ين : الحسن بن علي الخزاز ، عن أبي الحسن 7 قال :
Show clickable narrator chain
سمعته يقول : إن أيوب النبي (ع) قال : يا رب ما سألتك شيئا من الدنيا قط ـ وداخله شئ ـ فأقبلت إليه سحابة حتى نادته : يا أيوب من وفقك لذلك؟ قال : أنت يارب. تذييل : قال السيد 1 في كتاب تنزيه الانبياء ـ فإن قيل ـ فما قولكم في الامراض والمحن التي لحقت نبي الله أيوب 7 أوليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله : « إني مسني الشيطان بنصب وعذاب » والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب ، والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا أوليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها؟ الجواب : قلنا : أما ظاهر القرآن قليس يدل على أن أيوب 7 عوقب بما نزل به من المضار ، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل لانه تعالى قال : « واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب » والنصب هو التعب ، وفيه لغتان : فتح النون والصاد ، وضم النون وتسكين الصاد ، والتعب هو المضرة التي لا تختص بها العقاب ، وقد تكون على سبيل الاختبار والامتحان ، فأما العذاب فهو أيضا يجري [١]انوار التنزيل ١ : ٣٤. م مجرى المضار التي لايختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة ، ولهذا يقال للظالم المبتدي بالظلم : إنه معذب ومضر ومولم ، وربما قيل : معاقب على سبيل المجاز ، وليس لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب ، لان لفظة العقاب يقتضي بظاهرها الجزاء ، لانها من التعقيب والمعاقبة ، ولفظة العذاب ليست كذلك ، فأما إضافته ذلك إلى الشيطان وإنما ابتلاه الله تعالى به فله وجه صحيح ، لانه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان وإنما أضاف إليه ماكان يستضر من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم و العافية والرخاء ، ودعائه له إلى التضجر والتبرم [١] بما هو عليه ، ولانه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستفذروه ويتجنبوه لما كان عليه من الامراض البشعة المنظر ويخرجوه من بينهم ، وكل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس. وقد روي أن زوجته 7 كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله و يشربه وكان الشيطان يلقي إليهم أن داءه يعدي ، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده ، وهذه مضار لاشبهة فيها ، فأما قوله تعالى في سورة الانبياء : « وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين » فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه ، لان الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة فأما ما روي في هذا الباب عن جملة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله ، لان هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله : كل قبيح ، ويقرفونهم بكل عظيم ، وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل مصنوع ، لانهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب 7 وغنمه وأهله ، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأى صبره وتماسكه قال إبليس لربه : يارب إن أيوب قد علم أنه ستخلف له ماله و ولده فسلطني على جسده ، فقال : قد سلطتك على جسده إلا قلبه وبصره ، قال : فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة ، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و [١]التبرم : التضجر. أشهرا يختلف الدواب في جسده إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله ، فمن يقبل عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته؟ ومن لايعلم أن الله تعالى لايسلط إبليس على خلقه وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الاجساد ولا أن يفعل الامراض كيف يعتمد روايته؟ فأما هذه الامراض النازلة بأيوب 7 فلم يكن إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في مقابلتها ، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه وأوليائه ، فقد روي عن الرسول (ص) أنه قال ـ وقد سئل أي الناس أشد بلاء؟ ـ فقال : الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل من الناس. فظهر من صبره على محنته وتماسكه ما صار إلى الآن مثلا حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله شاكرا محتسبا ناطقا بماله فيه من المنفعة والفائدة ، وأنه ما سمعت له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم ، فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله : « وآتيناه أهله ومثلهم معهم » وفي سورة ص : « ووهبنا له أهله ومثلهم معهم » ثم مسح ما به و شفاه وعافاه ، وأمره على ماوردت به الرواية يركض رجله الارض فظهرت عين اغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء ، قال الله : « اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب » والركض هو التحريك ، ومنه ركضت الدابة. انتهى كلامه أعلى الله مقامه. [١] اقول : لا أعرف وجها لهذا الانكار الفظيع والتشنيع على تلك الرواية ، ولا أعرف فرقا بين ماصدر من أشقياء الانس بالنسبة إلى الانبياء حيث خلاهم الله مع إرادتهم بمقتضى حكمته الكاملة ولم يمنعهم عنها وبين ما نقل من تسليط إبليس في تلك الواقعة ، والجواب مشترك ، نعم لا يجوز أن يتسلط الشيطان على أديانهم كما دلت عليه الآيات ، وأما الابدان فلم يقم دليل على نفي تسلطه عليها أحيانا لضرب من المصلحة ، وكيف لاوهو الذي يغري جميع الاشرار في قتل الاخيار وإضرارهم ، وأيضا أي دليل قام على امتناع قدرة إبليس على فعل يوجب تقريح الاجساد وحدوث الامراض ، وأي فرق بين الشياطين والانس في ذلك؟ نعم لو قيل بعدم ثبوت بعض الخصوصيات من جهة الاخبار لامكن ذلك لكن الحكم بنفيها بمجرد الاستبعاد غير موجه والله يعلم. [١]تنزيه الانبياء : ٦١ ـ ٦٣. م تكملة : قال الثعلبي في العرائس : قال وهب وكعب وغيرهما من أهل الكتاب : كان أيوب النبي 7 رجلا من الروم ، وكان رجلا طويلا عظيم الرأس ، جعد الشعر ، حسن العينين والخلق ، قصير العنق ، غليظ الساقين والساعدين ، وكان مكتوبا على جبهته : المبتلى الصابر ، وهو أيوب بن أموص بن رازخ [١] بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ; وكانت امه من ولد لوط بن هاران 7 ، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا ، وكانت له البثنة من أرض الشام كلها سهلها وجبلها بما فيها ، وكان له فيها من أصناف المال كله من الابل والبقر والخيل والغنم والحمر ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة والكثرة ، وكان له بها خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ، لكل عبد امرأة وولد ومال ، وتحمل آلة كل فدان أتان ، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك ، وكان الله تعالى أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء وكان برا تقيا رحيما بالمساكين ، يكفل الارامل والايتام ، ويكرم الضيف ، ويبلغ ابن السبيل ، وكان شاكرا لانعم الله تعالى ، مؤديا لحق الله تعالى ، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصييب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والسهو والتشاغل من أمر الله تعالى بما هو فيه من الدنيا وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدقوه وعرفوا فضله : رحل من أهل اليمن يقال له اليفن ، ورجلان من أهل بلاده يقال لاحدهما بلدد ، ولآخر صافن ، وكانو كهولا. [١]في المصدر : تارخ. قال وهب : إن لجبرئيل 7 بين يدي الله تعالى مقاما ليس لاحد من الملائكة في القربة والفضيلة ، وإن جبرئيل هو الذي يتلقى الكلام ، فإذا ذكر الله تعالى عبدا بخير تلقاه جبرئيل ، ثم لقاه ميكائيل وحوله الملائكة المقربون حافين من حول العرش ، [١] فإذا شاع ذلك في الملائكة المقربين شاعت الصلوات على ذلك العبد من أهل السماوات ، فإذا صلت عليه ملائكة السماوات هبطت عليه بالصلوات إلى ملائكة الارض وكان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شئ من السماوات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة ، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله تعالى عيسى بن مريم (ع) فحجب من أربع ، وكان يصعد في ثلاث فلما بعث الله تعالى محمدا (ص) جب من الثلاث الباقية فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ثاقب ، قال : فلما سمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلوات على أيوب 7 وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه ، فقال : يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك ، وعافيته فحمدك ، ثم لم تجر به بشدة وبلاء و أنا لك زعيم لئن ضربته ببلاء ليكفرن بك ولينسينك ، فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله ، فانقض عليه عدو الله حتى وقع إلى الارض ، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم فقال لهم : ماذا عندكم من القوة والمعرفة فإني قد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال؟ قال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار وأحرقت كل شئ آتي عليه ، فقال له إبليس فأت الابل ورعاءها ، فانطلق يؤم الابل وذلك حين وضعت رؤوسها وثبتت في مراعيها فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الارض إعصار من ـ نار تنفح منها أرواح السموم لا يدنو منها أحد [١]في المصدر : ثم من حوله من الملائكة المقربين والحافين من حول العرش. إلا احترق ، فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها ثم انطلق يؤم أيوب حتى وجده قائما يصلي ، فقال : يا أيوب ، قال : لبيك ، قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها؟ قال أيوب : أيها إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء تركه ، وإن شاء نزعه ، وقديما ماوطنت نفسى ومالي على الفناء. فقال إبليس : فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت كلها فترك الناس مبهوتين وقوفا عليها بتعجبون منها ، منهم من يقول : ماكان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ، ومنهم من يقول : لوكان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه ; [١] ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل مافعل يشمت به عدوه ويفجع به صديقه. قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عريانا خرجت من بطن امي ، وعريانا أعود في التراب ، و عريانا أحشر إلى الله تعالى ، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته ، الله أولى بك وبما أعطاك ، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لقبل روحك مع تلك الارواح ، فآجرني فيك وصرت شهيدا ، ولكنه علم منك شرا فأخرك الله وخلصك من البلاء كما يخلص الزؤان من القمح الخالص ; فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه ، قال له إبليس فأت الغنم ورعاءها ، فانطلق يؤم الغنم ورعاءها حتى إذا توسطها صاح صوتا تجثمت أمواتا من عند آخرها ومات رعاؤها ، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي فقال له القول الاول ورد عليه أيوب الرد الاول. ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم [١]في المصدر : لمنع وليه من حريق مواشيه. قلب أيوب؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شئ فآتي عليه [١] حتى لا أبقي منها شيئا ، قال له إبليس : فأت الفدادين و الحرث ، فانطلق يؤمهم وذلك حين قرنوا الفدادين وأنشؤوا في الحرث وأولادها رتوع فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شئ من ذلك حتى كأنه لم يكن ، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي فقال له مثل قوله الاول ، ورد عليه أيوب مثل رده الاول ، فجعل إبليس يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره ، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمدالله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء و وطن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال ، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشئ صعد سريعا حتى وقف الموقف الذي كان يقفه فقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال ، ولا يقوى عليها صبرهم؟ فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده. فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب 7 وهم في قصرهم ، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده ، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حيت إذا مثل بهم كل مثلة رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه [١]في المصدر : تأتى عليه حتى لا يبقى منه شئ. يسيل دمه ودماغه وأخبره بذلك ، وقال : يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف قلبوا؟ فكانوا منكسين على رؤوسهم يسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأشفارهم وأجوافهم [١]ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرققه حتى رق أيوب 7 فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه ، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به ، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر فاستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته ، فبدروا إبليس إلى الله تعالى ـ وهو أعلم ـ فوقف إبليس خاسئا ذليلا فقال : يا إلهي إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده فإني لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك وليكفرن بك وليجحدن نعمتك ، فقال الله عزوجل : انطلق فقد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله ، وكان الله هو أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب وجعله عبرة للصابرين ، وذكرى للعابدين ، في كل بلاء نزل ليأنسوا به بالصبر ورجاء الثواب. فانقض عدو الله تعالى سريعا فوجد أيوب 7 ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل الارض في موضع وجهه ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده ، فرهل وخرج به من فرقة إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم ، ووقعت فيه حكة لا يملكها ، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ، ثم حكها بالفخار [١]في المصدر : وكيف قلب بهم القصر ، وكيف نكسوا على رؤوسهم تسيل دماؤهم وأدمغتهم من انوفهم وشفاهم. والحجارة الخشنة فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه [١] وتقطع وتغير وأنتن ، فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا ، ورفضه خلق الله كلهم غير امرأتة وهي رحمة بنت افرائيم بن يوسف ين يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليهم ، وكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه ، فلما رأت الثلاثة من أصحابه وهم يفن وبلدد وصافن ما ابتلاه الله تعالى به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه ، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له : تب إلى الله عز وجل من الذنب الذي عوقبت به. قالا : وحضره معهم فتى حديث السن وكان قد آمن به وصدقه فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لاسنانكم ، ولكن قد تر كتم من القول أحسن من الذي قلتم ، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ، ومن الامر أجمل من الذي أتيتم ، وقد كان لايوب 7 عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم ، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم؟ وحرمة من انهتكتم؟ ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الارض يومكم هذا؟ ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله تعالى على أنه سخط شيئا من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا ، ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التى أكرمه بها ، ولا أن أيوب فعل غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ، فإن كان البلاء هو الذي أزرى عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين والشهداء والصالحين ، ثم ليس بلاؤه [١]أى أفسد. لاولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم ، [١] ولكنها كرامة وخيرة لهم ، ولو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لايجمل يالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ، ولا يعيره بالمصيبة ، ولايعيبه بمالا يعلم وهو مكروب حزين ، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويتسغفر له ويحزن لحزنه ، ويدل على مراشد أمره ، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا ، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ، ألم تعلموا أن الله تعالى عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم ، وإنهم لهم الفصحاء والبلغاء والاولياء النبلاء الالباء العالمون بالله وبآياته ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم ، واقشعرت جلودهم ، وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما لله وإعزازا وإجلالا فإذا استفاقوا استبقوا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الخاطئين والظالمين وإنهم لابرار ، ومع المقصرين المفرطين وإنهم لاكياس أقوياء ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير ، ولا يرضون له بالقليل ، ولا يدلون عليه بالاعمال ، فهم مروعون خاشعون مستكينون. فقال أيوب 7 : إن الله تعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير ، فمتى تنبت في القلب يظهر الله تعالى على اللسان ، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة ، وإذا جعل الله تعالى العبد حكيما في الصغر لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله تعالى عليه نور الكرامة. ثم أقبل أيوب 7 على الثلاثة فقال : أتيتموني غضابا ، رهبتم قبل أن تسترهبوا ، [١]في المصدر : ثم ان بلاءهم ليس دليلا على سخطه عليهم ولاهوانهم عليه. وبكيتم قبل أن تضربوا ، كيف بي [١] لو قلت لكم : تصدقوا عني بأموالكم لعل الله تعالى أن يخلصني؟ وقربوا عني قربانا لعل الله تعالى يتقبله ويرضى عني؟ وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم فهنا لك بغيتم وتعززتم ، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله تعالى بالعافية التي ألبسكم ، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني وأنا مسموع كلامي ، معروف حقي ، منتقم من خصمي ، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم ، فإنكم كنتم أشد علي من مصيبتي. ثم أعرض عنهم وأقبل على ربه تعالى مستغيثا به متضرعا إليه فقال : رب لاي شئ خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني ، ياليتني كنت حيضة ألقتني أمي ، وياليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل إلي ، ألم أكن للغريب دارا؟ وللمسكين قرارا؟ ولليتيم وليا؟ وللارملة قيما؟ إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك ، وإن أسأت فبيدك عقوبتي ، جعلتني للبلاء غرضا ، وللفتنة نصبا ، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله ، فكيف يحمله ضعفي؟ إلهي تقطعت أصابعي فإني لارفع الاكلة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني ، تساقطت لهواتي ولحم رأسي ، فما بين أذني من سداد حتى أن أحد هما يرى من الآخر ، وإن دماغي ليسيل من فمي ، تساقط شعر عيني ، فكأنما حرق بالنار وجهي ، وحد قتاي متدليتان على خدي ، وورم لساني حتى ملا فمي ، فما أدخل منه طعاما إلا غصني ، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني ، وتقطعت أمعائي في بطني ، فإني لادخله الطعام فيخرج كما [١]في المصدر : كيف بكم. دخل ما أحسه ولا ينفعني ، ذهبت قوه رجلي فكأنهما قربتا ماء لاأطيق حملهما ، ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة فيمنها علي ويعيرني ، هلك أولادي [١] ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني ، وقد ملني أهلي ، وعقني أرحامي ، وتنكرت معارفي ، ورغب عني صديقي ، وقطعني أصحابي ، وجحدت حقوقي ، ونسيت صنائعي ، أصرخ فلا يصرخونني ، وأعتذر فلا يعذرونني ، دعوت غلامي فلم يجبني ، وتضرعت لامتي فلم ترحمني ، وإن قضاءك هو الذي أذلني وأقمأني ، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وانحل جسمي ، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بمكان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك ممابي ، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ، ويسمعني ولا أسمعه ، لا نظر إلي فرحمني ، ولا دنا مني ولا أدناني فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي. فلما قال ذلك أيوب 7 وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ثم نودي : يا أيوب إن الله عزوجل يقول لك : ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بعذرك ، وتكلم ببراءتك ، وخاصم عن نفسك ، واشدد إزارك ، وقم مقام جبار فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ، ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزيار في فم الاسد ، والسحال في فم العنقاء ، واللجام في فم التنين ، ويكيل مكيالا من النور ، ويزن مثقالا من الريح ، ويصر صرة من الشمس ، ويرد أمس ، لقد منتك نفسك أمرا ما تبلغ بمثل قوتك ، ولو كنت إذ منتك ذلك ودعتك إليه تذكرت أي مرام [١]في المصدر : الهى هلك أولادي. رام بك أردت أن تخاصمني بعيك؟ أو أردت أن تحاجني بخطابك؟ أم أردت أن تكابرني [١] بضعفك؟ أين أنت مني يوم خلقت الارض فوضعتها على أساسها؟ هل علمت بأي مقدرا قدرتها؟ أم كنت معي تمد بأطرافها؟ أم تعلم مابعد زواياها؟ أم على أي شئ وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الارض؟ أم بحكمتك كانت الارض للماء غطاء أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء؟ لا بعلائق سببت ، ولا تحملها دعم من تحتها ، هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها؟ أو تسير نجومها؟ أو تختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت مني يوم سجرت البحار ، وأنبعت الانهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها؟ أم قدرتك فتحت الارحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب؟ ونصبت شوامخ الجبال؟ هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري كم من مثقال فيها؟ أم أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ هل تدري ام تلد أو أب يولده؟ أحكمتك أحصت القطر ، وقسمت الارزاق؟ أم قدرتك تثير السحاب وتجري الماء؟ هل تدري ما أصوات الرعود؟ أم من أي شئ لهب البرق؟ وهل رأيت عمق البحر؟ هل تدري مابعد الهواء؟ أم هل خزنت أرواح الاموات؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ وأين خزانة البرد؟ أم أين جبال البرد؟ أم هل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور؟ وبأي لغة تتكلم الاشجار؟ وأين خزانة الريح؟ وكيف تحبسه؟ ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ ومن شق الاسماع والابصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته؟ وقسم أرزاق الدواب بحكمته؟ من قسم للاسد أرزاقها؟ وعرف الطير معائشها؟ وعطفها على أفراخها؟ من أعتق الوحش من الخدمة؟ و جعل مساكنها البرية؟ لا تستأنس بالاصوات ، ولا تهاب المسلطين! أم من حكمتك عطفت امهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها ، وآثرتها بالعيش على نفوسها؟ [١]في المصدر : تكاثرنى. أم من حكمتك تبصر العقاب الصيد البعيد ، وأصبح في أماكن القتلى؟ [١] فقال أيوب 7 : قصرت عن هذا الامر الذي تعرض علي ، ليت الارض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشئ يسخط ربي اجتمع علي البلاء إلهي قد جعلتني لك مثل العدو ، وقد كنت تكرمني ، وتعرف نصحي ، وقد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك ، وأعظم من هذا لو شئت عملت ، لا يعجزك شئ ، ولايخفى عليك خافية ، ولا يغيب عنك غائبة ، من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا وأنت تعلم ما تخطر على القلوب؟ وإنما تكلمت لتعذرني ، وسكت حين سكت لترحمني ، كلمة زلت عن لساني فلن أعود ، وقد وضعت يدي على فمي ، وعضضت على لساني ، وألصقت بالتراب خدي ودمست فيه وجهي لصغاري ، وسكت كما أسكتتني خطيئتي ، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشئ تكرهه مني. فقال الله تعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي ، وسبقت رحمتي غضبي ، إذا خطئت فقد غفرت لك ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية ، وتكون عبرة لاهل البلاء ، وعزا للصابرين ، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، فيه شفاء ، وقرب عن صحابتك قربانا ، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله تعالى عنه كل ما كان به من البلاء ، ثم خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده ، فقامت مترددة كالواله ثم قالت : يا عبدالله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ فقال لها : فهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت : نعم ، ومالي لا أعرفه ، فتبسم وقال : أنا هو ، فعرفته بمضحكه [١]قد أسقط المصنف من هنا قطعة يطول ذكرها فمن شاء فليراجع المصدر. فاعتنقته. [١] وقال ابن عباس : فوالذي نفس عبدالله بيده مافارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهماوولد فذلك قوله : « وأيوب إذا نادى ربه أني مسني الضر ». واختلف العلماء في وقت ندائه ومدة بلائه والسبب الذي قال لاجله « مسني الضر » فعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (ص) : إن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين ، فقال له صاحبه : وما ذاك؟ قال : منذ ثمانية عشر سنة لم يرحمه الله عزوجل فيكشف ما به ، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك ، فقال أيوب : ما أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فاكفر عنهما ، كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق ، قال : وكان يخرج لحاجته ، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى إلى أيوب في مكانه : أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها وقد أذهب الله عزوجل ما به من البلاء وهو أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ قال : إني أنا هو ، وكان له أندران : أندر للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض ، وأفرغت الاخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض. ويروى أن الله تعالى أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يحثى منها في ثوبه ، فناداه ربه : ألم أغنك عما [١]في المصدر : وكيف لا أعرفه؟ فتبسم وقال : ها أنا هو ، فعرفته لما ضحك فاعتنقته. أرى؟ قال : بلى يارب ولكن لاغنى بي [١] عن فضلك ورحمتك ، ومن يشبع من نعمك؟ وقال الحسن : مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا يختلف فيه الدواب ; وقال وهب : لم يكن بأيوب اكلة إنما يخرج منه مثل ثدي النساء ثم تتفقا ; قال الحسن : ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير رحمة صبرت معه تصدق وتأتيه بطعام وتحمد الله تعالى معه إذا حمد ، وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه ، فصرخ عدو الله إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الارض جزعا من صبر أيوب ، فلما اجتمعوا إليه قالوا : ما أحزنك؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني على ماله وولده ، فلم أدع له مالا ولا ولدا فلم يزد بذلك إلا صبرا وثناء على الله تعالى ، ثم سلطت على جسده وتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته فقد افتضحت بربي فاستغثت بكم لتعينوني عليه ، فقالوا له : أين مكرك؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى؟ قال : بطل ذلك كله في أمر أيوب فأشيروا علي ، قالوا : نشير عليك ، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين آتيته؟ قال : من قبل امرأته ، قالوا : فأته من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها ، قال : أصبتم ، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق ، فتمثل لها في صورة رجل فقال : أين بعلك ياأمة الله؟ قالت : هو ذلك يحك قروحه ويتردد الدواب في جسده ، فلما سمعها طمع أن يكون كلمة جزع فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعيم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر وأن ذلك لاينقطع عنهم أبدا. قال الحسن : فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاه بسخلة فقال : ليذبح هذا لي أيوب ولا يذكر عليه اسم الله عزوجل فإنه يبرء ، قال : فجاءت تصرخ : يا أيوب حتى متى يعذبك ربك؟ ألا يرحمك؟ أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق [١]في المصدر : لا غنى لى. أين لونك الحسن قد تغير وصار مثل الرماد؟ أين جسمك الحسن الذى قد بلى وتردد فيه الدواب؟ اذبح هذه السخلة واسترح ، قال أيوب : « أتاك عدو الله فنفخ فيك وأجبته ، ويلك أرأيت ما كنا فيه من المال والولد والصحة؟ من أعطانيه؟ قالت : الله ، قال : فكم متعنا به؟ قالت : ثمانين سنة ، قال : فمذكم ابتلاني الله تعالى بهذا البلاء؟ قالت : منذ سبع سنين وأشهر ، قال : ويلك والله ما عدلت ولا أنصفت ربك ، إلا صبرت في البلاء الذي ابتلانا الله به ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة؟ والله لئن شفاني الله عزوجل لاجلدنك مائة جلدة حين أمرتني أن أذبح لغير الله ، طعامك وشرابك الذي أتيتني به علي حرام أن أذوق مما تأتيني بعد إذ قلت لي هذا ، فاعزبي عني [١] فلا أراك : فطردها فذهبت ، فلما نظر أيوب إلى امرأته قد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا فقال » : رب إني مسني الضر « ثم رد ذلك إلى ربه فقال » : وأنت أرحم الراحمين فقيل له : ارفع رأسك فقد استجيب لك ، اركض برجلك ، فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شئ ظاهر إلى سقط ، فأذهب الله تعالى عنه كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ماكان وأفضل ماكان ، ثم ضرب برجله فنبعت عين اخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا وكسى حلة ، قال : فجعل يلتقت فلا يرى شيئا مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله تعالى له فخرج حتى جلس على مكان مشرف ثم إن امرأتك قالت : أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا و يضيع فتأكله السباع؟! لارجعن إليه ، فرجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت ، وإذا الامور تغيرت ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي على أيوب ، قال : وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه ، فأرسل إليها أيوب فدعاها فقال : ما تريدين [١]عزب : بعد وغاب وخفى. يا أمة الله؟ فبكت وقالت : أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة ، لا أدري أضاع أم ما فعل ، [١] قال لها أيوب : ما كان منك؟ فبكت فقالت : بعلي فهل رأيته؟ قال : وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت : وهل يخفى على أحد ربه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه ، ثم قالت : أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا ، قال : فإني أنا أيوب الذي أمرتني أن أذبح لابليس ، وإني أطعت الله تعالى وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد علي ما ترين. وقال كعب : كان أيوب في بلائه سبع سنين ; وقال وهب : لبث أيوب في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا ، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء وجمال ، فقال : أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت : نعم ، قال : فهل تعرفيني؟ قالت : لا ، قال : فأنا إله الارض ، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ، ولو سجد لي واحدة رددت عليه وعليك كل ماكان لكما من مال وولد فإنه عندي ، ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه ; قال وهب : وقد سمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء ، والله أعلم ، وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها. ورأيت في بعض الكتب أن إبليس لعنه الله قال لرحمة : وإن شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والاولاد وأعافي زوجك ، فرجعت إلى أيوب عليه الصلاة و السلام فأخبرته بما قال لها وما أرها ، قال : لقد أتاك عدو الله لنفتنك عن دينك ، ثم أقسم إن عافاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة ، وقال عند ذلك : « مسني الضر » في طمع إبليس في سجود رحمة له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر ، قالوا : ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء وخفف عنها ، وأراد أن يبر يمين أيوب فأمره أن يأخذ جماعة من الشجرة يبلغ مائة قضيب خفافا لطافا فيضربها بها ضربة واحدة ، كما قال [١]في المصدر : أم ماذا فعل به؟ الله تعالى : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث « وقال : كانت امرأة أيوب تكتسب له وتعمل للناس وتجيئه بقوته ، فلما طال عليها البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها التمست له يوما من الايام ماتطعمه فما وجدت شيئا ، فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به ، فقال لها : أين قرنك؟ فأخبرته فقال عند ذلك » : مسني الضر. وقيل : إنما قال ذلك حين قصدت الدود قلبه ولسانه فخشي أن يبقى خاليا عن الذكر والفكر ; وقيل : إنما قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها فقال لها : قد جعلني الله طعامك ، فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان. وقال عبدالله بن عبيد الله بن عمير : [١] كان لايوب (ع) أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران الدنو منه من ريحه ، فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله تعالى علم في أيوب خيرا ما ابتلاه بمانرى ، قال : فلم يسمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة ، وما جزع من شئ أصابه جزعه من تلك الكلمة ، فعند ذلك قال : « مسني الضر » ثم قال : اللهم إنك تعلم أني لم أبت ليلة شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع ، فصدقني ، فصدق و هما يسمعان ، ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أتخذ قميصي قط وأنا أعلم مكان عارفصد قني ، فصدق وهما يسمعان ، فخر ساجدا. وقيل : معناه : مسني الضر من شماتة الاعداء ، يدل عليه ما روي أنه قيل بعد ما عوفي : ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال : شماتة الاعداء. قوله تعالى : « فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة » اختلف العلماء في كيفية ذلك ، فقال : إنما أتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا ، فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا ، وإنما وعدالله تعالى أيوب أن يؤتيه إياهم في الآخرة. قال وهب : كان له سبع بنات وثلاثة بنين ; وقال آخرون : بل ردهم الله تعالى [١]في المصدر : قال عبدالله بن عمر. إليه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة وكعب ، قال : أحياهم الله تعالى وآتاه مثلهم ، وهذا القول أشبه بظاهر الآية ، وذكر أن عمر أيوب (ع) كان ثلاثا وتسعين سنة ، [١] وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل ، وأن الله تعالى بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذاالكفل ، وأمره بالدعاء إلى توحيده ، وإنه كان مقيما بالشام عمره حتى مات ، وكان مبلغ عمره خمسا وتسعين سنة ، وإن بشرا أوصى إلى ابنه عبدان ، وإن الله تعالى بعث بعده شعيبا نبيا.
