Show clickable narrator chain
أن عليا عليه السلام خطب يوم الأضحى فكبر فقال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، وله الشكر على ما أبلانا، والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، الله أكبر زنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته و عدد قطر سماواته ونطف بحوره، له الأسماء الحسنى وله الحمد في الآخرة والأولى حتى يرضى وبعد الرضا إنه هو العلي الكبير. الله أكبر كبيرا متكبرا وإلها عزيزا متعززا ورحيما عطوفا متحننا، يقبل التوبة ويقيل العثرة ويعفو بعد القدرة، ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون الله أكبر كبيرا ولا إله إلا الله مخلصا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله وسوله فقد اهتدى وفاز فوزا عظيما ومن يعصمها فقد ضل ضلالا بعيدا. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وكثرة ذكر الموت، وأحذركم الدنيا التي لم يمتع بها أحد قبلكم، ولا تبقى لاحد بعدكم، فسبيل من فيها سبيل الماضين من أهلها، ألا وإنها قد تصرمت وآذنت بانقضاء، وتنكر معروفها وأصبحت مدبرة مولية، فهي تهتف بالفناء وتصرخ بالموت، قد أمر منها ما كان حلوا، وكدر منها ما كان صفوا، فلم يبق منها إلا شفافة كشفافة الاناء، وجرعة كجرعة الإداوة، لو تمززها الصديان لم تنقع غلته، فأزمعوا عباد الله على الرحيل عنها، وأجمعوا متاركتها، فما من حي يطمع في بقاء ولا نفس إلا وقد أذعنت للمنون، ولا يغلبنكم الامل، ولا يطل عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ولا تغتروا بالمنى وخدع الشيطان وتسويفه، فان الشيطان عدوكم حريص على إهلاككم. تعبدوا الله عباد الله أيام الحياة، فوالله لو حننتم حنين الواله المعجال، ودعوتم دعاء الحمام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، وخرجتم إلى الله من الأموال و الأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، وغفران سيئة أحصتها كتبته، و حفظتها رسله، لكان قليلا فيما ترجون من ثوابه، وتخشون من عقابه، وتالله لو انماثت قلوبكم انمياثا، وسالت من رهبة الله عيونكم دما، ثم عمرتم عمر الدنيا على أفضل اجتهاد وعمل، ما جزت أعمالكم حق نعمة الله عليكم، ولا استحققتم الجنة بسوى رحمة الله ومنه عليكم، جعلنا الله وإياكم من المقسطين التائبين الأوابين. ألا وإن هذا اليوم يوم حرمته عظيمة، وبركته مأمولة، والمغفرة فيه مرجوة فأكثروا ذكر الله وتعرضوا لثوابه بالتوبة والإنابة والخضوع والتضرع، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وهو الرحيم الودود، ومن ضحى منكم فليضح بجذع من الضأن ولا يجزي عنه جذع من المعز ومن تمام الأضحية استشراف اذنها وسلامة عينها، فإذا سلمت الاذن والعين سلمت الأضحية، وتمت، وإن كانت عضباء القرن تجر رجليها إلى المنسك . وقد مر في ص ٣١ من هذا المجلد مثل هذا التصحيح في خطبة عيد الفطر المنقولة بهذه الرواية، حيث كان في نسخة النهج والمصباح " أو نصف صاع من بر " وفي نسخة الفقيه: " صاعا من بر " راجعه ذلك أن شئت. وإذا ضحيتم فكلوا منها وأطعموا وادخروا واحمدوا الله على ما رزقكم من بهيمة الأنعام وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحسنوا العبادة، وأقيموا الشهادة بالقسط وارغبوا فيما كتب الله لكم، وأدوا ما افترض الله عليكم من الحج والصيام و الصلاة والزكاة ومعالم الايمان، فان ثواب الله عظيم. وخيره جسيم. وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وأعينوا الضعيف وانصروا المظلوم وخذوا فوق يد الظالم أو المريب، وأحسنوا إلى نسائكم وما ملكت أيمانكم، واصدقوا الحديث، وأدوا