أدنى شئ، والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على هيئته، وقيل: هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويضرب به المثل في الشئ الحقير. ثم اعلم أن هذا المضمون وقع في مواضع من القرآن المجيد: أولها في بني إسرائيل " فمن أوتي كتابه بيمينه " إلى آخر ما في الحديث، وثانيها في الحاقة " فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه " وثالثها في الانشقاق " فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا " وما في الحديث لا يوافق شيئا منها وإن كان بالأول أنسب، فكأنه من تصحيف النساخ أو كان في قرائتهم عليهم السلام هكذا، أو نقل بالمعنى جمعا بين الآيات. " وسورة النور أنزلت " كأن هذا جواب عن اعتراض مقدر، وهو أنه لما أنزل الله في سورة النساء مرتين " أن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهي تدل على عدم ترتب العذاب على غير الشرك، فيمكن كونها ناسخة للآيات الدالة على عقوبات أصحاب الكبائر، وعدم كونهم من المؤمنين. فأجاب عليه السلام بعد التنزل عن عدم المخالفة بين هذه الآية، وتلك الآيات لان تجويز المغفرة لمن شاء الله لا ينافي استحقاقهم للعذاب والعقاب، وخروجهم عن الايمان بأحد معانيه، بأن أكثر ما أوردنا من الآيات واستدللنا بها إنما هي في سورة النور، وهي نزلت بعد سورة النساء، فكيف تكون آية النساء ناسخة لها فلو احتاج التوفيق إلى القول بالنسخ لكان الامر بعكس ما قلتم، مع أنه لا قائل بالفصل ثم استدل عليه السلام على ذلك بأن الله تعالى قال في سورة النساء: " أو يجعل الله لهن سبيلا " والسبيل هو الذي ذكره من الحد في سورة النور ويحتمل أن يكون الغرض إفادة دليل آخر على ما سبق من نزول الاحكام مدرجا ونسخ الأشد للأضعف، لكن الأول أظهر. " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " ذهب الأكثر إلى أن المراد بالفاحشة الزنا، وقيل: هي المساحقة " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " الخطاب للأئمة والحكام، بطلب أربعة رجال من المسلمين شهودا عليهن، وقيل: الخطاب للأزواج " فان شهدوا " أي الأربعة " فأمسكوهن " أي فاحبسوهن " في البيوت حتى يتوفاهن " أي يدركهن الموت، قيل أريد به صيانتهن عن مثل فعلهن، والأكثر على أنه على وجه الحد على الزنا. قالوا: كان في بدو الاسلام إن فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين " أو يجعل الله لهن سبيلا " أي ببيان الحكم كما مر، وقيل: بالتوبة أو بالنكاح المغني عن السفاح، وقالوا: لما نزل قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا " قال النبي صلى الله عليه وآله: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " سورة " أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة " أنزلناها " صفة " وفرضناها " أي فرضنا ما فيها من الاحكام " لعلكم تذكرون " فتتقون الحرام " الزانية والزاني " قيل: أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما وهو الجلد، ويجوز أن يرفعا بالابتداء والخبر " فاجلدوا " إلى قوله " رأفة " أي رحمة " في دين الله " أي في طاعته وإقامة حده فتعطلوه، أو تسامحوا فيه " إن كنتم تؤمنون " فان الايمان يقتضي الجد في طاعة الله. ثم اعلم أن عدم ذكر الولاية في هذا الخبر مع أنه الغرض الأصلي منه لنوع من التقية لأنه عليه السلام ذكره إلزاما عليهم حيث أنكروا كون الولاية جزءا من الايمان. تذييل نفعه جليل اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الآيات المتضافرة، والاخبار المتكاثرة الواردة في الايمان والاسلام وحقائقهما وشرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب والسنة، ولكل منها فوائد وثمرات تترتب عليه. فالأول من معاني الايمان مجموع العقائد الحقة والأصول الخمسة والثمرة المترتبة عليه في الدنيا الأمان من القتل، ونهب الأموال، والإهانة، إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير، وفي الآخرة صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها في الجملة، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة، ويدخل في الكفر المقابل لهذا الايمان من سوى الفرقة الناجية الامامية من فرق الاسلام وغيرهم، فإنهم مخلدون في النار، سوى المستضعفين منهم كما سيأتي. الثاني الاعتقادات المذكورة مع الاتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن، وترك الكبائر التي أوعد الله عليها النار، وعلى هذا المعنى اطلق الكافر على تارك الصلاة وتارك الزكاة وأشباههم، وورد لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، وثمرة هذا الايمان عدم استحقاق الاذلال والإهانة والعذاب في الدنيا والآخرة. الثالث العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات وثمرته اللحوق بالمقربين والحشر مع الصديقين، وتضاعف المثوبات، و رفع الدرجات. الرابع ما ذكر مع ضم فعل المندوبات، وترك المكروهات، بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن، وبهذا المعنى يختص بالأنبياء والأوصياء كما ورد في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بالأئمة الطاهرين عليهم السلام. وقد ورد في تفسير قوله سبحانه " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره تعالى داخلة في الشرك المذكور في هذه الآية، وثمرة هذا الايمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه وأنه لا يرد الله دعوته وسائر ما ورد في درجاتهم عليهم السلام ومنازلهم عند الله تعالى. وأما الاسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين، والاقرار الظاهري، وإن لم يقترن بالاذعان القلبي ولا بالاقرار بالولاية، كما عرفت سابقا، وثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه وماله، وجواز نكاحه واستحقاقه الميراث، وسائر الأحكام الظاهرة للمسلمين، وليس له في الآخرة من خلاق، وقد يطلق على كل من معاني الايمان حتى المعنى الأخير، فيكون بمعنى الاستسلام والانقياد التام ثم إن الآيات والأخبار الدالة على دخول الأعمال في الايمان يحتمل وجوها الأول أن يحمل على ظواهرها، ويقال إن العمل داخل في حقيقة الايمان على بعض المعاني، الثاني أن يكون الايمان أصل العقايد، لكن يكون تسميتها إيمانا مشروطة بالاعمال، الثالث أن يقال بزيادة الايمان وتفاوته شدة وضعفا و تكون الأعمال كثرة وقلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب، فإنه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الأعمال الصالحة وترك المناهي، وقد بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحياة، وسيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الاخبار الآتية، ولنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الايمان والاسلام، ومعانيهما وشرائطهما. قال المحقق الطوسي قدس سره القدوسي في قواعد العقائد: المسألة الخامسة فيما به يحصل استحقاق الثواب والعقاب قالوا: الاسلام أعم في الحكم من الايمان، وهما في الحقيقة شئ واحد أما كونه أعم فلان من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وأما كون الاسلام في الحقيقة هو الايمان فلقوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " واختلفوا في معناه، فقال بعض السلف: الايمان إقرار باللسان، وتصديق بالقلب وعمل صالح بالجوارح، وقالت المعتزلة: أصول الايمان خمسة: التوحيد، والعدل والاقرار بالنبوة، وبالوعد والوعيد، والقيام بالامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقال الشيعة: أصول الايمان ثلاثة: التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء. والتصديق بامامة الأئمة المعصومين والتصديق بالأحكام التي يعلم يقينا أنه صلى الله عليه وآله حكم بها، دون ما فيه الخلاف والاستتار. والكفر يقابل الايمان، والذنب يقابل العمل الصالح، وينقسم إلى كبائر وصغائر، ويستحق المؤمن بالاجماع الخلود في الجنة، ويستحق الكافر الخلود في العذاب، وصاحب الكبيرة عند الخوارج كافر لأنهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الايمان، وعند غيرهم خارج فاسق، والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لا يكون فاسقا وجعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الايمان والكفر، وهو عندهم يكون في النار خالدا، وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا وقد لا يكون، وتكون عاقبة الامر على التقديرين الخلود في الجنة. وقال - ره - في التجريد: الايمان التصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الأول لقوله تعالى: " واستيقنتها أنفسهم " ونحوه ولا الثاني لقوله تعالى: " قل لم تؤمنوا " والكفر عدم الايمان إما مع الضد أو بدونه، والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الايمان به، والنفاق إظهار الايمان به وإخفاء الكفر، والفاسق مؤمن لوجود حده فيه. وقال العلامة نور الله ضريحه في الشرح: اختلف الناس في الايمان على وجوه كثيرة وليس هنا موضع ذكرها، والذي اختاره المصنف رضوان الله أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " و قوله تعالى: " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به " فأثبت لهم المعرفة والكفر وأما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا " الآية ولا شك في أن أولئك الاعراب صدقوا بألسنتهم. وقال - ره -: الكفر في اللغة هو التغطية وفي العرف الشرعي هو عدم الايمان إما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الايمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح والباطل، والفسق لغة الخروج مطلقا وفي الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن، وفي الشرع إظهار الايمان وإبطان الكفر. واختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر وأثبتوا له منزلة بين المنزلتين، وقال الحسن البصري: إنه منافق، وقالت الزيدية: إنه كافر نعمة، وقالت الخوارج إنه كافر، والحق ما ذهب إليه المصنف وهو مذهب الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الأشعرية، أنه مؤمن والدليل عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله موجود فيه فيكون مؤمنا انتهى. وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المسائل: اتفقت الامامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج بذلك عن الاسلام، وأنه مسلم وإن كان فاسقا بما معه من الكبائر والآثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافة وأصحاب الحديث قاطبة، ونفر من الزيدية، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم. وقال قدس سره: اتفقت الامامية على أن الاسلام غير الايمان وأن كل مؤمن فهو مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما. وقال الشهيد الثاني قدس سره في رسالة حقائق الايمان: اعلم أن الايمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها، وهو إفعال من الامن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها وحينئذ فكان حقيقة " آمن به " سكنت نفسه واطمأنت، بسبب قبول قوله، وامتثال أمره. فتكون الباء للسببية، ويحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب والمخالفة كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة والأول أولى كما لا يخفى وأوفق لمعنى التصديق، وهو يتعدى باللام كقوله تعالى " وما أنت بمؤمن لنا " و " فآمن له لوط " وبالباء كقوله تعالى " آمنا بما أنزلت " وأما التصديق فقد قيل إنه القبول والاذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان ويمكن أن يقال معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان ويدل عليه قوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا " فأخبروا عن أنفسهم بالايمان - وهم من أهل اللسان - مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان، لنفيه عنهم بقوله تعالى " قل لم تؤمنوا " وإثبات الاعتراف بقوله تعالى " ولكن قولوا أسلمنا " الدال على كونه إقرارا بالشهادتين وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الايمان في عرف الشرع. وأما الايمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقته العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات، وبيان ذلك أن الايمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقد، أو منهما معا. فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الأشاعرة، وجمع من متقدمي الامامية ومتأخريهم، ومنهم المحقق الطوسي رحمه الله في فصوله، لكن اختلفوا في معنى التصديق، فقال أصحابنا: هو العلم، وقال الأشعرية هو التصديق النفساني وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا، وإن كان معرفة، وسنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك. وإن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرامية، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها، فرضا ونفلا وهو مذهب الخوارج، وقدماء المعتزلة والعلاف والقاضي عبد الجبار، أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة. وإن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا إن الايمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، ونسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الاقرار باللسان وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره. واعلم أن مفهوم الايمان على المذهب الأول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي وأما على المذاهب الباقية فهو منقول، والتخصيص خير من النقل، وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الايمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح ويمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين وشطر عند الآخرين. ثم قال: اعلم أن المحقق الطوسي رحمه الله ذكر في قواعد العقائد أن أصول الايمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا، ثم قال ذكر في الشرح الجديد للتجريد أن الايمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص انتهى فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الايمان هي التصديق فقط، وإن اختلفوا في مقدار المصدق به، والكلام هيهنا في مقامين: الأول في أن التصديق الذي هو الايمان المراد به اليقيني الجازم الثابت، كما يظهر من كلام من حكينا عنه، والثاني في أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الايمان الحقيقي، بل هي جزؤ من الايمان الكمالي. أما الدليل على الأول فآيات بينات منها قوله تعالى " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " والايمان حق بالنص والاجماع، فلا يكفي في حصوله وتحققه الظن، ومنها " إن يتبعون إلا الظن " " إن هم إلا يظنون " " إن بعض الظن إثم " فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن، والايمان لا يوبخ من حصل له بالاجماع، فلا يكون ظنا، ومنها قوله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " فنفى عنهم الريب، فيكون الثابت هو اليقين، وفي العرف يطلق عدم الريب على اليقين، ومن السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وآله " يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك " والثبات هو الجزم والمطابقة، وفيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبه عليه السلام لأنه الفرد الأكمل. ومن الدلائل أيضا الاجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الايمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة، والدليل ما أفاد العلم، والظن لا يفيده، وفي صحة دعوى الاجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية كما سنذكره إن شاء الله تعالى. واعلم أن جميع ما ذكرنا من الأدلة لا يفيد شئ منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الايمان، إنما يفيد الظن باعتبارهما، لان الآيات قابلة للتأويل، وغيرها كذلك، مع كونها من الآحاد. ثم قال رفع الله درجته: اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر، وأنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية، والتعليمية، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية كوجود الصانع، وما يجب له ويمتنع، والنبوة والعدل وغيرها، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالامامية والمعتزلة على الأول، والأشعرية على الثاني، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه. ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا، وشكره على وجه يليق بكمال ذاته يتوقف على معرفته، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره لاحتمال كذب المخبر، وخطأ الامارة، فلابد من النظر المفيد للعلم، ثم قال: وهذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح، والأشاعرة ينكرون ذلك، لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل، يدل أيضا على كون الوجوب عقليا، واعترض أيضا بأنه مبني على وجوب مالا يتم الواجب المطلق إلا به، وفيه أيضا منوع للأشاعرة. ومن ذلك أن الأمة أجمعت على وجوب المعرفة، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم إن أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه، وقد اعترض على هذا بمنع الاجماع كيف والمخالف معروف بل عورض بوقوع الاجماع على خلافه، وذلك لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه العوام على إيمانهم، وهم الأكثرون في كل عصر، مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بايمانهم، وأجيب عن هذا بأنهم كانوا يعلمون الأدلة إجمالا كدليل الاعرابي حيث قال " البعرة تدل على البعير، وأثر الاقدام على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، لا تدلان على اللطيف الخبير "؟ فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين. ومن ذلك الاجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا؟ وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاستدلال وإذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا، فامتنع التقليد في المعارف الإلهية، ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات، فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي، فان اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئا في نفس الامر لحط ذلك عنه فليجز مثله في مسائل الأصول، وأجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر، بخلافه في الفروع، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى. احتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لان المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره، وحال امتناع كونه عالما بأمره، يمتنع كونه مأمورا من قبله، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإن كان عالما به، استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل، والجواب عن ذلك على قواعد الامامية والمعتزلة ظاهر، فان وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي نعم يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي. فان قيل: ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك، فيقلده الباقون، قلنا هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بما يسمع، فيكون حجة على الأشاعرة، لا دليلا على وجوب التقليد. واحتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " والنظر يفتح باب الجدال فيحرم، ولأنه عليه السلام رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، وقال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، ولقوله عليه السلام: عليكم بدين العجائز، والمراد ترك النظر فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه، وأجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى " وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق " لا الجدال بالحق لقوله تعالى " وجادلهم بالتي هي أحسن " فالامر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه، وعن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف وقد ورد الانكار على تارك النظر في قوله تعالى " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله " وقد أثنى على فاعله في قوله " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض " على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا وبحرا عميقا كما أشار إليه علي عليه السلام بقوله " بحر عميق فلا تلجه " بل كان مراد النبي صلى الله عليه وآله التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى لان ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها، والبحث عنها مفصلة. وهيهنا جواب آخر عنهما معا، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد بخلاف النظر فإنه يكون من واحد، فهو نصب الدليل على غير المدعى، وعن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله فان بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فإنه روي أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إن بين الكفر والايمان منزلة بين المنزلتين، فقالت عجوز: قال الله تعالى " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن، فسمع سفيان كلامها فقال: عليكم بدين العجائز، على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والانقياد