Show clickable narrator chain
نعم، وصلاة الخوف أحق بالتقصير من صلاة في السفر ليس فيها خوف . وعنه: عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى صلاة الخوف بأصحابه في غزوة ذات الرقاع ففرق أصحابه فرقتين أقام فرقة بإزاء العدو، وفرقة خلفه وكبر فكبروا وقرء فأنصتوا وركع فركعوا، وسجد فسجدوا، ثم استتم رسول الله صلى الله عليه وآله قائما وصلى الذين خلفه ركعة أخرى وسلم بعضهم على بعض ثم خرجوا إلى مقام أصحابهم فقاموا بإزاء العدو، وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فكبر وكبروا، وقرأ فأنصتوا، وركع فركعوا، وسجد فسجدوا، وجلس فتشهد فجلسوا ثم سلم فقاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض . وعنه عليه السلام: أنه وصف صلاة الخوف هكذا وقال: إن صلى بهم صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، حتى يجعل لكل فرقة قراءة . وعن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في شدة الخوف والجلاد حيث لا يمكن الركوع والسجود، فقال: يؤمئون على دوابهم، وقوفا على أقدامهم، و تلا قول الله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فإن لم يقدروا على الايماء كبروا مكان كل ركعة تكبيرة . بقي ههنا شئ، وهو أن كيفية صلاة الخوف هذه على ما ظهر من الآية الكريمة في صدر الباب السابق، إنما هي تعبية في قبال العدو، وحيلة لرفع الخوف من بادرتهم، لا أن ذلك من عزيمة الاحكام، فعلى هذا يجوز الصلاة بهذه الكيفية أما إذا كان الخوف من بادرة السبع أو اللص أو غير ذلك من المخاوف التي يتوجه إلى المصلين بالقوة لا بالفعل كان ذلك في السفر والصلاة ركعتان، أو في الحضر والصلاة أربع، وللمسألة فروع أخر غير مشتبهة. وقوله عليه الصلاة والسلام أخيرا: فكبر وكبروا، لعل تكبير الامام محمول على الاستحباب، وليس تكبير الافتتاح، وهذه الرواية مروية في الكافي والتهذيب وليس فيهما هكذا، وفيهما: فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بهم ركعة ثم تشهدوا سلم عليهم إلى آخر الخبر. " (أبواب) " * * " (فضل يوم الجمعة وفضل ليلتها وصلواتهما) " * * " (وآدابهما وأعمال سائر أيام الأسبوع) " * 1 - (باب) * " (وجوب صلاة الجمعة وفضلها وشرايطها) " * * (وآدابها وأحكامها) * الآيات: البقرة: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين . الجمعة: يا أيها الذين آمنوا أما إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين . المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هو الخاسرون . تفسير: قد مضت الاخبار في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة الجمعة، وأن المراد بقوله: (قوموا الله قانتين) أي في الصلاة الوسطى، وقال الراوندي رحمه الله في فقه القرآن، قالوا: نزلت هذه الآية يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر. (يا أيها الذين آمنوا أما إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) لا ريب في نزول وأما في يوم الجمعة وصلاتها، فقد قال عز وجل: (أما إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) فمع أنه يخاطب المؤمنين جميعهم في صدر الآية بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) لا يكلفهم بالتأذين وإقامة الجمعة ولا واحدا منهم، بل يأمرهم بأنه أما إذا حصل النداء ونودى بالاجتماع للصلاة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ومفاد الشرطية أنه أما إذا لم يحصل النداء ولم يناد بالاجتماع فلا تكليف عليكم الا ما كان في سائر الأيام غير الجمعة والاجتماع، وهو الصلاة أربع ركعات كل في مسجده. فمفروض الآية أن هناك من هو فوق المؤمنين ووليهم، وهو الذي يأمر المؤذن للنداء بصلاة الجمعة أما إذا تمكن في مقامه كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تمكن في المدينة صلى صلاة الجمعة في أول جمعة وردها على ما سيجئ شرحه، وإذا لم يتمكن في مقامه، كما أما إذا كان في سفر أو في خطر لم يأمر مؤذنه بالنداء للاجتماع كما لم يفعل ذلك رسول الله مدة اقامته بمكة المكرمة ولا في أسفاره إلى الغزوات وغيرها. فعلى هذا أما إذا أمر ولى المؤمنين وامامهم بالنداء، وجب على أهل البلد كلهم حتى على من هو قاطن في حريم البلد بريدا في بريد (على رأس فرسخين) أن يجيب النداء، فلا يجوز لاحد التخلف عن الاجتماع، ولا أن يجتمعوا في مساجد متعددة ومحال مختلفة والصلاة أربع ركعات على ما هو وظيفة سائر الأيام، كما لا يجوز أن ينعقد جمعتان في بلدة أبدا. هذه السورة وتلك الآيات في صلاة الجمعة وأجمع مفسروا الخاصة والعامة عليه، بمعنى تواتر ذلك عندهم، والشك فيه كالشك في نزول آية الظهار في الظهار، وغيرها من الآيات والسور التي مورد نزولها متواتر معلوم، ومدار علماء الخاصة والعامة في الاستدلال على أحكام الجمعة على هذه الآية. وخص الخطاب بالمؤمنين تشريفا لهم، وتعظيما، ولأنهم المنتفعون به، و إيذانا بأن مقتضى الايمان العمل بفرائض الله تعالى، وعدم الاستهانة بها، وأن تاركها كأنه غير مؤمن، وفسر الأكثر النداء بالاذان. قال في مجمع البيان : أي أما إذا أذن لصلاة الجمعة، وذلك أما إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه ونحو ذلك قال في الكشاف، والظاهر أن المراد حضور وقت النداء كما أن في قوله ﴿أما إذا قمتم إلى الصلاة﴾ المراد إرادة القيام، ولما كان النداء شائعا في ذلك الوقت عبر عنه به، وفيه الحث على الاذان، لتأكد استحبابه لهذه الصلاة، حتى ذهب بعضهم إلى الوجوب. واللام في قوله (للصلاة) للأجل والتوقيت، وحينئذ يدل على عدم اعتبار الاذان قبل وقت الصلاة في ذلك، و (من) بيانية ومفسره لاذا، أو بمعنى (في) أو للتبعيض، والجمعة بضم الميم والسكون لغتان اليوم المعهود وإنما سمي به لاجتماع الناس فيه للصلاة وقيل: لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: أول من سماه به كعب بن لؤي، وكان يقال له العروبة. (فاسعوا إلى ذكر الله) الظاهر أن التعبير بهذه العبارة لتأكيد الامر و وقد كان الاجتماع في هذا اليوم معهودا للأمة الاسلامية مسنونا بسنة النبي صلى الله عليه وآله من لدن أن نزل المدينة فصلى في بنى سالم بن عوف صلاة الظهر ركعتين وقدم لها خطبة فصارت أول جمعة جمعها رسول الله في الاسلام وخطبته في ذلك اليوم أو خطبة خطبها. ثم إنه صلى الله عليه وآله التزمها سنة له يصلى في كل أسبوع كذلك ليكون ذكرى لأول يوم تمكن الاسلام على عرش الحكومة، وعيدا للمسلمين يجتمعون فيه بالبشارة والزينة ويذكرون الله عز وجل ويشكرونه على ذلك النعم. الا أن الناس لم يكونوا ليجتمعوا كلهم ولا ليسمونه يوم الجمعة علما (بزعمي) وربما تفرقوا حين خطبته صلى الله عليه وآله وابتغوا التجارة واللهو و تركوه قائما. وأما بعد نزول الآية والسورة (وصريح الخطاب فيها يدل على أنها محكمة من أمهات الكتاب من دون تشابه) فقد صار مفاد الآية بجميع أحكامها ومتعلقاتها مفروضة على الأمة الاسلامية حتى تسمية اليوم بيوم الجمعة، بحيث أنه لم يجز تسميته بسائر الأسماء المعروفة عندهم أيام الجاهلية. ولا يذهب عليك أن فرض السعي إنما هو على من سمع النداء ولم يحضر المجتمع بعد، كما هو المصرح به في لفظ الآية الكريمة، حيث يأمر بالسعي عند النداء وبعده، لئلا يفوت عنه الخطبة التي يكون فيه ذكر الله تعالى