Usul16

Hadith record

bihar-29088

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

15 - كتاب الإمامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني وطوبى لمن رأى من رأى من رآني، إلى السابع ثم سكت [4].

bihar-29088
الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

مامن قلب إلا وله أذنان على إحداهما ملك مرشد، وعلى الأخرى شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره: الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها وهو قول الله عز وجل " عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " . فاعلم أن المشهور بين الحكماء ومن يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة، وهي جوهر روحاني متسوط بين العالم الروحاني الصرف، والعالم - الجسماني، يفعل فيما دونه، وينفعل عما فوقه، وإثبات الاذن له على الاستعارة والتشبيه. قال بعض المحققين: القلب شرف الانسان وفضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه، التي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدته وذخره، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله، وهو العامل لله، وهو الساعي إلى الله، وهو المتقرب إليه وإنما الجوارح أتباع له وخدم، وآلات يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال الملك للعبيد، واستخدام الراعي للرعية، والصانع للآلة. والقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله، وهو المطالب والمخاطب، وهو المثاب والمعاقب، وهو الذي يستسعد بالقرب من الله تعالى فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. وهو المطيع لله بالحقيقة به، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله، وإنما الساري على الأعضاء من الفواحش آثاره، وباظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء يترشح بما فيه. وهو الذي إذا عرفه الانسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الانسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل بقلبه فهو بغيره أجهل، وأكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فان الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن لا يوفقه لمشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين، ويتخفض إلى أفق الشياطين، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين. ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيه: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون " فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس والروح والقلب والعقل ألفاظ متقاربة المعاني فالقلب يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه، وهذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت. والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية، لها بهذا القلب الجسماني تعلق وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فان تعلقها به يضاهي تعلق الاعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان، وتحقيقه يقتضي إفشاء سر الروح، ولم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فليس لغيره أن يتكلم فيه. والروح أيضا يطلق على معنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى ساير أجزاء البدن، وجريانها في البدن، وفيضان أنوار الحياة والحس والسمع والبصر والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا الدار، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به. فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه، والأطباء إذا أطلقوا اسم الروح أرادوا به هذا المعنى، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب. والمعنى الثاني هو اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الانسان وهو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله: " يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والافهام عن درك كنه حقيقته. والنفس أيضا مشترك بين معاني ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الانسان، وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الانسان فيقولون لابد من مجاهدة النفس وكسرها، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. المعنى الثاني هو اللطيفة التي ذكرناها، التي هو الانسان في الحقيقة، وهي نفس الانسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب أحوالها، فإذا سكنت تحت الامر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، سميت النفس المطمئنة قال تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " فالنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله، فإنها مبعدة عن الله تعالى، وهو من حزب الشيطان، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها، سميت النفس اللوامة، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها، قال الله تعالى: " فلا أقسم بالنفس اللوامة " وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان، سميت النفس الامارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: " وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء " وقد يجوز أن يقال: الامارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فاذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الانسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وبسائر المعلومات. والعقل أيضا مشتركة لمعان مختلفة والمناسب هنا معنيان أحدهما العلم بحقائق الأمور أي صفته العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك المعلوم، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة. فاذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسامي موجودة وهو القلب الجسماني والروح الجسماني والنفس الشهوانية والعقل العلمي وهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة، ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الانسان