له في أمره ونهيه. واحتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم، لكنه لم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية، فحيث لم ينقل لم يقع، فلم يجب. وأجيب بالتزام كونهم أولى به، لكنهم نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، وكون الواحد منا أفضل منهم، وهو باطل إجماعا، إذا كانوا عالمين، وليس بالضرورة، فهو بالنظر والاستدلال، وأما أنه لم ينقل النظر والمناظرة، فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الامر عندهم، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر، بخلاف الاخلاف بعدهم، فإنهم لما كثرت شبه الضالين، واختلفت أنظار طالبي اليقين، لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر والمناظرة، ليدفعوا بذلك شبه المضلين، ويقفوا على اليقين، أما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الامارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها، والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل. واحتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات، والتورط في الضلالات، بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك، وأقرب إلى السلامة، فيكون أولى، ولان الأصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل، جاز في الأصعب، بطريق أولى، ولأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول. وأجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر، لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة، وهي احتمال كذب المخبر، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره، على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم، أو بالالهام، أو بخلق العلم فيه ضرورة، فهو إنما يكون لافراد نادرة، لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة، بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب، بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه ولأنه أقرب إلى الوقوع على الصواب، وأما الجواب عن العلاوة فلانه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل، ساغ لنا التقليد فيها، ولم يقدح احتمال كذب المخبر، وإلا لا نسد باب العلم والعمل بها، بخلاف الاعتقاديات فان الطريق إليها بالنظر ميسر. ثم قال رحمه الله بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام: وأما المقام الثاني وهو أن الأعمال ليست جزءا من الايمان ولا نفسه، فالدليل عليه من الكتاب العزيز والسنة المطهرة والاجماع، أما الكتاب فمن قوله تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فان العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الايمان أو نفسه، لزم خلو العطف عن الفائدة، لكونه تكرارا، ورد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون الطاعات جزءا من الايمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيد لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الايمان كالخوارج. ومنه قوله تعالى " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " أي حالة إيمانه وهذا يقتضي المغايرة، ومنه قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " فإنه أثبت الايمان لمن ارتكب بعض المعاصي، فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الايمان، ومنه قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " فان أمرهم بالتقوى الذي لا تحصل إلا بفعل الطاعات، والانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالايمان يدل على عدم حصول التقوى لهم، وإلا لكان أمرا بتحصيل الحاصل، ومنه الآيات الدالة على كون القلب محلا للايمان، من دون ضميمة شئ آخر كقوله تعالى " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " ولو كان الاقرار أو غيره من الأعمال نفس الايمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه، وقوله تعالى " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " وقوله تعالى " وقلبه مطمئن بالايمان " . وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الايمان القلب كقوله تعالى: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم " [وطبع الله على قلوبهم] " فهم لا يؤمنون " " وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " . وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وآله: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عن الايمان فقال: أن تؤمن بالله ورسله، واليوم الآخر. وأما الاجماع فهو أن الأمة أجمعت على أن الايمان شرط لسائر العبادات والشئ لا يكون شرطا لنفسه، فلا يكون الايمان هو العبادات. وأما أهل الثاني وهم الكرامية فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين، فتكون هي الايمان، إذ لا واسطة بين الكفر والايمان. لان الكفر عدم الايمان، ولقوله تعالى " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " وبقوله صلى الله عليه وآله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وبعثه صلى الله عليه وآله لأسامة، حين قتل من تكلم بالشهادتين: هلا شققت قلبه أو هل شققت قلبه، على بعض النسخ، يريد بذلك الانكار عليه حيث لم يكتف بالشهادتين منه والجواب عن الأول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الامر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك، من دون تصديق فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الاسلام لا للحكم بالايمان؟ وإن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر، فهو مسلم لكن لا ينفعهم، إذ الكلام فيما يتحقق به الايمان عند الله تعالى بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الامر، لا فيما يتحقق به الاسلام في ظاهر الشرع، حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن، ألا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق، بعد الحكم باسلامه، ولو كان مؤمنا في نفس الامر لما جاز ذلك، وأما نفي الواسطة فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الامر، فان حال المكلف في نفس الامر لا يخلو عن أحدهما، وأما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال فلا يدل على أكثر من كونه للترغيب في الاسلام أيضا بسبب حقن الدماء، على أن النبي صلى الله عليه وآله ربما لا يطلع على بواطن الناس، فكيف يؤمر بالقتال على مالا يطلع عليه. وأما أهل الثالث، وهم قدماء المعتزلة، القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا ونفلا، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة " والمشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا وما عطف عليه، والدين هو الاسلام لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " [3] والاسلام هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " [4] ولا ريب أن الايمان مقبول من مبتغيه للنص والاجماع، فيكون إسلاما، فيكون دينا، فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الآيات. والجواب المنع من اتحاد الدينين في الآيتين، فلا يتكرر الوسط، ولو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الايمان هو الاسلام، ليكون هو الدين فيعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الايمان شرطا للاسلام أو جزءا منه أو بالعكس، وشرط الشئ وجزؤه يقبل مع كونه غيره، ولا يلزم من ذلك أن يكون الايمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه، على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على أن من ابتغى وطلب غير دين الاسلام دينا له، فلن يقبل منه ذلك المطلوب، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه، لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه، لعدم المنافاة بينهما، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائهما. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي صلاتكم إلى بيت المقدس، واعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة، سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الآية، وذلك لأنهم زعموا أن الايمان جميع الطاعات، والصلاة إنما هي جزؤ من الطاعات، وجزؤا الشئ لا يكون ذلك الشئ. وأما أهل الرابع، وهم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات وترك المحظورات، دون النوافل، فقد يستدل لهم بقوله تعالى: " إنما يتقبل الله من المتقين " [2] والتقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى، وبما روي أن الزاني لا يزني وهو مؤمن، وبقوله عليه السلام: لا إيمان لمن لا أمانة له، وبقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [3] وقد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم ينزل الله مصدقا، فلو تحقق الايمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر والايمان في محل واحد، وهو محال لتقابلهما بالعدم والملكة. والجواب عن الأول أنه يجوز أن يكون المراد - والله أعلم - الأعمال الندبية، على أنا نقول: إن ظاهر الآية الكريمة متروك، فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله وكان قد سبق منه معصية واحدة لم يثب عليها ويكون جميع أعمال الطاعات اللاحقة غير مقبولة، والقول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظايع، فلا يكون مرادا بل المراد - والله أعلم - أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه، بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى وحينئذ فلا دلالة لهم في الآية الكريمة مع أنا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى، فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الايمان عبارة عن جميع الواجبات - الخ -، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الايمان عبارة عما ذكرتم مع التصديق بالمعارف الأصولية، وعدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل. وأما الحديث الأول على تقدير تسليمه، فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل، ودليل التخصيص في أحاديث اخر أو على نفي الكمال في الايمان، وكذا الحديث الثاني وأما الاستدلال بالآية فقد تعارض بقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " والفاسق مؤمن على المذهب الحق، وبين المنزلتين على غيره، ويمكن أن يقال الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة، وإن كان في العرف يباينه، لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع، بل المعلوم كونه لأهل الشرع والأصول، فلا تعارض حينئذ.

