Show clickable narrator chain
خطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فقال: أيها الناس إنما أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة. كان لا يتشهى، ولا يتسخط، ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين، كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشئ دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا. كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل، نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، وكان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يتشهى، ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة، إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله . نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجا من سلطان بطنه إلى قوله من ترك الكثير . هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الأسود وكان من شيعة علي عليه السلام و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، وقد روي في فضله حديث صحيح مرفوع، و قال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخ معين ولكنه كلام خارج مخرج المثل كقولهم فقلت لصاحبي ويا صاحبي وهذا عندي أقوى الوجوه انتهى . ولا يبعد أن يقال: إن قوله عليه السلام فان جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة والبسالة في الحرب، بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله، و ترك المداهنة في أمر الدين، وإظهار الحق، بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد، بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك، وقد كان أبو ذر معروفا بذلك، و إفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان وتصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان. وقال الشارح ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه ونسبه إلى الحسن بن علي عليهما السلام والمشار إليه قيل: هو أبو ذر الغفاري وقيل: هو عثمان ابن مظعون انتهى . وأقول: لا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام عبر هكذا لمصلحة. " وكان رأس ما عظم به في عيني " أي وكان أقوى وأعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني، فان الرأس أشرف ما في البدن، وفي القاموس الرأس أعلى كل شئ، والصغر وزان عنب وقفل خلاف الكبر، وبمعنى الذل والهوان، وهو خبر كان، وفاعل عظم ضمير الأخ، وضمير به عائد إلى الموصول والباء للسببية. " كان خارجا من سلطان بطنه " أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول والمشروب، كما وكيفا، ثم ذكر عليه السلام لذلك علامتين، حيث قال: " فلا يشتهي ما لا يجد " وفي النهج " فلا يتشهى " ويقال تشهى فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة، وهو أنسب " ولا يكثر " في الاكل " إذا وجد " والاكثار من الشئ الاتيان بالكثير منه، والمراد به إما لاقتصار على ما دون الشبع، أو ترك الافراط في الاكل أو ترك الاسراف في تجويد المأكول والمشروب. " كان خارجا من سلطان فرجه " أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات، أو الشبهات والمكروهات، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال: " فلا يستخف له عقله ولا رأيه " في القاموس استخفه ضد استثقله، وفلانا عن رأيه حمله على الجهل والخفة، وأزاله عما كان عليه من الصواب وقال الراغب: " فاستخف قومه " أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم قيل: معناه وجدهم طائشين وقوله عز وجل " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " أي لا يزعجنك ويزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه وقال البيضاوي في قوله سبحانه " فاستخف قومه " فطلب منهم الخفة في مطاوعته، أو فاستخف أحلامهم وقال في قوله تعالى: " ولا يستخفنك " ولا يحملنك على الخفة والقلق " الذين لا يوقنون " بتكذيبهم وإيذائهم. وأقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج والضمير في " له " راجعا إلى الأخ، ويكون عقله ورأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله ورأيه خفيفين مطيعين لها، الثاني أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ وفي " له " إلى الفرج، أي لا يجعل عقله ورأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج، الثالث أن يقرأ يستخف على بناء المجهول، وعقله ورأيه، مرفوعين، وضمير " له " إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج، وما قيل أن يستخف على بناء المعلوم، وعقله ورأيه مرفوعان، وضمير له للأخ، فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف. " كان خارجا من سلطان الجهالة " بفتح الجيم وهي خلاف العلم والعقل " فلا يمد يده " أي إلى أخذ شئ كناية عن ارتكاب الأمور " إلا على ثقة " واعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة " كان لا يتشهى " أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر " ولا يتسخط " أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لايذاء الخلق له أو لقلة عطائهم، في القاموس: السخط بالضم وكعنق وجبل ضد الرضا، وقد سخط كفرح وتسخط وأسخطه أغضبه، وتسخطه تكرهه وعطاءه استقله ولم يقع منه موقعا " ولا يتبرم " أي لا يمل ولا يسأم من حوائج الخلق، وكثرة سؤالهم، وسوء معاشرتهم، في القاموس البرم السأمة والضجر وأبرمه فبرم كفرح وتبرم امله فمل. " كان أكثر دهره " أي عمره و " أكثر " منصوب على الظرفية " صماتا " بفتح الصاد وتشديد الميم وقرئ بضم الصاد وتخفيف الميم، مصدرا فالحمل على المبالغة وفي النهج " صامتا فان قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين " قال في النهاية: في الحديث بذ القائلين أي سبقهم وغلبهم يبذهم بذ انتهى، ونقع الماء العطش أي سكنه والغليل حرارة العطش، ويمكن أن يكون البذ بالفصاحة والنقع بالعلم والجواب الشافي. " كان لا يدخل في مراء " أي مجادلة في العلوم للغلبة وإظهار الكمال، قال في المصباح: ماريته أماريه مماراة ومراء جادلته، ويقال: ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول، وتصغيرا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضا " ولا يشارك في دعوى " أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه. " ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا " في المصباح أدلى بحجته أثبتها فوصل بها وفي القاموس أدلى بحجته أحضرها، وإليه بماله دفعه، ومنه " وتدلوا بها إلى الحكام " . الأول ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا، و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها انتهى. وأقول: المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس، كما هو دأب أكثر