الصحيفة السجادية: وكان من دعائه عليه السلام في يوم الأضحى ويوم الجمعة: اللهم هذا يوم مبارك ميمون، والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السائل منهم والطالب والراغب والراهب - إلى قوله - اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك - إلى قوله - حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا - إلى قوله عليه السلام - وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم إلى آخر الدعاء . ووجه الدلالة أنه ذكر في وصف اليوم وبيان فضله أن المسلمين يجتمعون في أقطار الأرض، ومعلوم أن اجتماعهم كانوا لصلاة الجمعة والعيد، ولم يكونوا مأذونين منه عليه السلام لغاية خوفه واختفائه، وكذا الأزمان بعده إلى زمان القائم، فلابد من مصداق لهذا الاجتماع في زمانه عليه السلام وأكثر الأزمان بعده، حتى يحسن تعليمهم مثل هذا الدعاء. ولما كان في البلاد الذي كان فيه حاضرا فارغا لم يجز لغيره التقدم عليه أشار إلى خصوص هذا المقام فقال عليه السلام: (إن هذا المقام لخلفائك) وشكى إلى الله سبحانه ذلك، أو أنه لما كان من الحكم العظيمة للجمعات والأعياد ظهور دولتهم عليهم السلام و تمكنهم، وأمرهم ونهيهم، وإرشادهم، وكان في تلك الأزمان الامر بعكس ذلك تظهر فيها دولة المتغلبين والغاصبين، وتقوى فيها بدعهم وإضلالهم، فأشار بتلك المناسبة إلى الخلافة الكبرى التي ادعوها وابتزوها وغصبوها. فان قيل ذكر اجتماعهم لا يدل على رجحان بل هو بيان لأمر واقعي، قلنا معلوم من سياق الكلام حيث ذكر لبيان كرامة اليوم وشرافته، ولتمهيد الدعاء وإدخال نفسه المقدسة في جملتهم إما تواضعا أو تعليما أنه في مقام التحسين والتجويز، ولو كان اجتماعهم كذلك بدعة وحراما لكان مثل أن يقول أحد: اللهم إن هذا يوم مبارك يجتمع فيه الناس في أقطار الأرض لشرب الخمور وضرب الدفوف والمعازف واللعب بالقمار والملاهي، ويطلبون حوائجهم فأسئلك أن توفر حظي ونصيبي منه. والعجب أن جماعة من المانعين استدلوا بالعبارة الأخيرة على عدم وجوب صلاة الجمعة في أزمنة الغيبة، بل بعضهم على حرمتها، حيث قالوا: هذا المقام إشارة إلى إمامة الجمعة والعيد والخطبة وقوله: (لخلفائك) يدل على الاختصاص بهم وكذا قوله (قد اختصصتهم بها) وقوله: (قد ابتزوها) فان الابتزاز هو الاستلاب والاخذ قهرا. والجواب أما أولا فبما عرفت أن المشار إليه بهذا المقام يحتمل أن يكون الخلافة الكبرى، لظهور آثارها في هذا اليوم، بقرينة قوله بعد ذلك (حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا و فرائضك محرفة من جهات إشراعك، وسنن نبيك متروكة) إذ ظاهر أن الأمور المذكورة مما يترتب على الولاية الكبرى، والخلافة العليا. وثانيا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى الصلاة والخطبة، يمكن إرجاعه إلى الصلاة المخصوصة، إذ إرجاع الضمير إلى الخاص أولى من إرجاعه إلى العام المتحقق في ضمن الخاص، كما أما إذا أشير إلى هذا بزيد وأريد به زيد أو الانسان المتحقق في ضمنه، وظاهر أن الأول أظهر وأحق بكونه حقيقة، والصلاة المخصوصة كانت صلاة [محرمة] ظ لحضور الامام بغير إذنه عليه السلام مع قهره عليه السلام على الحضور والاقتداء به، فلا يدل على المنع من غيرها. وثالثا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى مطلق الصلاة يكفي لصدق الاختصاص المستفاد من اللام كونهم أحق بها في الجملة، مع أنه قد حقق المحقق الدواني في حواشيه على شرح المختصر العضدي أن هذا الاختصاص ليس بمعنى الحصر بل يكفي فيه ارتباط مخصوص، كما يقال: الجل للفرس