Show clickable narrator chain
قال الله تبارك وتعالى لعيسى: يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لسانا واحدا، وكذلك قلبك، إني أحذرك نفسك، وكفى بي خبيرا، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد وكذلك أو المعنى أن المقصود الحقيقي والغرض الأصلي للقلب لا يكون إلا واحدا ولا تجتمع فيه محبتان متضادتان، كحب الدنيا والآخرة، وحب الله و حب معاصية والشهوات التي نهى عنها، فمن اعتقد أنه يحب الله تعالى ويتبع الهوى، ويحب الدنيا، فهو كذي اللسانين الجامع بين مؤالفة المتباغضين، فان الدنيا والآخرة كضرتين، وطاعة الله وطاعة الهوى كالمتباغضين، فقلبه منافق ذو لسانين: لسان منه مع الله، والاخر مع ما سواه، فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين. وتحقيقه أن بدن الانسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب بل هو العالم الصغير من جهة والعالم الكبير من جهة أخرى والله سبحانه هو سلطان القلب ومدبره، بل القلب عرشه، وحصنه بالعقل والملائكة، ونوره بالأنوار الملكوتية، واستخدمه القوى الظاهرة والباطنة والجوارح والأعضاء الكثيرة ولهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الامارة، والشياطين الغدارة، وأصناف الشهوات النفسانية، والشبهات الشيطانية، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت، وصفي قلبه بالطاعات والرياضات عن شوك الشكوك والشبهات، وقذارة الميل إلى الشهوات، استولى عليه حبه تعالى ومنعه عن حب غيره، فصارت القوى والمشاعر وجميع الآلات البدنية مطيعة للحق، منقادة له، ولا يأتي شئ منها بما ينافي رضاه، وإذا غلبت عليه الشقوة، وسقط في مهاوي الطبيعة استولى الشيطان على قلبه، وجعله مستقر ملكه ونفرت عنه الملائكة، وأحاطت به الشياطين، وصارت أعماله كلها للدنيا، وإراداته كلها للهوى، فيدعي أنه يعبد الله، وقد نسي الرحمان، وهو يعبد النفس والشيطان. فظهر أنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا، ومتابعة الله ومتابعة الهوي في قلب واحد، وليس للانسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى ويقصده بأعماله، ويحب بالآخرة الدنيا وشهواتها، ويقصدها في أفعاله كما قال سبحانه: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " ومثل سبحانه لذلك باللسان والسيف، فكما لا يكون في فم لسانان، ولا في غمد سيفان، فكذلك لا يكون في صدر قلبان، ويحتمل أن يكون اللسان لما مر في ذي اللسانين. وأما قوله: " فكذلك الأذهان " فالفرق بينها وبين القلب مشكل، ويمكن أن يكون القلب للحب والعزم، والذهن للاعتقاد الجزم، أي لا يجتمع في القلب حب الله وحب ما ينافي حبه سبحانه، من حب الدنيا وغيره، وكذلك لا يجتمع الجزم بوجوده تعالى، وصفاته المقدسة وسائر العقائد الحقة، مع ما ينافيه من العقائد الباطلة والشكوك والشبهات في ذهن واحد كما أشرنا إليه سابقا وقيل: يعني كما أن الظاهر من هذه الأجسام لا يصلح تعددها في محل واحد، كذلك باطن الانسان الذي هو ذهنه وحقيقته لا يصلح أن يكون ذا قولين مختلفين، أو عقيدتين متضادتين، وقيل: الذهن الذكاء والفطنة، ولعل المراد هنا التفكر في الأمور الحقة النافعة، ومباديها وكيفية الوصول إليها، وبالجملة أمره بأن يكون لسانه واحدا، وقلبه واحدا، وذهنه واحدا، ومطلبه واحدا، ولما كان سبب التعدد والاختلاف أمرين: أحدهما تسويل النفس، والاخر الغفلة عن عقوبة الله، عقبه بتحذيرها، وربما يقرأ بالدال المهملة من المداهنة في الدين، كما قال تعالى: " أفبهذا الحديث أنتم مدهنون " وقال: " ودوا لو تدهن فيدهنون " وهذا تصحيف وتحريف مخالف للنسخ المضبوطة. 64. * (باب) * * " (الحقد، والبغضاء، والشحناء) " * * " (والتشاجر، ومعاداة الرجال) " * الآيات الأنفال: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . الحشر: ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا .
الهوامش5
[١]الأحزاب: ٤.ص 208
[١]الواقعة: ٨١.ص 209
[٢]القلم: ٩.ص 209
[٣]الأنفال: ٤٦.ص 209
[٤]الحشر: ١٠.ص 209