Usul16

Hadith record

bihar-37563

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

41 - كتاب الصفين لنصر بن مزاحم: عن عمر بن سعد، عن عبد الله بن عاصم الفايشي قال: مر علي عليه السلام بالثوريين سمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين، قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابرا محتسبا للشهادة، ثم مر بالفايشين فسمع الأصوات فقال: مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي فقال علي عليه السلام أتغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس من دار إلا وفيها بكاء، أما نحن معاشر الرجال فانا لا نبكي، ولكن نفرح لهم بالشهادة، فقال علي عليه السلام: رحم الله قتلاكم وموتاكم.

bihar-37563
الاقبال: للسيد بن طاوس: عن شيخ الطائفة، عن المفيد، وابن الغضائري، عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار. وعن الشيخ، عن أحمد بن محمد بن موسى الأهوازي عن ابن عقدة، عن محمد بن الحسن القطراني، عن حسين بن أيوب الخثعمي، عن صالح بن أبي الأسود، عن عطية بن نجيح بن مطهر الرازي و إسحاق بن عمار الصيرفي قالا
Show clickable narrator chain

معا: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام كتب إلى عبد الله بن الحسن رضي الله عنه حين حمل هو وأهل بيته يعزيه عما صار إليه. بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح، والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه، أما بعد! فلئن كنت قد تفردت أنت وأهل بيتك ممن حمل معك بما أصابكم، ما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني فلقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما أمر الله جل جلاله به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله: " فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " [وحين يقول: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت " ] وحين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله حين مثل بحمزة: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " و صبر صلى الله عليه وآله ولم يعاقب، وحين يقول: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " وحين يقول: " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " وحين يقول " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وحين يقول لقمان لابنه: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " وحين يقول عن موسى " قال موسى لقومه استعيونا بالله واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " [8] وحين يقول " الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " وحين يقول: " ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة " وحين يقول: " ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين " وحين يقول " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين و حين يقول " والصابرين والصابرات " وحين يقول " واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " وأمثال ذلك من القرآن كثير. واعلم أي عم وابن عم إن الله جل جلاله لم يبال بضر الدنيا لوليه ساعة قط، ولا شئ أحب إليه من الضر والجهد والبلاء مع الصبر، وإنه تبارك و تعالى لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط، ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنون، عالون ظاهرون قاهرون. ولولا ذلك لما قتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلما وعدوانا في بغي من البغايا، ولولا ذلك ما قتل جدك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لما قام بأمر الله عز وجل ظلما، وعمك الحسين بن فاطمة صلوات الله عليهما اضطهادا وعدوانا. ولولا ذلك ما قال الله جل وعز في كتابه " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " ولولا ذلك لما قال في كتابه " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " . ولولا ذلك لما جاء في الحديث: لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة من حديد لا يصدع رأسه أبدا، ولولا ذلك لما جاء في الحديث أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولولا ذلك ما سقا كافرا منها شربة من ماء، ولولا ذلك لما جاء في الحديث " لو أن مؤمنا على قلة جبل لابتعث الله له كافرا أو منافقا يؤذيه ". ولولا ذلك لما جاء في الحديث أنه إذا أحب الله قوما أو أحب عبدا صب عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم، ولولا ذلك لما جاء في الحديث ما من جرعتين أحب إلى الله عز وجل أن يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا من جرعة غيظ كظم عليها وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب. ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله يدعون على من ظلمهم بطول العمر وصحة البدن، وكثرة المال والولد، ولولا ذلك ما بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا خص رجلا بالترحم عليه والاستغفار استشهد. فعليكم يا عم وابن عم وبني عمومتي وإخوتي بالصبر والرضا والتسليم والتفويض إلى الله جل وعز، والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، والنزول عند أمره. أفرغ الله علينا وعليكم الصبر وختم لنا ولكم بالاجر والسعادة وأنقذكم وإيانا من كل هلكة بحوله وقوته، إنه سميع قريب، وصلى الله على صفوته من خلقه، محمد النبي وأهله بيته . مسكن الفؤاد: بالسند الأول من السندين مثله. 19. * {باب آخر} * * {في ذكر صبر الصابرين والصابرات} * 1 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني رفع الله درجته قال: أسند أبو العباس ابن مسروق عن الأوزاعي قال: حدثنا بعض الحكماء قال: خرجت وأنا أريد الرباط حتى إذا كنت بعريش مصر، إذا أنا بمظلة وفيها رجل قد ذهبت عيناه، و سترسلت يداه ورجلاه، وهو يقول: " لك الحمد سيدي ومولاي، اللهم إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك كفضلك على سائر خلقك، إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا " فقلت: والله لأسألنه أعلمه أو ألهمه إلهاما. فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام فقلت له: رحمك الله إني أسئلك عن شئ أتخبرني به أم لا؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، فقلت: رحمك الله على أي فضيلة من فضائله تشكره؟ فقال أوليس ترى ما قد صنع بي فقلت: بلى، فقال: والله لو أن الله تبارك وتعالى صب علي نارا تحرقني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت فيه سبحانه إلا حبا، ولا ازددت له إلا شكرا وإن لي إليك حاجة تقضيها لي؟ فقلت نعم، قل ما تشاء، فقال بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، فانظر هل تجده لي؟ قال: فقلت في نفسي إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عز وجل. فقمت وخرجت في طلبه حتى إذا صرت بين كثبان الرمال إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله، فقلت: " إنا لله وإنا إليه راجعون كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ابنه، قال: فأتيته وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: يرحمك الله إن سألتك عن شئ تخبرني به؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، قال قلت إنك أكرم على الله عز وجل وأقرب منزلة أو نبي الله أيوب صلوات الله وسلامه عليه؟ فقال: بل أيوب أكرم على الله تعالى مني وأعظم عند الله منزلة مني، فقلت إنه ابتلاه الله تعالى فصبر حتى استوحش منه من كان يأنس به، و كان غرضا لمرار الطريق واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به وسألتني أن أطلبه لك افترسه السبع، فأعظم الله أجرك فيه. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا، ثم شهق شهقة و سقط على وجهه، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أعمل في أمره؟ ومن يعينني على غسله وكفنه وحفر قبره ودفنه؟ فبينما أنا كذلك إذا أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم، فأقبلوا نحوي حتى وقفوا علي فقالوا ما أنت؟ وما هذا؟ فأخبرتهم بقصتي، فعقلوا رواحلهم، و أعانوني حتى غسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، وتقدمت فصليت عليه مع الجماعة ودفناه في مظلته، وجلست عند قبره آنسا به أقرء القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة. فغفوت غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي، في روضة خضراء عليه ثياب خضر، قائما يتلو القرآن، فقلت له ألست بصاحبي؟ قال: بلى قلت: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ فقال: اعلم أنني وردت مع الصابرين لله عز و جل في درجة لم ينالوها إلا بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، فانتبهت. وروي في عيون المجالس عن معاوية بن قرة قال: كان أبو طلحة يحب ابنه حبا شديدا، فمرض فخافت أم سليم على أبي طلحة الجزع، حين قرب موت الولد، فبعثته إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما خرج أبو طلحة من داره توفي الولد؟ فسجته أم سليم بثوب، وعزلته في ناحية من البيت، ثم تقدمت إلى أهل بيتها وقالت لهم لا تخبروا أبا طلحة بشئ ثم إنها صنعت طعاما ثم مست شيئا من الطيب. فجاء أبو طلحة من عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل ابني؟ فقالت له: هدأت نفسه، ثم قال: هل لنا ما نأكل؟ فقامت فقربت إليه الطعام. ثم تعرضت له فوقع عليها، فلما اطمأن قالت له: يا أبا طلحة أتغضب من وديعة كانت عندنا فرددناها إلى أهلها؟ فقال: سبحان الله لا، فقالت: ابنك كان عندنا وديعة فقبضه الله تعالى فقال أبو طلحة فأنا أحق بالصبر منك، ثم قام من مكانه فاغتسل وصلى ركعتين ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بصنيعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: فبارك الله لكما في وقعتكما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صابرة بني إسرائيل. فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان من خبرها؟ فقال: كان في بني إسرائيل امرأة وكان لها زوج، ولها منه غلامان، فأمرها بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت، واجتمع الناس في داره فانطلق الغلامان يلعبان، فوقعا في بئر كانت في الدار فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة، فأدخلتهما البيت وسجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها فقال: أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، وإنها كانت تمسحت بشئ من الطيب وتعرضت للرجل حتى وقع عليها، ثم قال أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما فخرجا يسعيان، فقالت المرأة: سبحان الله، والله لقد كانا ميتين، ولكن الله تعالى أحياهما ثوابا لصبري. وقريب من هذا ما رويناه في دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: دخلنا على رجل من الأنصار، وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبا وأم له عجوز كبيرة عند رأسه، فقلنا لها: يا هذه احتسبي مصيبتك على الله عز وجل، فقالت: ومات ابني؟ قلنا نعم: قالت: حقا تقولون؟ قلنا نعم، قال: فمدت يدها فقالت اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى رسولك رجاء؟ أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم، فكشف الثوب عن وجهه ثم ما برحنا حتى طعمنا معه. قال قدس سره: وهذا الدعاء من المرأة رحمها الله إدلال على الله، و استيناس منه يقع للمحبين كثيرا، فيقبل دعاءهم، وإن كان في التذكير بنحو ذلك ما يظهر منه قلة الأدب، لو وقع من غيرهم، ولذلك بحث طويل، وشواهد من الكتاب والسنة يخرج ذكره عن مناسبة المقام. وقال أبان بن تغلب: دخلت على امرأة وقد نزل بابنها الموت، فقامت إليه فغمضته وسجته، ثم قالت يا بني ما الجزع فيما لا يزول، وما البكاء فيما ينزل بك غدا، يا بني تذوق ما ذاق أبوك، وستذوقه من بعدك أمك، وإن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم والنوم أخو الموت، فما عليك إن كنت نائما على فراشك، أو على غيره، وإن غدا السؤال والجنة أو النار، فان كنت من أهل الجنة فما ضرك الموت، وإن كنت من أهل النار فما ينفعك الحياة، ولو كنت أطول الناس عمرا، يا بنى لولا أن الموت أشرف الأشياء لابن آدم لما أمات الله نبيه صلى الله عليه وآله وأبقى عدوه إبليس. وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين، فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق ومال ويسار، وكنت أراها محزونة فغبت عنها مدة طويلة، ثم أتيتها فلم أر ببابها إنسا، فاستأذنت عليها فإذا هي ضاحكة مسرورة، فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: إنك لما غبت عنا لم نرسل شيئا في البحر إلا غرق، ولا في البر شيئا إلا عطب وذهب الرقيق، ومات البنون، فقلت لها يرحمك الله رأيتك محزونة في ذلك اليوم ومسرورة في هذا اليوم؟ فقالت: نعم إني لما كنت فيما كنت فيه من سعة الدنيا خشيت أن يكون الله قد عجل لي حسناتي في الدنيا فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي، رجوت أن يكون الله قد ذخر لي عنده شيئا. وعن بعضهم قال: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا بامرأة ترد علينا السلام وقالت: من أنتم؟ قلنا: ضالون فأتيناكم فاستأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا فألقت لنا مسحا فقالت اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و تردها إلى أن رفعته مرة، فقالت أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس هوبه. قال: فوقف الراكب عليها وقال: يا أم عقيل عظم الله أجرك في عقيل ولدك، فقالت له: ويحك مات قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فقالت: انزل واقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشا فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئا؟ فقلت نعم، قالت فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي. فقلت: يقول الله عز وجل " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " قالت بالله إنها في كتاب الله هكذا؟ قلت والله إنها لفي كتاب الله هكذا، فقالت السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: " اللهم إني قد فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني به، ولو بقي أحد لاحد - قال: فقلت في نفسي: لبقي ابني لحاجتي إليه فقالت: - لبقي محمد صلى الله عليه وآله لامته. فخرجت وأنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا أجزل، ذكرت ربها بأكمل خصاله وأجمل خلاله، ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له، ولا محيص عنه وأن الجزع لا يجدي نفعا والبكاء لا يرد هالكا، رجعت إلى الصبر الجميل، و احتسبت ابنها عند الله ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة. وروي أن يونس عليه السلام قال لجبرئيل عليه السلام دلني على أعبد أهل الأرض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره وسمعه، وهو يقول: متعتني بها ما شئت، وسلبتني ما شئت، وأبقيت لي فيك الامل يا بر يا وصول. وروي أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد، مضروب الجنبين بالفالج، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: " الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه " فقال له عيسى عليه السلام: يا هذا وأي شئ من البلاء أراه مصروفا عنك؟ فقال: يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال له: صدقت، هات يدك، فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه. وروي أنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة وكان بها معجبا، فماتت فوجد عليها وجدا شديدا حتى خلافي بيت وأغلق على نفسه، واحتجب عن الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به فجائته فقالت لي إليه حاجة أستفتيه فيها ليس يجزئني إلا أن أشافهه بها فذهب الناس ولزمت الباب فأخبر فأذن لها، فقالت أستفتيك في أمر قال: ما هو؟ قالت: إني استعرت من جارة لي حليا فكنت ألبسه زمانا ثم إنهم أرسلوا إلى أفأرده إليهم؟ قال: نعم، والله، قالت: إنه قد مكث عندي زمانا قال: ذاك أحق بردك إياه، فقالت له: رحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله عز وجل ثم أخذه منك وهو أحق به منك؟ فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها. وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليه السلام ابن يحبه حبا شديدا، فمات فحزن عليه حزنا شديدا، فبعث الله عز وجل إليه ملكين في هيئة البشر فقال ما أنتما؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمجلس الخصوم، فقال أحدهما إني زرعت زرعا فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول هذا؟ قال أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإني مررت فنظرت يمينا وشمالا فإذا الزرع، فركبت قارعة الطريق، وكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان ما حملك على أن تزرع في الطريق؟ أما علمت أن الطريق سبيل الناس، ولابد للناس من أن يسلكوا سبيلهم. فقال له: أحد الملكين أو ما علمت يا سليمان أن الموت سبيل الناس، ولابد للناس أن يسلكوا سبيلهم؟ قال: فكأنما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك، رواه ابن أبي الدنيا. وروى أيضا أن قاضيا كان في بني إسرائيل مات له ابن، فجزع عليه وصاح فلقيه رجلان فقالا له: اقض بيننا، فقال: من هذا فررت، فقال أحدهما إن هذا مر بغنمه على زرعي فأفسده، فقال الآخر إن هذا زرع بين الجبل والنهر، ولم يكن لي طريق غيره، فقال له القاضي أنت حين زرعت بين الجبل والنهر ألم تعلم أنه طريق الناس؟ فقال له الرجل: فأنت حين ولد لك ولد ألم تعلم أنه يموت؟ فارجع إلى قضائك، ثم عرجا وكان ملكين. وروي أنه كان بمكة مقعدان كان لهما ابن شاب فكان إذا أصبح نقلهما، فأتى بهما المسجد، فكان يكتسب عليهما يومه، فإذا كان المساء احتملهما فأقبل بهما، فافتقده النبي صلى الله عليه وآله فسأل عنه فقيل له: مات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لو ترك أحد لاحد ترك ابن المقعدين. انتهى ما أردنا إخراجه من كتابه مسكن الفؤاد. 20. * {باب النوادر} * 1 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام بعد تلاوته " ألهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر ": يا له مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، أفبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت، وحركات سكنت، ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة. لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة، وضربوا منهم في غمرة جهالة، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا: تطأون في هامهم، وتستثبتون في أجسادهم، و ترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا، وإنما الأيام بينهم وبينكم، بواك ونوائح عليكم. أولئكم سلف غايتكم، وفراط مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر، ملوكا وسوقا، سلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون، لا يفرغهم ورود الأهوال، ولا يحزنهم تنكر الأحوال ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف. غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون، وإنما كانوا جميعا فتشتتوا والافا فافترقوا، وما عن طول عهدهم ولابعد محلهم عميت أخبارهم، وصمت ديارهم، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا، وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات، جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب الإخاء، فكلهم وحيد، وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء، لا يتعارفون لليل صباحا، ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا. شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء، فلو كانوا ينطقون بها، لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا. ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر، و سمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجساد النواعم، ولبسنا أهدام البلاء، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة، وتهكمت علينا الربوع الصموت، فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا. فلو مثلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها، وهمدت القلوب في صدرهم بعد يقظتها، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات، فلا أيد تدفع، ولا قلوب تجزع، لرأيت أشجان قلوب، وأقذاء عيون، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي. وكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون، كان في الدنيا غذي ترف، وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه، وشحاحة بلهوه ولعبه. فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه، في ظل عيش غفول، إذ وطئ الدهر به حسكه، ونقضت الأيام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه، ونجي هم ما كان يجده، وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته. ففزع إلى ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار، وتحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، ولا حرك بحار إلا هيج برودة، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء حتى فتر معلله، وذهل ممرضه، وتعايا أهله بصفة دائه، وخرسوا عن جواب السائلين عنه، وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل هو لما به، وممن لهم إياب عافيته، ومصبر لهم على فقده، يذكرهم أسى الماضين من قبله. فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا، وترك الأحبة، إذ عرض له عارض من غصصه، فتحيرت نوافذ فطنته، ويبست رطوبة لسانه، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه، من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه، وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا . وكلامه عليه السلام يدل على الأخير " ألهيكم التكاثر " أي شغلكم عن طاعة الله، وعن ذكر الآخرة التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها، " حتى زرتم المقابر " أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال، ولم تتوبوا، أو حتى عددتم الأموات في القبور. " يا له مراما ما أبعده " اللام للتعجب كقولهم يا للدواهي و " مراما وزورا وخطرا " منصوبات على التميز، والمرام المقصد، والمعنى التعجب من بعد ذلك المرام، فان الغاية المطلوبة لا يدركها الانسان، لان كل غاية بلغها فان فوقها غاية أخرى قد أدركها غيره، فيطمح نفسه إليها، أو ما أبعده عن نظر العقل وعما هو الغاية الأصلية التي لابد من السعي في الوصول إليها و " زورا ما أغفله " الزور الزائرون أو مصدر لزار يزور، فنسبة الغفلة إليه توسع أي ما أغفل صاحبه، وهو أنسب بالمرام " والخطر " الاشراف على الهلاك، والسبق الذي يتراهن عليه وخطر الرجل قدره ومنزلته، وفظع الشئ بالضم وهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للحد والخطر الفظيع الموت، أو شدايد الآخرة اللازمة لتلك الغفلة. " لقد استخلوا منهم أي مدكر " الضمير في " استخلوا " للاحياء وفي " منهم " للأموات، وكني بالمدكر عما خلفوه من الآثار التي هي محل العبرة، و " أي مدكر " استفهام على سبيل التعجب من ذلك المدكر في حسن إفادته للعبر لأولي الأبصار ، واستخلوا أي اتخذوا تخلية الذكر دأبهم وشأنهم وقيل استخلوا أي وجدوه خاليا كذا ذكره ابن ميثم، وقال ابن أبي الحديد: استخلوا أي ذكروا من خلا من آبائهم أي من مضى، يقال هذا الامر من الأمور الخالية، وهذا القرن من القرون الخالية أي الماضية، واستخلا فلان في حديثه أي حدث عن أمور خالية، والمعنى أنه عليه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا وعمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير، فقال: أي مذكر وواعظ في ذلك، وروي أي مدكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد. " وتناوشوهم) أي تناولوهم من مكان بعيد عنهم وعن تناولهم، فإنهم بأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، وقال الجوهري: عددته أحصيته عدا والاسم العدد والعديد. " يرتجعون منهم أجسادا خوت " يقال خوت الدار أي خلت أو سقطت أي خلت عن الروح أو سقطت وخربت، والمعنى يذكرون آباءهم فكأنهم يردونهم إلى الدنيا بذكرهم والافتخار بهم أو هو استفهام على الانكار، والمفتخر محل الافتخار. " ولان يهبطوا بهم جناب ذلة " الجناب الناحية أي يذلوا ويخشعوا بذكر مصارعهم أو يذكروهم بالموت والاندراس والذلة " وأحجى " بمعنى أولى وأجدر و أحق، من قولهم حجى بالمكان إذا أقام وثبت، والعشوة مرض في العين، والضرب في الأرض السير فيها، وقال الخليل في العين: الضرب يقع على كل فعل، والغمر الماء الكثير، والغمرة الشدة، ومزدحم الشئ أي صاروا بسببهم في بيداء جهالة أو ألقوا أنفسهم في شدتها ومزدحمها، أو خاضوا في بحرها. " ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية " أي لو طلب الاحياء أن تنطق العرصات والربوع، وتفصح عن أحوال الأموات لنطقت بلسان حالها أو مقالها بناء على شعورها، وبينت أحوال الأموات، واستطردت بيان حال الاحياء، فالضمير في " استنطقوا " راجع إلى الاحياء وفي " عنهم " إلى الأموات والعكس بعيد، ويحتمل إرجاع الضمير في " عنهم " إلى الجميع، فلا يكون بيان حال الاحياء استطرادا، والديار والربوع منازلهم حال حياتهم أو قبورهم والخاوية الخالية أو الساقطة، والربع الدار والمحلة، والهامة الرأس والجمع هام أي تمشون على رؤسهم. " وتستثبتون " أي تنصبون الأشياء الثابتة كالعمود والأساطين وفي بعض النسخ تستنبتون أي تزرعون النبات، ورتعت الماشية أي أكلت ما شاءت، ولفظت الشئ رميته " وتسكنون فيما خربوا " أي فارقوها وأخلوها فكأنهم خربوها أولم يعمروها بالذكر والعبادة. " أولئكم سلف غايتكم " السلف المتقدمون، والغاية الحد الذي ينتهى إليه حسا أو معنى، والمراد هنا الموت، وفرط القوم من سبقهم إلى الماء، والمنهل المورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار مناهل، لان فيها ماء. و " مقاوم العز " دعائمه جمع مقوم وأصلها الخشبة التي تمسكها الحراث و " حلبات الفخر " جمع حلبة وهي الخيل تجمع للسباق، والسوق جمع سوقة، وهو من دون الملك، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، وما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فالمراد هنا القبر لأنه حاجز بين الميت والدنيا، ويحتمل الثاني أي بطون القبور الواقعة في البرزخ، وفي بعض النسخ وفي بطون القبور، والفجوة هي الفرجة المتسعة بين الشيئين. " جمادا لا ينمون " من النمو ويروى بتشديد الميم من النميمة وهي الهمس والحركة، وقال في النهاية: المال الضمار: الغائب الذي لا يرجى، وإذا رجي فليس بضمار من أضمرت الشئ إذا غيبته، فعال بمعنى فاعل ومفعل. " ولا يحزنهم تنكر الأحوال " أي الأحوال الحادثة في الدنيا وأسباب الحزن لأهلها، أو اندراس أجزاء أبدانهم وتشتتها، ولا ينافي عذاب القبر " ولا يحفلون " أي لا يبالون " بالرواجف " أي الزلازل " ولا يأذنون للقواصف " أي لا يسمعون الأصوات الشديدة يقال: رعد قاصف، أي شديد الصوت. " غيبا لا ينتظرون " على بناء المجهول أي لا ينتظر الناس حضورهم، أو المعلوم أي لا يطمع الموتى في حضور الناس عندهم، " وشهودا لا يحضرون " إذ أبدانهم شاهدة وأرواحهم غائبة، " وما عن طول عهدهم " أي ليس عدم علمنا بأخبارهم وعدم سماعهم للأصوات، أو عدم سماعنا صوتا منهم في قبورهم، لطول عهد بيننا وبينهم كالمسافر الذي يغيب عنا خبره ولا نسمع صوته، أو لا يسمع صوتنا، فإنهم حال موتهم بلا تراخي زمان كذلك بل لأنهم سقوا كأس الموت فصار نطقهم مبدلا بالخرس، و سمعهم بالصمم، ونسبة الصمم إلى ديارهم التي هي القبور تجوز. وقوله عليه السلام: " وبالسمع صمما " يدل على أن المراد بقوله " صمت ديارهم " عدم سماعهم صوتنا، لاعدم سماعنا صوتهم. قوله عليه السلام: " في ارتجال الصفة " قال الجوهري: ارتجال الخطبة والشعر ابتداؤه من غير تهيئة قبل ذلك انتهى، أي ولو وصفهم واصف بلا تهيئة وتأمل بل بحسب ما يبدو له في بادي الرأي لقال: هم سقطوا على الأرض لسبات والسبات نوم للمريض والشيخ المسن، وهو النومة الخفيفة، وأصله من السبت، وهو القطع وترك الاعمال، أو الراحة والسكون. " أحباء لا يتزاورون " الأحباء بالموحدة جمع حبيب، كخليل، وأخلاء، أي هم أحباء لتقاربهم بأبدانهم أو لأنهم كانوا أحباء قبل موتهم في الدنيا، وفي بعض النسخ المصححة الاحياء بالمثناة التحتانية، فالظاهر أنه جمع حي بمعنى القبيلة، قال الجوهري: الحي واحد أحياء العرب، ويحتمل أن يراد أنهم أحياء بنفوسهم لا يتزاورون بأبدانهم. " بليت بينهم " أي اندرست أسباب التعارف بينهم، والسبب في الأصل الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ ذكره الجزري، وقيل: لفظة جنب موضوعة في الأصل