وتكون بمنزلة الركعتين المسنونتين في سائر الأيام، واما من تهيأ وتعبأ قبل النداء وحضر المجتمع ينتظر صعود الامام للخطبة، فقد استبق إلى وظيفته، ولم يتوجه خطاب السعي إليه، وهو واضح. المبالغة في الاتيان به، وعدم المساهلة فيه، كما أنه أما إذا قال المولى لعبده: امض إلى فلان يفهم منه الوجوب، وإذا قال اسع وعجل واهتم، كان آكد من الأول، و أدل على الوجوب، قال في مجمع البيان: أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متشاغلين عن قتادة وابن زيد والضحاك، وقال الزجاج: فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع وقرأ عبد الله بن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) وروي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعمرو أبي وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال ابن مسعود: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي، وقال الحسن: ما هو السعي على الاقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وكل ذلك مما يؤكد الوجوب، فان المراد به شدة العزم والاهتمام، و إخلاص النية فيه، فإنه أقرب المجازات إلى السعي بالاقدام، بل هو مجاز شايع يعادل الحقيقة: قال في الكشاف: قيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: (ولما بلغ معه السعي) ﴿وأن ليس للانسان إلا ما سعى﴾ فاستجاب الله دعاء هما فكان يرى إبراهيم مناسك البيت في منامه (على ما كان يريه الله عز وجل ملكوت السماوات والأرض) فيمتثل إبراهيم خليل الله نسكه ويتبعه في ذلك إسماعيل ولده حتى أما إذا بلغ مع السعي بين الصفا والمروة قال له إبراهيم: يا بنى انى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا ترى؟ وإنما ائتمر معه لان ذبحه قربانا ونسيكة إنما يتحقق بتسليمه. فقد كان رؤية ذبحه إسماعيل تماما لمناسك الحج التي كان يراها في منامه، كما ينص عليه روايات الفريقين، ولا يناسب ذلك الا بأن يكون المراد بالسعي هو السعي بين الصفا والمروة، كما بيناه لك، ومن حمل السعي في الآية على غير ذلك من المعاني غير المناسبة يبقى عليه توجيه قوله تعالى (معه) فان الكلمة تصير لغوا لا فائدة في ذكرها أبدا. انتهى، وعليه ينبغي حمل ما رواه الراوندي وغيره عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: السعي قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والغسل، والتطيب، ليوم الجمعة، ولبس أفضل الثياب والذكر فالمعنى اهتموا وعجلوا الفراغ من الآداب والمستحبات لادراك الجمعة، كل ذلك لا ينافي فهم الوجوب من الامر، بل هي مؤكدة له كما لا يخفى على العارف بقوانين البلاغة. وقال الراوندي: المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله والمواعظ، و قيل: المراد الصلاة انتهى، وإنما جعل الذكر مكان الضمير إيذانا بأن الصلاة متضمنة لذكره تعالى، ولذا يجب السعي إليها، وأن الصلاة الكاملة هي التي تتضمن ذكر الله وحضور القلب، وقيل: المراد هما جميعا ولعله أظهر. (وذروا البيع) أي اتركوه ودعوه (ذلكم) أي ما أمرتم به من السعي و ترك البيع (خير لكم) وأنفع عاقبة (إن كنتم تعلمون) الخير والشر، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) أي أما إذا صليتم الجمعة وفرغتم منها فتفرقوا في الأرض (وابتغوا من فضل الله) قيل: أي واطلبوا الرزق في الشراء و البيع، فأطلق لهم ما حرم عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح والنفع من فضل الله ورحمته، مشيرا إلى أن الطالب ينبغي أن لا يعتمد على سعيه وكده، بل على فضل الله ورحمته وتوفيقه وتيسيره طالبا ذلك من ربه. قال في مجمع البيان : هذا إباحة وليس بأمر إيجاب، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في قوله (فانتشروا) الآية ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وقيل: المراد به طلب العلم. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت . وروى عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله، ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحي في طلب الحلال، أما تسمع قول الله عز وجل (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: رزقي ينزل على، أكان يكون هذا؟ أما إنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. قال: قلت: من هؤلاء الثلاثة؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له، لان عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها [لخلى سبيلها] والرجل يكون له الحق على الرجل، فلا يشهد عليه، فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستجاب له، لأنه ترك ما امر به، والرجل يكون عنده الشئ فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له. (واذكروا الله كثيرا) قال الطبرسي - ره - أي اذكروه على إحسانه إليكم واشكروه على نعمه، وعلى ما وفقكم من طاعته، وأداء فرضه، وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال: تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وقيل: معناه اذكروا الله في تجاراتكم وأسواقكم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه، كتب له ألف حسنة، ويغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم يخطر على قلب شر انتهى . ويحتمل أن يكون المراد به اذكروا الله في الطلب، فراعوا أوامره ونواهيه فلا تطلبوا إلا ما يحل من حيث يحل، والأعم أظهر، والحاصل أنه تعالى وصاهم بأن لا يشغلهم التجارة عن ذكره سبحانه كما قال الله تعالى (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) ويكونوا في أثناء التجارة مشغولين بذكره، مراعين أو امره ونواهيه. (لعلكم تفلحون) قال الطبرسي ره: أي لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم، علق سبحانه الفلاح بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة وغيرها، وصح الحديث عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس صالح ثيابه، ومس من طيب بيته أو دهنه، ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام بعدها، وروى سليمان التميمي، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل في كل جمعة ست مائة ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجب النار. قال: ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بألام اللؤم، فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا) أي عاينوا ذلك، وقيل معناه أما إذا علموا بيعا أو شراء أو لهوا وعندي أنها نزلت في خطبة العيدين ثم ألحقت بالسورة لكونهما فرعا على صلاة الجمعة وذلك لان الخطبة في صلاة العيدين كانت تلقى بعد تمام الصلاة، ولكونها سنة في غير فريضة كان الاخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، الا أنه أما إذا كان تركها بالاعراض عنها أو ايثار اللهو والتجارة عليها من دون حاجة إليها كان مذموما غير جائز، فناسب مقابلة التاركين لهذه السنة بقوله عز وجل: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين). وأما أما إذا جعلنا الآية ناظرة إلى خطبة الجمعة، كما هو المشهور بين المفسرين، فلا مناص من القول بأنها نزلت قبل آيات الجمعة حين لم تكن صلاة الجمعة مفروضة بأحكامها ومتعلقاتها من وجوب السعي وتحريم البيع والتعامل بل كان صلاة الجمعة