مهج الدعوات: دعاء لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الحمد لله أول محمود، وآخر معبود، وأقرب موجود، البدئ بلا معلوم لأزليته، ولا آخر لأوليته، والكائن قبل الكون بغير كيان، والموجود في كل مكان بغير عيان، والقريب من كل نجوى بغير تدان، علنت عنده الغيوب، وضلت في عظمته القلوب، فلا الابصار تدرك عظمته، ولا القلوب على احتجابه تنكر معرفته، تمثل في القلوب بغير مثال تحده الأوهام، أو تدركه الأحلام، ثم جعل من نفسه دليلا على تكبره عن الضد والند والشكل والمثل، فالوحدانية آية الربوبية والموت الآتي على خلقه مخبر عن خلقه وقدرته، ثم خلقهم من نطفة ولم يكونوا شيئا دليل على إعادتهم خلقا جديدا بعد فنائهم كما خلقهم أول مرة. والحمد لله رب العالمين الذي لم يضره بالمعصية المتكبرون، ولم ينفعه بالطاعة المتعبدون، الحليم عن الجبابرة المدعين، والممهل الزاعمين له شريكا في ملكوته، الدائم في سلطانه بغير أمد، والباقي في ملكه بعد انقضاء الأبد، والفرد الواحد الصمد، والمتكبر عن الصاحبة والولد، رافع السماء بغير عمد، ومجري السحاب بغير صفد، قاهر الخلق بغير عدد، لكن الله الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. والحمد لله الذي لم يخل من فضله المقيمون على معصيته، ولم يجازه لاصغر نعمه المجتهدون في طاعته، الغنى الذي لا يضن برزقه على جاحده، ولا ينقص عطاياه أرزاق خلقه، خالق الخلق ومغنيه، ومعيده ومبديه ومعافيه، عالم ما أكنته السرائر وأخبته الضمائر واختلفت به الألسن، وأنسته الا زمن. الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، والدائم الذي لا يزول، والعدل الذي لا يجور، والصافح عن الكبائر بفضله، والمعذب من عذب بعدله، لم يخف الفوت فحلم، وعلم الفقر فرحم، وقال في محكم كتابه " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " أحمده حمدا أستزيده في نعمته، وأستجير به من نقمته، وأتقرب إليه بالتصديق لنبيه، المصطفى لوحيه، المتخير لرسالته المختص بشفاعته، القائم بحقه محمد صلى الله عليه وآله، وعلى أصحابه وعلى النبيين والمرسلين والملائكة أجمعين وسلم تسليما. إلهي درست الآمال، وتغيرت الأحوال، وكذبت الألسن وأخلفت العداة إلا عدتك، فإنك وعدت مغفرة وفضلا، اللهم صل على محمد وآل محمد وأعطني من فضلك وأعذني من الشيطان الرجيم، سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك وأكرمك، وسع بفضلك حلمك تمرد المستكبرين، واستغرقت نعمتك شكر الشاكرين، وعظم حلمك عن إحصاء المحصين، وجل طولك عن وصف الواصفين كيف لولا فضلك. حلمت عمن خلقته من نطفة ولم يك شيئا، فربيته بطيب رزقك، وأنشأته في تواتر نعمتك، ومكنت له في مهاد أرضك، ودعوته إلى طاعتك فاستنجد على عصيانك باحسانك، وجحدك وعبد غيرك في سلطانك. كيف لولا حلمك. أمهلتني وقد شملتني بسترك، وأكرمتني بمعرفتك، وأطلقت لساني بشكرك، وهديتني السبيل إلى طاعتك، وسهلتني المسلك إلى كرامتك وأحضرتني سبيل قربتك، فكان جزاؤك مني أن كافأتك عن الاحسان بالإساءة حريصا على ما أسخطك، منتقلا فيما أستحق به المزيد من نقمتك، سريعا إلى ما أبعد من رضاك، مغتبطا بغرة الامل، معرضا عن زواجر الاجل، لم ينفعني حلمك عني، وقد أتاني توعدك بأخذ القوة مني، حتى دعوتك على عظيم الخطيئة أستزيدك في نعمك غير متأهب لما قد أشرفت عليه من نقمتك، مستبطئا لمزيدك ومتسخطا لميسور رزقك، مقتضيا جوائزك بعمل الفجار، كالمراصد رحمتك بعلم الأبرار مجتهدا، أتمنى عليك العظائم كالمدل الآمن من قصاص الجرائم، فانا لله وإنا إليه راجعون مصيبة عظم رزؤها، وجل عقابها. بل كيف لولا أملي، ووعدك الصفح عن زللي، أرجو إقالتك وقد جاهرتك بالكبائر مستخفيا عن أصاغر خلقك، فلا أنا راقبتك وأنت معي، ولا راعيت حرمة سترك علي، بأي وجه ألقاك؟ وباي لسان أناجيك؟ وقد نقضت العهود الايمان بعد توكيدها، وجعلتك علي كفيلا، ثم دعوتك مقتحما في الخطيئة فأجبتني ودعوتني، وإليك فقري فلم أجب. فواسوأتاه وقبح صنيعاه، أية جرأة تجرأت. وأي تغرير غررت نفسي سبحانك فبك أتقرب إليك، وبحقك أقسم عليك، ومنك أهرب إليك، بنفسي استخففت عند معصيتي لا بنفسك، وبجهلي اغتررت لا بحلمك، وحقي أضعت لا عظيم حقك، ونفسي ظلمت ولرحمتك الآن رجوت، وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت وتضرعت، فارحم إليك فقري وفاقتي، وكبوتي لحر وجهي وحيرتي في سوأة ذنوبي، إنك أرحم الراحمين. يا أسمع مدعو، وخير مرجو، وأحلم مقض، وأقرب مستغاث، أدعوك مستغيثا بك استغاثة المتحير المستيئس من إغاثة خلقك، فعد بلطفك على ضعفي، واغفر بسعة رحمتك كبائر ذنوبي، وهب لي عاجل صنعك إنك أوسع الواهبين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. يا الله يا أحد يا الله يا صمد يا من لم يلد ولم يكن له كفوا أحد، اللهم أعينني المطالب وضاقت علي المذاهب، وأقصاني الأباعد، وملني الأقارب، وأنت الرجاء إذا انقطع الرجاء، والمستعان إذا عظم البلاء، واللجاء في الشدة والرخاء، فنفس كربة نفس إذا ذكرها القنوط مساويها أيئست من رحمتك لا تؤيسني من رحمتك يا أرحم الراحمين .
الهوامش1
[١]مهج الدعوات ص ١٣٩ - 142.ص 234