الأمانة، وأوفوا بالعهد، وكونوا قوامين بالقسط، وأوفوا المكيال والميزان، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم بالله الغرور، إن أبلغ الموعظة وأحسن القصص كلام الله. ثم تعوذ وقرأ سورة الاخلاص وجلس كالرائد العجلان، ثم نهض فقال: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه و ذكر باقي الخطبة القصيرة نحوا من خطبة الجمعة . فإذا انتهى إلى المصلى تقدم فصلى بالناس بغير أذان ولا إقامة فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر ثم بدأ فقال: الله أكبر، الله أكبر زنة عرشه الخ. فالظاهر من سياق كلامه أنه - رضوان الله عليه - لما نقل صدر الخطبة المنقولة عنه صلى الله عليه وآله برواية أبى مخنف، وكان مخالفا للمذهب من حيث أن المسنون من التكبير إنما هو الابتداء به من ظهر يوم النحر، لا قبله ولا عقيب الصلوات غير المفروضات استدرك ذلك بأنه كان المسلم من فعله صلى الله عليه وآله أنه لا يبدء بالتكبير الا إذا صلى الظهر، فيظهر أنه كان لا يعتمد على هذه الرواية وينص على ذلك قوله " فلا تجزى " فان الاجزاء وعدمه من تعبيرات الفقه ومصطلحاته، لا يناسب الخطبة والقاءها على العامة. عرشه " أي أقوله قولا يوازي ثقل عرشه كما أو كيفا، وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، أي أريد إيقاع مثل هذا الحمد وإن لم يتيسر لي ذلك أو المعنى أنه مستحق للتكبير بتلك المقادير " ورضا نفسه " أي اكبره تكبيرا يكون من حيث اشتماله على الشرايط سببا لرضاه. " ومداد كلماته " أي بقدر المداد التي يكتب بها كلماته أي علومه أو تقديراته أو كلمات النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وقد مر تحقيق ذلك، وهو إشارة إلى قوله تعالى " قل لو كان البحر مدادا لكمات ربي " الآية والنطف جمع النطفة وهي الماء الصافي قل أو كثر. " له الأسماء الحسنى " لدلالتها على أفضل صفات الكمال، أو المراد بها الصفات الكمالية " وله الحمد في الآخرة والأولى " أي يستحق الحمد والثناء والشكر في النشأتين لشمول نعمه لجميع الخلق فيهما " حتى يرضى " أي يستحق أن يحمد حتى يرضى عن العبد بذلك الحمد، وبعد حصول أقل مراتب الرضا أيضا يستحق الحمد إذ لا نهاية لاستحقاقه ولا لرضاه سبحانه. " الله أكبر كبيرا " اي اكبره حال كونه كبيرا بالذات متكبرا متصفا بنهاية الكبرياء والعظمة، أو أظهر كبرياءه بخلق ما خلق أو وصف نفسه بها " متعززا " أي متصفا بأعلى مراتب العزة والغلبة، أو مظهرا عزته بخلق الأشياء وقهرها، أو واصفا نفسه بها، والعطف الشفقة الرحمة " متحننا " أي متصفا بنهاية الحنان والرحمة، أو مظهرا له أو واصفا نفسه به، والعثرة الزلة والمراد بها الخطيئة، و إقالتها العفو عنها. " ولا يقنط " بتثليث النون أي ييأس، وقد قرئ في الآية أيضا على الوجوه الثلاثة، لكن الضم قراءة شاذة " مخلصا " أي أقولها مخلصا له التوحيد من غير رثاء أو نفاق، والبكرة أول النهار، والأصيل آخره كما مر مرارا وفي الفقيه ولا إله إلا الله كثيرا، وسبحان الله حنانا قديرا. " نحمده " تأكيد لقوله الحمد لله وبيان له، لأنه في قوة الحمد لله حمدا " ومن يعصهما " كذا في أكثر النسخ فيدل على أن ما روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال لمن قال ذلك: بئس الخطيب أنت لا أصل له وفي بعض النسخ كما في الفقيه ومن يعص الله ورسوله فيؤيد الخبر وهو أحوط، وفي الفقيه بعد قوله بعيدا " وخسر خسرانا مبينا " وبعد ذكر الموت " والزهد في الدنيا التي لم يتمتع بها من كان فيها قبلكم ولن تبقى لاحد من بعدكم، وسبيلكم فيها سبيل الماضين ألا ترون أنها قد تصرمت " الخ. " سبيل الماضين من أهلها " من المصير