حين نزولها من السنن، لا يجب استماع خطبتها على حد سائر السنن، حتى يناسب مقابلة التاركين لخطبتها بالذم فقط. فلو قيل بأن هذه الآية نزلت مع سائر آيات السورة تتمة لها وملحقة بآيات الجمعة لكان حكمها بعدم تحريم الانتشار والاشتغال باللهو والتجارة ناسخا لآية الجمعة وأحكامها قبل العمل بها، وهذا مع أنه لغو باطل لا يصدر عن الحكيم تعالى، لم يتفوه به أحد من المسلمين. وأما على القول بأن المراد بقوله عز وجل (وتركوك قائما): قائما في الصلاة، لا قائما في الخطبة، فالامر أشكل وأشكل، فان ترك الخطبة والذهاب إلى اللهو والتجارة أهون من ترك الصلاة نفسها أو قطعها وابطالها، وهو واضح. وأما حكم اللهو والاستماع له فقد مر بعض الكلام فيه في ج 79 ص 248، راجعه. وهو الطبل عن مجاهد، وقيل: المزامير عن جابر (انفضوا إليها) أي تفرقوا عنك خارجين إليها، وقيل: مالوا إليها. والضمير للتجارة، وإنما خصت برد الضمير إليها، لأنها كانت أهم إليهم وهم بها أسر من الطبل، لان الطبل إنما دلت على التجارة عن الفراء، وقيل: عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به، وكأنه على حذف، والمعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف إليه، لان إليها تدل عليه. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: انصرفوا إليها وتركوك قائما تخطب على المنبر، قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله خطب إلا وهو قائم، فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه. وسئل ابن مسعود، أكان النبي صلى الله عليه وآله يخطب قائما؟ فقال: أما تقرء (وتركوك قائما) وقيل: أراد قائما في الصلاة. ثم قال تعالى (قل) يا محمد لهم (ما عند الله) من الثواب على الخطبة وحضور الموعظة والصلاة، والثبات مع النبي صلى الله عليه وآله (خير) وأحمد عاقبة وأنفع (من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) يرزقكم وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة. وقال - ره - في سبب نزول الآية: قال جابر بن عبد الله: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم، فنزلت. وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا رهط فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا. وقال المقاتلان: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة وكلان أما إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أوبر أو غيره، وينزل عند أحجار الزيت، و هو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه. فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة. فقال صلى الله عليه وآله: لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، وأنزل الله هذه الآية. وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس، وقيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان، وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل انتهى. * (تذييل) * اعلم أن الله سبحانه أكد في هذه السورة الشريفة للامر الذي نزلت فيه - وهو وجوب صلاة الجمعة - تقدمة وتذييلا - أنواعا من التأكيد، لم يأت بها في شئ من العبادات، فيدل على أنه آكدها وأفضلها عنده، وأحبها إليه، وذلك من وجوه: أولها إنزال سورة مخصوصة لذلك، ولم ينزل في غيره سورة. الثاني: أنه قدم قبل الآية المسوقة لذلك آيات كلها معدات لقبولها، و الاتيان بها، حيث افتتح السورة بأن جميع ما في السماوات والأرض تسبح له فينبغي للانسان الذي هو أشرف المخلوقات أن لا يقصر عنها، بل يكون تنزيهه له سبحانه وطاعته له أكثر منها. ثم وصف سبحانه نفسه بأنه ملك العالم، ويجب على جميع الخلق طاعته، ثم بأنه القدوس المنزه عن الظلم والعبث، بل إنما كلفهم بالطاعات لأعظم المصالح ولوصولهم إلى درجات السعادات. ثم هددهم بأنه عزيز غالب قادر مع مخالفتهم على عقوبتهم في الدنيا والآخرة وأنه حكيم لا يفعل شيئا ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، فلا ينبغي أن يتجاوز عن مقتضى أمره ونهيه. ثم ذكر امتنانه على عباده بأنه بعث في قوم أميين عارين عن العلوم والمعارف رسولا منهم، ليكون أدعى لهم إلى قبول قوله، يتلو عليهم آياته المشتملة على مصالحهم ويطهرهم من الصفات الذميمة والنقائص والجهالات، ويعلمهم الكتاب والحكمة ولقد كانوا من قبله لفي ضلال مبين عن الملة والشريعة فلا بدلهم من قبول قوله في كل ما يأمرهم به، ومنها هذه الصلاة. ثم بين أن شريعة هذا النبي وأحكامه لا تختص بقوم، ولا بالموجودين في زمانه، بل شريعته باقية، وحلال حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ردا على من يزعم أن الخطاب مخصوص بالموجودين فقال (وآخرين منهم) أي ويعلم آخرين من المؤمنين (لما يلحقوا بهم) وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة. ثم هدد وحث بوصف نفسه سبحانه مرة أخرى بالعزيز الحكيم، ثم عظم شأن النبوة لئلا يجوزوا مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به من الشرايع، ثم ذم الحاملين للتوراة، العالمين غير العاملين به، تعريضا لعلماء السوء مطلقا، بأنهم لعدم عملهم بعلمهم كالحمار يحمل أسفارا. ثم أوعدهم بالموت الذي لابد من لقائه، وبما يتبعه من العذاب والعقاب، و نبههم على أن ولاية الله لا تنال إلا بالعمل بأوامره سبحانه، واجتناب مساخطه وليس ذلك بالعلم فقط، ولا بمحض الدعوى. ثم لما مهد جميع ذلك، خاطبهم بما هو المقصود من السورة أحسن خطاب وألطفه. الثالث: أنه سبحانه أكد في نفس الآية المنزلة لذلك ضروبا من التأكيد: الأول: إقباله تبارك وتعالى إليهم بالخطاب، تنشيطا للمكلفين وجبرا لكلفة التكليف بلذة المخاطبة. الثاني أنه ناداهم بياء الموضوعة لنداء البعيد، تعظيما لشأن المنادى له، و تنبيها على أنه من العظم والجلالة بحيث المخاطب في غفلة منه وبعد عنه، وإن كان في نهاية التيقظ والتذكر له. الثالث أنه أطنب الكلام تعظيما لشأن ما فيه الكلام، وإيماء إلى أنه من الشرافة والكرامة بحيث يتلذذ المتكلم بما تك لم فيه كما يتلذذ بذكر المحبوبين، و وصفهم بصفاتهم والاطناب في أحوالهم. والرابع أنه أجمل أولا المنادى، حيث عبر بأي العامة لكل شئ تخييلا لان هذا الامر لعظم شأنه مما لا يمكن المتكلم أن يعلم أول الأمر وبادئ الرأي أنه بمن يليق، ومن يكون له؟ حتى أما إذا تفكر وتدبر علم من يصلح له ويليق به. الخامس أنه أتى بكلمة ها التي للتنبيه لمثل ما قلناه في يا. السادس أنه عبر عنهم بصيغة الغائب، تنبيها على بعدهم لمثل ما قلناه في يا. السابع أنه طول في اسمهم ليحصل لهم التنبيه الكامل، فإنهم في أول النداء يأخذون في التنبه، فكلما طال النداء واسم المنادي ازداد تنبههم. الثامن أنه خص المؤمنين بالنداء مع أن غيرهم مكلفون بالشرايع، تنبيها على أن الامر من عظمه بحيث لا يليق به إلا المؤمنون. التاسع أنه عظم المخاطبين به بذكر اسمهم ثلاث مرات من الاجمال والتفصيل، فان (أيها) مجمل و (الذين) مفصل بالنسبة إليه ثم الصلة تفصيل للموصول. العاشر أنه عظمهم بصيغة الغيبة. الحادي عشر أنه خص المعرفة بالنداء تنبيها على أنه لا يليق بالخطاب إلا رجال معهودون معروفون بالايمان. الثاني عشر أنه علق الحكم على وصف الايمان تنبيها علي عليه له واقتضائه إياه. الثالث عشر أنه أمرهم بالسعي الذي هو الاسراع بالمشي إما حقيقة أو مجازا كما مر والثاني أبلغ. الرابع عشر أنه رتبه على الشرط بالفاء الدالة على عدم التراخي. الخامس عشر أنه عبر عنها بذكر الله، فوضع الظاهر موضع الضمير إن فسر بالصلاة للدلالة على أنها ذكر الله، فمن تركها كان ناسيا لذكر الله، غافلا عنه، وإن فسر بالخطبة أيضا يجرى فيه مثله. السادس عشر تعقيبه بالامر بترك ما يشغل عنه من البيع. السابع عشر تعقيبه بقوله: (ذلكم خير لكم) وهو يتضمن وجوها من التأكيد الأول نفس تعقيب هذا الكلام لسابقه، والثاني الإشارة بصيغة البعيد المتضمن لتعظيم المشار إليه، والثالث تنكير (خير) إن لم نجعله اسم تفضيل لأنه أيضا للتعظيم. الثامن عشر تعقيبه بقوله: (إن كنتم تعلمون) وهو يتضمن التأكيد من وجوه: الأول نفس هذا الكلام فان العرف يشهد بأنه يذكر في الأمور العظام المرغب فيها (إن كنت تعلم ما فيه من الخير لفعلته). الثاني الدلالة على أن من توانى فيه فإنما هو لجهله بما فيه من الفضل، ففيه تنزيل لبعض العالمين منزلة الجاهلين، ودلالة على أنه لا يمكن أن يصدر الترك أو التواني فيه من أحد إلا عن جهل بما فيه. والثالث أنه ترك الجزاء ليذهب الوهم كل مذهب ممكن، وهو نهاية في المبالغة. والرابع أنه ترك مفعول العلم فاما أن يكون لتنزيله منزلة اللازم فيدل على أنه يكفي في الرغبة والمسارعة إليه وترك ما يشغل عنه الاتصاف بمجرد العلم، و الكون من أهله، أو ترك إبهاما له لتعظيمه، وليذهب الوهم كل مذهب ممكن، فيكون المفهوم أن كل من علم شيئا من الأشياء أسرع إليها، لان فضلها من البديهيات التي ليس شئ أجلى منها. الرابع: ما أكد الحكم به بعد هذه الآية وهو أيضا من وجوه: الأول قوله: (فإذا قضيت الصلاة) فإنه بناء على كون الامر للإباحة كما هو الأشهر والأظهر هنا، دل بمفهوم الشرط على عدم إباحة الانتشار قبل الصلاة. الثاني أن أصل هذا الكلام نوع تأكيد للحكم بإزاحة علتهم في ذلك، أي إن كان غرضكم التجارة فهو ميسور ومقدور بعد الصلاة، فلم تتركون الصلاة لذلك. الثالث تعليق الفلاح بما مر كما مر. الرابع الاتيان به بلفظ الترجي ليعلموا أن تحصيل الفلاح أمر عظيم لا يمكن الجزم بحصوله بقليل من الاعمال، ولامع عدم حصول شرايط القبول، فيكون أحث لهم على العمل ورعاية شرايطه. الخامس لومهم على ترك الصلاة والتوجه إلى التجارة واللهو أشد لوم. السادس بيان المثوبات المترتبة على حضور الصلاة. السابع إجمال هذه المثوبات إيذانا بأنه لا يمكن وصفه ولا يكتنه كنهه ولا يصل عقول المخاطبين إليه. الثامن بيان أن اللذات الأخروية ليست من جنس المستلذات الدنيوية و أنها خير منها بمراتب. التاسع بيان أن الرازق والقادر عليه، فلا ينبغي ترك طاعته وخدمته لتحصيل الرزق، فإنه قادر على أن يحرمكم مع ترك الطاعة ويرزقكم مع فعلها. العاشر بيان أنه خير الرازقين على سبيل التنزل، أي لو كان غيره رازق فهو خير منه، فكيف ولا رازق سواه، ويحتاج إليه كل ما عداه. الحادي عشر تعقيب هذه السورة بسورة المنافقين إيذانا بأن تارك هذه الفضيلة من غير علة منافق، كما ورد في الأخبار الكثيرة من طرق الخاصة والعامة، وبه يظهر سر تلك الأخبار، ويشهد له الامر بقراءتهما في الجمعة، وصلوات ليلة الجمعة و يومها، وتكرر ذكر الله فيهما على وجه واحد. وروي الكليني في الحسن كالصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله أكرم بالجمعة المؤمنين، فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة لهم، والمنافقين توبيخا للمنافقين، ولا ينبغي تركها فمن تركها متعمدا فلا صلاة له. وبالجملة قوله سبحانه في الجمعة (فاسعوا إلى ذكر الله) وقوله (أما إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) وقوله في المنافقين (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) أي لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره سبحانه (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) حيث طلبوا تجارة الدنيا الفانية وربحها فسروا الآخرة الباقية، ذلك هو الخسران المبين، فكل ذلك مما يورث الظن القوى بأن هذه الآية أيضا مسوقة للتهديد على ترك الجمعة أو ما يشملها، ولذا أوردناها ههنا تأييدا لا استدلالا فلا تغفل. * (تفصيل) * * " (ولنذكر الاحكام المستنبطة) " * * " (من تلك الآيات مجملا) " * الأول أن تلك الآيات تدل على وجوب صلاة الجمعة عينا في جميع الأزمان ولنذكر أولا الاختلافات الواقعة فيها، ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالآيات على ما وهو الحق عندي منها. اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب صلاة الجمعة وجوبا عينيا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض شرايطها والكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الامام أو نائبه أم لا؟ وعلى تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب؟ فالامام عندنا هو الذي جهزه الله بحقيقة العلم والحكمة وميزه بالولاية التكوينية وأصدره من لباب المعرفة، ثم نصبه علما هاديا ووليا مرشدا يهدى إلى طريق الحق و صراط مستقيم. - يتلو عليهم آيات الله مبنية، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويرشدهم إلى معالم السنة ويزكيهم عن أدناس الشبهة وفى كل ذلك معتصم بعصمة الله عز وجل مؤيد بالروح القدسي (يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور باذن ربهم ويهديهم إلى صراط مستقيم). فإذا كانت الإمامة بهذا المعنى، والولاية والعصمة من شؤنها وأسرارها، فكيف تقبل النيابة، وكيف يجترئ أحد على ادعائها! أهناك من يقف موقف الامام ويغنى مغناه؟ أو من يقوم بأعباء الإمامة والولاية ويسد مسدها؟ أو هل عرفت أحدا من الفقهاء صدر من لباب العلم والحكمة؟ أو عرف الكتاب - وفيه الهدى والنور - حق معرفته فلم يقل انه ظني الدلالة، أو أيقن بأن هذا... حكم الله عز وجل، ولم يتعذر بأن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم، أو... أو... نعم قد جعل للفقهاء كثر الله أحياءهم منصب القضاء وجواز الافتاء، وذلك من زمن الباقرين عليهما السلام، حيث بلغ كثير من أصحابهما رضوان الله عليهم مبلغ الفتوى وتولية القضاء لكنه منصب لا يتقلده المفتى بعنوان النيابة عن الامام ولذلك لم يختص بزمن الغيبة، بل هو منصب كسائر المناصب المجعولة، يقلدها الامام لمن تصداه كامارة الحاج، وولاية الثغور، وبعث السرايا. فوظيفتهم التورع عن المحارم، والتحري لمعرفة حقائق الاحكام، والاجتهاد في الدين ولو أن أحدا اتبع الشيطان وعبد الطاغوت وتعدى ما بعث لأجله كما فعل خالد بن الوليد حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بنى جذيمة من كنانة، لكان مثله، ولقال فيه الامام كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله رافعا يديه إلى السماء: اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات. وأما الحكومة والقضاء في الأمور التي تعرض الأمة الاسلامية ومجتمعهم، فأمرهم كان إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله، لكنه مع ذلك أمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يستشيرهم في تلك الأمور و يكون هو الأمير في شوراهم، وذلك بعد ما تولوا يوم التقى الجمعان وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وكثر القيل والقال في ذلك حتى أنكروا عليه من الخروج من