للمباعدة، ومنه قولهم الجار الجنب أي جارك من قوم آخرين، ولذا يقولون فلان في جانب الهجر، وفي جانب القطيعة، ولا يقولون في جانب المواصلة، والظعن السير، والجديدان الليل والنهار، والسرمد الدائم. وقال ابن أبي الحديد: ليس المراد أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ما توا فيه، ولا يشعرون بما يتعقبه من الأوقات، بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت من غير أن يزيلها وقت آخر يطرؤ عليها، ويجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس فيقال: إن النفس التي تفارق ليلا تبقى الليلة والظلمة حاصلة عندها أبدا، ولا تزول بطريان نهار عليها، لأنها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شئ من المحسوسات بعد المفارقة، وإنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه وكذلك الأنفس التي تفارق نهارا. " مما قدروا " أي تصوروا وجعلوا له مقدارا بأوهامهم. " فكلا الغايتين " اللام العهدي في الكلام إشارة إلى الغايتين المعهودتين بين المتكلم والمخاطب. أي غاية السعداء والأشقياء، ويحتمل أن يكون المراد بالغاية امتداد المسافة أي مدة البرزخ [أو منتهى الامتداد وهو البرزخ] لأنه غاية حياة الدنيا، وهو يمتد إلى أن ينتهى إلى مباءة هي الجنة أو النار. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الغايتين المفهومتين من الفقرتين السابقتين أي الاخطار والآيات البالغتين الغاية أو إلى المدتين المنتهيتين إلى غاية أي مدة حياة السعداء والأشقياء، لازمان كونهم في عالم البرزخ وقيل: إشارة إلى الجديدين المذكورين سابقا. و " المباءة " المنزل، والموضع الذي يبوء الانسان إليه أي يرجع " فأتت مبالغ الخوف " أي تجاوزت عن أن يبلغها خوف خائف أو رجاء راج، لعظمها وشدتها، وقال الجوهري: العي خلاف البيان، وقد عى في منطقه وعيي أيضا، والادغام أكثر وتقول في الجمع عيوا مخففا كما قلناه في حيوا، ويقال أيضا عيوا بالتشديد انتهى. " لقد رجعت فيهم أبصار العبر " رجع يكون لازما ومتعديا قال الله تعالى: " فارجع البصر كرتين " أي فرد البصر وأدرها في خلق الله واستقص في النظر مرة بعد أخرى، وتكلموا أي بلسان الحال، وفي النهاية الكلوح العبوس، يقال: كلح الرجل وكلحه الهم، والنظرة الحسن والرونق، وفي النهاية الاهدام الأخلاق من الثياب: واحدها هدم بالكسر، وهدمت الثوب رقعته. " تكاءدنا " أي شق علينا " وتوارثنا الوحشة " قيل: لما مات الأب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش أهله منه صار الابن وارثا لتلك الوحشة من أبيه وقيل لما أصاب كل ابن بعد أبيه وحشة القبر، فكأنه ورثها من أبيه. " وتهكمت علينا الربوع الصموت " قال ابن أبي الحديد: يروى تهدمت بالدال يقال: تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت، ويروى تهكمت بالكاف وهو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا، ويعني بالربوع الصموت، القبور لأنه لا نطق فيها كقولك نهاره صائم انتهى، وفي أكثر النسخ المعروضة على المصنف بالكاف، ويحتمل أن يكون بمعنى الاستهزاء، أو بمعنى التكبر لكونهم أدلاء في القبور، أو بمعنى التندم والتأسف، وقد ورد بتلك المعاني في اللغة ولعلها أنسب بوصف الربوع بالصموت، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بالربوع مساكنهم في الدنيا، وفي الصحاح امرأة حسنة المعارف أي الوجه وما يظهر منها، والواحد معرف. " ولم نجد من كرب " أي من بعد كرب أو هو متعلق بفرجا " أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك " من إضافة الصفة إلى الموصوف والمحجوب بمعنى الحاجب كقوله سبحانه: " حجابا مستورا " وقال ابن ميثم: أي ما حجب بأغطية التراب ولا يخفى ما فيه، لان ما حجب هي أبدانهم ولا يكشف عنهم إلا أن يريد به الأكفان المستورة بالتراب. " وقد ارتسخت " قال ابن أبي الحديد: ليس معناه ثبتت كما ظنه القطب الراوندي لأنها لم تثبت وإنما ثبتت الهوام فيها، بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه ونضب، ويقال: قد ارتسخ المطر بالتراب إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان انتهى. وفي القاموس استكت المسامع أي صمت وضاقت " فخسفت " أي غارت و ذهبت في الرأس، وذلاقة اللسان حدتها " وهمدت " أي سكنت وخمدت، والعيث الافساد، وقوله سمجها أي قبح صورتها بيان لافساد البلى الجديد " مستسلمات " أي منقادات طائعات ليس لها يد تدفع منها الآفات. " لرأيت " جواب " لو " والأشجان جمع الشجن وهو الحزن، والأقذاء جمع قذى، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها " لا تنتقل " أي إلى حسن وصلاح، والغمرة الشدة، والأنيق الحسن المعجب " غذي ترف " أي كان معتادا في الدنيا بأن يتغذى بالترف وهو التنعم المطغي، " وربيب شرف " أي قد ربي في العز و الشرف، وقال الجوهري: تعلل به