رش اليدين إلى المرفق ثم دلكه هكذا: ذاهبا وجائيا، ثم غمصه في الماء ليتحقق الغسل ويذهب بالدرن المانع. ومن دقق النظر، يمكن له أن يتصور أنحاء أخرى غير ما ذكرناه، وهكذا في غسل الوجه وهو ذات أبعاض، ومسح الرأس والقدمين كما سيأتي الكلام فيه. ولكن أحسن الوجوه اللائق بمقام الربوبية وأسهلها من حيث الطبع وأكملها من حيث النظافة والذهاب بالدرن الموافق لطبع الماء المطهر وجريانه، هو الوجه الأول وهو الغسل: الاعلى فالأعلى - سواء كان غسل الوجه أو اليدين أو تمام البدن في الغسل، بأن يرسل الماء في الوضوء إلى أعلى الوجه ويمر يده ماسحا من الأعلى إلى الأسفل حتى يوافق غسله ومسحه طبع الماء من حيث نزوله وميله إلى الأرض فيتوافقان معا، وينفصل الغسالة من الذقن وينزل إلى الأرض، كما هو دأب جميع البشر في غسل الوجه، المسلم وغيره. ثم يرسل الماء إلى أعلى المرفق ويمسح بيده من الأعلى إلى الأسفل موافقا لجريان الماء وطبعه حتى يذهب بالدرن المانع، وينفصل الغسالة من الأصابع، وهذا هو النحو المتعارف المطبوع لكل أحد، سوى أهل السنة من المخالفين، خالفوا فطرتهم المجبولة قسرا لأجل فتوى فقهائهم الجهال حيث توهموا أن " إلى " في الآية تفيد وجوب الابتداء من الأصابع والانتهاء إلى المرافق وليس كذلك، لا عرفا كما بينه المؤلف العلامة قدس سره وهو على محله، ولا لغة كما ستعرفه من كلام ابن هشام. فالاستدلال بها على وجوب الابتداء بالأصابع استدلال واه لاحتمالها كلا الأمرين ونحن إنما عرفنا وجوب الابتداء بالمرفق من فعل أئمتنا عليهم السلام. على أن ابن هشام ذكر في طي ما ذكر من أغلاط المعربين: الحادي عشر قوله تعالى " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " فان المتبادر تعلق إلى باغسلوا وقد رده بعضهم بأن ما قبل الغاية لا بد أن يتكرر قبل الوصول إليها تقول ضربته إلى أن مات، ويمتنع قتلته إلى أن مات، وغسل اليد لا يتكرر قبل الوصول إلى المرفق، لأن اليد شاملة لرؤوس الأنامل والمناكب وما بينهما. قال: والصواب تعلق إلى باسقطوا محذوفا ويستفاد من ذلك دخول المرافق في الغسل، لأن الإسقاط قام الاجماع على أنه ليس من الأنامل بل من المناكب وقد انتهى إلى المرفق، والغالب أن ما بعد إلى يكون غير داخل، بخلاف حتى وإذا لم يدخل في الاسقاط بقي داخلا في المأمور بغسله انتهى . والحمد لله الذي أظهر الحق على لسان أعدائه، ألا ترى كيف اعترف هذا الفاضل الذي هو من أفاخم علماء العربية، وأجلة أفاضل أهل الضلالة، بما يستلزم الحق المبين، والحمد لله رب العالمين. وقد روي عن الصادق عليه السلام أن الآية نزلت هكذا " وأيديكم من المرافق " . والمرافق جمع مرفق بكسر أوله وفتح ثالثه، أو بالعكس، وهو مجمع وقال بعضهم: الأيدي في عرف الشرع اسم للأكف فقط، بدليل آية السرقة، وقد صح الخبر باقتصاره صلى الله عليه وآله في التيمم على مسح الكفين، فكان ذلك تفسيرا للمراد بالأيدي في آية التيمم، قال، وعلى هذا فإلى غاية للغسل، لا للاسقاط، قلت، وهذا ان سلم فلابد من تقدير محذوف أيضا أي: ومدوا الغسل إلى المرافق، إذ لا يكون غسل ما وراء الكف غاية للكف.
الهوامش2
[١]راجع مغنى اللبيب الباب الخامس في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها ص ٥٣٣ ط مصر وزاد بعده:ص 243
[٢]راجع الكافي ج ٣ ص ٢٨ حديث الهيثم بن عروة التميمي عن أبي عبد الله (ع) وسيجئ في طي أخبار الباب روايات أخر.ص 243