المدينة، وقد كانوا هؤلاء الناقدين أشاروا إليه صلى الله عليه وآله بأن يغزوا المشركين في أزقة المدينة وحوائطها فأنزل عليه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله)، وهكذا مدح المؤمنين في آية الشورى باستشارتهم في الأمور حيث قال عز وجل: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). فهذه الحكومة والقضاء على الأمة بأجمعهم وتولية أمورهم إنما كان لله ولرسوله بعد المشورة منهم برئاسة الرسول صلى الله عليه وآله، ومن بعده يكون لمن هو صاحب الامر والعزم من الرسول، كما يقول عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). ومعرفة هذه الآية حق معرفتها أن اللام في (الرسول) عوض من المضاف إليه - كما هو الشأن في سائر الموارد - وهكذا اللام في (الامر) ويكون تقدير الكلام أطيعوا الله وأطيعوا رسوله وأطيعوا أولى أمر الرسول، فتجب على المؤمنين إطاعة من أمره رسول الله على المسلمين عند مضيه صلى الله عليه وآله وهم الأئمة الطاهرون كما نص عليهم عز وجل في قوله: (إنما وليكم الله) الآية الكريمة. ومعلوم أن هذا المقام إنما فوض إلى الرسول وأولى أمره لكونهم معصومين أولى الولاية الكبرى، فلا يصح أن يقوم مقامهم أحد من عرض الناس كما لم يكن لاحد أن ينوب عنه ويقف موقفه في الفتيا ولاغيرها من شؤون الإمامة اللهم الا بأن ينعقد سقيفة بنى ساعدة مرة أخرى و... وأما الحكومة والقضاء على الافراد بأشخاصهم، فكل أحد مختار بنفسه ينفذ في نفسه وماله الذي اكتسبه بعمل يديه ما شاء، لا حكومة عليه في أموره الشخصية لاحد، الا لله ولرسوله كما قال عز وجل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أما إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). وإذا كانت الحكومة والقضاء هذه أيضا للأئمة الهادين كما هو الظاهر من آية الولاية، كانت من شؤون الإمامة التي لا يتحصل الا لمن كان معصوما وقد عرفت تمام البحث فيه. فإذا لم يكن للفقيه ولاية على المسلمين، ولا صح كونه نائبا عن وليهم لا يصح له الامر بنداء الصلاة يوم الجمعة ولا وجب على من سمع النداء أن يجيبها، فان النداء لم يكن من قبل الولي حتى يجب الإجابة له، وهذا واضح مما عرفت في آية الجمعة (أما إذا نودي للصلاة) حق الوضوح. على أن صلاة الجمعة لا ريب أنها من شؤون الرئاسة والحكومة وذلك بمعنى فعليتها لاجعل الحكومة شرعا ولذلك ترى رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصل صلاة الجمعة في مكة، مع أنه كان يصلى بجماعة المسلمين في دار الأرقم بن أبي الأرقم، حتى أما إذا هاجر إلى المدينة صلى صلاة الجمعة في أول يوم ورده - وكان يوم الجمعة - وذلك لأنه قد قام على عرش الحكومة الإلهية ذاك اليوم. وهكذا الروايات التي تنص على أن الجمعة إنما تقام بعد حضور سبعة أحدهم الامام وفى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام التصريح بأنهم: الامام، وقاضيه، و المدعى حقا، والمدعى عليه (كأنه عليه السلام يعنى الوكيل المدافع والذي يدعى عليه لقيامه بالأمور الحسبية) والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الامام، تشير إلى أن الجمعة إنما يقيمها ولى المسلمين أما إذا كان له البسطة في الرئاسة والحكومة. وعلى هذا. فلو ثبت لفقهاء الأمة نيابة عن الامام في الحكومة على الناس لما جاز لهم أن يقيموا الجمعة، وهم بعد رعايا السلاطين تسوقهم سوق الأغنام، فكيف ولم يثبت لهم نيابة أبدا. فبدونها يستحب؟ وإن كان شرط الانعقاد فهل هو مخصوص بزمن حضور الامام أو عام أو أنه مخصوص بامكان الوصول بأحدهما حتى لو تعذر كفى إمام الجماعة، أو عام حتى لو تعذر لم تنعقد. فكلام الفاضلين في التحرير والمعتبر والشهيد في الدروس والبيان صريح في أنه شرط الوجوب دون الانعقاد، وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وصريح العلامة في غير التحرير، وظاهر ابن إدريس والمرتضى، بل كل من نسب إليه التحريم في الغيبة. والشهيد في الذكرى والألفية، والشهيد الثاني في شرح [الألفية و] كذا الرسالة أنه شرط الانعقاد، وكلام الشيخ في المبسوط والخلاف مضطرب، والشهيد الثاني في شرح الألفية تردد بين أن يكون شرطا للانعقاد أو للوجوب العيني. ثم الذين شرطوا الانعقاد به، اختلفوا في أنه عام أو مخصوص بزمان الحضور أو مخصوص بامكان أحد الامرين: فصريح الشهيد الثاني في كتبه والشهيد الأول في الذكرى والعلامة في النهاية أنه مخصوص بزمان الحضور، وصريح أبي الصلاح أنه مخصوص بالامكان والمحرمون لها في الغيبة مع بعض الموجبين والمجوزين يعممون الاشتراط إلا أن الموجبين والمجوزين يعدون الفقيه من نواب الامام، وبعضهم وافق ظاهر الشيخ في عد كل من يصلح للإمامة من نوابه. فقد تحقق أن ههنا مقامات: الأول هل الامام أو نائبه شرط أم لا؟ والثاني شرط لأي شئ؟ فيه خمسة أقوال الأول شرط الوجوب، والثاني شرط الوجوب العيني، والثالث شرط الانعقاد مطلقا، والرابع شرط له حين حضور الامام، والخامس شرط له ما أمكن. والثالث النائب من هو؟ فيه وجوه ثلاثة الأول من استنابه الامام بعينه، والثاني هو والفقيه، والثالث هما وكل من يصلح لامامة الجماعة. فأما القائلون بوجوبها عينا في الغيبة فهو أبو الصلاح والمفيد في المقنعة و الاشراف والكراجكي وكثير من الأصحاب، حيث أطلقوا ولم يقيدوا الوجوب بشئ كالكليني والصدوق وساير المحدثين التابعين للنصوص الواردة عن أئمة الدين عليهم السلام أما الكليني فلانه قال: (باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب) ثم أورد الأخبار الدالة على الوجوب العيني، ولم يورد خبرا يدل على اشتراط الامام أو نائبه، حتى أنه لم يورد رواية محمد بن مسلم الآتية التي توهم جماعة دلالتها على اعتبار الامام أو نائبه. ولا يخفى على المتتبع أن قدماء المحدثين لا يذكرون في كتبهم مذاهبهم، و إنما يوردون أخبارا يصححونها، ومنه يعلم مذاهبهم وآراؤهم وكذا الصدوق في الفقيه قال: (باب وجوب الجمعة وفضلها وأورد الاخبار ولم يورد معارضا، ورواية ابن مسلم نتكلم على دلالتها، وعبارته في المقنع كالصريح في ذلك كما سيأتي. وقال - ره - في كتاب المجالس في مجلس أورده لوصف دين الإمامية: (والجماعة يوم الجمعة فريضة وفي ساير الأيام سنة فمن تركها رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له، ووضعت الجمعة عن تسعة: عن الصغير والكبير و المجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين). وتخصيصها بزمان الحضور مع كونه بصدد مذهب الإمامية ليعمل به تلامذته والآخذون عنه من غير قرينة في غاية البعد وكذا ساير المحدثين ظواهر كلماتهم ذلك. ولولا أنه لم يكن ليصلى الجمعة لم اشتبه عليه أن الخطبة في يوم الجمعة مقدم على الصلاة اجماعا من المسلمين. قيل: ولا يبعد أن يكون لفظ الجمعة في كلامه هذا من سهو القلم. وليس بشئ لان الصدوق قد تعرج على ذلك في كتابه علل الشرايع ج ١ ص ٢٥٢ وعيون الأخبار ج ٢ ص ١١٢، حيث أنكر على الفضل روايته بتقديم الخطبة في الجمعة قال: وهكذا صرح بذلك في كتابه المقنع حيث يقول: وإنما جعلت الصلاة يوم الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين: جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين فهي صلاة حتى ينزل الامام ومثله ما في الهداية على ما سيجئ تحت الرقم 71. وممن ظاهر كلامه ذلك الشيخ عماد الدين