أي تلهى به، ويفزع إلى السلوة أي يلجأ إلى ما يسليه عن الهم " ضنا " بالكسر أي بخلا كقوله شحاحة، والغضارة طيب العيش، يضحك إلى الدنيا أي كأن الدنيا تحبه وهو يحب الدنيا، قال ابن ميثم: ضحكه إلى الدنيا كناية عن ابتهاجه بها وبما فيها، وغاية اقباله عليها، فان غاية المتبهج بالشئ أن يضحك له. " في ظل عيش غفول " أي عيش غافل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم يتنبه له الدهر فيكدر عليه، أو عيش تكثر الغفلة فيه لطيبه، من قبيل نهاره صائم أوذي غفلة يغفل فيه صاحبه كقوله سبحانه " عيشة راضية ". " إذ وطئ الدهر به حسكه " الباء للتعدية، والحسك جمع حسكة شوكة صلبة معروفة، واستعار لفظ الحسك للآلام والأمراض ومصائب الدهر، ورشح بذكر الوطئ " والحتوف " جمع الحتف وهو الموت، و " الكثب " بالتحريك القرب والجمع إما باعتبار تعدد أسبابه أو لان بطلان كل قوة وضعف كل عضو موت والبث الحزن، وباطل الامر الدخيل ونجئ فعيل من المناجاة، والفترة الانكسار والضعف، وقال ابن أبي الحديد الفترات أوائل المرض. " آنس ما كان بصحته " قال ابن ميثم انتصاب آنس على الحال، وما بمعنى الزمان، وكان تامة، وبصحته متعلق بآنس أي حال ما هو آنس زمان مدة صحته وقيل ما مصدرية والتقدير آنس كونه على أحواله بصحته. " من تسكين الحار " إنما استعمل في البارد التسكين وفي الحار التهييج، لان الحرارة شانها التهييج والبرودة شأنها التسكين والتجميد " فلم يطفئ ببارد " أي لم يزد إطفاء الحرارة ببارد " إلا ثور حرارة " أي غلبت الحرارة الطبيعية على الدواء، وظهر بعده الداء فكان الدواء ثورها " ولا اعتدل بممازج " أي ما أراد الاعتدال بدواء مركب من الحار والبارد، إلا أعان صاحب المرض كل طيبعة ذات داء ومرض من تلك الطبايع بمرض زائد على الأول أو بقوة زائدة على ما كان، ففاعل " أمد " الشخص ويحتمل الممازج ويظهر من ابن ميثم أنه جعل أمد بمعنى صار مادة ولا يخفى بعده. " حتى فتر معلله " قال الجوهري علله بالشئ لهاه به كما يعلل الصبي بشئ من الطعام يتجزأ به عن اللبن انتهى، أي ضعف عن التعليل لطول المرض أو لان المعلل يكون له نشاط في أوائل المرض لوجاء البرء، فإذا رأى أمارات الهلاك فترت همته وفي الصحاح مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه، " وتعايا أهله " أي عجزوا عن تحقيق مرضه، قال الجوهري عييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه وأعياني هو وأعيى عليه الامر وتعيا وتعايا بمعنى. " وخرسوا " أي سكتوا عن جواب السائلين عنه، لأنهم لا يخبرون عن عافية لعدمها، ولا عن عدمها لكونه غير موافق لنفوسهم " وتنازعوا دونه شجى خبر " الشجي ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، والشجو الهم والحزن، أي تخاصموا في خبر معترض في حلوقهم لا يمكنهم إساغته لشدته ولا بثه لفظاعته، و قال ابن أبي الحديد أي تخاصموا في خبر ذي شجى أو خبر ذي غصة يتنازعونه وهم حول المريض سرا دونه وهو لا يعلم بنجواهم، " فقائل منهم هو لما به " أي قد أشفى على الموت، " وممن لهم " أي يمنيهم " إياب عافيته " أي عودها يقول رأينا من بلغ أعظم من هذا ثم عوفي " أسى الماضين " الأسى جمع أسوة أي التأسي بالماضين أو صبر الماضين، قال الجوهري: الأسوة والأسوة بالكسر والضم لغتان وهو ما يأتسي به الحزين، ويتعزى به وجمعها إسي وأسي ثم سمي الصبر أسى، ولا تأنس بمن ليس لك بأسوة أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة انتهى. والغصص جمع غصة، وهو ما يعترض في مجرى الأنفاس " فكم من مهم من جوابه " كوصية أرادها أو مال مدفون أراد أن يعرفه أهله " فعي " أي عجز " فتصام عنه " أي أظهر الصمم، لأنه لا حيلة له، ثم وصف عليه السلام ذلك الدعاء فقال: " من كبير كان يعظمه " كصراخ الوالد على الولد، والولد يسمع ولا يستطيع الكلام، أو صغير كان يرحمه كصراخ الولد على الوالد " وإن للموت لغمرات " أي شدايد هي أشد وأشنع من أن يبين بوصف كما هو حق بيانها " أو تعتدل على عقول أهل الدنيا " أي لا تستقيم على العقول ولا تقبلها، أو لا يقدر أهل الدنيا على تعقلها.

الهوامش17

[١]الطور: ٤٨.ص 146

[٢]القلم: ٤٨ وما بين العلامتين ساقط من الكمباني موجود في الأصل والمصدر كما أخرجه في ج ٤٧ ص ٣٩٩ من هذه الطبعة.ص 146

[٣]النحل: ١٢٧.ص 146

[٤]طه: ١٣٢.ص 146

[٥]البقرة: ١٥٧.ص 146

[٦]الزمر: ١٠.ص 146

[٧]لقمان: ١٧ [8] الأعراف: 128.ص 146

[١]العصر: ٣.ص 147

[٢]البلد: ١٧.ص 147

[٣]البقرة: ١٥٥.ص 147

[٤]آل عمران: ١٤٦.ص 147

[٥]الأحزاب: ٣٥.ص 147

[٦]يونس: ١٠٩.ص 147

[٧]الزخرف: ٣٣.ص 147

[١]المؤمنون: ٥٦.ص 148

[2]كتاب اقبال الاعمال ص 578 - 581 وفى ط 49 - 51.ص 148

[1]نهج البلاغة تحت الرقم 219 من قسم الخطب.ص 158

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 79, Page 145

View original source