Show clickable narrator chain
قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: وكان فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبق ما جمعوا، ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا، فأوف عملك، واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر، فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها، وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر، أخربها ولا تعمرها، فإنك لم تؤمر بعمارتها. واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك مما اكتسبته، وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فان قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك، واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد . " فكان حتفها " اي هلاكها المعنوي فان التمتع بالمستلذات الجسمانية موجبة لقوة القوى الشهوانية وطغيانها، وهذا استعاره تمثيلية، شبه توسع الانسان في لذات الدنيا وشهواتها، وعدم مبالاته بحرامها وشبهاتها، وابتلائه بعد الموت بعقوباتها، بشاة وقعت في زرع اخضر فأكلت منها حيث شاءت وكيف شاءت بلا مانع، حتى إذا سمنت قتلها صاحبها لسمنها. " آخر الدهر " اي إلى آخر الزمان اي أبدا " أخربها " اي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن والاقتصار على القدر الضروري في كل منها " ستسأل " قيل: السين لمحض التأكيد " فيما أبليته " كلمة ما في المواضع الأربعة استفهامية، وإثبات الألف مع حرف الجر فيها شاذ، والثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس. ثم إن العمر لا يستلزم القوة والشباب فكل منهما نعمة يسأل عنها، ومع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما. وأما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب إلى أهل مصر: من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا والآخرة، وكفاه المهم فيهما وقد قال الله " يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال الله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " والحسنى هي الجنة، والزيادة هي الدنيا . وروى البرقي في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه وقد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى: " ولتسئلن يومئذ عن النعيم " أن النعيم ولاية أهل البيت عليهم السلام وقد روى العياشي وغيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام، والماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه، قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر . ويمكن أن يقال: السؤال عن مال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال أو حرام لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال، من مأكلهم ومسكنهم وملبسهم، ونحو ذلك، أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك، ولا يقاص من حسناتهم بها، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يوقف العبد بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله، فتستغرق النعم العمل، فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول هبوا له نعمي وقيسوا بين الخير والشر منه، فان استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، وأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه فضل وهو من أهل التقوى لم يشرك بالله تعالى واتقى الشرك به، فهو من أهل المغفرة، يغفر الله له برحمته إن شاء ويتفضل عليه بعفوه . وقال الجوهري: تأهب استعد واهبة الحرب عدتها، وقال: الأسى بالياء مفتوح مقصور: الحزن وأسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى اي حزن " لا يدوم بقاؤه " والعاقل لا يتأسف بفوت قليل لابقاء له " لا يؤمن بلاؤه " أي في الدنيا والآخرة والعاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر والبلية، مع أن الرب الذي فوتهما عليه أعلم بمصلحته أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا وقلته سهل، فإنه لا يدوم، وينقضي قريبا بالموت والكثرة محل الآفات. " فخذ حذرك " بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس والشيطان في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال الراغب في قوله تعالى: " خذوا حذركم " اي ما فيه الحذر من السلاح وغيره " وجد في أمرك " أي في تهيئة سفر الآخرة، والاستعداد للقاء الله، من العقايد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق المرضية، فان من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق، ويجهز ويهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر. " واكشف الغطاء عن وجهك " أي أرفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك، لتميز بين الحق والباطل، والفاني والباقي، أو عن الجهة التي تتوجه إليه والطريق الذي تسلكه، لئلا يشتبه عليك، فتسلك طريقا يؤديك إلى النار وأنت لا تعلم " وتعرض لمعروف ربك " بما به يستحق إحسانه وتفضله عليك، من صالح النيات والأعمال " وجدد التوبة في قلبك " اي كلما ذكرت معاصيك، وفي النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي وهي الندامة على ما مضى، والعزم على عدم الاتيان بمثله فيما سيأتي، وفيه دلالة على حسن تكرار التوبة، وإن كانت عن معصية واحدة، " واكمش " أي أسرع وعجل، في الصحاح الكمش الرجل السريع الماضي، وقد كمش بالضم كماشة فهو كمش وكميش وكمشته تكميشا أعجلته، وانكمش وتكمش أسرع انتهى. " في فراغك " أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا، وجعلك نفسك فارغة منها للآخرة، أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلى بشئ يمنعك عنه، فان الفراغ خلاف الشغل قال في المصباح: فرغ من الشغل فروغا من باب قعد ومن باب تعب لغة لبني تميم، والاسم الفراغ، وفرغت للشئ وإليه قصدت.
الهوامش10
[١]الكافي ج ٢ ص ١٣٤.ص 69
[١]الزمر. ١٠.ص 70
[٢]يونس: ٢٦.ص 70
[٣]راجع أمالي الطوسي ج ١ ص ٢٥.ص 70
[٤]راجع المحاسن ص ٣٩٩.ص 70
[٥]التكاثر: ٨.ص 70
[6]راجع ج 24 ص 48 - 66 من هذه الطبعة الحديثة.ص 70
[1]تراه في مجمع البيان ج 10 ص 534 و 535 في حديث طويل، ويوجد في دعوات الراوندي أيضا.ص 71
[2]أمالي الطوسي ص 132، من طبعته الحجرية.ص 71
[١]النساء: ٧١، 102.ص 72