الطبرسي في كتابه المسمى بنهج العرفان، حيث قال بعد نقل الخلاف بين المسلمين في شروط وجوب الجمعة أن الامامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور، ومع ذلك يشنعون عليهم بتركها، حيث إنهم لا يجوزون الايتمام بالفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيحة. وأما القائلون بالتحريم فهم ابن إدريس وسلار والعلامة في المنتهى، وجهاد التحرير، ونسب إلى الشيخ وعبارته مضطربة، وإلى علم الهدى في مسائل الميافارقيات وهي أيضا ليست بصريحة فيه، لأنه قال: صلاة الجمعة ركعتان من غير زيادة عليهما، ولا جمعة إلا مع إمام عادل أو مع نصبه الإمام العادل، فإذا عدم صليت الظهر أربع ركعات، فيحتمل أن يكون الفقيه أو كل من جمع صفات إمام الجماعة، من المنصوبين من قبل الامام عنده، كما أن الشيخ قال مثل هذا الكلام ثم صرح بالجواز في زمان الغيبة. وقال ابن البراج في النسخة التي عندنا من المهذب: واعلم أن فرض الجمعة لا يصح كونه فريضة إلا بشروط متى اجتمعت صح كونه فريضة جمعة، ووجبت لذلك، ومتى لم يجتمع لم يصح ولم يجب كونه كذلك، بل يجب كون هذه الصلاة ظهرا ويصليها المصلي بنية كونها ظهرا، والشروط التي ذكرناها هي أن يكون المكلف لذلك حرا بالغا كامل العقل، سليما عن المرض والعرج والعمى والشيخوخة التي لا يمكن الحركة معها، وأن لا يكون مسافرا ولا في حكم المسافر، وأن يكون بينه و بين موضع الجمعة فرسخان فما دونهما، ويحضر الإمام العادل أو من نصبه أو من جرى مجراه، ويجتمع من الناس سبعة أحدهم الامام، ويتمكن من الخطبتين ويكون بين الجمعتين ثلاثة أميال. فهذه الشروط أما إذا اجتمعت وجب كون هذه الصلاة فريضة جمعة، ومتى لم يجتمع سقط كونها فريضة جمعة، وصليت ظهرا كما قدمناه، فان اجتمع من الناس خمسة نفر أحدهم الامام، وحصل باقي هذه الشروط، كانت صلاتها ندبا واستحبابا. ويسقط فرضها مع حصول الشروط المذكورة، عن تسعة نفر، وهم: الشيخ الكبير والطفل الصغير والعبد والمرأة والأعمى والمسافر والأعرج والمريض وكل من كان منزله من موضعها على أكثر من فرسخين. ثم قال: وإذا كان الزمان زمان تقية جاز للمؤمنين أن يقيموا في مكان لا يلحقهم فيه ضرر وليصلوا جماعة بخطبتين، فإن لم يتمكنوا من الخطبة صلوا جماعة أربع ركعات، ومن صلى فرض الجماعة مع إمام يقتدي به فليصل العصر بعد الفراغ من فرض الجمعة، ولا يفصل بينهما إلا بالإقامة انتهى. ولا يخفى أن المستفاد من كلامه أولا وآخرا أنه تجب الجمعة عينا مع الامام أو نائبه الخاص أو العام أعني الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، وهو المراد بقوله أو من جرى مجراه، وحمله على أن المراد من نصبه لخصوص الصلاة أو من جرى مجراه بأن نصبه للأعم منه بعيد، مع أنه يشمل الفقيه أيضا، ومع عدم النائب والفقيه ووجود العادل يجب تخييرا مع التمكن من الخطبة فتدبر. ثم أقول: أما إذا عرفت هذه الاختلافات، فالذي يترجح عندي منها الوجوب المضيق العيني في جميع الأزمان، وعدم اشتراط الامام أو نائبه الخاص أو العام لكن المتأخرين من أصحاب التراجم بلغوا بهم مبلغ النيابة الخاصة عن الامام، و تفرع عليه أن يكون سائر الفقهاء رضوان الله عليهم نوابا عامة، فهذا هو أصل الخبر فافهم. بل يكفي العدالة المعتبرة في الجماعة، والعلم بمسائل الصلاة إما اجتهادا أو تقليدا أعم من الاجتهاد والتقليد المصطلح بين الفقهاء، أو العالم والمتعلم على اصطلاح المحدثين. نعم يظهر من الاخبار زائدا على إمام الجماعة القدرة على إيراد الخطبة البليغة المناسبة للمقام، بحسب أحوال الناس، والأمكنة والأزمنة، والأعوام والشهور و الأيام، والعلم بآدابها وشرائطها. فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنه استفيد من تلك الآيات أحكام: الأول: وجوب الجمعة على الأعيان في جميع الأزمان، وجه الاستدلال اتفاق المفسرين على أن المراد بالذكر في الآية الأولى صلاة الجمعة أو خطبتها أوهما معا، حكى ذلك غير واحد من العلماء، والامر للوجوب على ما تحقق في موضعه، لا سيما أوامر القرآن المجيد. والمراد بالنداء الاذان أو دخول وقته كما مر، فالمستفاد من الآية الامر بالسعي إلى صلاة الجمعة أي الاهتمام في إيقاعها لكل واحد من المؤمنين، متى تحقق الاذان لأجل الصلاة أو وقت الصلاة، وحيث كان الأصل عدم التقييد بشرط يلزم عموم الوجوب بالنسبة إلى زمان الغيبة والحضور. واعترض عليه بوجوه: الأول أن كلمة أما إذا غير موضوعة للعموم لغة، فلا يلزم وجوب السعي كلما تحقق النداء. والجواب أن (أما إذا ) وإن لم تكن موضوعة للعموم لغة، لكن يستفاد منها العموم في أمثال هذه المواضع، إما بحسب الوضع العرفي أو بحسب القرائن الدالة عليه، كما قالوا في آية الوضوء وأمثالها، مع أن حمله على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها، ويجب تنزيه كلام الحكيم عنه. وأيضا لا يخلو إما يكون المراد إيجاب السعي ولو في العمر مرة أو إيجابه على سبيل العموم أو إيجابه عند حضور الامام أو نائبه، لا سبيل إلى الأول إذ ظاهر أن المسلمين متفقون على أن ليس المراد من الآية إيجاب السعي مطلقا، بحيث يتحقق بالمرة، بل أطبقوا على أن المراد بها التكرار، ولا سبيل إلى الثالث لكونه خلاف الظاهر من اللفظ إلا لا دلالة للفظ عليه، ولا قرينة تدل عليه، فالعدول عن الظاهر إليه يحتاج إلى دليل واضح، فثبت الثاني وهو المطلوب. وأيضا الخطاب عام بالنسبة إلى جميع المؤمنين، سواء تحقق الشرط المدعى بالنسبة إليه أم لا، فعلى تقدير تجويز أن لم يكن المراد بالآية التكرار يلزم إيجاب السعي على من لم يتحقق الشرط بالنسبة إليه ولو مرة، ويلزم منه الدوام والتكرار لعدم القائل بالفصل. الثاني: أن الخطاب إنما يتوجه إلى الموجودين عند المحققين ولا يشمل من سيوجد إلا بدليل خارج، وليس إلا الاجماع وهو لا يجري في موضع الخلاف. والجواب أن التحقيق أن الخطاب يتوجه إلى المعدومين بتبعية الموجودين إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم كهذه الآية، وقد حقق في محله والاجماع على عدم اختصاص الاحكام بزمانه لم يتحقق على كل مسألة مسألة حتى يقال لا يجري في موضع الخلاف، بل على هذا المفهوم الكلي مجملا، وإلا فلا يمكن الاستدلال بالآيات ولا بالاخبار على شئ من المسائل الخلافية أما إذا ورد بلفظ الخطاب، وهذا سفسطة. مع أن الأخبار المتواترة تدل على عدم اختصاص أحكام القرآن والسنة بزمان دون زمان وأن حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة. الثالث: أن الامر معلق على الاذان فمن أين ثبت الوجوب مطلقا. والجواب أنه يلزم بصريح الآية الايجاب مع تحقق الاذان، ويلزم منه الايجاب مطلقا، مع أنا قد قدمنا أن الظاهر أن المراد دخول وقت النداء. واعترض عليه بوجوه سخيفة أخرى وبعضها يتضمن الاعتراض على الله تعالى إذ لم يرتب متتبع في أن الآية إنما نزلت لوجوب صلاة الجمعة والحث عليها، فقصورها عن إفادة المرام يؤول إلى الاعتراض على الملك العلام، ويظهر الجواب عن بعضها مما قررنا سابقا في تفسير الآيات. ثم إن أمثال تلك الاعتراضات إنما يحسن ممن لم يستدل في عمره بآية ولا خبر على حكم من الاحكام، وأما من كان دأبه الاستدلال بالظواهر والابهامات على الاحكام الغريبة، لا يليق به تلك المناقشات، وهل يوجد آية أو خبر لا يمكن المناقشة في الاستدلال بها بأمثال ذلك. ومن العجب أنهم