فقه الرضا (ع): اعلم يرحمك الله أن وجوه النكاح الذي أمر الله جل وعز بها أربعة أوجه: منها نكاح ميراث وهو بولي وشاهدين ومهر معلوم ما يقع عليه التراضي من قليل أو كثير وإنه احتيج إلى الشهود، والمطلق من عدد النسوة في هذا الوجه من النكاح أربعة، ولا يجوز لمن له أربع نسوة إذا عزم على التزويج إلا بطلاق إحدى الأربع أن يتزوج حتى تنقضي عدة المطلقة منهن وتحل لغيره من الرجال لأنها ما لم تحل للرجال في حبالته. والوجه الثاني نكاح بغير شهود ولا ميراث وهي نكاح المتعة بشروطها وهي أن تسأل المرأة فارغة هي أم مشغولة بزوج أو بعدة أو بحمل فإذا كانت خالية من ذلك قال لها: تمتعني نفسك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله نكاحا غير سفاح كذا وكذا بكذا - وكذا وبين المهر والأجل - على أن لا ترثيني ولا أرثك وعلى أن الماء أضعه حيث أشاء وعلى أن الاجل إذا انقضى كان عليك عدة خمسة و أربعين يوما، فإذا أنعمت قلت لها: قد متعتني نفسك وتعيد جميع الشرايط عليها لان القول الأول خطبة وكل شرط قبل النكاح فاسد، وإنما ينعقد الامر بالقول الثاني، فإذا قالت في الثاني: نعم دفع إليها المهر أو ما حضر منه وكان ما يبقى دينا عليك وقد حل لك حينئذ وطؤها. وروي لا تمتع بلصة ولا مشهورة بالفجور وادع المرأة قبل المتعة إلى مالا يحل فان أجابت فلا تمتع بها. وروي أيضا رخصة في هذا الباب أنه إذا جاء بالاجر والأجل جاز له، وإن لم يسئلها ولا يمتحنها فلا شئ عليه، وليس منه عدة إذا عزم على أن يزيد في المدة والأجل والمهر، وإنما العدة عليها لغيره إلا أنه يهب لها ما بقي من أجله عليها وهو قوله: " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " وهو زيادة في المهر والأجل وسبيل المتعة سبيل الإماء، له أن يتمتع منهن بما شاء وأراد. والوجه الثالث نكاح ملك اليمين وهو أن يبتاع الرجل الأمة فحلال له نكاحها إذا كانت مستبرأة، والاستبراء: حيضة وهو على البايع، فإن كان البايع ثقة وذكر أنه استبرأها جاز نكاحها من وقتها، وإن لم يكن ثقة استبرأها المشتري بحيضة، وإن كانت بكرا أو لامرأة أو ممن لم يبلغ حد الادراك استغني عن ذلك. والوجه الرابع: نكاح التحليل المحل وهو أن يحل الرجل والمرأة فرج الجارية مدة معلومة، فان كانت لرجل فعليه قبل تحليلها أن يستبرئها بحيضة ويستبرئها بعد أن ينقضي أيام التحليل، وإن كانت لمرأة استغنى عن ذلك . 11 قال المفضل للصادق عليه السلام: يا مولاي فالمتعة (قال: المتعة) حلال طلق والشاهد بها قول الله عز وجل: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا " أي مشهودا والقول المعروف هو المشتهر بالولي والشهود، وإنما احتيج إلى الولي والشهود في النكاح ليثبت النسل ويستحق الميراث وقوله: " و آتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " وجعل الطلاق في النساء المزوجات غير جائز إلا بشاهدين ذوي عدل من المسلمين و قال: في ساير الشهادات على الدماء والفروج والأموال والاملاك " و استشهدوا شهيدين من رجالكم فان لكم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " . وبين الطلاق عز ذكره فقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم " ولو كانت المطلقة تبين بثلاث تطليقات تجمعها كلمة واحدة أو أكثر منها أو أقل لما قال الله تعالى: " وأحصوا العدة واتقوا ربكم " إلى قوله " تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر " وقوله: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " هو نكر يقع بين الزوج وزوجته فيطلق التطليقة الأولى بشهادة ذوي عدل. وحد وقت التطليق هو آخر القروء، والقرء هو الحيض، والطلاق يجب عند آخر نقطة بيضاء تنزل بعد الصفرة والحمرة، وإلى التطليقة الثانية والثالثة ما يحدث الله بينهما عطفا أو زوال ما كرهاه وهو قوله: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم " هذا يقوله في أن للبعولة مراجعة النساء من تطليقة إلى تطليقة إن أرادوا إصلاحا، وللنساء مراجعة الرجال في مثل ذلك. ثم بين تبارك وتعالى فقال: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح باحسان " وفي الثالثة فإن طلق الثالثة وبانت فهو قوله " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ثم يكون كسائر الخطاب لها. والمتعة التي أحلها الله في كتابه وأطلقها الرسول صلى الله عليه وآله عن الله لسائر المسلمين فهي قوله عز وجل " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما " والفرق بين المزوجة والمتعة أن للزوجة صداقا وللمتعة أجرة. فتمتع سائر المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في الحج وغيره وأيام أبي بكر وأربع سنين في أيام عمر حتى دخل على أخته عفراء فوجد في حجرها طفلا يرضع من ثديها فنظر إلى درة اللبن في فم الطفل فأغضب وأرعد وأزبد وأخذ الطفل من يدها وخرج حتى أتى المسجد ورقى المنبر قال: نادوا في الناس أن الصلاة جامعة وكان غير وقت صلاة، فعلم الناس أنه لأمر يريده عمر فحضروا فقال: معاشر الناس من المهاجرين والأنصار وأولاد قحطان من منكم يحب أن يرى المحرمات عليه من النساء ولها مثل هذا الطفل؟ قد خرج من أحشائها وهو يرضع على ثديها وهي غير متبعلة؟ فقال بعض القوم: ما نحب هذا، فقال: ألستم تعلمون أن أختي عفراء بنت حنتمة أمي وأبي الخطاب غير متبعلة؟ قالوا: بلى قال: فإني دخلت عليها في هذه الساعة فوجدت هذا الطفل في حجرها فناشدتها أني لك هذا؟ فقالت: تمتعت. واما أميمة وكانت من المهاجرات وقد أسلمت قبل عمر وهي التي كان عمر يعذبها على الاسلام، وتكنى بأم جميل، تزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرة فيما يروون - فأولدها عبد الرحمن الأكبر الشاعر قائل الأبيات في يوم الحرة وأولها: فان تقتلونا يوم حرة وأقم * فنحن على الاسلام أول من قتل فأين عفراء التي لم يعلم لها عمر زوج ولا المسلمون من هاتين الأختين اللتين ذكر المؤرخون والنسابون انهما كانتا متزوجتين ولهما الأولاد؟ ولزيادة الايضاح راجع جمهرة انساب العرب لابن حزم ص 151 ونسب قريش ص 347 وص 366 وغيرهما من كتب التاريخ والأنساب. فأعلموا سائر الناس أن هذه المتعة التي كانت حلالا للمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قد رأيت تحريمها فمن أبي ضربت جنبيه بالسوط فلم يكن في القوم منكر قوله، ولا راد عليه، ولا قائل لا يأتي رسول بعد رسول الله، أو كتاب بعد كتاب الله، لا نقبل خلافك على الله وعلى رسوله وكتابه، بل سلموا ورضوا. قال المفضل: يا مولاي: فما شرائط المتعة؟ قال: يا مفضل لها سبعون شرطا من خالف منها شرطا واحدا ظلم نفسه، قال: قلت: يا سيدي قد أمرتمونا أن لا نتمتع ببغية ولا مشهورة بفساد ولا مجنونة وأن ندعو المتعة إلى الفاحشة فان أجابت فقد حرم الاستمتاع بها وأن تسأل أفازعة أم مشغولة ببعل أو حمل أو بعدة فان شغلت بواحدة من الثلاث فلا تحل، وإن خلت فيقول لها: متعني نفسك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله نكاحا غير سفاح أجلا معلوما بأجرة معلومة وهي ساعة أو يوم أو يومان أو شهر أو سنة أو ما دون ذلك أو أكثر، والأجرة ما تراضيتما عليه من حلقة خاتم أو شسع نعل أو شق تمرة إلى فوق ذلك من الدراهم والدنانير أو عرض ترضى به. فإن وهبت له حل له كالصداق الموهوب من النساء المزوجات الذين قال الله تعالى عنهن " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ثم يقول لها: على ألا ترثيني ولا أرثك وعلى أن الماء لي أضعه منك حيث أشاء، وعليك الاستبراء خمسة وأربعين يوما أو محيضا واحدا، فإذا قالت: نعم، أعدت القول ثانية وعقدت النكاح. فإن أحببت وأحبت هي الاستزادة في الاجل زدتما، وفيه ما رويناه، فإن كانت تفعل فعليها ما تولت من الاخبار عن نفسها ولا جناح عليك، وقول أمير المؤمنين عليه السلام: لعن الله ابن الخطاب فلولاه ما زنى إلا شقي أو شقية، لأنه كان يكون للمسلمين غناء في المتعة عن الزنا ثم تلا " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " . ثم قال: إن من عزل بنطفته عن زوجته، فدية النطفة عشرة دنانير كفارة وإن من شرط المتعة أن ماء الرجل يضعه حيث يشاء من المتمتع بها، فإذا وضعه في الرحم فخلق منه ولد كان لاحقا بأبيه .
الهوامش12
[١]فقه الرضا ص ٣٠.ص 301
[٢]سورة البقرة: ٢٣٥.ص 301
[٣]سورة النساء: ٤.ص 301
[٤]سورة البقرة: ٢٢٨.ص 301
[٥]سورة الطلاق: ١ - 2.ص 301
[١]سورة البقرة: ٢٢٨ - ٢٢٩.ص 302
[٢]سورة البقرة: ٢٣٠.ص 302
[٣]سورة النساء: ٢٣.ص 302
[١]لم يكن للخطاب بن نفيل سوى عمر بن الخطاب وصفية وأميمة وأمهم حنتمة ابنة هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وزيد بن الخطاب وأمه أسماء بنت وهب بن حبيب من بنى أسد بن خزيمة، ولم يذكر النسابون في ولد الخطاب بنتا اسمها عفراء، و احتمال أن تكون هي إحدى البنتين لا يمكن لأنهما كانتا متزوجتين، اما صفيه فقد كانت زوجة سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت الأسود وهبار قتل يوم مؤتة، وعمر، هاجر إلى الحبشة وعبيد الله قتل يوم اليرموك، و عبد الله، وهؤلاء كلهم أمهم صفيه بنت الخطاب، وورد في الاستيعاب ج ٢ ص ٧٤٣ ط حيدر آباد: انها كانت زوجة قدامة بن مظعون، ولا مانع من ذلك إذا كان قد خلف عليها أحدهما بعد الاخر.ص 303
[١]سورة النساء: ٤.ص 304
[١]سورة البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥.ص 305
[٢]بحار الأنوار ج ٥٣ ص ٢٦ - 32.ص 305