والألفاظ الأربعة بجملتها يتوارد عليها، فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ اطلق لمعنيين. وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها، فتراهم يتكلمون في الخواطر، ويقولون هذا خاطر العقل، وهذا خاطر الروح، وهذا خاطر النفس، وهذا خاطر القلب، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء. وحيث ورد في الكتاب والسنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الانسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لان بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب، فتعلقها الأول بالقلب فكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها، ولذا شبه القلب بالعرش، والصدر بالكرسي. ثم قال في بيان تسلط الشيطان على القلب: اعلم أن القلب مثال قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب أو هو مثال مرآة منصوبة يجتاز عليها أنواع الصور المختلفة، فيتراءى فيها صورة بعد صورة، ولا يخلو عنها، أو مثال حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه، وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال اما من الظاهر، فالحواس الخمس، وإما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الانسان، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، وإن كف عن الاحساس والخيالات الحاصلة في النفس، تبقى وينتقل الخيال من شئ إلى شئ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال. والمقصود أن القلب في التقلب والتأثر دائما من هذه الآثار وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار وأعني به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد، وإما على سبيل التذكر، فإنها تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها، والخواطر هي المحركات للإرادات، فان النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال، لا محالة، فمبدأ الافعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، ويحرك العزم النية والنية تحرك الأعضاء. والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة، وإلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة، فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا. ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة، وكل حادث لابد له من سبب ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب، هذا ما عرف من سنة الله عز وجل في ترتيب المسببات على الأسباب فمهما استنار حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فان المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة. والملك عبارة عن خلق خلقه الله، شأنه إفاضة الخير، وإفادة العلم، وكشف الحق، والوعد بالمعروف، وقد خلقه الله وسخره لذلك، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك، وهو الوعد بالشر، والامر بالفحشاء، والتخويف عند الهم بالخير بالفقر. والوسوسة في مقابلة الالهام، والشيطان في مقابلة الملك، والتوفيق في مقابلة الخذلان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " فان الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى، فإنه لا مقابل له، بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها. والقلب متجاذب بين الشيطان والملك، فقد قال صلى الله عليه وآله: للقلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليتعوذ من الشيطان ثم تلا " الشيطان يعدكم الفقر " الآية. ولتجاذب القلب بين هاتين اللمتين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان، والله سبحانه منزه عن يكون له أصبع مركبة من دم ولحم وعظم ينقسم بالأنامل، ولكن روح الإصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير، فإنك لا تريد أصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب والترديد، وكما أنك تتعاطى الافعال بأصابعك، فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا. والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار [الملائكة و] الشياطين صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى، والإكباب على الشهوات أو الاعراض عنها ومخالفتها، فان اتبع الانسان مقتضى الشهوة والغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى، وصار القلب عش الشيطان ومعدنه، لان الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه، وتشبه بأخلاق الملائكة، صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم. ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى، لاجرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم، فلم يأمرني إلا بخير. وإنما كان هذا لان الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي، فشهوته لا تدعوه إلى الشر، فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير، ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى، وجد الشيطان مجالا فوسوس، ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان، وضاق مجاله، وأقبل الملك وألهم. فالتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا وأكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان وملكوها، فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآخرة، ومبدأ استيلائها اتباع الهوى، ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات، وعمارته بذكر الله، إذ هو مطرح أثر الملائكة، ولذلك قال الله تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " وكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله فلذلك تسلط عليه الشيطان، وقال تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " إشارة إلى أن الهوى إلهه ومعبوده، فهو عبد الهوى لا عبد الله. ولا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب إلا ذكر شئ سوى ما يوسوس به لأنه إذا حضر في القلب ذكر شئ انعدم عنه ما كان فيه من قبل، ولكن كل شئ سوى ذكر الله، وسوى ما يتعلق به، فيجوز