الخلق، بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه وبين خصمه، وذلك في الحقيقة يؤل إلى الكف عن فضول الكلام، والتكلم في غير موقعه. الثاني أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم، ويؤخر المطالبة إلى يوم القيامة، فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق، وهو الله سبحانه، أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية، فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم. الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة والدعوى وصبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى ولا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي. الرابع ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ " يري " على بناء الافعال، وفسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق والباطل، أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة، ولعله أخذه من قول الفيروزآبادي القضاء الحتم، والبيان وسم قاض قاتل، ولا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج. " وكان لا يغفل عن إخوانه " أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل والعيال " ولا يخص نفسه بشئ من الخيرات دونهم " بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوله الله، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. " كان ضعيفا " أي فقيرا؟؟ ورا إليه بعين الذلة والفقر، كما قيل، أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة، ولكثرة الصيام والقيام " مستضعفا ") أي في أعين الناس للفقر والضعف، وقلة الأعوان، يقال: استضعفه أي عده ضعيفا، وقال بعض شراح النهج: استضعفه أي عده ضعيفا ووجده ضعيفا وذلك لتواضعه وإن كان قويا. " وإذا جاء الجد كان ليثا عاديا " في أكثر النسخ بالعين المهملة، وفي بعضها بالمعجمة، وفي النهاية فيه ما ذئبان عاديان، العادي الظالم، وقد عدا يعدو عليه عدوانا، وأصله من تجاوز الحد في الشئ، والسبع العادي أي الظالم الذي يفترس الناس انتهى، والجد بالكسر ضد الهزل، والاجتهاد في الامر، والمراد به هنا المحاربة والمجاهدة، وفي النهج " فان جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد " وفي أكثر نسخه " غاد " بالمعجمة من غدا عليه أي تكبر، وقال بعض شارحيه: الوصف بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد، والمناسب حينئذ أن يكون ليث منونا وفي النسخ ليث غاد بالإضافة، فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفي بعض نسخه بالمهملة كما مر وفي بعضها " غاب " بالباء الموحدة بعد العين المهملة وهو الأجمة ويسكنها الأسد والمناسب حينئذ الإضافة، وقال الجوهري: الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية، يقال إنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى، ويقال للرجل إذا كان داهيا منكرا: إنه لصل أصلال أي حية من الحيات وأصله في الحيات، شبه الرجل بها انتهى وذكر الوادي لان الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة، فيشتد السم في حيتها. " كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا " فيما يقع العذر: أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر، وفي كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا، إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور، فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار ويظهر الحق، فإن لم يكن عذره مقبولا لامه، ويحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا ولو على سبيل الاحتمال وفي النهج " وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره " وفي بعض النسخ " على ما لا يجد " بزيادة حرف النفي فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان، إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله. " وكان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول " أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات إشارة إلى قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " وقد قيل إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون، فإنه إذا قال ولم يفعل، فعدم الفعل قبيح لا القول، ويفعل من الخيرات والطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة، أو عدم وجدان قابل، كما قال تعالى: " فذكر إن نفعت الذكرى " كذا فهمه الأكثر، ويخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الاحسان أو لم يعده كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الاخبار بخلف الوعد وفي النهج " وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل " وفي بعض نسخه في الأول " وكان يفعل ما يقول ". " كان إذا ابتزه أمران " كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة والزاي على بناء الافتعال، أي استلبه وغلبه وأخذه قهرا، كناية عن شدة ميله إليهما وحصول الدواعي في كل منهما، في القاموس البز الغلبة، وأخذ الشئ بجفاء وقهر كالابتزاز، وبزبز الشئ سلبه كابتزه، ولا يبعد أن يكون في الأصل: " انبراه " بالنون والباء الموحدة على الحذف والإيصال أي اعترض له، وفي النهج " وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه " يقال بدهه أمر كمنعه أي بغته وفاجأه. وهذا الكلام يحتمل معنيين الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه، لكونها أكثر ثوابا، كالوضوء بالماء البارد والحار في الشتاء، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام والثاني أن يكون معيارا لحسن الأشياء وقبحها، كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه وكلما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس وهواها، فان رداها في هواها وهذا هو الغالب، لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل، لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها، والظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا، ولكل عذرة آكلا. " إلا عند من يرجو عنده البرء " أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فإنه حينئذ ليس بشكاية، بل هو طلب لعلاجه، فلاستثناء منقطع، وفي النهج " وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه "
الهوامش14
[١]الكافي ج ٢ ص ٢٣٧.ص 295
[٢]نهج البلاغة ج ٢ ص ٢١٤.ص 295
[3]شرح النهج لابن أبي الحديد ج 4 ص 378.ص 295
[1]شرح النهج لابن ميثم ص 616.ص 296
[١]القاموس ج ٣ ص ١٣٦.ص 297
[٢]الزخرف: ٥٤.ص 297
[٣]الروم: ٦٠.ص 297
[٤]مفردات غريب القرآن: ١٥٢.ص 297
[١]القاموس ج ٢ ص ٣٦١.ص 298
[٢]البقرة: ١٨٨.ص 298
[١]الصحاح ص ١٧٤٥.ص 300
[٢]الصف: ٢.ص 300
[3]الاعلى: 9.ص 300
[1]الرعاع بالفتح: سقاط الناس وسفلتهم وغوغاؤهم، الواحد رعاعة، وقيل:ص 301