Show clickable narrator chain
والله ما درى محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا، ويأخذ في صلاته بهدينا ونسكنا. فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله لما اتصل به عنهم، وكره قبلتهم، وأحب الكعبة، فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال له رسول الله: يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود ومن قبلتهم، فقال جبرئيل: فاسئل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من. بغيتك. فلما استتم دعاءه صعد جبرئيل عليه السلام ثم عاد من ساعته فقال اقرأ يا محمد " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " الآيات فقالت اليهود عند ذلك: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأجابهم الله بأحسن جواب فقال: " قل لله المشرق والمغرب " وهو يملكهما وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله إلى جانب آخر " يهدي من يشاء " إلى صراط مستقيم " وهو مصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم. قال أبو محمد عليه السلام: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن، أفحقا كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل، فإنما يخالف الحق الباطل، أو باطلا كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة، فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل كان ذلك حقا وهذا حق يقول الله " قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده، وقصده إلى مصالحكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى الباطل، أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل، أو الحق إلى حق؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم قالوا: بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق. فقالوا: يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حين نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بداله عن ذلك، فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطا، ولا يستحدث رأيا يخالف المتقدم، جل عن ذلك، ولا يقع أيضا عليه مانع يمنع من مراده، وليس يبدو إلا لمن كان هذا وصفه، وهو عز وجل متعال عن هذه الصفات علوا كبيرا. ثم قال لهم رسول الله: أيها اليهود أخبروني عن الله أليس يمرض ثم يصح ويصح ثم يمرض، أبدا له في ذلك؟ أليس يحيي ويميت؟ أليس يأتي بالليل في أثر النهار، ثم بالنهار في أثر الليل؟ أبداله في كل واحدة من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى الكعبة، بعد أن تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بداله في الأول. ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف، والصيف في أثر الشتاء أبداله في كل واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك لم يبدله في القبلة. قال: ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر أفبداله في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله فكذلك الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشئ ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشئ آخر، فإذا أطعتم الله في الحالين استحققتم ثوابه وأنزل الله " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " أي إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عباد الله أنتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب يدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين. فقيل له: يا ابن رسول الله فلم أمر بالقبلة الأولى؟ فقال: لما قال الله عز وجل " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " وهي بيت المقدس " إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " إلا لنعلم ذلك منه موجودا بعد أن علمناه سيوجد وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة، فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفه باتباع القبلة التي كرهها، ومحمد صلى الله عليه وآله يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت، المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه. ثم قال: " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " إنما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله، فعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه .
الهوامش1
[1]الاحتجاج: 22 و 23، نقلا من تفسير أبي الحسن محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب الذي وضعه ونسبه إلى الإمام العسكري عليه السلام راجعه ص 224 - 225.ص 61