Show clickable narrator chain
" كانا يأكلان الطعام " يعني أن من أكل الطعام كان له ثفل، ومن كان له ثفل فهو بعيد مما ادعته النصارى لا بن مريم، ولم يكن عن أسماء الأنبياء تجبرا وتعززا بل تعريفا لأهل الاستبصار، إن الكناية عن أسماء ذوي الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى وإنها من فعل المغيرين والمبدلين، الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين. وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " وبقوله: " وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب " وبقوله: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم، حسب ما فعلته اليهود والنصارى، بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره " . يعني أنهم أثبتوا في الكتب ما لم يقله الله، ليلبسوا على الخليفة، فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثوه فيه، وحرفوا منه، وبين عن إفكهم وتلبيسهم، وكتمان ما علموه منه، ولذلك قال لهم: " لم تلبسون الحق بالباطل " وضرب مثلهم بقوله: " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " . فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل، ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الايتمار لهم، والرضا بهم، ولان أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عددا من أهل الحق، ولان الصبر على ولاة الامر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " وإيجابه مثل ذلك على أوليائه وأهل طاعته، بقوله: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " فحسبك من الجواب في هذا الموضع ما سمعت، فان شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه. ثم قال عليه السلام بعد ذكر بعض الآيات الواردة في شأنهم عليهم السلام وتأويلها: وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعملها غيره، وغير أنبيائه وحججه في أرضه، لعلمه بما يحدث في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه، وتلبيسهم ذلك على الأمة، ليعينوهم على باطلهم، فأثبت فيه الرموز وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه، وجعل أهل الكتاب القائمين به، العالمين بظاهره وباطنه، من شجرة " أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها " أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت وجعل أعداءها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بايجاب الحجة على خلقه، كما قال الله: " فلله الحجة البالغة " أغشى أبصارهم وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوه بحاله، وحجبوا عن تأكيد الملتبس بابطاله، فالسعداء ينتبهون عليه، والأشقياء يعمهون عنه، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور. ثم إن الله جل ذكره بسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كلامه، قسم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل، وقسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه، ولطف حسه، وصح تمييزه، ممن شرح الله صدره للاسلام، وقسما لا يعرفه إلا الله وامناؤه والراسخون في العلم وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الايتمار بمن ولاه أمرهم، فاستكبروا عن طاعته، تعززا وافتراء على الله عز وجل، واغترارا بكثرة من ظاهرهم وعاونهم، وعاند الله جل اسمه ورسوله صلى الله عليه وآله. فأما ما علمه الجاهل والعالم من فضل رسول الله من كتاب الله فهو قول الله سبحانه: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقوله: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " ولهذه الآية ظاهر وباطن، فالظاهر قوله: " صلوا عليه " والباطن قوله: " وسلموا تسليما " أي سلموا لمن وصاه واستخلفه عليكم فضله، وما عهد به إليه تسليما، وهذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، وصفا ذهنه، وصح تمييزه. وكذلك قوله: " سلام على آل ياسين " لان الله سمى النبي صلى الله عليه وآله بهذا الاسم حيث قال: " يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين " لعلمه أنهم يسقطون قول: " سلام على آل محمد " كما أسقطوا غيره، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويقربهم ويجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل له في إبعادهم بقوله: " واهجرهم هجرا جميلا " وبقوله: " فما للذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما يعلمون " وكذلك قال الله عز وجل: " يوم ندعوا كل أناس بامامهم " ولم يسم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم. وأما قوله: " كل شئ هالك إلا وجهه " [7] فالمراد كل شئ هالك إلا دينه لان من المحال أن يهلك منه كل شئ، ويبقى الوجه، هو أجل وأعظم وأكرم من ذلك، وإنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: " كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك " ففصل بين خلقه ووجهه. وأما ظهورك على تناكر قوله: " فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء " وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتاما، فهو لما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه ظهرت حوادث المنافقين فيه، لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للاسلام مساغا إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كل ما اسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء .
الهوامش19
[٢]المائدة: ٧٥.ص 43
[١]البقرة: ٧٩.ص 44
[٢]آل عمران: ٧٨.ص 44
[٣]النساء: ١٠٨.ص 44
[٤]الصف: ٨.ص 44
[٥]آل عمران: ٧١.ص 44
[٦]الرعد: ١٧.ص 44
[١]الأحقاف: ٣٥.ص 45
[٢]الأحزاب: ٢١.ص 45
[3]إبراهيم: 24.ص 45
[١]النساء: ٨٠.ص 46
[٢]الأحزاب: ٥٦.ص 46
[٣]الصافات: ١٣٠.ص 46
[٤]المزمل: ١٠.ص 46
[٥]المعارج: ٣٦ - ٣٩.ص 46
[٦]القصص: ٨٨.ص 46
[١]الرحمن: ٣٧.ص 47
[٢]النساء: ٣.ص 47
[3]الاحتجاج: 131 - 133.ص 47