إلى الفناء " ألا وإنها قد تصرمت " أي تقطعت وفنيت، والصرم القطع، ومنه الصارم للسيف القاطع " وآذنت " أي أعلمت " وتنكر معروفها " أي صار منكرا ما كان يعرفه الناس منه ويعدونه حسنا، و الحاصل أنه تغير كل ما كان يأنس به كل أحد ويعرفه وقتا فوقتا وحالا بعد حال من صحة أو قوة أو شباب أو أمن أو جاه أو مال وغير ذلك، وذلك، وهذا هو المراد بادبارها وتوليها. " فهي تهتف " أي تصيح بلسان حالها وبما تريه الناس من انقضائها " بالفناء " أي مخبرا بالفناء أو تهتف بالفناء وتدعوه إلينا بعد ما كان يمنينا ويؤمننا يقال: هتف به أي صاح به ودعاه، والأول أظهر " وتصرخ بالموت " الصرخة الصيحة الشديدة، وتطلق غالبا على صوت معه جزع واستغاثة في المصائب والنوائب ويناسب الموت، وهذه الفقرة أيضا يحتمل المعينين وإن كان الثاني فيها أبعد، ويحتمل أن يكون المراد بالهتف والصراخ ما يكون عند موت الأحباب وغيرهم، ويكون المجاز في الاسناد في أصل الصراخ، أي كانت تمنينا البقاء ثم تفجعنا بالنوائب فتصرخ فيها أصحاب المصائب فيؤذننا بذلك بالموت والفناء. وفي النهج : ألا وإن الدنيا قد تصرمت وآذنت بوداع، وتنكر معروفها وأدبرت حذاء، فهي تحفز بالفناء سكانها، وتحدو بالموت جيرانها " وحذاء في كثير من النسخ بالحاء المهملة أي خفيفة سريعة، وفي بعضها بالجيم أي مقطوعة أو سريعة، وقيل أي منقطعة الدر والخير، وحفزه بالحاء المهملة والفاء والزاي دفعه من خلفه وحثه وأعجله، وحفزه بالرمح أي طعنه، وعلى الأول لعله عليه السلام شبه الفناء بالمقرعة أو الباء للسببية، أو بمعنى إلى، والأوسط أظهر. " وتحدو " أي تبعث وتسوق من الحد، وهو سوق الإبل، والغناء لها، و الجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، ولعل الأخير هنا أنسب، ويمكن أن يراد بالجيران من كانت انتفاعهم بالدنيا أو ركونهم إليها أقل، بالسكان خلافهم فناسب التعبير بالمجاور. وفي الفقيه: ألا ترون قد تصرمت وآذنت بانقضاء، وتنكر معروفها وأدبرت حذاء، فهي تخبر بالفناء وساكنها يحدى بالموت، فقد أمر منها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا فلم يبق منها إلا سملة كسملة الأدواة وجرعة كجرعة الاناء، لو تمززها الصديان لم تنقع غلته. وفي النهج وقد أمر وساق كما في الفقيه إلى قوله أو جرعة كجرعة المقلة لو تمززها الصديان لم ينقع فأزمعوا ". وأمر الشئ صار مرا، وكدر مثلثة الدال ضد صفا، والمضبوط في نسخ النهج بالكسر والشفافة بالضم بقية الماء في الاناء، والسملة بالتحريك القليل من الماء تبقي في الاناء، والإداوة بالكسر المطهرة، والجرعة بالضم كما في النسخ الاسم من الشرب اليسير، وبالفتح المرة الواحدة منه، والمقلة بالفتح حصاة القسم توضع في الاناء إذا عدموا الماء في السفر ثم يصب عليه ما يغمر الحصاة فيعطى كل أحد سهمه، ومزه أي مصه، والتمزز مصه قليلا قليلا، والصدى العطش، ونقع الرجل بالماء: روي، ونقع الماء العطش نقعا ونقوعا سكنه، والغلة بالضم العطش أو شدته أو حرارة الجوف. وصيرورتها مرا وكدرا وقليلا إما لقصر الاعمار في تلك الأزمان وقلة العمر توجب المرارة والكدورة وقلة الشهوات والدواعي، أو لقلة عمر الدنيا وقرب انقضائها بقيام الساعة، أو لانقضاء الشباب وقلة الاستمتاع بالملاذ، وقرب الأجل في أكثر المخاطبين، مع أنه ما من مخاطب يستحق الخطاب في الدنيا إلا وقد وجد مرارة بعد حلاوة، وكدورة بعد صفو، وقد مضى عمره المتيقن ولا يظن من البقاء إلا قليلا. فأزمعوا، في النهج فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال، ولا يغلبنكم فيها الامل، ولا يطولن عليكم الأمد، وفي الفقيه: بالرحيل من هذه الدار المقدور