Show clickable narrator chain
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " وبالوالدين إحسانا " ما هذا الاحسان؟ فقال: الاحسان أن تحسن صحبتهما، و أن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله عز وجل " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: وأما قول الله عز وجل " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك قال " وقل لهما قولا كريما " قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما فذلك منك قول كريم، قال: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " قال لا تمل عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما . " لن تنالوا البر " ظاهر الخبر أن المراد بالبر في الآية بر الوالدين، ويمكن أن يكون المراد أعم منه ويكون إيرادها لشمولها بعمومها له، وعلى التقديرين الاستشهاد إما لأصل البر أو لان إطلاق الآية شامل للانفاق قبل السؤال وحال الغنى لعدم التقييد فيها بالفقر والسؤال، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الأفاضل حيث قال: كأن الاستشهاد بالآية الكريمة أنه على تقدير استغنائهما عنه لا ضرورة داعية إلى قضاء حاجتهما كما أنه لا ضرورة داعية إلى الانفاق من المحبوب، إذ بالانفاق من غير المحبوب أيضا يحصل المطلوب إلا أن ذلك لما كان شاقا على النفس فلا ينال البر إلا به فكذلك لا ينال بر الوالدين إلا بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما قبل أن يسألاه وإن استغنيا عنه فإنه أشق على النفس لاستلزامه التفقد الدائم. ووجه آخر وهو أن سرور الوالدين بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما أكثر منه بقضائها بعد الطلب كما أن سرور المنفق عليه بانفاق المحبوب أكثر منه بانفاق غيره انتهى. وأقول: سيأتي برواية الكليني والعياشي: أن في قراءة أهل البيت عليهم السلام " ما تنفقون " بدون " من " فالاطلاق بل العموم أظهر ويمكن أن يقال على تقدير تعميم البر كما هو المشهور أنه استفيد من الآية أن الرجل لا يبلغ درجة الأبرار إلا إذا أنفق جميع ما يحب ولم يذكر الله المنفق عليهم وقد ثبت أن الوالدين ممن تجب نفقته فلابد من إنفاق كل محبوب عليهم سألوا أم لم يسألوا. قال الطبرسي - ره - البر أصله من السعة ومنه البر خلاف البحر، والفرق بين البر والخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد على ذلك، و الخير يكون خيرا وإن وقع عن سهو، وضد البر العقوق، وضد الخير الشر أي لن تدركوا بر الله لأهل الطاعة. واختلف في البر هنا فقيل هو الجنة عن ابن عباس وغيره، وقيل هو الثواب في الجنة، وقيل هو الطاعة والتقوى، وقيل معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء " حتى تنفقوا مما تحبون " أي حتى تنفقوا المال. وإنما كنى بهذا اللفظ عن المال لان جميع الناس يحبون المال. وقيل معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون رذالها كقوله سبحانه " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " وقيل هو الزكاة الواجبة، وما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس وقيل هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات. وقال بعضهم: دلهم سبحانه بهذه الآية على الفتوة، فقال: لن تنالوا بري بكم إلا ببركم إخوانكم، والانفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي. " وما تنفقوا من شئ فان الله به عليم " فيه وجهان: أحدهما أن تقديره و ما تنفقوا من شئ فان الله يجازيكم به قل أو كثر، لأنه عليم لا يخفى عليه شئ منه والاخر أن تقديره فإنه بعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها. فان قيل: كيف قال سبحانه ذلك والفقير ينال الجنة وإن لم ينفق، قيل: الكلام خرج مخرج الحث على الانفاق، وهو مقيد بالامكان، وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب والأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون انتهى. " قال إن أضجراك " " قال " كلام الراوي وفاعله الامام، أو كلام الامام و فاعله هو الله تعالى، وكذا " قال - و - قل " و " قال إن ضرباك " وما بعدهما