Show clickable narrator chain
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام: " أيتها العير إنكم لسارقون " فقال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " فقال: والله ما فعلوا وما كذب. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال: قلت: ما عندنا فيها إلا التسليم، قال: فقال: إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الاصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب في غير الاصلاح، إن إبراهيم عليه السلام إنما قال: " بل فعله كبيرهم هذا " إرادة الاصلاح ودلالة على أنهم لا يعقلون، وقال يوسف عليه السلام: إرادة الاصلاح . وأما ضمير الجمع في قوله " والله ما فعلوا " فراجع إلى الكبير، باعتبار إرادة الجنس الشامل للتعدد ولو فرضا، أو إلى الأصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه، وقيل: إنما أتى بالجمع لمناسبة ما سرقوا أو مبنى على أن الفعل الصادر عن أحد من الجماعة قد ينسب إلى الجميع نحو قوله تعالى: " فنادته الملائكة " بناء على أن المنادي جبرئيل فقط، وقيل: ويمكن أن يكون إرجاع ضمير " فاسألوهم " أيضا من هذا القبيل إذ لو كان المقصود نطق كل واحد في الزمان المستقبل، تكون زيادة " كانوا " في المضارع لغوا، وإن كان العرض النطق في الزمان الماضي لا يترتب عليه صحة السؤال، إذ لا يلزم من جواز نطقهم قبل الكسر جواز ذلك بعده. " أحب الخطر في ما بين الصفين " في النهاية يقال خطر البعير بذنبه يخطر إذا رفعه وحطه إنما يفعل ذلك عند الشبع والسمن ومنه حديث مرحب فخرج يخطر بسيفه يهزه معجبا بنفسه متعرضا للمبارزة، أو أنه كان يخطر في مشيته أي يتمايل ويمشي مشية المعجب، وسيفه في يده أي كان يخطر سيفه معه. " إرادة الاصلاح " لعل المراد إرادة إصلاح حال قومه برجوعهم عن عبادة الأصنام، وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها وعلم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر وعلم أن هذه الأوصاف منتفية منها وعلم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف والضرر من أنفسها علم أنها ليست بمستحقة للألوهية والعبادة، ويكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها ورفض العبادة لها. وللعلماء فيه وجوه أخرى: الأول: أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وإلزام الخصم وتبكيته فلم يكن قصده عليه السلام أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد أن يقرره لنفسه على أسلوب تعريضي مع الاستهزاء والتبكيت كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أنت كتبت؟ فقلت: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الأمي والتعريض مما يجوز عقلا ونقلا لمصلحة جلب نفع أو دفع ضرر أو استهزاء في موضعه ونحوها. الثاني: أنه عليه السلام غاظته الأصنام حين رآها مصطفة مزينة، وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم وتوقيرهم له، فأسند الفعل إليه، لأنه هو السبب في استهانته وكسره لها والفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا. الثالث: أن ذلك حكاية لما يقود إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فان من حق من يعبد ويدعي إليه أن يقدر على أمثال هذه الأفعال لا سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار. الرابع: ما وري عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: " بل فعله " ثم يبتدئ " كبيرهم هذا " أي فعله من فعله وهذا من باب التورية إذ له ظاهر وباطن، وباطنه ما ذكر، وظاهره إسناد الفعل إلى الكبير، وفهمهم تعلق به ومراده عليه السلام هو الباطن. الخامس: ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله: " كبيرهم " ثم يبتدئ بقول: " هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وأراد بالكبير نفسه، لان الانسان أكبر من كل صنم، وهذا أيضا من باب التورية وقيل: إنه يتم بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة، والمغايرة بين المشير والمشار إليه كاف بحسب الاعتبار. السادس: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين، والغرض منه تسفيه القوم وتقريعهم وتوبيخهم لعبادة من لا يسمع ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر من نفسه بشئ. ويؤيده ما روي في كتاب الاحتجاج أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم: " قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم، قيل: وكيف ذلك فقال: إنما قال: إبراهيم فاسألوهم إن كانوا ينطقون ان نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم . وقال البيضاوي: وما روي أن لإبراهيم عليه السلام ثلاث كذبات تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته. " وقال يوسف عليه السلام إرادة الاصلاح " كأن المراد الاصلاح بينه وبين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده، وإلزامهم ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة ولم يتيسر له ذلك إلا بأمرين: أحدهما نسبة السرقة وثانيهما التمسك بحكم آل يعقوب في السارق، وهو استرقاق السارق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ما سرق، فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك، فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه وأن ينسبوا السرقة إليه وأن يستفتوا في جزاء السارق منهم " فقالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير. فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه، فأخذوا برقبته، وحكموا برقيته، ولم يبق لاخوته محل منازعة في حبسه، إلا أن قالوا على سبيل التضرع والالتماس: " فخذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين " فردهم بقوله: " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون " قيل: أراد أنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم لان استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم، أو أراد أن الله أمرني وأوحى إلى أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي، وللعلماء أيضا وجوه أخرى: الأول أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه. الثاني: أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه، يدل عليه ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في تفسير هذه الآية: إنهم سرقوا يوسف من أبيه الا ترى أنهم حين قالوا: ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم صاع الملك . الثالث: لعل المراد من قولهم: إنكم لسارقون الاستفهام كما في قوله حكاية عن إبراهيم: " هذا ربي " وإن كان ظاهره الخبر وأيد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود " أإنكم " بالهمزتين. وقال بعض الأفاضل: حاصل الجواب أن لكل من الصدق والكذب معنيين أحدهما لغوي والاخر عرفي، فالأول هو الموافق للواقع، والمخالف للواقع والثاني الموافق للحق، والمخالف للحق، والمراد بالحق رضا الله تعالى فكما يمكن أن لا يكون الصادق اللغوي، صادقا عرفيا كما قال تعالى: " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " فكذلك يمكن أن لا يكون الكاذب اللغوي كاذبا عرفيا كما ذكره عليه السلام في هذا الخبر.
الهوامش9
[٢]يوسف: ٧٠.ص 237
[٣]الأنبياء: ٦٣.ص 237
[١]الكافي ج ٢ ص ٣٤١.ص 238
[٢]آل عمران: ٣٩.ص 238
[1]الاحتجاج ص 194.ص 240
[١]يوسف: ٧٨.ص 241
[٢]علل الشرائع ج ١ ص ٤٩.ص 241
[٣]الأنعام: ٧٦.ص 241
[١]النور: ١٣.ص 242