وقد حققنا ذلك في الفرائد الطريفة في شرح الحمد لله. وقوله: (ابتزوها) في بعض النسخ على بناء الفاعل، وفي بعضها على بناء المفعول، فعلى الأول ظاهر أن الضمير المرفوع راجع إلى خلفاء الجور، وأتباعهم الغاصبين لحقوقهم، وعلى الثاني أيضا المراد ذلك لان شيعتهم ومواليهم الذين يفعلونها إطاعة لأمرهم، وإحياء لذكرهم، لا يصدق عليهم أنهم ابتزوها منهم، كما أن النائب الخاص خارج منهم اتفاقا. ورابعا بأنه يمكن تعميم الخلفاء والأصفياء والامناء بحيث تشمل فقهاء الشيعة ورواة أخبار الأئمة، كما روى الصدوق وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي قيل له: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي: يروون حديثي وسنتي، وفي رواية أخرى زاد فيه: ويعلمون الناس بعدي، لكن في هذا الوجه بعد، نعم لا يبعد حمل الامناء بل الأصفياء على الشيعة، لا سيما علماؤهم، والتأسيس أولى من التأكيد. * (تتميم) * أقول: جملة القول في هذا المسألة التي تحيرت فيها الأوهام، واضطرب فيها الاعلام، أنه لا أظن عاقلا يريب في أنه لو لم يكن الاجماع المدعى فيها، لم يكن لاحد مجال شك في وجوبها على الأعيان في جميع الأحيان والأزمان كما في ساير الفرائض الثابتة بالكتاب والسنة فكما ليس لأحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر وزكاة الغنم مشروطان بوجود الامام وحضوره وإذنه، كذا ههنا لعدم الفرق بين الأدلة الدالة عليها. لكن طرأ ههنا نقل إجماع من الشيخ وتبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في ساير المسائل، فهو عروتهم الوثقى، وحجتهم العظمى، به يتصاولون، وعليه يتطاولون، فاشتهر في الأصقاع، ومالت إليه الأطباع، والاجماع عندنا على ما حققه علماؤنا رضوان الله عليهم في الأصول هو قول جماعة من الأمة يعلم دخول قول المعصوم في أقوالهم، وحجيته إنما هو باعتبار دخول قوله عليه السلام، فهو كاشف عن الحجة، والحجة إنما هي قوله عليه السلام. قال المحقق - ره - في المعتبر: وأما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام قول المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما، بل باعتبار قوله، ولا تغتر أما إذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الأصحاب مع جهالته قول الباقين، إلا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة انتهى. والاجماع بهذا المعنى لا ريب في حجيته على فرض تحققه، والكلام في ذلك. ثم إنهم قدس الله أرواحهم لما رجعوا إلى الفروع، كأنهم نسوا ما أسسوه في الأصول فادعوا الاجماع في أكثر المسائل، سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا، وافق الروايات المنقولة فيها أم لا حتى أن السيد رضي الله عنه وأضرابه كثيرا ما يدعون الاجماع فيما يتفردون في القول به، أو يوافقهم عليه قليل من أتباعهم، وقد يختار هذا المدعي للاجماع قولا آخر في كتابه الاخر، وكثيرا ما يدعي أحدهم الاجماع على مسألة ويدعى غيره الاجماع على خلافه. فيغلب الظن على أن مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول بأن سموا الشهرة عند جماعة من الأصحاب إجماعا كما نبه عليه الشهيد - ره - في الذكرى وهذا بمعزل عن الحجية ولعلهم إنما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره من الدلائل التي ظهرت لهم. ولا يخفى أن في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الاجماع، إذ مع فرض إمكان الاطلاع على مذاهب جميع الامامية، مع تفرقهم وانتشارهم في أقطار البلاد، والعلم بكونهم متفقين على مذهب واحد، لا حجة