على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من الحياة، المذللة أنفسهم بالموت، فلا حي يطمع في البقاء، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون، فلا يغلبنكم الامل ولا يطل عليكم الأمد، ولا تغتروا فيها بالآمال، وتعبدوا الله أيام الحياة، فوالله. أزمعت الامر: أي أجمعته، وعزمت عليه أو ثبت عليه، وقال الفراء أزمعت الامر وأزمعت عليه، والرحيل اسم ارتحال القوم أي انتقالهم عن مكانهم، وقدر الله ذلك عليه ككتب وضرب أي قدره بالتشديد، وقال ابن ميثم المقدور المقدر الذي لابد من كونه " وأجمعوا " أي اعزموا واتفقوا " وأذعن له " أي خضع وذل وأقر، والمنون الموت، والأمل الرجاء. والأمد غاية الزمان والمكان ومنتهاهما، وقد يطلق على أصل المسافة قال البيضاوي في قوله تعالى: " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " أي فطال عليهم الزمان بطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم، والمنى بالضم جمع المنية، به وهي الامل، والتسويف المطل والتأخير في العمل. " فوالله لو حننتم حنين الواله المعجال " وفي بعض النسخ كالنهج " الوله العجال " وفي الفقيه: الوله العجلان، والحنين الشوق وشدة البكاء وصوت الطرب عن حزن أو فرح، وترجيع الناقة صوتها أثر ولدها، والوله بالتحريك في الأصل ذهاب العقل والتحير من شدة الحزن، يقال رجل واله وامرأة واله ووالهة، وكل أنثى فارقت ولدها يقال لها: واله ووالهة، والعجول من الإبل الواله التي فقدت ولدها يقال: أعجلت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام، والمعجال من الإبل ما تنتج قبل أن تستكمل الحول، والعجلان المتسرع في الأمور ولا يناسب المقام إلا بتكلف، و لعله تصحيف. " ودعوتم دعاء الحمام " وفي النهج " بهديل الحمام " وفي الفقيه " بمثل دعاء الأنام " والهديل صوت الحمام، قالوا كان فرخ على عهد نوح عليه السلام فمات عطشا أو صاده جارح من الطير فما من حمامة إلا وهي تبكى عليه، والهديل علم له، ولعل المراد الدعوة على وجه النوح والتضرع. " وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان " جأر كمنع جأرا وجؤارا تضرع واستغاث رافعا صوته بالدعاء، والمتبتل المنقطع عن النساء أو عن الدنيا، والرهبان جمع راهب ورهبنة النصارى ما كانوا يتعبدون به من التخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه ويفعل بنفسه غير ذلك من أنواع التعذيب، ونهي عنها في هذه الأمة، وهو لا ينافي حسن الجؤار كجؤارهم. والخروج من الأموال تركها والتصدق بها، ومن الأولاد تركهم وعدم التوجه إليهم لغاية الخوف، ويحتمل أن يكون المراد لو كلفتم بتلك الأمور وفعلتم لكان قليلا، والالتماس الطلب. " في ارتفاع درجة " في الفقيه والنهج " عنده " وليس في أكثر نسخ المتهجد ولعله سقط من النساخ " أحصتها كتبته " في النهج " كتبه وحفظها " والاحصاء العد و الضبط، والوصف بالاحصاء والحفظ للتهويل والتحذير " فيما ترجون " فيهما: " فيما أرجو لكم من ثوابه " وفي النهج " وأخاف عليكم من عقابه " وفي الفقيه " وأتخوف عليكم من أليم عقابه ". وقال ابن ميثم - ره - المعنى أن الذي أرجوه من ثوابه للمتقرب منك أكثر مما يتصور المتقرب إليه أنه يصل إليه بتقربه بجميع أسباب القربة، والذي أخافه من عقابه أكثر من العقاب الذي يتوهم أنه يدفعه عن نفسه بذلك، فينبغي لطالب الزيادة في المنزلة عند الله أن يخلص بكليته في التقرب إلى الله ليصل إلى ما هو أعظم مما يتوهم أنه يصل إليه، وينبغي للهارب إليه من دينه أن يخلص في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو أعم مما يتوهم أنه يدفعه عن نفسه. " وتالله " كذا في بعض النسخ وفي بعضها كما