Usul16

Hadith record

bihar-30932

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

37 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن نبي الله هل كان يقول على الله شيئا قط أو ينطق عن الهوى أو يتكلف؟ فقال:

bihar-30932
من كتاب عيون الحكم والمواعظ: لعلي بن محمد الواسطي كتبناه من أصل قديم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة، التي قد تزينت بحليها، وفتنت بغرورها، وغرت بآمالها، وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، والعيون إليها ناظرة، والنفوس بها مشغوفة، والقلوب إليها تائقة، وهي لازواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بسوء أثرها على الأول مزدجر، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع. أبت القلوب لها إلا حبا، والنفوس إلا صبا والناس لها طالبان طالب ظفر بها فاغتر فيها، ونسي التزود منها للظعن، فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده وزلت عنها قدمه، وجائته أسر ما كان بها منيته، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته وجلت مصيبته، فاجتمعت عليه سكرات الموت، فغير موصوف ما نزل به. وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته، ففارقها بغرته وأسفه، ولم يدرك ما طلب منها، ولم يظفر بما رجا فيها، فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد، وقدما على غير مهاد. فاحذروا الدنيا الحذر كله، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنتم لو شك زوالها وكونوا أسر ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها، فان طالبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصه عنها مكروه، وكلما اغتبط منها باقبال نغصه عنها إدبار، وكلما ثبتت عليه منها رجلا طوت عنه كشحا، فالسار فيها غار، والنافع فيها ضار، وصل رخاؤها بالبلاء، وجعل بقاؤها إلى الفناء، فرحها مشوب بالحزن، وآخر همومها إلى الوهن. فانظر إليها بعين الزاهد المفارق، ولا تنظر بعين الصاحب الوامق. اعلم يا هذا أنها تشخص الوادع الساكن، وتفجع المغتبط الامن، لا يرجع منها ما تولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيحذر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة صفوها كدر، وابن آدم فيها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما معظمة جائحة وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه العيشة إن عقل، وأخبرته عن نفسها إن وعى. ولو كان خالقها عز وجل لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر بالزهد فيها، والرغبة عنها، لكانت وقايعها وفجايعها قد أنبهت النائم، ووعظت الظالم، وبصرت العالم، وكيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر، وأتت منه فيها البينات والبصاير، فما لها عند الله عز وجل قدر ولا وزن، ولا خلق فيما بلغنا خلقا أبغض إليه منها، ولا نظر إليها مذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك من حظه من الآخرة فأبى أن يقبلها، لعلمه أن الله عز وجل أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، وأن لا يرفع ما وضعه الله جل ثناؤه وأن لا يكثر ما أقله الله عز وجل ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله، إلا أن الله عز وجل صغرها عن أن يجعل خيرها ثوابا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عقابا للعاصين [لكفى] ظ. ومما يدلك على دناءة الدنيا أن الله جل ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبائه نظرا واختيارا، وبسطها لأعدائه فتنة واختبارا، فأكرم عنها محمدا نبيه صلى الله عليه وآله حين عصب على بطنه من الجوع، وحماها موسى نجيه المكلم، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال، وما سأل الله عز وجل يوم أوي إلى الظل إلا طعاما يأكله لما جهده من الجوع ولقد جاءت الرواية أنه قال: أوحى الله إليه: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. وصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام إذ قال: إدامي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلاي، وسراجي بالليل القمر وصلاي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي ما أنبتت الأرض للانعام، أبيت وليس لي شئ، وليس أحد أغنى مني. وسليمان بن داود وما أوتي من الملك إذ كان يأكل خبز الشهير، ويطعم أمه الحنطة، وإذا جنه الليل لبس المسوح، وغل يده إلى عنقه، وبات باكيا حتى يصبح، ويكثر أن يقول: رب إني ظلمت نفسي، فإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فهؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه، تنزهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما أبغض، وصغروا ما صغر، ثم اقتص الصالحون آثارهم وسلكوا منهاجهم، وألطفوا الفكر، وانتفعوا بالعبر، وصبروا في هذا العمر القصير من متاع الغرور الذي يعود إلى الفناء، ويصير إلى الحساب. نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا، ولم ينتظروا إلى أولها، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، وفكروا في مرارة عاقبتها، فلم يستمرئهم حلاوة عاجلها ثم الزموا أنفسهم الصبر، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها، فكل من مر بها أمسك على فيه، فهم يتبلغون بأدنى البلاغ، ولا ينتهون إلى الشبع من النتن، ويتعجبون من الممتلي منها شبعا، والراضي بها نصيبا. إخواني! والله لهي في العاجلة والاجلة - لمن ناصح نفسه في النظر، وأخلص لها الفكر - وأنتن من الجيفة، وأكره من الميتة، غير أن الذي نشأ في دباغ الإهاب لا يجد نتنه، ولا تؤذيه رائحته، ما تؤذي المار به، والجالس عنده، وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه بأن من مات وخلف سلطانا عظيما، سره أنه عاش فيها سوقة خاملا، أو كان فيها معافا سليما سره أنه كان فيها مبتلى ضريرا، فكفى بهذا على عورتها والرغبة عنها دليلا. والله لو أن الدنيا كانت من أراد منها شيئا وجده حيث تنال يده من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب، ولا ظعن ولا دأب، غير أن ما أخذ منها من شئ لزمه حق الله فيه، والشكر عليه، وكان مسؤولا عنه محاسبا به، لكان يحق على العاقل أن لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه، حذرا من السؤال، وخوفا من الحساب وإشفاقا من العجز عن الشكر، فكيف بمن تجشم في طلبها من خضوع رقبته، ووضع خده، وفرط عنائه، والاغتراب عن أحبابه، وعظيم أخطاره، ثم لا يدري ما آخر ذلك؟ الظفر أم الحنيبة؟. إنما الدنيا ثلاثة أيام: يوم مضى بما فيه فليس بعائد، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه، ويوم لا تدري أنت من أهله، ولعلك راحل فيه، أما اليوم الماضي فحكيم مؤدب، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودع، وأما غدا فإنما في يديك منه الأمل، فان يكن أمس سبقك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك، فقد كان طويل الغيبة عنك، وهو سريع الرحلة فترود منه وأحسن وداعه. خذ بالثقة من العمل، وإياك والاغترار بالامل، ولا تدخل عليك اليوم هم غد، يكفي اليوم همه، وغدا داخل عليك بشغله، إنك إن حملت على اليوم هم غد زدت في حزنك وتعبك، وتكلفت أن تجمع في يومك ما يكفيك أياما فعظم الحزن وزاد الشغل، واشتد التعب، وضعف العمل للأمل ولو أخليت قلبك من الأمل لجددت في العمل، والأمل الممثل في اليوم غدا أضرك في وجهين: سوفت به العمل وزدت به في الهم والحزن. أولا ترى أن الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة مضت، وساعة بقيت، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فلست تجد لرخائهما لذة ولا لشدتهما ألما فأنزل الساعة الماضية، والساعة التي أنت فيها منزلة الضيفين نزلا بك، فظعن الراحل عنك بذمه إياك، وحل النازل بك بالتجربة لك، فاحسانك إلى الثاوي يمحو إساءتك إلى الماضي، فأدرك ما أضعت به عتابك مما استقبلت، واحذر أن تجمع عليك شهادتهما فيوبقاك. ولو أن مقبورا من الأموات قيل له: هذه الدنيا أولها إلى آخرها تخلفها لولدك الذي لم يكن لك هم غيره، أو يوم نرده إليك فتعمل فيه لنفسك؟ لاختار يوما يستعتب فيه من سيئ ما أسلف على جميع الدنيا به يورثها ولدا خلفه، فما يمنعك أيها المغتر المضطر المسوف أن تعمل على مهل، قبل حلول الأجل، وما يجعل المقبور أشد تعظيما لما في يديك منك، الا تسعى في تحرير رقبتك، وفكاك رقك ووقاء نفسك من النار التي عليها ملائكة غلاظ شداد. وقال عليه السلام: أوصيكم عباد الله بتقوى الله عز وجل واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله عز وجل في هذه الأيم الخالية، بجليل ما يشقى عليكم به الفوت بعد الموت، وبالرفض لهذه [الدنيا] التاركة لكم، وإن لم تكونوا تحبون تركها والمبلية لكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأموا علما، فكأن قد بلغوه، وكم عسى من المجري إلى الغاية أن يجري حتى يبلغها، فكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، ومن ورائه طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها. فلا تتنافسوا في [عز] الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فان عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال، وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى فناء. أو ليس لكم في آثار الأولين [مزدجر] وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقي منكم لا يبقون؟ قال الله عز وعلا " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " الآية والتي بعدها، وقال عز وجل " كل نفس ذائقة الموت وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " . ألستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: ميت يبلى، وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعائد معود، وآخر بنفسه يجود، وطالب والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى اثر الماضي منا يمضي الباقي، فلله الحمد رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق ومرجع الأمور . وقال عليه السلام: أما بعد فاني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وعمرت بالآمال، وتزينت بالغرور فلا تدوم نعمتها، ولا تفنى فجايعها، غدارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة أكالة غوالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها كما قال الله عز وجل: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا " . مع أن امرءا لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته منها بعد بعبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا أعطته من ضرائها ظهرا، ولم يطله فيها ديمة رخاء، إلا هتنت عليه منها مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت لك متحبرة، أن تمسي لك متنكرة وان جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمر عليه جانب فأوبى، وإن آنس إنسان من غضارتها رغبا، أرهقته من بوائقها تعبا، غرارة غرور ما فيها، فان من عليها، ولم يمس امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في جوف خوف لا خير في شئ من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يوبقه، ومن استكثر منها لم تدم له وزالت عنه. كم واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها صرعته، وذي خدع فيها خدعته وكم من ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة فيها قد ردته خائفا فقيرا وكم من ذي تاج قد أكبته لليدين والفم، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، وملكها مسلوب وعزيزها مغلوب، وضيفها منكوب، وجارها محروم، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي إلهكم الحكم ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان قبلكم؟ كانوا أطول منكم أعمارا، وأبقى منكم آثارا، وأعد منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، وأشد منكم عنودا، تعبدوا للدنيا اي تعبد، وآثروها أي إيثار، ثم ظعنوا عنها بالصغار، وهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية، أو عدت عنهم فيما أهلكتهم به بخطب، بل أوهنتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمناخر، وأعانها عليهم ريب المنون. فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها، وآثرها أو أخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق أبد أو إلى آخر زوال، هل زودتهم إلا السغب؟ أو أحلتهم إلا إلى الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة؟ أو أعقبتهم إلا النار؟ ألهذه تؤثرون؟ أم عليها تربصون؟ أم إليها تطمئنون، يقول الله عز وجل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " . فبئست الدار لمن لم يتهمها، ولم يكن فيها على وجل منها، اذكروا عند تصرفها بكم سرعة انقضائها عنكم، ووشك زوالها، وضعف مجالها، ألم تجدكم على مثال من كان قبلكم، ووجدت من كان قبلكم على مثال من كان قبلهم، جيل بعد جيل، وأمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، وخلف بعد خلف، فلا هي تستحي من العار، وما لا ينبغي من المبديات، ولا تخجل من الغدر. اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد وإنما هي كما نعت الله عز وجل " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " . فاتعظوا فيها بالذين كانوا يبنون، بكل ريع آية يعبثون * ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، وبالذين قالوا: " من أشد منا قوة " واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، وأنزلوا لا يدعون ضيفانا وجعل لهم من الضريح أجنانا ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا. وهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، ولا يبالون مندبة، ولا يعرفون نسبا ولا حسبا، ولا يشهدون زورا، إن جيدوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا، جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد، ومتدانون لا يتزاورون، ولا يزورون حلماء قد بادت أضغانهم، جهلاء قد ذهبت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وهم كمن لم يكن، وكما قال جل ثناؤه: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " . إن الدنيا وهن مطلبها، رنق مشربها، ردغ مشرعها غرور ماحل وسم قاتل، وسناد مائل، تريق مطرفها، وتردى مستزيدها، وتصرع مستفيدها بانفاد لذتها، وموبقات شهواتها، وأسر نافرها، قنصت بأحبلها، وقصدت بأسهمها مائلا لهناتها، وتعلل بهباتها ليالي عمره، وأيام حياته، قد علقته أوهاق المنية فأردته بمرائرها قائدة له بحتوفها، إلى ضنك المضجع، ووحشة المرجع، ومجاورة الأموات، ومعاينة المحل، وثواب العمل ثم ضرب على أدناهم سبات الدهور، وهم لا يرجعون، قد ارتهنت الرقاب بسالف الاكتساب، و أحصيت الآثار لفصل الخطاب وقد خاب من حمل ظلما. وقال عليه السلام في ذم الدنيا في خطبة خطبها: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق ودين الهدى ليزيح به علتكم، وليوقظ به غفلتكم، واعلموا أنكم ميتون، ومبعوثون من بعد الموت، وموقوفون على أعمالكم، ومجزون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دار بالبلاء محفوفة، وبالعناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال، لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور، إذ هم منها في بلاء وغرور أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها، وكل حتفه فيها مقدور، وحظه منها موفور. واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم باعا، وأشد منكم بطشا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تغلبها، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والستور والنمارق الممهدة، الصخور والأحجار المسندة، في القبور التي قد بني للخراب فناؤها، فمحلها مقترب وهي طاقة الحبل أو الحبل الشديد الفتل وقيل: الحبل الدقيق الطويل. وساكنها [مغترب] بين أهل عمارة موحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار. وكيف يكون بينهم تواصل؟ وقد طحنهم بكلكه البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى، والوحدة في المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل، فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والاسرار، هنالك تجزى كل نفس بما كسبت. إن الله عز وجل يقول: " ليجزي الذين آمنوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " وقال: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " [1]. جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد. وقال عليه السلام: أنظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها، فإنها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الامن، لا يرجع ما تولى عنها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها. رحم الله عبدا تفكر واعتبر، فأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر وكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل، وكل ما هو آت قريب، ألا وإن الدنيا لا يسلم منها إلا فيها، ولا ينجى بشئ كان لها، ابتلى الناس بها فتنة، فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه، وأقاموا فيه، وإنها لذوي العقول كفئ الظل، بينا تراه سابغا حتى قلص، وزائدا حتى نقص.