يقولون: ورد في الخبر أن الذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فيمكن أن يكون المراد به هنا السعي إليه صلى الله عليه وآله: ولا يعرفون أن الأخبار الواردة في تأويل الآيات وبطونها، لا ينافي الاستدلال بظاهرها، فقد ورد في كثير من الاخبار أن الصلاة رجل والزكاة رجل، وأن العدل رسول الله صلى الله عليه وآله والاحسان أمير المؤمنين عليه السلام والفحشاء والمنكر والبغي الثلاثة، وأمثال ذلك أكثر من أن تحصى، وشئ منها لا ينافي العمل بظواهرها، والاستدلال بها، وقد حققنا معانيها وأشبعنا الكلام فيها في تضاعيف هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. الثاني: تدل الآية على شرعية الاذان لتلك الصلاة، وقد مر الكلام فيه والمشهور أن الاذان إنما يؤتى به بعد صعود الامام المنبر، قال في مجمع البيان في قوله تعالى (وإذا نودي) أي اذن لصلاة الجمعة، وذلك أما إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه. قال السائب بن يزيد: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان أحدهما بلال، فكان أما إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا أذن أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر كذلك حتى أما إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل، زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق يقال له الزوراء، وكان يؤذن عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنة، فإذا نزل أقام للصلاة، انتهى، ولذا حكم أكثر الأصحاب بحرمة الاذان الثاني وبعضهم بالكراهة. واختلفوا في أن الحرام أو المكروه هل الثاني زمانا أو وضعا، ويدل على استحباب كون الاذان بعد صعود الامام المنبر، ما رواه الشيخ عن عبد الله بن ميمون عن جعفر، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله أما إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون، لكن تعارضه حسنة إبراهيم بن هاشم عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجمعة فقال أذان وإقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر الخبر. وهذا يدل على استحبابه قبل صعود الامام كما ذهب إليه أبو الصلاح، حيث قال: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالاذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب، والأول مؤيد بالشهرة، ويمكن حمل الثاني على التقية، والتخيير لا يخلو من قوة. الثالث: ربما يتوهم رجحان العدو والاسراع إلى الجمعة، لقوله تعالى: (فاسعوا) وقد عرفت أنه غير محمول على ظاهره، وقد وردت الاخبار باستحباب السكينة والوقار إلا مع ضيق الوقت وخوف فوت الصلاة، فلا يبعد وجوب الاسراع حينئذ. الرابع: بناء على تفسير الذكر بالخطبة فقط أو مع الصلاة، يدل على شرعية الخطبة بل وجوبها إذ الظاهر أن وجوب السعي إليها يستلزم وجوبها، ولا خلاف في وجوب الخطبتين في الجمعة ولا تقديمهما على الصلاة في الجمعة إلا من الصدوق - ره - حيث يقول بتأخير الخطبتين في الجمعة والعيدين وهو ضعيف، وفيها دلالة ما على التقديم إن فسر بالخطبة فقط إذ مع تقديم الصلاة الامر بالسعي إلى الخطبة فقط بعيد، بخلاف ما أما إذا كانتا متقدمتين، فان حضورهما يستلزم حضور الصلاة وهما من مقدماتها. الخامس: استدل بها على وجوب إيقاع الخطبة بعد الزوال، واختلف الأصحاب فيه، فذهب الأكثر منهم المرتضى وابن أبي عقيل وأبو الصلاح إلى أن وقتها بعد الزوال، وقال الشيخ في الخلاف والنهاية والمبسوط أنه ينبغي للامام إذا قرب من الزوال أن يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما أما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس، فإذا زالت نزل فصلى بالناس، واختاره ابن البراج والمحقق و الشهيدان، وظاهر ابن حمزة وجوب التقديم وجواز التقديم لا يخلو من قوة، ويدل عليه صحيحة ابن سنان وغيرها. واحتج المانعون بهذه الآية حيث أوجب السعي بعد النداء الذي هو الاذان فلا يجب قبله، وأجيب بأنه موقوف على عدم جواز الاذان يوم الجمعة قبل الزوال وهو ممنوع. السادس: تدل الآية على تحريم البيع بعد النداء ونقل الاجماع عليه العلامة وغيره، والاستدلال بقوله: (وذروا البيع) فإنه في قوة اتركوا البيع بعد النداء وربما يستدل عليه بقوله تعالى: ((فاسعوا) بناء على أن الفورية تستفاد من ترتب الجزاء على الشرط، والامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، وهذا على تقدير تمامه إنما يدل على التحريم مع المنافاة والمشهور التحريم مطلقا. ثم اعلم أن المذكور في عبارة أكثر الأصحاب تحريم البيع بعد الاذان حتى أن العلامة في المنتهى والنهاية نقل إجماع الأصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء ولو كان بعد الزوال، وفي الارشاد أناط التحريم بالزوال، وتبعه الشهيد الثاني في شرحه، وهو ضعيف، إلا أن يفسر النداء بدخول وقته فتدل الآية عليه. واختلف الأصحاب في تحريم غير البيع من العقود والايقاعات والمشهور عدم التحريم، وذهب بعضهم إلى التحريم للمشاركة في العلة المومى إليها، بقوله (ذلكم خير لكم) وبأن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، والأخير إنما يتم مع المنافاة، والدعوى أعم من ذلك، والأحوط الترك مطلقا لا سيما مع المنافاة، و هل الشراء مثل البيع في التحريم؟ ظاهر الأصحاب ذلك وحملوا البيع الواقع فيها على ما يعم الشراء وللمناقشة فيه مجال. واختلفوا أيضا فيما لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي، فذهب جماعة من المتأخرين إلى التحريم، والمحقق إلى عدمه، وفاقا للشيخ، فإنه كرهه والأحوط الترك، لا سيما أما إذا اشتمل على معاونة الاخر على الفعل. ثم اختلفوا في أنه مع التحريم هل يبطل العقد فالمشهور عدم البطلان، لان النهي في المعاملات لا يستلزم الفساد عندهم، وذهب ابن الجنيد والشيخ في المبسوط والخلاف إلى عدم الانعقاد ولعل الأول أقوى. السابع: في الآية الأخيرة دلالة على وجوب الحضور في وقت الخطبة إن فسر قوله: (وتركوك قائما) على القيام في وقت الخطبة، ولعله لا خلاف فيه، إنما اختلفوا في وجوب الانصات، فذهب الأكثر إلى الوجوب وذهب الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر إلى أنه مستحب، وعلى تقدير الوجوب هل يجب أن يقرب البعيد بقدر الامكان؟ المشهور بينهم ذلك، ولا يبعد كون حكمه حكم القراءة، فلا يجب قرب البعيد واستماعه. وكذا اختلفوا في تحريم الكلام فذهب الأكثر إلى التحريم فمنهم من عمم التحريم بالنسبة إلى المستمعين والخطيب، ومنهم من خصه بالمستمعين، ونقل عن الشيخ الجليل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنه قال في جامعه أما إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت، وذهب الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف والمحقق إلى الكراهية، ولعله أقرب، ومن القائلين بالتحريم من صرح بانتفاء التحريم بالنسبة إلى البعيد الذي لا يسمع ولا صم لعدم الفائدة، ومن المتأخرين من صرح بعموم التحريم، ولم يصرح الأكثر ببطلان الصلاة أو الخطبة بالكلام، والأقرب العدم، قال العلامة في النهاية: ولا تبطل جمعة المتكلم وإن حرمناه إجماعا، والخلاف في الاثم وعدمه، والظاهر تحريم الكلام أو كراهته بين الخطبتين، ولا يحرم بعد الفراغ منهما، ولا قبل الشروع فيهما اتفاقا.