أن يكون أيضا مجالا للشيطان فذكر الله سبحانه هو الذي يؤمن جانبه، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال. ولا يعالج الشيطان إلا بضده، وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله تعالى والاستعاذة به، والتبري عن الحول والقوة، وهو معنى قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الذين الغالب عليهم ذكر الله، وإنما الشيطان يطوف بقلوبهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة قال الله تعالى: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " . وقال مجاهد في قوله: " من شر الوسواس الخناس " قال: هو منبسط على قلب الانسان، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه. فالتطارد بين ذكر الله ووسوسة الشيطان، كالتطارد بين النور والظلام، وبين الليل والنهار، ولتطاردهما قال الله تعالى: " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله " وفي الحديث إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه. وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه، ومحيطة بالقلب من جوانبه، ولذا قال صلى الله عليه وآله: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع، وذلك لان الجوع يكسر الشهوة، ومجرى الشيطان الشهوات، ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس: " لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه، فقعد له بطريق الاسلام، فقال له: أتسلم وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك ونساءك؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال؟ فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك وتقسم مالك؟ فعصاه فجاهد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة، فقد ذكر صلى الله عليه وآله معنى الوسوسة، فاذن الوسواس معلوم بالمشاهدة. وكل خاطر فله سبب، ويفتقر إلى اسم تعرفه، فاسم سببه الشيطان، ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي، وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته، ولذا قال صلى الله عليه وآله: مامن أحد إلا وله شيطان. وقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والالهام، والملك والشيطان، والتوفيق والخذلان، فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان وأنه جسم لطيف أو ليس بجسم، وإن كان جسما فكيف يدخل في بدن الانسان ما هو جسم؟ فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة، بل مثال الباحث عن هذا كمثال من دخل في ثوبه حية وهو محتاج إلى دفع ضراوتها فاشتغل بالبحث عن لونها وطولها وعرضها، وذلك عين الجهل لمصادفة الخواطر الباعثة على الشرور، وقد علمت، ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة، وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور المستقبل عدو فقد عرف العدو فينبغي أن يشتغل بمجاهدته. وقد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " وقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين " فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه. نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه، وسلاح الشيطان الهوى والشهوات، وذلك كاف للعالمين فأما معرفة صفة ذاته وحقيقة الملائكة، فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات، ولا يحتاج في المعاملة إلى معرفته إلى آخر ما حققه في هذا المقام. وأقول: ما ذكره أن دفع الشيطان لا يتوقف على معرفته حق لكن تأويل الملك والشيطان بما أومأ عليه في هذا المقام، وصرح به في غيره مع تصريح الكتاب بخلافه جرأة على الله تعالى وعلى رسوله، كما حققناه في المجلد الرابع عشر والتوكل على الله العليم الخبير، وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام، ليسهل عليك فهم الأخبار الماضية والآتية. " وشيطان مفتن " بكسر التاء المشددة أو المخففة أي مضل في القاموس الفتنة بالكسر الخبرة، وإعجابك بالشئ، فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه، والضلال والاثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والاضلال، والجنون والمحنة واختلاف الناس في الآراء وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه قال سبحانه: " إذ يتلقى المتلقيان " قال البيضاوي:؟ باذكر، أو متعلق بأقرب يعني في قوله: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " أي هو أعلم بحاله من كل قريب " حين يتلقى " أي يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به " عن اليمين وعن الشمال قعيد " أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، أي مقاعد كالجليس، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كقوله: " فاني وقيار بها لغريب " وقيل يطلق الفعيل للواحد والمتعدد كقوله: " والملائكة بعد ذلك ظهير " . " ما يلفظ من قول " ما يرمى به من فيه " إلا لديه رقيب " ملك يرقب عمله " عتيد " معد حاضر، ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب انتهى. وأقول: ظاهر أكثر الأخبار الواردة من طريق الخاص والعام أن المتلقيين والرقيب العتيد هما الملكان الكاتبان للأعمال، فصاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وظاهر هذا الخبر أن الرقيب والعتيد الملك والشيطان، بل المتلقيين أيضا، ويحتمل أن يكون هذا بطن الآية، أو يكون الرقيب العتيد صاحب اليمين، ويكون الزاجر والكاتب متحدا.

الهوامش19

[١]الكافي ج ٢ ص ٢٦٦، والآية في سورة ق: 18.ص 34

[١]الحشر: ١٩.ص 35

[1]أسرى: 85.ص 36

[١]الفجر: ٢٨.ص 37

[٢]القيامة: ٢.ص 37

[٣]يوسف: ٥٢.ص 37

[١]الذاريات: ٤٩.ص 39

[٢]البقرة: ٢٦٨.ص 39

[١]الحجر: ٤٢.ص 41

[٢]الجاثية: ٢٣.ص 41

[٣]الأعراف: ٢٠١.ص 41

[١]المجادلة: ١٩.ص 42

[٢]الأعراف: ١٦ و 17.ص 42

[١]يعنى لهجها وولعها بالنهش.ص 43

[٢]فاطر: ٦.ص 43

[٣]يس: ٦٠.ص 43

[١]القاموس ج ٤ ص ٢٥٤.ص 44

[٢]ق: ١٧.ص 44

[٣]التحريم: ٤.ص 44

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 67, Page 33

View original source