الهوامش164

[٢]آل عمران: ٧.ص 85

[٣]نوح: ٣.ص 85

[١]الشورى: ١٣.ص 86

[٢]النساء: ١٦٣.ص 86

[٣]البقرة: ٦٢.ص 86

[١]أسرى: ٢٣ - ٣٠.ص 87

[٢]أسرى: ٣١ - ٣٩.ص 87

[٣]الليل: ١٤ - ١٦.ص 87

[٤]الانشقاق: ١٠ - ١٤.ص 87

[٥]الملك: ٨ - 9.ص 87

[١]الواقعة: ٩٢ - ٩٤.ص 88

[٢]الحاقة: ٢٥ - ٣٣.ص 88

[٣]الشعراء: ٩١ - ٩٥ [٤] الشعراء: ٩٩.ص 88

[٥]ص: ١٢.ص 88

[٦]الشعراء: ١٧٦.ص 88

[٧]الشعراء: ١٦٠.ص 88

[٨]الأعراف: ٣٨، مع تقديم وتأخير.ص 88

[١]النساء: ٩٣.ص 89

[٢]الأحزاب: ٦٤ و ٦٥.ص 89

[٣]النساء: ١٦٩.ص 89

[٤]مريم: ٣٧.ص 89

[٥]آل عمران: ٧٧.ص 89

[٦]النور: ٣.ص 89

[١]النور: ٤.ص 90

[٢]السجدة: ١٨.ص 90

[٣]براءة: ٦٧.ص 90

[٤]الكهف: ٥٠.ص 90

[٥]النور: ٢٣ و ٢٤.ص 90

[٦]أسرى: ٧١ وصدره: فمن أوتى كتابه الخ.ص 90

[٧]النساء: ١٤.ص 90

[٨]النور: ١ و 2.ص 90

[١]الكافي ج ٢ ص ٢٨ - ٣٣.ص 91

[٢]النساء: ٣.ص 91

[٣]الشورى: ١١.ص 91

[٤]الكهف: ١.ص 91

[١]براءة: ٦.ص 92

[٢]آل عمران: ١٠٢.ص 92

[٣]البقرة: ١٨٩.ص 92

[٤]براءة: ٣٨.ص 92

[٥]مفردات غريب القرآن 128 و 224.ص 92

[1]العياشي ج 1: 162.ص 93

[2]راجع ج 23 ص 188 - 205 من هذه الطبعة.ص 93

[١]نوح: ١٠ - 3.ص 95

[2]الآيات 38 - 40.ص 95

[1]الآيات: 23 - 26.ص 96

[2]يعنى الآيات: 13 - 14.ص 96

[3]مجمع البيان ج 9 ص 24.ص 96

[1]تفسير البيضاوي ص 119 والآية في المائدة: 51.ص 97

[١]المائدة: ٥١.ص 98

[٢]الزخرف: ٣٢.ص 98

[٣]الجاثية: ١٨.ص 98

[٤]النساء: ١٣٦.ص 98

[٥]مفردات غريب القرآن ص ٢٥٨.ص 98

[١]نصه: حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم [٢] راجع مجمع البيان ج ٣ ص ٢٠٢.ص 99

[٣]مفردات غريب القرآن ص ٢٢٠، والآيات في الأعراف: 163، النحل: 124.ص 99

[١]مجمع البيان ج ٤ ص ٤٩١.ص 101

[٢]البقرة: ٦٢، راجع البيضاوي ٣٢.ص 101

[٣]الجمعة: ٥.ص 101

[١]الشعراء: ٢١٤.ص 102

[٢]الحجر: ٩٤.ص 102

[3]يعنى كتاب المرآة.ص 102

[1]أسرى: 22 - 25.ص 103

[١]راجع تفسير العياشي ج ٢ ص ٢٨٦، عن أبي بصير.ص 104

[1]يعنى وقرأ الباقون بضمها.ص 105

[١]عجز بيت صدره: ذم المنازل بعد منزلة اللوى، راجع الصحاح ج ٦ ص ٢٥٤٤.ص 106

[2]الحجازيان: عبد الله بن كثير المكي، ونافع بن عبد الرحمان المدني، والبصريان:ص 106

[1]أنوار التنزيل ص 463، والآية في سورة الليل: 14 - 21.ص 107

[1]كأنه يريد قوله تعالى: " ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا " النساء: 144.ص 108

