Show clickable narrator chain
سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " قالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم " الآية فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغير الله ما بهم من نعمة، و " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم، وذهب بأموالهم، وأبدلهم مكان " جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل " ثم قال: " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور " . " في مسكنهم " أي في بلدهم " آية " أي حجة على وحدانية الله سبحانه وكمال قدرته، وعلامة على سبوغ نعمه، ثم فسر سبحانه الآية فقال: " جنتان عن يمين وشمال " اي بستانان عن يمين من آتاهما وشماله، وقيل عن يمين البلد وشماله وقيل إنه لم يرد جنتين اثنتين والمراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم متصلة بعضها ببعض، وكان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي والمكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه، من غير أن تمس بيدها شيئا. وقيل: الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل ودواب ماتت عن ابن زيد، وقيل: إن المراد بالآية خروج الأزهار والثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها وطعومها. وقيل: إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم " كلوا من رزق ربكم واشكروا له " اي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان، واشكروا له يزدكم من نعمه، واستغفروه يغفر لكم. " بلدة طيبة " أي هذه بلدة مخصبة نزهة أرضها عذبة، تخرج النبات وليست بسبخة، وليس فيها شئ من الهوام المؤذية، وقيل: أراد به صحة هوائها، وعذوبة مائها، وسلامة تربتها، وأنه ليس فيها حر يؤذي، في القيظ، ولا برد يؤذي في الشتاء. " ورب غفور " أي كثير المغفرة للذنوب، " فأعرضوا " عن الحق ولم يشكروا الله سبحانه ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه " فأرسلنا عليهم سيل العرم " وذلك أن الماء كان يأتي ارض سبأ من أودية اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين، فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة، فكانوا يسقون زرعهم وبساتينهم فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله، بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم وفاض الماء عليهم، فأغرقهم . والعرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة، أخذ من عرامة الماء، وهو ذهابه كل مذهب، وقيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى وقيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد والخلد بالضم - يطلق على الفارة العمياء، وقيل دابة تحت الأرض يضرب بها المثل في شدة السمع. وقيل: العرم المطر الشديد . وقال ابن الاعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق " وبدلناهم بجنتيهم " اللتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات " جنتين " أخراوين، سماهما جنتين لازدواج الكلام، كما قال تعالى: " ومكروا ومكر الله " " ذواتي أكل خمط واثل " أي صاحبي أكل وهو اسم لثمر كل شجرة وثمر الخمط هو الأراك، وقيل هو شجر الغضا، وقيل: هو شجر له شوك، والأثل الطرفا عن ابن عباس، وقيل: ضرب من الخشب، وقيل: هو السمر " وشئ من سدر قليل " يعني أن الخمط والأثل كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق، قال قتادة: كان شجرهم خير شجر، فصيره الله شر شجرة بسوء أعمالهم. " ذلك " اي ما فعلنا بهم " جزيناهم بما كفروا " اي بكفرهم " وهل نجازي " بهذا الجزاء " إلا الكفور " الذي يكفر نعم الله، وقيل معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لان المؤمن قد كان يكفر عنه بعض سيئاته، وقيل: إن المجازاة من التجازي وهو التقاضي اي لا يقتضى ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر فإنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم. " وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها [قرى ظاهرة " أي وقد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها] بالماء والشجر قرى متواصلة، وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى، حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، ومعنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها " وقدرنا فيها السير " أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم، وقلنا لهم " سيروا فيها " اي في تلك القرى " ليالي وأياما " اي ليلا شئتم المصير أو نهارا " آمنين " من الجوع والعطش والتعب، ومن السباع وكل المخاوف. وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر، كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا وبغوا " فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا " اي اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب إليها الرواحل، ونقطع المنازل، وهذا كما قالت بنوا إسرائيل لما ملوا النعمة: " أخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها " بدلا من المن والسلوى " وظلموا أنفسهم " بارتكاب الكفر والمعاصي " فجعلناهم أحاديث " لمن بعدهم يتحدثون أمرهم وشأنهم، ويضربون بهم المثل، فيقولون: تفرقوا أيادي سبأ إذا تشتتوا أعظم التشتت " ومزقناهم كل ممزق " أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق، " إن في ذلك لايات لكل صبار شكور " على الشدايد شكور على النعماء، وقيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات. ثم نقل عن الكلبي، عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء وكانت قد رأيت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فأقاموا بها وما حولها، فاصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى؟ فدعوا طريفة وشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم: قد أصابني الذي تشتكون، وهو مفرق بيننا. قالوا: فماذا تأمرين؟ قالت: من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر عمان المشيد، فكانت أزد عمان، ثم قالت [من كان منكم ذا جلد وقسر، وصبر على ما أزمات الدهر، فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة، ثم قالت:] من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، وملابس التاج والحرير، فليلحق ببصرى وغوير، وهما من ارض الشام، فكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق، فكان الذين يسكنونها آل جزيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة وآل محرق .
الهوامش10
[١]سبأ: ١٩.ص 335
[٢]الكافي ج ٢ ص ٢٧٤.ص 335
[1]مجمع البيان ج 8 ص 386.ص 336
[2]السكر - بالكسر - اسم من سكر النهر: أي سده، ويطلق على ما سد به النهر وكأن المراد بالسكر هنا الثقب التي كانوا يفتحونها واحدا بعد واحد بقدر الحاجة، وذلك لان الفارة لا تتمكن أن تأتي على السد العظيم الذي بنى بالحجارة والنهر مملوء ماء، وإنما أتت على ما سد به الثقبة السافلة الموازية لسطح النهر، ففار النهر بشدة من ذلك الثقبة وجرى السيل العظيم، حتى خرق الثقبة وخرب السد وأباد القرية بأشجارها وزروعها وعمارتها ونفوسها.ص 336
[١]مجمع البيان ج ٨ ص ٣٨٥.ص 337
[٢]آل عمران: ٥٤.ص 337
[١]ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي طبقا للمصدر.ص 338
[٢]البقرة: ٦١.ص 338
[١]ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمباني.ص 339
[٢]مجمع البيان ج ٨ ص ٣٨٦ و ٣٨٧.ص 339