فيه، لما عرفت أن العبرة عندنا بقول المعصوم، ولا يعدم دخوله فيها. وما يقال: من أنه يجب حينئذ على المعصوم أن يظهر القول بخلاف ما أجمعوا عليه، لو كان باطلا، فلو لم يظهر ظهر أنه حق، لا يتم، سيما أما إذا كانت في روايات أصحابنا رواية بخلاف ما أجمعوا عليه، إذ لافرق بين أن يكون إظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان أنه قول فقيه، وبين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجودة في روايات أصحابنا. بل قيل إنه على هذا لا يبعد القول أيضا بأن قول الفقيه المعلوم النسب أيضا يكفي في ظهور الخلاف، وإن كان في زمان الحضور، أي ادعوا أنه يتحقق الاجماع في زمان حضور إمام من الأئمة عليهم السلام، فإن لم يعلم دخول قول الإمام بين أقوالهم فلا حجية فيه أيضا، وإن علم فقوله كاف، ولا حاجة إلى انضمام الأقوال الأخر إلا أن لا يعلم الامام بخصوصه، وإنما يعلم دخوله لأنه من علماء الأمة، وهذا فرض نادر يبعد تحققه في زمان من الأزمنة. وأيضا دعوى الاجماع إنما نشأ في زمن السيد والشيخ ومن عاصرهما ثم تابعهما القوم، ومعلوم عدم تحقق الاجماع في زمانهم، فهم ناقلون عمن تقدمهم فعلى تقدير كون المراد بالاجماع هذا المعنى المعروف، لكان في قوة خبر مرسل، فكيف يرد به الأخبار الصحيحة المستفيضة، ومثل هذا يمكن أن يركن إليه عند الضرورة، وفقد دليل آخر أصلا. وما قيل من أن مثل هذا التناقض والتنافي الذي يوجد في الاجماعات يكون في الروايات أيضا، قلنا: حجية الاخبار ووجوب العمل بها مما تواترت به الاخبار، و استقر عليه عمل الشيعة، بل جميع المسلمين في جميع الأعصار، بخلاف الاجماع الذي لا يعلم حجيته ولا تحققه، ولا مأخذه ولا مراد القوم منه، وبالجملة من تتبع موارد الاجماعات وخصوصياتها، اتضح عليه حقيقة الامر فيها. وأما الاجماع المدعى ههنا بخصوصه، فله جهات مخصوصة من الضعف. منها تحقق الخلاف في المسألة من الشيخ المفيد الذي هو أفضل وأقدم، والكليني والصدوق وأبي الصلاح والكراجكي فكيف يقبل دعوى الاجماع مع ذلك، و مع أنهم عللوا الاجماع هنا بعلة ضعيفة بخلاف ساير الاجماعات. قال في المعتبر: والبحث في مقامين أحدهما في اشتراط الامام أو نائبه، والمصادمة مع الشافعي ومعتمدنا فعل النبي صلى الله عليه وآله فإنه كان يعين لصلاة الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء، فكما لا يصح أن يصب الانسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام كذا إمامة الجمعة، وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار، فمخالفته خرق للاجماع انتهى. وقال الشهيد الثاني: مع تسليم اطراده في جميع الأزمنة نمنع دلالته على الشرطية، بل هو أعم منها، والعام لا يدل على الخاص، والظاهر أن تعيين الأئمة إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة، ورد الناس إليه بغير تردد، و اعتمادهم على تقليده بغير ريبة، واستحقاقه من بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة الكبيرة من أركان الدين. ويؤيد ذلك أنهم يعينون لامامة الصلوات اليومية أيضا، والاذان وغيرهما من الوظائف الدينية مع عدم اشتراطها باذن الامام باجماع المسلمين، ولم يزل الامر مستمرا في نصب الأئمة للصلوات الخمس والاذان ونحوهما أيضا من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا من الخلفاء والسلاطين، وأئمة العدل والجور، كل ذلك لما ذكرنا من الوجه، لا للاشتراط، وهذا أمر واضح، لا يخفى على منصف انتهى. ومنها أن ظاهر كلام أكثرهم أن هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام، والتمكن