[2]مجمع البيان ج 10 ص 502.ص 108

[١]الانشقاق: ١٠.ص 109

[٢]الملك: ٨.ص 109

[١]الواقعة: ٩٢.ص 110

[٢]الحاقة: ٢٥.ص 110

[٣]يعنى مصحف عثمان، المسمى بامام المصاحف.ص 110

[٤]الشعراء: ٩١.ص 110

[١]أنوار التنزيل ص ٣٠٩.ص 111

[٢]الشعراء: ١٠٥.ص 111

[١]ص: ١٢، المؤمن: ٥.ص 112

[٢]الأعراف: ٣٧ - 39.ص 112

[١]ص: ٣.ص 113

[١]يعنى مصحف عثمان.ص 114

[٢]النساء: ٩٣.ص 114

[٢]النساء: ٤٧.ص 115

[3]مجمع البيان ج 3 ص 93.ص 115

[1]مجمع البيان ج 3 ص 12 و 13.ص 116

[2]المصدر ج 10 ص 450 [3] المصدر ج 10 ص 452.ص 116

[١]المصدر ج ١٠ ص ٤٠٥، نقلا عن الحاكم الحسكاني.ص 117

[٢]البقرة: ٧٩.ص 117

[٣]إبراهيم: ٢.ص 117

[٤]الزخرف: ٦٥.ص 117

[٥]يس: ٥٢.ص 117

[٦]القلم: ٣١.ص 117

[٧]آل عمران: ٧٧.ص 117

[٨]أسرى: ٣٤.ص 117

[٩]طه: ١١٥.ص 117

[١]مفردات غريب القرآن ص ٣٥٠.ص 118

[2]مجمع البيان ج 2 ص 462 و 463.ص 118

[١]أنوار التنزيل: ٧٠.ص 119

[٢]النور: ٢٦.ص 119

[٣]النور: ٣٢.ص 119

[١]مجمع البيان ج ٧ ص ١٢٥.ص 120

[٢]النور: ٣٢.ص 120

[٣]النساء: ٣.ص 120

[٤]النساء: ٢٣.ص 120

[٥]القصص: ١٢.ص 120

[١]النور: ٤.ص 122

[2]مجمع البيان ج 7 ص 126.ص 122

[١]السجدة: ١٨.ص 123

[٢]براءة: ٦٧.ص 123

[٣]الكهف: ٥٠.ص 123

[٤]أسرى: ١٦.ص 123

[٥]آل عمران: ١١٠.ص 123

[٦]المائدة: ٤٧.ص 123

[٧]النور: ٥٥.ص 123

[٨]السجدة: ٢٠.ص 123

[٩]الانعام: ٤٩.ص 123

[١٠]براءة: ٢٥.ص 123

[١١]براءة: ٦٨.ص 123

[١٢]يونس: ٣٣ راجع المفردات ص 380.ص 123

[١]يس: ٦٥.ص 124

[٢]أسرى: ٧١.ص 124

[٣]الحاقة ١٩.ص 124

[4]الانشقاق: 8.ص 124

[١]النساء: ١٥.ص 125

[1]وبعده: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم راجع مجمع البيان ج 3 ص 21.ص 126

[١]يوسف: ١٠٦، وما ورد من الحديث في ذلك، رواه القمي باسناده عن الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام والعياشي ج 2 ص 200 عن زرارة عنه عليه السلام في هذه الآية قال: شرك طاعة وليس شرك عبادة والمعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله الطاعة لغيره، وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله وروى العياشي عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هو الرجل يقول: لولا فلان لهلكت ولولا فلان لأصبت كذا وكذا، لولا فلان لضاع عيالي، الحديث.ص 127

[١]الحجرات: ١٣.ص 128

[٢]آل عمران: ١٩.ص 128

[١]النمل: ١٤.ص 129

[٢]البقرة: ٨٩.ص 129

[١]يوسف: ١٧.ص 130

[٢]العنكبوت: ٢٦.ص 130

[٣]آل عمران: ٥٣.ص 130

[١]الحجرات: ١٣.ص 131

[١]النجم: ٢٨.ص 132

[١]النجم: ٢٨.ص 133

[٢]البقرة: ٧٨.ص 133

[٣]الحجرات: ١٢.ص 133

[٤]الحجرات: ١٥.ص 133

[١]غافر: ٤.ص 135

[١]غافر: ٥.ص 136

[٢]النحل: ١٢٥.ص 136

[٣]الروم: ٨ وتمامه: ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق.ص 136

[٤]آل عمران: ١٩١.ص 136

[٥]التغابن: ٢.ص 136

[١]ترى نصه في آيات كثيرة منها: البقرة: ٢٧٧.ص 138

[٢]طه: ١١٢.ص 138

[٣]الحجرات: ٩.ص 138

[4]براءة: 119.ص 138

[١]المجادلة: ٢٢.ص 139

[٢]الحجرات: ١٣، [٣] النحل: ١٠٦.ص 139

[٤]النحل: ١٠٨.ص 139

[٥]براءة: ٩٣.ص 139

[٦]الجاثية: ٢٣، وصححنا الآيات بعرضها على المصحف الشريف.ص 139

[٧]أتباع محمد بن كرام - كشداد - ومن اعتقاده أن معبوده مستقر على العرش وأنه جوهر تعالى الله عن ذلك.ص 139

[٨]التغابن: ٢.ص 139

[١]يعنى في قوله تعالى: فمنكم كافر ومنكم مؤمن.ص 140

[٢]البينة: ٥.ص 140

[٣]آل عمران: ١.ص 140

[٤]آل عمران: ٨٥.ص 140

[١]البقرة: ١٤٣.ص 141

[٢]المائدة: ٢٧.ص 141

[٣]المائدة: ٤٧.ص 141

[١]المائدة: ٤٨.ص 142

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 66, Page 85

View original source