في الفقيه بالباء الموحدة " لو انماثت " انماث الملح في الماء أي ذاب " وسالت من رهبة الله " وفيهما " وسالت عيونكم من رغبة إليه ورهبة منه دما " وعلى التقادير قوله " دما " تميز لنسبة السيلان إلى العيون كقوله سبحانه " وفجرنا الأرض عيونا " . " ثم عمرتم عمر الدنيا " وفي النهج " في الدنيا ما الدنيا باقية " وفي الفقيه: " في الدنيا ما كانت الدنيا باقية " وفيهما " ما جزت أعمالكم ولو لم تبقوا شيئا من جهدكم " وفي النهج " انعمه عليكم العظام " وفي الفقيه: " لنعمه العظام عليكم " وفيهما " وهداه إياكم للايمان " وفي الفقيه: " وما كنتم لتستحقوا أبد الدهر ما الدهر قائم بأعمالكم جنته ولا رحمته ولكن برحمته ترحمون وبهداه تهتدون وبهما إلى جنته تصيرون " و " ما " في قوله عليه السلام: " ما الدنيا باقية " زمانية أي عمرتم على تلك الحال مدة بقاء الدنيا، وكذا قوله عليه السلام: " ما الدهر قائم ". والجهد بالضم كما في النسخ الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة، وجملة " ولو لم تبقوا " معترضة " وحق نعمة الله " مفعول " جزت " وكذا أنعمه على النسخة الأخرى وقوله: " بأعمالكم " متعلق " بتستحقوا " وفي الكلام دلالة على أنه يجوز أن يكون غاية العبادة الشكر كما أن السابق يدل على جواز العبادة خوفا وطمعا، وقد مر الكلام فيه في باب الاخلاص. وقال الجوهري: القسط بالكسر العدل، تقول منه أقسط الرجل فهو مقسط، ومنه قوله تعالى " إن الله يحب المقسطين " والأواب الكثير الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة. وفي الفقيه " جعلنا الله وإياكم برحمته من التائبين العابدين وإن هذا يوم " إلى قوله: " فأكثروا ذكر الله تعالى واستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم ومن ضحى منكم بجذع من المعز فإنه لا يجزى عنه، والجذع من الضأن يجزي ومن تمام الأضحية استشراف عينها واذنها، وإذا سلمت العين والاذن تمت الأضحية، وإن كان عضباء القرن أو تجر برجلها إلى المنسك فلا تجزي، وإذا ضحيتم فكلوا وأطعموا وأهدوا، واحمدوا الله على ما رزقكم " وفي النهج " ومن تمام الأضحية استشراف اذنها وسلامة عينها، فإذا سلمت الاذن والعين سلمت الأضحية وتمت، ولو كانت عضباء القرن تجر رجلها إلى المنسك ". والجذع من الضأن يجزي إجماعا والمشهور في الجذع ما كمل له ستة أشهر وعيناه وأذناه وقرناه، بحيث إذا كملت هذه الأعضاء العشرة من دون نقص فيها، فالهدى هدى مجز والا فلا. فقوله عز وجل: " تلك عشرة كاملة " حل محل قوله: " تلك بمنزلة الهدى " وهذا الوجه البديع من تبديل جملة إلى جملة أخرى بحيث يفيد معنى كلتا الجملتين من مختصات القرآن الكريم وأسلوبه الحكيم، ومن ذلك قوله عز وجل في سورة القتال: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم " حيث إن مقتضى سياق السورة والمرصد لكل سامع أن يقول عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تكفروا بعد ايمانكم " لكنه عز وجل، لما كان الكفر بعد الايمان مساوقا و ملازما لبطلان الاعمال وحبطها، بدل جملة من جملة، فأفاد ضمنا أن الكفر بعد الايمان مبطل للأعمال السابقة، ونهى عن الكفر وابطال الاعمال معا مطلقا. وهكذا فيما نحن، كان مقتضى الكلام والمرصد من سياقه أن يقول عز وجل: " فمن لم يجد - ما استيسر من الهدى - فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك الصيام بمنزلة الهدى يقع موقعه ويجزى مجزاه " لكنه عز وجل، لما كان الهدى عنده هو الذي كانت أعضاؤه العشرة كاملة، بدل جملة من الكلام عوض جملة أخرى وقال: " تلك عشرة كاملة " أي هذه الصيام له بمنزلة الأعضاء العشرة الكاملة التي كانت مساوقا