منه كما أومأ إليه المحقق، حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام، وأما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه. قال الشهيد الثاني روح الله روحه: إن الذي يدل عليه كلام الأصحاب أن موضع الاجماع المدعى إنما هو حال حضور الامام، وتمكنه، والشرط المذكور حينئذ إنما هو إمكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة لأنهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه أولا، ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه، ويختارون جوازها حينئذ أو استحبابها، معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به عن المسألة، وصرحوا به في الموضعين، فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع، لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك، بل اختيار جواز فعلها بدونه أيضا فإنهم يصرحون بأنه شرط للوجوب، ثم يذكرون الحكم بعد الغيبة، ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب وهو دليل بين على أن الوجوب الذي يجعلونه مشروطا بالامام عليه السلام وما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العيني حين حضوره، بناء منهم على أن ما عداه لا يسمونه واجبا، وإن أمكن إطلاقه عليه من حيث أنه واجب تخييري، وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع، لو تم في غيره. ومنها أن كلامهم في الاذن مشوش، فبعض كلماتهم يدل على الاذن لخصوص الشخص، لخصوص الصلاة، أو لما يشملها، وبعضها على الاذن الشامل للاذن العام للفقيه، وبعضها على الأعم من ذلك حتى يشمل كل من يصلح للإمامة، فتسقط فائدة النزاع. قلنا: ذلك مأذون فيه ومرغب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الامام من يصلي بهم انتهى. فظهر أن الاذن الذي ادعي الاجماع على اشتراطه يشمل الاذن العام لسائر من يمكنه أن يأتي بها، فيرد عليه أنه لا ريب أن أصل صلاة الجمعة كانت واجبة عينا والباعث على عدم وجوبها في زمان الغيبة باعتقادكم عدم الإذن، فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص، فأي مانع من الوجوب العيني؟ ولذا حمل كلامه هذا جماعة على الوجوب العيني، وقالوا مأذون فيه ومرغب فيه، لا ينافي ذلك لما رأوا أنه يلزمه ذلك وإن كان بعيدا من كلامه. وقال - ره - في المبسوط: وأما الشروط الراجعة إلى صحة الانعقاد، فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان، وقال بعد ذلك بجواز صلاة الجمعة في زمان الغيبة، وبينهما تناف ظاهرا، ويمكن أن يوجه بوجهين أحدهما تخصيص الأول بزمان الحضور، والثاني أن يقال: من يأمره السلطان أعم من أن يكون منصوبا بخصوصه أو مأذونا من قبلهم، ولو بالألفاظ العامة على ما استفيد من الخلاف. وقال العلامة قدس سره في المختلف بعد ما حكى المنع من ابن إدريس: والأقرب الجواز، ثم استدل بعموم الآية والاخبار، ثم حكى حجة ابن إدريس على المنع بأن شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه الامام إجماعا، ثم قال: والجواب بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، وأيضا فانا نقول بموجبه لان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام على العموم انتهى. والذي يغلب على الظن ولعله ليس من بعض الظن أن الذي دعى القوم إلى دعوى الاجماع على اشتراط الاذن أحد أمرين: الأول إطباق الشيعة على ترك الاتيان بها علانية في الاعصار الماضية خوفا من المخالفين، لأنهم كانوا يعينون لذلك أئمة مخصوصين في البلاد، ولم يكن يتمكن أحد من الاتيان