تفسير : قال الطبرسي رحمه الله : « هل ينظرون » أي ما ينتظر هؤلاء الكفار « إلا أن تأتيهم الملائكة » لقبض أرواحهم ، وقيل : لانزال العذاب والخسف بهم ، وقيل : لعذاب القبر « أو يأتي ربك » أي أمر ربك بالعذاب فحذف المضاف ، أو يأتي ربك بجلائل آياته فيكون حذف الجار فوصل الفصل ثم حذف المفعول لدلالة الكلام عليه لقيام الدليل في العقل عليه ، أو المعنى : أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو آجل بالقيامة كما يقال : قد أتاهم فلان أي قد أوقع بهم « أو يأتي بعض آيات ربك » وذلك نحو خروج الدابة أو طلوع الشمس من مغربها. وروي عن النبي 9 أنه قال :
Show clickable narrator chain
بادروا بالاعمال ستا : طلوع الشمس من اى مدكوكا ، مستويا ، مبسوطا. مغربها ، والدابة ، والدجال ، والدخان ، وخريصة أحدكم ـ أي موته ـ وأمر العامة يعني القيامة « يوم يأتي بعض آيات ربك » الذي يضطرهم إلى المعرفة ويزول التكليف عندها « لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل » لانه ينسد باب التوبة بظهور آيات القيامة. « أو كسبت في إيمانها خيرا » عطف على قوله : آمنت ، وفيه أقوال : أحدها : أنه إنما قال ذلك على جهة التغليب لان أكثر من ينتفع بإيمانه حينئذ من كسب في إيمانه خيرا. وثانيها : أنه لا ينفع أحدا فعل الايمان ولا فعل خير في تلك الحال لانه حال زوال التكليف ، فالمعنى أنه لا ينفعه إيمانه حينئذ وإن كسب في إيمانه خيرا. وثالثها : أنه للابهام في أحد الامرين ، والمعني : أنه لا ينفع في ذلك اليوم إيمان نفس إذا لم تكن آمنت قبل ذلك اليوم أو ضمت إلى إيمانها أعمال الخير ، فإنها إذا آمنت قبل نفعها إيمانها ، وكذلك إذا ضمت إلى الايمان طاعة نفعتها أيضا وهذا أقوى. وقال رحمه الله في قوله : « إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض » : فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم ويأكلون لحومهم ودوابهم ، وقيل : كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه ، ولا يابسا إلا احتملوه ، عن الكلبي. وقيل : إنهم أرادوا سيفسدون في المستقبل عند خروجهم ، وورد في الخبر عن حذيفة قال : سألت رسول الله 9 عن يأجوج ومأجوج ، قال : يأجوج امة ، و مأجوج امة ، كل امة أربعمائة امة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح ، قلت : يارسول الله صفهم لنا ، قال : هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الارز ، [١] قلت : يارسول الله وما الارز؟ قال شجر بالشام طويل ، وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد ، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى اذنيه ويلتحف بالاخرى ، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل [١] ولا خنزير إلا أكلوه ، من مات منهم أكلوه ، مقدمتهم بالشام ، وساقتهم [١] بخراسان ، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. قال وهب ومقاتل : إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك ، وقال السدي : الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجة ، وقال قتادة : إن ذا القرنين بنى السد على أحد وعشرين قبيلة ، وبقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك. وقال كعب : هم نادرة من ولد آدم ، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الاب دون الام وهذا بعيد. فما اسطاعوا أن يظهروه « أي يعلوه ويصعدوه » وما استطاعوا له نقبا « أي لم يستطيعوا أن ينقبوا أسفله لكثافة وصلابته ، فنفى بذلك كل عيب يكون في السد ، وقيل : إن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط ، وقيل : إنه وراء دربند وخزران من ناحية أرمينية وآذربيجان ، وقيل : إن مقدار ارتفاع السد مائتا ذراع ، وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعا. قال ذوالقرنين : « هذا رحمة من ربي » أي هذا السد نعمة من الله لعباده أنعم بها عليهم في دفع شر يأجوج ومأجوج عنهم « فإذا جاء وعد ربي » يعني إذا جاء وقت أشراط الساعة ووقت خروجهم الذي قدره الله تعالى « جعله دكاء » أي جعل السد مستويا مع الارض مدكوكا أو ذا دك ، وإنما يكون ذلك بعد قتل عيسى بن مريم الدجال عن ابن مسعود ، وجاء في الحديث أنهم يدأبون في حفره نهارهم حتى إذا أمسوا وكادوا لا يبصرون شعاع الشمس قالوا : نرجع غدا ونفتحه ولايستثنون فيعودون من الغد وقد استوى كما كان حتى إذا جاء وعد الله قالوا : غدا نخرج ونفتح إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئة حين تركوه بالامس فيخرقونه فيخرجون على الناس فينشفون [١]في نسخة : مؤخرتهم. المياه ، وتتحصن الناس في حصونهم منهم ، فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع وفيها كهيئة الدماء فيقولون : قد قهرنا أهل الارض وعلونا أهل السماء فيبعث الله نغفا [١] في أقفائهم فتدخل في آذانهم فيهلكون بها ، فقال النبي 9 : والذي نفس محمد بيده إن دواب الارض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا ، وفي تفسير الكلبي : إن الخضر واليسع يجتمعان كل ليلة على ذلك السد يحجبان يأجوج ومأجوج عن الخروج. « وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض » أي وتركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم ويكون حالهم كحال الماء الذي يتموج باضطراب أمواجه ، وقيل : إنه أراد سائر الخلق الجن والانس أي تركنا الناس يوم خروج يأجوج ومأجوج يختلط بعضهم ببعض لان ذلك علم للساعة. وقال رحمه الله في قوله تعالى : « حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج » أي فتحت جهتهم ، والمعنى انفرج سدهم بسقوط أو هدم أوكسر وذلك من أشراط الساعة « وهم من كل حدب ينسلون » أي من كل نشز من الارض يسرعون ، يعني أنهم يتفرقون في الارض فلا ترى أكمة إلا وقوم منهم يهبطون منها مسرعين « واقترب الوعد الحق » أي الموعود الصدق وهو قيام الساعة ، فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا أي لا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله ، « يقولون ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا » أي اشتغلنا بامور الدنيا ، وغفلنا من هذا اليوم فلم نتفكر فيه ، بل كنا ظالمين بأن عصينا الله تعالى وعبدنا غيره. وقال في قوله تعالى : « وإذا وقع القول عليهم » أي وجب العذاب والوعيد عليهم ، وقيل : معناه : إذا صاروا بحيث لا يفلح أحد منهم ولا أحد بسببهم. وقيل : إذا غضب الله عليهم ، وقيل : إذا نزل العذاب بهم عند اقتراب الساعة فسمي المقول قولا « أخرجنا لهم [١]النغفة : دود يكون في انوف الابل والغنم. دابة من الارض » تخرج بين الصفا والمروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن ، والكافر بأنه كافر وعند ذلك يرتفع التكليف ولا تقبل التوبه ، وهو علم من أعلام الساعة وقيل : لا يبقى مؤمن إلا مسحته ، ولا يبقى منافق إلا حطمته ، تخرج ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى ، عن ابن عمر ، وروى محمد بن كعب قال : سئل على 7 عن الدابة فقال : أما والله مالها ذنب وإن لها للحية ، وفي هذا إشارة إلى أنها من الانس. وروى ابن عباس أنها دابة من دواب الارض لها زغب [١] وريش ولها أربع قوائم. وعن حذيفة ، عن النبي 9 قال : دابة الارض طولها ستون ذراعا ، لا يدركها طالب ، ولا يفوتها هارب ، فتسم المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه : مؤمن ، وتسم الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه : كافر ، ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى يقال : يامؤمن ، وياكافر. وروي عن النبي 9 أنه تكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر : فتخرج خروجا بأقصى المدينة فيفشو ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ، ثم تمكث زمانا طويلا ، ثم تخرج خرجة اخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة ، ثم صار الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عزوجل يعني المسجد الحرام لم ترعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو كذا ما بين الركن الاسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فيرفض الناس عنها ، وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله ، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الارض لا يدركها طالب ، ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل يقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول : يافلان الآن تصلي؟ فيقبل عليها بوجه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الاموال ، يعرف المؤمن من الكافر فيقال للمؤمن : يامؤمن ، وللكافر : ياكافر. وروي عن وهب أنه قال : وجهها وجه رجل ، وسائر خلقها خلق الطير. ومثل هذا لا يعرف إلا من النبوات الالهية. [١]الزغب : أول ما يبدو من الشعر او الريش. وقوله : « تكلمهم » أي تكلمهم بما يسوؤهم ، وهو أنهم يصيرون إلى النار بلسان يفهمونه ، وقيل : تحدثهم بأن هذا مؤمن وهذا كافر ، وقيل : تكلمهم بأن تقول لهم : بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، وهو الظاهر ، وقيل : « بآياتنا » معناه بكلامها وخروجها. وقال في قوله تعالى : « وإنه لعلم للساعة » يعني أن نزول عيسى 7 من أشراط الساعة يعلم به قربها « فلا تمترن بها » أي بالساعة لا تكذبوا بها ولا تشكوا فيها ، وقال ابن جريح أخبرني أبوالزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول : سمعت النبي (ص) يقول : كيف أنتم إذا نزل [١] عيسى بن مريم فيقول أميرهم : تعال صل بنا فيقول : لا؟ إن بعضكم على بعض امراء تكرمة من الله لهذه الامة. أورده مسلم في الصحيح. وفي حديث آخر : كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم؟ وقيل : إن الهاء يعود إلى القرآن ومعناه : إن القرآن لدلالته على قيام الساعة والبعث يعلم به ، وقيل : معناه : إن القرآن لدليل الساعة ، لانه آخر الكتب انزل على آخر الانبياء. وقال في قوله : « يوم تأتي السماء بدخان مبين » : وذلك أن رسول الله (ص) دعا على قومه لما كذبوه فأجدبت الارض فأصابت قريشا المجاعة وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وقيل : إن الدخان آية من أشراط الساعة تدخل في مسامع الكفار والمنافقين وهو لم يأت بعد ، وإنه يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماعهم ، حتى أن رؤوسهم تكون كالرأس الحنيذ ويصيب كل مؤمن منه مثل الزكمة وتكون الارض كلها كبيت اوقد فيه ليس فيه خصاص ويمكث ذلك أربعين يوما عن ابن عباس وابن عمر والحسن والجبائي. [١]ليست جملة : « كيف أنتم إذا » في المجمع والصحيح المطبوعين ، والموجود في الاول هكذا : سمعت النبى 9 يقول : ينزل عيسى إه. وفى الثانى هكذا : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال طائفة من امتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال : فينزل عيسى إه. راجع مجمع البيان ج ٨ ص ٥٤ وصحيح المسلم ج ١ ص ٩٥. « يغشى الناس » يعني أن الدخان يعم جميع الناس ، وعلى القول الاول المراد بالناس أهل مكة ، فقالوا ، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون بمحمد 9 والقرآن قال سبحانه : « أنى لهم الذكرى » أي من أين لهم التذكر والاتعاظ ، وقد جاءهم رسول مبين أي وحالهم أنهم قد جاءهم رسول ظاهر الصدق والدلالة « ثم تولوا عنه » أي أعرضوا عنه ولم يقبلوا قوله وقالوا : « معلم مجنون » ثم قال سبحانه : « إنا كاشفوا العذاب » أي الجوع والدخان « قليلا » أي زمانا يسيرا إلى يوم بدر « إنكم عائدون » في كفركم وتكذيبكم ، أو عائدون إلى العذاب الاكبر وهو عذاب جهنم ، والقليل مدة بين العذابين « يوم نبطش البطشه الكبرى » أي واذكر ذلك اليوم يعني يوم بدر على القول الاول وعلى القول الآخر يوم القيامة ، والبطش : هو الاحذ بشدة « إنا منتقمون » منهم ذلك اليوم. وقال رحمه الله في قوله تعالى : « فهل ينظرون إلا الساعة » : أي فليس ينتظرون إلا القيامة « أن تأتيهم بغتة » أي فجاءة « فقد جاء أشراطها » أي علاماتها « فأنى لهم إذا جائتهم ذكراهم أي » فمن أين لهم الذكرى والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة؟. وقال الرازي في تفسيره : إن موضع السدين في ناحية الشمال ، وقيل : جبلان بين أرمينية وبين آذربيجان ، وقيل : هذا المكان في مقطع عرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب آذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا من ناحية الخزر فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق متسع. وذكر ابن خرداد في كتاب المسالك والممالك أن الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الابواب حتى وصلوا إليه و شاهدوه ، فوصفوا أنه بناء من اللبن من حديد مشدود بالنحاس المذاب ، وعليه باب مقفل ، ثم إن ذلك الانسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند. قال أبوالريحان : مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي في الغربي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم قال : عند الخروج من وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد يأتون البحر فيشربون ماءه ، ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون الشجر ، ويأكلون لحوم الناس ، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ، ثم يبعث الله عليهم حيوانات فتدخل آذانهم فيموتون.
الهوامش · 9⌄
[١]بالفتح ثم السكون.ص 297
[٢]الحديث عامى. وكذا ما يأتى بعد ذلك ضمن التفسير.ص 298
[٣]بل يشبه الاساطير. والاعاجيب التى حكيت فيهم ، لم ترد في الكتاب العزيز ولا في أثر صحيح.ص 298
[٢]أى تمتلئ ضرعها لبنا. وفى مجمع البيان المطبوع : وتسكر من لحومهم سكرا. ولعله مصحف.ص 299
[٣]النشز : المكان المرتفع.ص 299
[٤]أكمة : التل.ص 299
[٢]في المجمع هنا جملة وهي : فقال : اللهم سنين كسنى يوسف.ص 301
[٣]أى المشوى من قولهم : حنذ اللحم : إذا شواه وأنضجه بين حجرين ، فاللحم حنيذ. ويمكن أن يكون من حنذ الفرس أى أجراه ليعرق ، فالفرس محنوذ وحنيذ.ص 301
[٤]الخصاص بفتح الخاء : الفرجة والخلة.ص 301