للهدى وملازما لاجزائه. وهذا بحث طويل الذيل، وموضعه كتاب الحج الذي فاتنا الاشراف عليه، والله الموفق والمعين. وقيل سبعة أشهر، ونقل عن ابن الاعرابي أن ولد الضأن إنما يجذع ابن سبعة أشهر إذا كان أبواه شابين، وإن كانا هرمين لم يجذع حتى يستكمل ثمانية أشهر، و أجمعوا على أنه لا يجزى في غير الضأن إلا الثنى، وأن الثني في الإبل ما كمل له خمس سنين والمشهور في البقر والمعز أنه ما دخل في الثانية، وقيل في الثالثة. وقيل استشراف الاذن التأمل فيها وتفقدها حتى لا تكون بها آفة من جدع ونحوه، من استشرفت الشئ إذا رفعت بصرك تنظر إليه وبسطت كفك فوق حاجبك كالمستظل من الشمس، وقيل هو من الشرفة وهي خيار المال أي تخيرها وطلبها شريفة بالتمام. والعضباء الشاة المكسورة القرن الداخل أو مطلقا، وذكر القرن للتأكيد، أو بتجريد العضب عن معنى القرن " وتجر رجلها " أي للعرج أو للهزال والضعف " والمسنك " بفتح السين وكسرها المذبح، والنسيكة الذبيحة، وكل موضع للعبادة منسك. والذي عليه الأصحاب عدم إجزاء العرجاء البين عرجها، والمشهور عدم إجزاء التي انكسر قرنها الداخل أيضا، وظاهر الخطبة على ما في المتهجد والنهج خلاف ذلك، وما في الفقيه موافق للمشهور ويمكن تأويل ما في الكتابين بالحمل على عدم انكسار القرن الداخل وعدم كون جر الرجل للعرج بل لضعف مرض أو هزال . " بالقسط " أي بالعدل وليس في الفقيه، والمراد به إقامتها موافقا للواقع أو إذا لم يصر سببا لظلم على مؤمن، والأول أظهر " فيما كتب الله لكم " أي قرر لكم على العبادات من الثواب أو المراد كتب عليكم. وفي الفقيه " فيما كتب عليكم وفرض من الجهاد والحج والصيام، فان ثواب ذلك عظيم لا ينفد، وتركه وبال لا يبيد، وأمروا " والوبال الشدة والثقل، وباد ذهب وانقطع " وأعينوا الضعيف " وفي الفقيه " وأخيفوا الظالم، وانصروا المظلوم وخذوا على يد المريب، وأحسنوا إلى النساء " والمريب من يشكك الناس في دينهم أو يريب الناس في نفسه بالخيانة، والاخذ على يده كناية عن منعه وزجره " بالقسط في الفقيه " بالحق ولا تغرنكم ". " ولا تغرنكم بالله الغرور " أي الشيطان بأن يرجئكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصي " إن أبلغ الموعظة " في الفقيه إن أحسن الحديث ذكر الله و أبلغ موعظة المتقين كتاب الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - ثم ذكر التوحيد ثم قال - ويقرأ قل يا أيها الكافرون أو ألهاكم التكاثر أو والعصر، وكان مما يدوم عليه قل هو الله أحد، وكان إذا قرء إحدى هذه السور جلس جلسة كجلسة العجلان ثم ينهض، وهو عليه السلام كان أول من حفظ عليه الجلسة بين الخطبتين، ثم يخطب الخطبة التي كتبناها يوم الجمعة ". 4. * (باب) * " * (عمل ليلتي العيدين ويومهما وفضلهما) * " " * (والتكبيرات فيهما وفي أيام التشريق) * " الآيات: البقرة: " ولتكبروا الله على ما هديكم " . وقال تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا . وقال سبحانه: واذكروا الله في أيام معدودات . الحج: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . وقال تعالى: كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هديكم . الاعلى: قد أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه فصلى . تفسير: " ولتكبروا الله " قال الطبرسي رحمه الله: المراد تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات: المغرب والعشاء والغداة وصلاة العيد على مذهبنا، وقال ابن عباس وجماعة: التكبير يوم الفطر، وقيل المراد به ولتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرايع الدين انتهى والأول هو المروي عن الصادق عليه السلام و " ما " مصدرية وتحتمل الموصولة أيضا. " فاذكروا الله " قال الطبرسي رحمه الله: في الذكر قولان: أحدهما أن المراد به التكبير المختص بأيام منى، لأنه الذكر المرغب فيه المندوب إليه في هذه الأيام والاخر أن المراد به ساير الأدعية في تلك المواضع، لان الدعاء فيها أفضل منه في غيرها وسيأتي تمام الكلام فيها في كتاب الحج إنشاء الله تعالى. " في أيام معدودات " قال الطبرسي رحمه الله [3]: هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر عن ابن عباس والحسن وأكثر أهل العلم، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، والذكر المأمور به هو أن يقول عقيب خمس عشرة صلاة " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدينا، والحمد لله على ما أولانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام " وأول التكبير عندنا عقيب الظهر من يوم النحر وآخره صلاة الفجر من اليوم الرابع، هذا لمن كان بمنى، ومن كان بغير منى من الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات أولها صلاة الظهر من يوم النحر أيضا هذا هو المروي عن الصادقين عليهما السلام. وقال في قوله سبحانه: " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات " اختلف في هذه الأيام وفي الذكر فيها فقيل هي أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق، وقيل هي أيام التشريق يوم النحر وثلاثة بعده، والمعدودات أيام العشر عن ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام [5] والذكر قيل: التسمية على الذبيح، وقيل كناية وذلك لان العرب قد سموا كل ثلاث من الشهر باسم على حدة فقالوا: ثلاث غرر، وثلاث نفل، وثلاث تسع وثلاث عشر وثلاث بيض وثلاث درع وثلاث ظلم وثلاث حنادس وثلاث دآدى وثلاث محاق. وعلى ذلك فليحمل أخبار أهل البيت عليهم السلام وقد أخرجها المؤلف العلامة - ره - في كتاب الحج الباب 54 ج 99 ص 307 - 310 ففي بعضها أن الأيام المعلومات: أيام العشر كما نقل ذلك عن ابن عباس، وفي بعضها أنها هي أيام التشريق وفيما رواه زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: المعلومات والمعدودات واحدة وهي أيام التشريق. فيما يذكره بعض من أن الأيام المعلومات هو عشر ذي الحجة وينسبون القول بذلك إلى ابن عباس والحسن أو إلى أئمتنا عليهم السلام (راجع مجمع البيان ج 2 ص 299، مصباح الشيخ ص 465) فهو توهم أو تصحيف نشأ من سوء القراءة لألفاظ الحديث، مع ما يرد على ذاك التوهم أنه لا يوجد وجه لاقتصار التكبيرات والأذكار المأثورة بالأيام الثلاث: ظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الرابع لمن كان بمنى وصلاة الفجر من اليوم الثالث لمن كان قاطنا ببلده، مع أن ذلك مجمع عليه، على أنه لم يقل أحد من الفقهاء بجواز التكبيرات من أول العشر وانقطاعها في اليوم الحادي عشر، على ما يستلزم هذا التوهم. عن الذبح، وقيل: هو التكبير، قال أبو عبد الله عليه السلام: التكبير بمنى عقيب خمس عشرة صلاة أولها الظهر من يوم النحر يقول الله أكبر إلى آخر ما ذكره سابقا. ثم قال: البهيمة أصلها من الابهام وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق والانعام الإبل اشتقاقها من النعمة وهو اللين سميت بذلك للين أخفافها وقد يجتمع معها البقر والغنم، فتسمى الجميع أنعاما اتساعا، وإن انفردا لم يسميا أنعاما. وقال في قوله: " ولتكبروا الله على ما هديكم " أي على ما بين لكم و أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، وقيل: هو أن يقول الله أكبر على ما هدانا انتهى. وأقول: قد مر أنه يحتمل أن يكون المراد بذكر اسم الرب التكبيرات في ليلة العيد ويومه.