بها إلا معهم، وكان يلزم المشاهير من العلماء الحضور في مساجدهم ولو كانوا يفعلون في بيوتهم كان نادرا مع نهاية السعي في الاستتار، فظن أن تركهم إنما هو لعدم الاذن. الثاني أن المخالفين كانوا يشنعون عليهم بترك الجمعة، ولم يمكنهم الحكم بفسقهم وكفرهم، فكانوا يتعذرون بعدم إذن الإمام، وعدم حضوره دفعا لتشنيعهم، و كان غرضهم عدم الإذن للتقية، وعلى هذا يظهر وجه تشويش كلام الشيخ وتنافر أجزائه كما لا يخفى على المتأمل. فاعتبر أيها العاقل الخبير أنه يجوز لمنصف أن يعول على مثل هذا الاجماع مع هذا التشويش والاضطراب، والاختلاف بين ناقليه، مع ما عرفت مع ما في أصله من البعد والوهن، ويعرض عن مدلولات الآيات والاخبار الصريحة الصحيحة، وهل يشترط في التكليف بالكتاب والسنة عمل الشيخ ومن تأخر عنه إلى زمان الشهيد حيث يعتبر أقوال أولئك ولا يعتبر أقوال هؤلاء، مع أنه لا ريب أن هؤلاء أدق فهما وأذكى ذهنا وأكثر تتبعا منهم، ونرى أفكارهم أقرب إلى الصواب في أكثر الأبواب وابتداء الفحص والتدقيق وترك التقليد للسلف نشأ من زمان الشهيد الأول قدس الله لطيفه، وإن أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك. قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه في كتاب الرعاية: إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ، كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به، فلما جاء المتأخرون، وجدوا أحكاما مشهورة، قد عمل بها الشيخ ومتابعوه، فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ، وأن الشهرة إما حصلت بمتابعته، ثم قال: وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي والسيد رضي الدين بن طاوس وجماعة. قال السيد في كتابه المسمى بالبهجة الثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح ورام ابن أبي فراس قدس الله روحه: أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للامامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك، وقال السيد عقيب ذلك: والآن قد ظهر أن الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين. وقال طيب الله مضجعه في رسالة صلاة الجمعة، بعد أن أورد بعض الأخبار الدالة على وجوبها: فهذه الأخبار الصحيحة الطرق، والواضحة الدلالة، التي لا يشوبها شك ولا يحوم حولها شبهة من طريق أهل البيت في الامر بصلاة الجمعة، و الحث عليها، وإيجابها على كل مسلم عدا ما استثني، والتوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر، والعياذ بالله، كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز، وتركت غيرها من الاخبار حسما لمادة النزاع ودفعا للشبهة العارضة في الطريق. وليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام، ولامن نصبه، ولا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة، فكيف ينبغي للمسلم الذي يخاف الله أما إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله وأئمته بهذه الفريضة، وايجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها، ويهملها إلى غيرها، ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها، وأمر الله تعالى ورسوله وخاصته عليهم السلام أحق، ومراعاته أولى، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ولعمري لقد أصابهم الأول، فليرتقبوا الثاني إن لم يعف الله ويسامح، نسأل الله تعالى العفو والعافية. وقد يحصل من هذين أن من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله تعالى وأمره في الآية الكريمة، بهذه الفريضة