الهوامش37
[٣]دعائم الاسلام ج ١ ص ١٩٩، وتراه في الفقيه ج ١ ص ٢٩٤، التهذيب ج ١ ص ٣٣٨.ص 119
[1]دعائم الاسلام ج 1 ص 199.ص 120
[2]دعائم الاسلام ج 1 صص 120
[3]دعائم الاسلام ج 1 ص 199.ص 120
[٢]الكافي ج ٣ ص ٤٥٦.ص 121
[٣]التهذيب ج ١ ص ٣٠٤.ص 121
[١]البقرة: ٢٣٨، وقد مر الكلام فيها في ج ٨٢ ص ٢٧٧.ص 122
[٢]الجمعة: ٩ - 11.ص 122
[١]المنافقون: ٩.ص 123
[٢]ومن الآيات الكريمة التي تشير إلى نداء الاذان للصلوات قوله تعالى عز وجل (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا) المائدة: ٥٨، الا أنه في سائر الأيام و مطلق الصلوات يقول: (أما إذا ناديتم) بصيغة الجمع، كأنه يجوز نداءات متعددة: نداء للصلاة في مسجد الزقاق، ونداء للصلاة في مسجد القبيلة، ونداء للصلاة في المسجد الأعظم فيجوز انعقاد جماعات متعددة في بلدة واحدة.ص 123
[١]مجمع البيان ج ١٠ ص ٢٨٨.ص 124
[٢]كأنه يعرض بالنداء الأول الذي ابتدعه عثمان، فجعل مؤذنا يؤذن عند الزوال على دار له بالسوق يقال له الزوراء، ثم أما إذا جلس على المنبر أذن مؤذن المسجد أخرى طبقا لما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله.ص 124
[٣]المائدة: ٦.ص 124
[1]وفيه لغة ثالثة على ما حكاه الطبرسي في المجمع عن الفراء وهي الجمعة كضحكة وهمزة، وفى المغرب أن الجمعة اسم للاجتماع كما أن الفرقة اسم للافتراق.ص 125
[2]المراد بالسعي، هو الاسراع في المضي والاهتمام بالوصول إلى محل النداء حتى أنه لو وجد فراغا وساحة هرول هرولة كما يسعى الحاج بطواه بين الصفا والمروة.ص 125
[١]مجمع البيان ج ١٠ ص ٢٨٨.ص 126
[٢]الصافات: ١٠٩ النجم: 40، ولكن المراد من السعي في الآية الأولى هو السعي بين الصفا والمروة قطعا، وذلك لان إبراهيم ص وابنه إسماعيل بعد ما فرغا من رفع قواعد البيت دعو الله عز وجل قالا: ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم... وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم (البقرة: 128).ص 126
[1]وجه الحديث أن هذا السعي المأمور به، إنما هو للاجتماع مع جمهور المسلمين في مكان واحد، ومن لوازم هذا الاجتماع الوافر أن يتهيأ كل واحد منهم بالطهارة الفطرية لئلا ينفر طباع المجتمعين من اجتماعهم، وهذه الطهارة الفطرية كما أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنها إنما هو قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاغتسال وترجيل الشعر والتطيب ان قدر على ذلك ولبس الثياب النظيفة، فإذا نودي أحدهم بأن يسعى إلى تلك الجماعة الوافرة، فكأنه نودي بأن يتحصل على هذه الطهارة الفطرية أولا ثم يحضر الجماعة، وهذا واضح بحمد الله.ص 127
[1]مجمع البيان ج 10 ص 288 و 289.ص 128
[2]وجه الحديث أن الامر بالانتشار والابتغاء من فضل الله إنما هو أمر إباحة لكونه واقعا عقيب الحظر، فلا يدل على رجحان الانتشار أبدا، كيف وقد سمى الله عز وجل هذا اليوم يوم جمعة وندب بذلك إلى اجتماع المسلمين وتزاورهم وتباشرهم من أول اليوم إلى آخره، فعلى هذا يكون تمام اليوم يوم اجتماع وعيد كما تلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك وعند الزوال وقت إجابة النداء للصلاة المعهودة، وبعدها وقت صلاة العصر وتعقيبها بذكر الله عز وجل على ما يدل عليه ذيل هذه الكريمة، فلا يكون موقع للانتشار الا يوم السبت.ص 128
[١]هذا الامر بالذكر بخلاف الامرين قبله - حيث كانا لرفع الحظر - أمر توكيد يفرض تعقيب صلاة الجمعة بذكر الله عز وجل كثيرا وقد مر في باب تسبيح الزهراء عليها السلام أنه من الذكر الكثير، فلا أقل منها.ص 129
[2]مجمع البيان ج 10 ص 289.ص 129
[١]النور: ٣٧.ص 130
[٢]ظاهر سياق الآية وعدم اتساقها مع سائر آيات السورة، يدل على أنها نزلت في سياق آيات أخر تذم المنافقين ومن حذا حذوهم بأنهم لا يهتمون بصلاتهم، حتى أنهم في يوم الجمعة أو العيدين ربما آثروا اللهو والتجارة على خطبة النبي صلى الله عليه وآله ومواعظه، فتركوه قائما يخطب وليس حوله الا قليل من المسلمين.ص 130
[1]مجمع البيان ج 10 ص 287.ص 132
[2]دحية بن خليفة الكلبي هذا من الذين شهدوا بدرا، ويدل الرواية ان صحت أن ذلك كان أوائل نزوله صلى الله عليه وآله بالمدينة حين يصلى بهم الجمعة سنة متبعة لا فرضا بعد نزول سورة الجمعة، فيؤيد بعض ما قلناه.ص 132
[١]الكافي ج ٣ ص ٤٢٥.ص 138
[١]الإمامة التي تعتقدها الشيعة الإمامية إنما تساوق معنى الولاية وتستلزم العصمة من الله عز وجل في العلم والعمل متأيدة بالروح القدس وإشاراته والهاماته، وهذا معنى لا يتصور في النيابة حتى يدعيها مدع، الا من اشتبه عليه لفظ الإمامة بالمعنى الذي تعتقده الجمهور حيث لا يتعقدون بالعصمة والولاية وإنما هي عندهم بمعنى سياسة شؤنهم وتدبير أمرهم كما كان يتكفل السلاطين والامراء شؤون أمتهم وسياسة مجتمعهم.ص 139
[١]الكافي ج ٣ ص ٤١٨.ص 143
[١]الفقيه ج ١ ص ٢٦٦.ص 144
[٢]أمالي الصدوق: ٣٨٣.ص 144
[٣]قالوا: ومما يدل على أن الشيعة في عهد الصدوق لم يكن يصلى الجمعة أنه قال في الفقيه: وقال أبو عبد الله عليه السلام: أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لأنه كان أما إذا صلى لم يقف الناس على خطبته وتفرقوا وقالوا ما نصنع بمواعظه وهو لا يتعظ بها وقد أحدث ما أحدث، فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة.ص 144
[1]المراد بالنائب الخاص أمثال العمرى وابن روح من وكلاء الناحية، وقد كانوا رضوان الله عليهم في سالف الأزمان عند قدماء الأصحاب والمترجمين لهم لا يعرفون الا بأنهم سفراء الناحية ووكلاء الامام في أخذ الوجوهات البرية من المؤمنين وانفاقها فيما يأمرهم به أو ايصالها إليه عليه السلام، كما كانوا ينفذون في بعض الأحيان كتبهم ورسائلهم إليه ثم ايصال توقيعه عليه السلام إليهم، وهذا غير النيابة عن الامام كما هو واضح.ص 146
[1]مجمع البيان ج 10 ص 288.ص 149
[١]التهذيب ج ٣ ص ٢٤٤ ط نجف.ص 150
[٢]الكافي ج ٣ ص ٤٢٤ في حديث.ص 150
[١]التهذيب ج ٣ ص ١٢ ط نجف ج 1 ص 248 ط حجر.ص 151