الهوامش27
[١]المصباح: ٤٦٠.ص 99
[١]في بعض النسخ كما في النهج: ولو كانت عضباء القرن، وسيأتي الكلام فيه.ص 100
[٢]في الفقيه: " وان كانت عضباء القرن أو تجر برجليها إلى المنسك فلا تجزي " والظاهر أن الصدوق قدس سره صحح العبارة بما يوافق المذهب فان عضباء القرن، وهو الذي انكسر مشاش قرنه، لا يجزى عندنا.ص 100
[١]مصباح المتهجد: ٣٦٣.ص 101
[2]في الفقيه مرسلا: وخطب أمير المؤمنين عليه السلام في عيد الأضحى فقال: الله أكبر - إلى قوله من بهيمة الأنعام، ثم قال: وكان علي عليه السلام يبدأ بالتكبير إذا صلى الظهر من يوم النحر وكان يقطع التكبير آخر أيام التشريق عند الغداة، وكان يكبر في دبر كل صلاة فيقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.ص 101
[١]الكهف: ١٠٩.ص 102
[١]الحجر: ٥٦، ومن يقنط عن رحمة ربه الا الضالون.ص 103
[2]هذا إذا كان لهذه الخطبة اعتبار من حيث الفقاهة، وأما بعد ما عرفت ضعفها بأبى مخنف الأخباري واشتمالها على خلاف المذهب في شتى الموارد فلا وجه له.ص 103
[3]والظاهر عندي أنها أيضا تصحيح من صاحب الفقيه.ص 103
[1]نهج البلاغة تحت الرقم 52 من قسم الخطب.ص 104
[١]الحديد: ١٦.ص 106
[2]أي بالضم أيضا كأصله.ص 106
[١]القمر: ١٢.ص 107
[١]المائدة ٤٢، الحجرات: ٩ الممتحنة: ٨.ص 108
[٢]جعله السيد الرضى - رضوان الله عليه - قسما على حدة من خطبة رقمها ٥٣.ص 108
[1]وعندي أن الظاهر من قوله " تجر رجلها إلى المنسك " ارجاع الضمير إلى عضباء القرن، والمعنى أنه بعد ما كانت العين والاذن سالمة، تسلم الأضحية وتتم، و ان كانت عضباء القرن، فإن لم يمكنك أن تأخذ بقرنيها وتجرها إلى المنسك فخذ برجلها - أو رجليها - وجرها إلى المنسك فإنها مجز عنك.ص 110
[١]البقرة: ١٨٥.ص 112
[٢]البقرة: ٢٠٠.ص 112
[٣]البقرة: ٢٠٣.ص 112
[٤]الحج: ٢٨.ص 112
[٥]الحج: ٣٧.ص 112
[6]الاعلى: 14 - 15.ص 112
[1]مجمع البيان ج 2 ص 277.ص 113
[2]مجمع البيان ج 2 ص 297.ص 113
[3]مجمع البيان ج 2 ص 299، في الآية 203.ص 113
[4]مجمع البيان ج 7 ص 81 في آية الحج: 28.ص 113
[٤]الكافي ج ٤ ص ١٦٧، الفقيه ج ٢ ص ١٠٩، وتراه في التهذيب ج ١ ص ٣٢.ص 115