العظيمة، وتهديده عن الالهاء عنها، ومن كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي صلى الله عليه وآله وقول الأئمة أنها واجبة على كل مسلم، ومن كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى: (من يفعل ذلك) يعني الالهاء عنها (فأولئك هم الخاسرون) وقولهم عليهم السلام من تركها على هذا الوجه طبع الله على قلبه لان (من) موضوعه لمن يعقل إن لم يكن أعم. فاختر لنفسك واحدا من هذه الثلاث، وانتسب إلى اسم من هذه الأسماء أعني الايمان أو الاسلام أو العقل، وادخل تحت مقتضاه، أو التزم قسما رابعا إن شئت، نعوذ بالله من قبح المدلة وتيه الغفلة. ثم قال - ره - بعد ما بين حقيقة الاجماعات المنقولة، وضعف الاحتجاج بها لا سيما المنقول منها بخبر الواحد: والله تعالى شهيد وكفى بالله شهيدا أن الغرض من كشف هذا كله ليس إلا تبيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذي يألفه الأنام، ولو لاه لكان عنه أعظم صارف، والله تعالى يتولى أسرار عباده، ويعلم حقايق أحكامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم قال: حتم ونصيحة: أما إذا اعتبرت ما ذكرناه من الأدلة على هذه الفريضة المعظمة، وما ورد من الحث عليها في غير ما ذكرناه مضافا إليه، وما أعده الله من الثواب الجزيل عليها، وعلى ما يتبعها ويتعلق بها يوم الجمعة من الوظائف و الطاعات وهي نحو مائة وظيفة، وقد أقررنا عيونها في رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيات يوم الجمعة، ونظرت إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الأمة، كما جعل لكل أمة يوما يفرغون إليه، وفيه يجتمعون على طاعته، واعتبرت الحكم الإلهية الباعثة على الامر بهذا الاجتماع، وإيجاب الخطبة المشتملة على الموعظة، وتذكير الخلق بالله تعالى، وأمرهم بطاعته، وزجرهم عن معصيته، وتزهيدهم في هذه الدار الفانية، وترغيبهم في الدار الآخرة الباقية، المشتملة على ما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحثهم على التخلق بالأخلاق الحميدة، واجتناب الصفات الرذيلة، وغير ذلك من المقاصد الجميلة، كما يطلع عليها من طالع الخطب المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وغيرهما من الأئمة الراشدين والعلماء الصالحين. علمت أن هذا المقصد العظيم الجليل لا يليق من الحكيم إبطاله، ولا يحسن من العاقل إهماله، بل ينبغي بذل الهمة فيه، وصرف الحيلة إلى فعله، وبذل الجهد في تحصيل شرائطه ورفع موانعه، ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة، ويحوز هذه المثوبة الفاضلة. ثم أورد - ره - أخبارا كثيرة دالة على فضل يوم الجمعة وعباداتها وصلاة الجمعة والمباكرة إليها، وأن الصلاة أشرف العبادات وأن الصلاة الوسطى من بينها أفضلها. ثم قال: وأصح الأقوال أنها صلاة الظهر، وصلاة الظهر يوم الجمعة هي صلاة الجمعة على ما تحقق أو هي أفضل فرديها على ما تقرر، فقد ظهر من جميع المقدمات القطعية أن صلاة الجمعة أفضل الأعمال الواقعة من المكلفين بعد الايمان مطلقا، وأن يومها أفضل الأيام، فكيف يسع الرجل المسلم الذي خلقه الله لعبادته، وفضله على جميع بريته، وبين له مواقع أمره ونهيه، وعرضه لتحصيل السعادات الأبدية والكمالات النفسية السرمدية، وأرشده إلى هذه العبادة المعظمة السنية، ودله على متفرعاتها العلية أن يتهاون في هذه الجليلة، أو بحرمة هذا اليوم الشريف ويصرفه في البطالة وما في معناها، فان من قدر على اكتساب درة يتيمة قيمتها مائة ألف دينار، مثلا في ساعة خفيفة، فأعرض عنها أو اكتسب بدلها خرقة