تفسير : قال الطبرسي ; في قوله تعالى : « فيقول لهم ماذا اجبتم » : أي ما الذي أجابكم قومكم فيما دعوتموهم إليه؟ وهذا تقرير في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند إظهار فضيحتهم على رؤوس الاشهاد « قالوا لا علم لنا » قيل : فيه أقوال : أحدها أن للقيامة أهوالا حتى تزول القلوب عن مواضعها ، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها شهدوا لمن صدقهم وعلى من كذبهم ، يريد أنهم عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا : لا علم لنا ، وثانيا أن المراد : لا علم لنا كعلمك لانك تعلم غيبهم وباطنهم ولسنا نعلم غيبهم وباطنهم ، وذلك هو الذي يقع عليه الجزاء ، واختاره الجبائي وأنكر القول الاول وقال : كيف يجوز ذهولهم من هول يوم القيامة مع قوله سبحانه : « لا يحزنهم الفزع الاكبر » وقوله : « لا خوف عليهم ولا هم يحزنون »؟ ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الفزع الاكبر دخول النار ، وقوله : « لا خوف عليهم » هو كالبشارة بالنجاة من أهوال ذلك اليوم ، مثل ما يقال للمريض : لا بأس عليك ولا خوف عليك ، وثالثها أن معناه : لا حقيقة لعلمنا إذ كنا نعلم جوابهم وما كان من أفعالهم وقت حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا ، [١] وإنما الثواب والجزاء يستحقان بما تقع به الخاتمة مما يموتون عليه ، ورابعها أن المراد : لا علم لنا إلا ما علمتنا ، فحذف لدلالة الكلام عليه ، وخامسها أن المراد به تحقيق فضيحتهم ، أي أنت أعلم بحالهم منا ، ولا تحتاج في ذلك إلى شهادتنا. وفي قوله تعالى : « فلنسئلن الذين ارسل إليهم ولنسئلن المرسلين » : أقسم الله سبحانه أنه يسأل المكلفين الذين أرسل إليهم رسله ، وأقسم أيضا أنه يسأل المرسلين الذين بعثهم ، فيسأل هؤلاء عن الابلاغ واولئك عن الامتثال ، وهو تعالى وإن كان عالما بما كان منهم فإنما أخرج الكلام مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد بحسن الاستعداد لذلك السؤال ، وقيل : إنه يسأل الامم عن الاجابة ، ويسأل الرسل ماذا عملت اممهم فيما جاؤوا به ، وقيل : إن الامم يسألون سؤال توبيخ ، والانبياء يسألون سؤال شهادة على الحق. وأما فائدة السؤال فأشياء : منها أن تعلم الخلائق أنه سبحانه أرسل الرسل وأزاح العلة ، وأنه لا يظلم أحدا ، ومنها أن يعلموا أن الكفار استحقوا العذاب بأفعالهم ، ومنها أن يزداد سرور أهل الايمان بالثناء الجميل عليهم ، ويزداد غم الكفار بما يظهر من أعمالهم القبيحة ، ومنها أن ذلك لطف للمكلفين إذا اخبروا به. ومما يسأل على هذا أن يقال : كيف يجمع بين قوله تعالى : « ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون » « فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان » وقوله : « فلنسئن الذين ارسل إليهم » « فوربك لنسئلنهم أجمعين »؟ والجواب عنه من وجوه : أحدها أنه سبحانه نفى أن يسألهم سؤال استرشاد و [١]يؤيد ذلك قول عيسى بن مريم لله تعالى : « وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد » المائدة : ١١٧. استعلام وإنما يسألهم سؤال تبكيت وتقريع ، ولذلك قال عقيبه : « يعرف المجرمون بسيماهم » [١] وأما سؤال المرسلين فهو توبيخ للكفار وتقريع لهم ، وثانيها أنهم إنما يسألون يوم القيامة كما قال : « وقفوهم إنهم مسئولون » ثم تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة وعند دخولهم النار ، وثالثها أن في القيامة مواقف ففي بعضها يسأل وفي بعضها لا يسأل فلا تضاد ، وأما الجمع بين قوله :فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقوله : « فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون » فهو أن الاول معناه أنهم لا يتساءلون سؤال استخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك والثاني معناه : يسأل بعضهم بعضا سؤال تلاوم كما قال في موضع آخر : « يتلاومون » وكقوله : « أنحن صددناكم عن الهدى » ومثل ذلك كثير في القرآن. ثم بين سبحانه ما ذكرناه أنه لا يسألهم سؤال استعلام بقوله : « فلنقصن عليهم » أي لنخبرنهم بجميع أفعالهم ليعلموا أن أعمالهم كانت محفوظة ، وليعلم كل منهم جزاء عمله وأنه لا ظلم عليه ، وليظهر لاهل الموقف أحوالهم « بعلم » قيل : معناه : نقص عليهم أعمالهم بأنا عالمون بها ، وقيل : معناه : بمعلوم كما قال : « ولا يحيطون بشئ من علمه » أي من معلومه ، وقال ابن عباس : معنى قوله : « فلنقصن عليهم بعلم » ينطق : عليهم كتاب أعمالهم ، كقوله سبحانه : « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق » . « وما كنا غائبين » عن علم ذلك ، وقيل : عن الرسل فيما بلغوا ، وعن الامم فيما أجابوا ، وذكر ذلك مؤكدا لعلمه بأحوالهم ، والمعنى أنه لا يخفى عليه شئ.
الهوامش · 10⌄
[٢]القصص : ٧٨.ص 278
[٣]الرحمن : ٣٩.ص 278
[٤]الاعراف : ٦.ص 278
[٥]الحجر : ٩٢.ص 278
[٢]الصافات : ٢٤.ص 279
[٣]المؤمنون : ١٠١.ص 279
[٤]الصافات : ٥٠.ص 279
[٥]القلم : ٣٠.ص 279
[٦]السباء : ٣٢.ص 279
[٧]الجاثية : ٢٩.ص 279