الهوامش23

[6]أي تزينت وتطاولت وتعرضت.ص 108

[1]الصب: الشوق في رقة وحرارة كالصبابة.ص 109

[2]المعظمة: النازلة الشديدة، والجائحة: المهلكة.ص 109

[1]استمرء الطعام: استطيبه وعده ووجده مريئا.ص 111

[١]الأنبياء: ٩٥.ص 113

[2]آل عمران. 185.ص 113

[3]روى هذا الأخير في النهج مع اختلاف تحت الرقم 93 من قسم الخطب.ص 113

[١]الكهف: ٤٥.ص 114

[2]الطل: المطر الخفيف الضعيف، وقيل الندى، وقيل فوقه، وكأنه بمعنى الإدامة والاشراف، فان الديمة أيضا هو المطر إذا نزل بلا رعد وبرق مع سكون، وهتنت أي انصبت وجرت، والمزنة: القطعة من المزن، أو هي المطرة نفسها.ص 114

[3]المتحبرة: المتزينة المتعرضة بحسنها، وفي بعض النسخ نقلا عن كتاب مطالب السؤل " متنصرة " راجع ج 78 ص 15 من هذه الطبعة.ص 114

[4]خوافى خوف ظ.ص 114

[١]هود: ١٥ و ١٦.ص 115

[٢]الحديد: ٢٠.ص 115

[١]إشارة إلى قوم عاد كما في سورة الشعراء: ١٢٨.ص 116

[٢]إشارة إلى قوم عاد أيضا كما في سورة السجدة: ١٥.ص 116

[٣]يعني أنهم وان حملوا على أكتاف الناس ويمشون لا بأنفسهم، معذلك لا يقال إنهم ركبان، وانهم وان أنزلوا في الجدث مع التكريم والاحترام معذلك لا يقال: إنهم ضيفان أنزلوا بالتكريم والحبور.ص 116

[٤]الاجنان جمع جنن، وهو الجدث والقبر وفي نسخة مطالب السؤل ص ٥٨ وهكذا تحف العقول ص ١٧٨ " اكنانا " بدل اجنان واكنان جمع كن: المختفى والستر، وقد يقال للبيت: الكن.ص 116

[٥]من الجود: وهو المطر.ص 116

[٦]القصص: ٥٨.ص 116

[7]الرنق: الكدر، والردغ: كثير الطين والوحل.ص 116

[8]الماحل: الساعي في الفتنة والكائد إلى السلاطين بالسعاية.ص 116

[1]الاوهاق: جمع وهق، وهو حبال الموت أو هو بالدال المهملة، وهو خشبتان يغمز بهما ساق المجرمين، يقال: عنقه في وهق ورجله في دهق. والمرائر جمع مريرة:ص 117

[١]النجم: ٣١.ص 118

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 70, Page 108

View original source