قيمتها فلس، يعد عند العقلاء في جملة السفهاء الأغبياء، وأين نسبة الدنيا بأسرها إلى ثواب فريضة واحدة. مع ما قد استفاض بطريق أهل البيت أن صلاة فريضة خير من الدنيا وما فيها فما ظنك بفريضة هي أعظم الفرائض، وأفضلها، على تقدير السلامة من العقاب، و الابتلاء بحرمان الثواب، فكيف بالتعرض لعقاب ترك هذه الفريضة العظيمة، والتهاون في حرمتها الكريمة، مع ما سمعت من توعد الله ورسوله وأئمته بالخسران العظيم والطبع على القلب، والدعاء عليهم من تلك النفوس الشريفة بما سمعت، إلى غير ذلك من الوعيد وضروب التهديد، على ترك الفرائض مطلقا فضلا عنها. وتعلل ذوي الكسالة وأهل البطالة المتهاونين بحرمة الجلالة في تركها، بمنع بعض العلماء من فعلها في بعض الحالات، مع ما عرفت من شذوذه وضعف دليله، معارض بمثله في الامر بها والحث عليها، والتهديد لتاركها من الله ورسوله وأئمته، و العلماء الصالحين، والسلف الماضين، ويبقى بعد المعارضة ما هو أضعاف ذلك، فأي وجه لترجح هذا الجانب مع خطره وضرره، لولا قلة التوفيق، وشدة الخذلان، و خدع الشيطان انتهى. وأقول: وناهيك شدة اهتمام هذا البارع الورع المتين الذي هو أفقه فقهائنا المتأخرين بل المتقدمين، وفاز بالسعادة فلحق بالشهداء الأولين في أعلا عليين في إظهار هذا الحق المبين، مع أنه لم يكن متهما في ذلك بغرض من أغراض المبطلين إذ لم يكن يمكنه إقامتها في بلاد المخالفين. وإني لم أطل الكلام في هذا المقام بايراد حجج الجانبين، ونقل كلمات القوم والتعرض لمدلولاتها، وإيراد الأخبار المذكورة في ساير الكتب، ولم أعمل في ذلك كتابا ولا رسالة، لظني أن الامر في هذه المسألة أوضح من أن يحتاج إلى ذلك. وأيضا المنكرون لذلك إما علماء لهم أهلية الترجيح والنظر والاجتهاد، أو جهلة يتلبسون بلباس أهل العلم، لا لهم علم يمكنهم به التمييز بين الحق والباطل ولا ورع به يحترزون عن الافتراء على الله ورسوله، والقول بغير علم، أو جهال بحت يلزمهم تقليد العلماء: فأما الفرقة الأولى، فان خلوا أنفسهم عن الاغراض الدنيوية، وبالغوا في الفحص والنظر، وتتبع مدارك الأدلة فأدى اجتهادهم إلى أحد الآراء المتقدمة، فلا حرج عليهم في الدنيا ولا في الآخرة، وإن قصروا في ذلك، فأمرهم إلى الله، وعلى أي حال الكتاب والرسالة لا ينفعان هذه الطائفة، وربما يصير سببا لمزيد رسوخهم في خطائهم، وإن أخطأوا. وأما الفرقة الثانية فحالهم معلومة فإنهم في جل أعمالهم مبتدعون حائرون بائرون، ليس لهم علم يغنيهم، ولا يرجعون إلى عالم يفتيهم، وإنما هو تبع للدنيا وأهلها، ويختارون ما هو أوفق لدنياهم، فأي انتفاع لهم بالرسائل والزبر. وأما الفرقة الثالثة فحكمهم بذل الجهد في تحصيل عالم رباني لا يتبع الهوى، ولا يختار على الآخرة الدنيا، وله تتبع تام في الكتاب والسنة، فالرسائل لا تنفعهم أيضا. ونعم قال الصدوق - ره - في الفقيه إن البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوة إلا بالله.
الهوامش4
[4]ههنا أيضا تكرر في طبعة الكمباني حديث الكشي المذكور تحت الرقم 60 فأسقطناه.ص 218
[١]الصحيفة السجادية تحت الرقم 48 ص 277 ط الآخوندي.ص 219
[1]قد مر في ج 85 ص 7 كلام في الاجماع الذي يدعيه الشيخ قدس سره، راجعه ان شئت.ص 222
[١]هو الشيخ الجليل سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي المتكلم المتبحر صاحب كتاب المنقذ من التقليد، والمرشد إلى التوحيد، المعروف بالتعليق العراقي في فن الكلام، كان من مشايخ الشيخ الأمير الزاهد ورام بن أبي فراس، راجع بعض ترجمته في خاتمة المستدرك ج ٣ ص ٤٧٧ - 478.ص 227