تفسير : قال الطبرسي ; : « يسئلونك عن الساعة » أي الساعة التي يموت فيها الخلق ، أو القيامة ، وهو قول أكثر المفسرين ، أو وقت فناء الخلق « أيان مرسيها » أي متى وقوعها وكونها؟ وقيل : منتهاها عن ابن عباس ، وقيل : قيامها « قل إنما علمها عند ربي » أي إنما وقت قيامها ومجيئها عند الله تعالى لم يطلع عليه أحدا من خلقه ، وإنما لم يخبر سبحانه بوقته ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة و أزجر من المعصية « لا يجليها لوقتها إلا هو » أي لا يظهرها ولا يكشف عن علمها إلا هو ، ولا يعلم أحد سواه متى تكون قبل كونها ، وقيل : معناه : لا يأتي بها إلا هو « ثقلت في [١]قال الرضى قدس الله روحه في كتابه مجازات القرآن « ص ٢٤٩ » ذكر التغابن ههنا مجاز والمراد به ـ والله اعلم ـ تشبيه المؤمنين والكافرين بالمتعاقدين والمتبايعين ، فكأن المؤمنين ابتاعوا دار الثواب ، وكأن الكافرين اعتاضوا منها دار العقاب فتفاوتوا في الصفقة وتغابنوا في البيعة فكان الربح مع المؤمنين والخسران مع الكافرين ، ويشبه ذلك قوله تعالى : « هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله » الاية. السموات والارض » فيه وجوه : أحدها : ثقل علمها على أهل السماوات والارض ، لان من خفي عليه علم شئ كان ثقيلا عليه. وثانيها : أن معناه : عظمت على أهل السماوات والارض صفتها ، لما يكون فيها من انتثار النجوم وتسيير الجبال وغير ذلك[١] وثالثها : ثقل وقوعها على أهل السماوات والارض ، لعظمها وشدتها. ورابعها : أن المراد نفس السماوات والارض لا تطيق حملها لشدتها أي لو كانت أحياءا لثقلت عليها تلك الاحوال « لا تأتيكم إلا بغتة » أي فجأة ، لتكون أعظم وأهول « يسئلونك كأنك حفي عنها » أي يسألونك عنها كأنك حفي بها أي عالم بها ، قد أكثرت المسألة عنها ، وأصله من أحفيت في السؤال عن الشئ حتى علمته. وقيل : تقديره : يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي بار بهم ، فرح بسؤالهم ، وقيل : معناه : كأنك معني بالسؤال عنها فسألت عنها حتى علمتها ، « قل إنما علمها عند الله » وإنما أعاد هذا القول لانه وصله بقوله : « ولكن أكثر الناس لا يعلمون » وقيل : أراد بالاول علم وقت قيامها ، وبالثاني علم كيفيتها وتفصيل ما فيها. وفي قوله تعالى : « وذلك يوم مشهود » أي يشهده الخلائق كلهم من الجن والانس وأهل السماء وأهل الارض « وما نؤخره إلا لاجل معدود » هو أجل قد أعده الله لعلمه بأن صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الوقت ، فيه إشارة إلى قربه فإن ما يدخل تحت العد فان قد نفد. وقال البيضاوي في قوله تعالى : « وما أمر الساعة » أي أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته « إلا كلمح البصر » إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها « أو هو أقرب » أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن التي يبتدء فيه ، فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن ، و « أو » للتخيير أو بمعنى بل ، وقيل : معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشئ الذي يقولون فيه : هو كلمح البصر أو أقرب ، مبالغة في استقرابه. وفي قوله : « يوم التناد » : أي يوم [١]في المجمع المطبوع : من انتثار النجوم وتكوير الشمس وتسيير الجبال. القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة ، أو يتصايحون بالويل والثبور ، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في الاعراف « يوم تولون » عن الموقف « مدبرين » منصرفين عنه إلى النار ، وقيل : فارين عنها « ما لكم من الله من عاصم » يعصمكم من عذابه. وفي قوله تعالى : « أزفت الآزفة » : [١] دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو قوله : « اقتربت الساعة ليس لها من الله كاشفة » ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله لكنه لا يكشفها ، أو الآن بتأخيرها إلا الله ، أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله ، إذ لا يطلع عليه سواه ، أو ليس لها من غير الله كشف على أنها مصدر كالعافية. وفي قوله تعالى : « اقتربت الساعة وانشق القمر » : روي أن الكفار سألوا رسول الله 9 آية فانشق القمر ، وقيل : سينشق القمر يوم القيامة ، ويؤيد الاول أنه قرئ : وقد انشق القمر أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر. وفي قوله : « يوم يجمعكم ليوم الجمع » : أي لاجل ما فيه من الحساب والجزاء ، والجمع جمع الملائكة والثقلين « ذلك يوم التغابن » يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الاشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس ، مستعار من تغابن التجار. وفي قوله : « الحاقة » أي الساعة أو الحالة التي تحق وقوعها ، أو التي تحق فيها الامور أي تعرف حقيقتها ، أو تقع فيها حواق الامور من الحساب والجزاء على الاسناد المجازي ، وهي مبتدء خبرها : « ما الحاقة » وأصله : ما هي؟ أي أي شئ هي؟ على التعظيم لشأنها والتهويل لها ، فوضع الظاهر موضع المضمر « وما أدريك ما الحاقة » أي أي شئ أعلمك ما هي؟ أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن يبلغها دراية أحد ، « كذبت ثمود وعاد بالقارعة » بالحالة التي تقرع الناس بالافزاع والاجرام بالانفطار والانتشار ، وإنما وضعت موضع ضمير الحاقة زيادة في وصف شدتها. وفي قوله : « إن أدري » : ما أدري « أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا » غاية تطول مدتها. [١]سميت الازفة لقربها مأخوذ من الازف وهو ضيق الوقت. وفي قوله : « فإذا جاءت الطامة » : الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي ، « الكبرى » التي هي أكبر الطامات وهي القيامة ، أو النفخة الثانية ، أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. وفي قوله : « أيان مرسيها » : متى إرساؤها؟ أي إقامتها وإثباتها ، أو منتهاها ومستقرها ، من مرسى السفينة وهو حيث تنتهي إليه وتستقر فيه « فيم أنت من ذكريها » في أي شئ أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ أي ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شئ ، فإن ذكرها لهم لا يزيدهم إلا غيا ، ووقتها مما استأثره الله بعلمه ، و قيل : « فيم » إنكار لسؤالهم و « أنت من ذكريها » مستأنف ، أي أنت ذكر من ذكرها وعلامة من أشراطها ، فإن إرساله خاتما للانبياء أمارة من أماراتها ، وقيل : إنه متصل بسؤالهم والجواب : « إلى ربك منتهيها » أي منتهى علمها « إنما أنت منذر من يخشيها » إنما بعثت لانذار من يخاف هولها ، وهو لا يناسب تعيين الوقت « كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا » أي في الدنيا ، أو في القبور « إلا عشية أو ضحيها » أي عشية يوم أو ضحاه. وقال الطبرسي ; في قوله تعالى : « وشاهد ومشهود » : أقوال : أحدها : أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، عن ابن عباس ، وأبي جعفر ، وأبي عبدالله 8 ، و روي ذلك عن النبي 9 لان الجمعة تشهد على كل عامل بما عمل فيه. وثانيها : أن الشاهد يوم النحر ، والمشهود يوم عرفة. وثالثها : أن الشاهد محمد 9 ، والمشهود يوم القيامة ، وهو المروي عن الحسن بن علي
الهوامش · 2⌄
[٢]في المجمع المطبوع : لعظمها وشدتها ولما فيها من المحاسبة والمجازاةص 56
[٢]القارعة : الداهية. النكبة المهلكة. القيامة لعلها سميت بها لانها تقرع القلوب بأهوالها.ص 57