يحتملهما وقيل " قال " في " قال إن أضجراك " كلام الراوي وجواب " أما " " إن أضجراك " بتقدير فقال فيه إن أضجراك، إذ لا يجوز حذف الفاء في جواب أما. وقيل: آلاف في الأصل وسخ الأظفار، ثم استعمل فيما يستقذر ثم في الضجر وقيل معناه الاحتقار. وقال الطبرسي - ره - : روي عن الرضا، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليهم السلام قال: لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من " أف " لاتى به، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام قال: أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه فالمعنى لا تؤذهما بقليل ولا كثير. " ولا تنهرهما " أي لا تزجرهما باغلاظ وصياح، وقيل معناه لا تمتنع من شئ أراداه منك كما قال " وأما السائل فلا تنهر " . " وقل لهما قولا كريما ": وخاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل، بعيد عن اللغو والقبيح يكون فيه كرامة لهما " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا، برا بهما وشفقة لهما، والمراد بالذل ههنا اللين والتواضع، دون الهوان من " خفض الطائر جناحه " إذا ضم فرخه إليه فكأنه سبحانه قال: ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير، وإذا وصفت العرب إنسانا بالسهولة وترك الاباء، قالوا: هو خافض الجناح انتهى. وقال البيضاوي " واخفض لهما " أي تذلل لهما وتواضع فيهما، جعل للذل جناحا وأمر بخفضها مبالغة وأراد جناحه كقوله " واخفض جناحك للمؤمنين " وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى: واخفض لهما جناحك الذليل وقرئ الذل بالكسر وهو الانقياد انتهى. والضجر والتضجر التبرم، قوله " لا تمل " الظاهر لا تملأ بالهمز كما في مجمع البيان وتفسير العياشي وأما على نسخ الكتاب فلعله أبدلت الهمزة حرف علة ثم حذفت بالجازم فهو بفتح اللام المخففة. ولعل الاستثناء في قوله الا برحمة منقطع، والمراد بملء العينين حدة النظر والرقة رقة القلب، وعدم رفع الصوت نوع من الأدب كما قال تعالى " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " . و " لا يدك فوق أيديهما " الظاهر أن المراد أن عند التكلم معهما لا ترفع يدك فوق أيديهما كما هو الشائع عند العرب أن عند التكلم يبسطون أيديهم ويحركونها. وقال الوالد قدس الله روحه: المراد أنه إذا أنلتهما شيئا فلا تجعل يدك فوق أيديهما وتضع شيئا في يدهما، بل ابسط يدك حتى يأخذا منها فإنه أقرب إلى الأدب وقيل المعنى لا تأخذ أيديهما إذا أرادا ضربك. " ولا تقدم قدامهما " أي في المشي أو في المجالس أيضا. ثم اعلم أنه لا ريب في أن رعاية تلك الأمور من الآداب الراجحة، لكن الكلام في أنها هل هي واجبة أو مستحبة؟ وعلى الأول هل تركها موجب للعقوق أم لا، بحيث إذا قال لهما أف خرج من العدالة واستحق العقاب فالظاهر أنه بمحض إيقاع هذه الأمور نادرا لا يسمى عاقا ما لم يستمر زمان ترك برهما، ولم يكونا راضيين عنه، لسوء أفعاله وقلة احترامه لهما، بل لا يبعد القول بأن هذه الأمور إذا لم يصر سببا لحزنهما، ولم يكن الباعث عليها قلة اعتنائه بشأنهما، واستخفافهما لم تكن حراما بل هي من الآداب المستحبة، وإذا صارت سبب غيظهما واستمر على ذلك يكون عاقا وإذا رجع قريبا وتداركهما بالاحسان وأرضاهما، لم تكن في حد العقوق ولا تعد من الكبائر. ويؤيده ما رواه الصدوق في الصحيح قال: سأل عمر بن يزيد أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس به، في جميع أموره عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا، والأحوط ترك الجميع وسيأتي الاخبار في ذلك إنشاء الله.
الهوامش13
[٣]البقرة: ٨٣: النساء: 36، الانعام: 151، أسرى: 23.ص 39
[١]آل عمران: ٩٢.ص 40
[٢]أسرى: ٢٣.ص 40
[٣]لا تملأ خ ظ.ص 40
[٤]الكافي ج ٢: ١٥٧.ص 40
[١]مجمع البيان ج ٢: ٤٧٣ و ٤٧٤.ص 41
[٢]البقرة: ٢٦٨.ص 41
[١]مجمع البيان ج ٦ ص ٤٠٩.ص 42
[٢]الضحى: ٩.ص 42
[١]الحجر: ٨٨.ص 43
[٢]الحجرات: ١٠.ص 43
[١]فقيه من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٢٤٨، (ط - النجف - تحت الرقم ٢٤ من باب الجماعة وفضلها.ص 44
[3]القاموس ج 1: 121.ص 44