الهوامش · 73⌄
[٣]مخطوط. مص 353
[٢]أقرفه : ذكره بسوء.ص 354
[٢]في تاريخ اليعقوبى : هو أيوب بن أموص بن زارح بن رعوئيل بن عيصو بن اسحاق بن ابراهيم وفى المحبر : أيوب بن زارح بن أموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق.ص 356
[٣]قال ياقوت في المعجم : البثنة بالفتح ثم السكون ونون هو اسم ناحية من نواحى دمشق ، وهى البثنية ، وقيل : هى قرية بين دمشق وأذرعات وكان أيوب النبى 7 منها.ص 356
[٤]الفدان : الثوران يقرن بينهما للحرث.ص 356
[٥]في المصدر : ماأصاب من أهل الغنى.ص 356
[٦]في المصدر : والتشاغل والسهو عن أمر الله.ص 356
[٧]في المصدر : يقال لاحدهما مالك وللاخر ظافر.ص 356
[٢]في المصدر : ثم لم تختبره لا بشدة ولا بلاء.ص 357
[٣]الفادح : الصعب المثقل.ص 357
[٤]الاعصار : الريح الشديدة المثيرة للغبار فيرتفع إلى السماء مستديرا كانه عمود.ص 357
[٢]في المصدر : لنقل روحك.ص 358
[٣]الزؤان : ما ينبت غالبا بنى الحنطة : وحبه يشبه حبها الا انه أصغر ، واذا اكل يجلب النوم.ص 358
[٤]في المصدر : صاح صوتا ماتت منه الغنم جميعا. قلت : تجثم الطائر او الرجل او الحيوان تلبد بالارض.ص 358
[٥]القهرمان : الوكيل أوأمين الدخل والخرج.ص 358
[٢]الرتوع جمع الراتع : الذى يتبع بابله المراتع الخصبة.ص 359
[٣]في المصدر : فلما رأى ابليس انه قدافنى ماله ولم ينل منه شيئا ولا نجح في شئ من أفعاله شق عليه ذلك وصعد سريعا ووقف.ص 359
[٤]في المصدر : مهما متعته من نفسه وولده.ص 359
[٥]أى تهادمت وتصادعت من غير أن تسقط.ص 359
[٦]ناطحه الثور : أصابه بقرنه.ص 359
[٧]الجندل : الصخر العظيم.ص 359
[٨]في المصدر : ثم رفع بهم القصر.ص 359
[٩]في المصدر : فصاروا منكسين.ص 359
[٢]أى رجع وتاب.ص 360
[٣]في المصدر : فاستغفر وشكر.ص 360
[٤]في المصدر : فبادروا ابليس وسبقوه إلى الله والله أعلم بما كان ، فوقف اه.ص 360
[٥]في المصدر : يجعله عبرة للصابرين.ص 360
[٦]هكذا في الكتاب ، والصحيح كما في المصدر : ليتأسوا به.ص 360
[٧]في الصحاح : رهل لحمه أى اضطرب واسترخى. وفى المصدر : ذهل وهو مصحف.ص 360
[٨]المسح : الكساء من شعر.ص 360
[٢]في المصدر : فلما رأى أصحابه له ثلاثة ما ابتلاه الله. قلت : تقدم أن اسمهم يفن ومالك وظافر.ص 361
[٣]أى عنفوه وقرعوه.ص 361
[٤]في المصدر : أن أيوب نبى الله وحبيبه وصفوته.ص 361
[٥]في المصدر : ولا علمتم انه نزع منه شيئا.ص 361
[٦]أزرى بالامر : تهاون. أزرى به وأزراه عابه ووضع من حقه ،. وفى المصدر : أزرى به عندكم.ص 361
[٢]عذله : لامه.ص 362
[٣]في المصدر : وانهم لهم الفصحاء النبلاء البلغاء الالباء.ص 362
[٤]أى ذهبت عقولهم.ص 362
[٥]في المصدر : وإنهم برآء ويعدون انفسهم مع المفرطين المقصرين.ص 362
[٦]أى لا يمنون ولا يفتخرون عليه بأعمالهم.ص 362
[٧]في المصدر : في قلب المؤمن الكبير والصغير.ص 362
[٢]في المصدر : وقد كنتم فيما خلا الرجال توقروننى.ص 363
[٣]في المصدر : منتصف من خصمى.ص 363
[٤]في المصدر : فانتم اليوم أشد على من مصيبتى.ص 363
[٥]في المصدر : أجمل لى. يا الهى اه.ص 363
[٢]في المصدر : أذلنى وادنانى وأهاننى وأقامنى.ص 364
[٣]في المصدر : ولو كان ينبغى للعبد.ص 364
[٤]في المصدر : وتخلى عنى.ص 364
[٥]أى احضره واحتج به.ص 364
[٦]في المصدر : الامن يجعل الزمام في فم الاسد. قلت : الزيأر : خشبتان يضغط بهما البيطار جحفلة الفرس أى شفتيه فيذل فيتمكن من بيطرته. والسحال : اللجام.ص 364
[٧]التنين كسكين : حية عظيمة.ص 364
[٢]في المصدر : تمر باطرافها.ص 365
[٣]في المصدر : لا معاليق تمسكها ولا تحملها دعائيم من تحتها. قلت : المعاليق جمع المعلاق : كل مايعلق به. والدعائم جمع الدعامة : عماد البيت. الخشب المنصوب للعريش.ص 365
[٤]في المصدر : كم مثقال مافيها.ص 365
[٢]في المصدر : حين اجتمع على البلاء.ص 366
[٣]في المصدر زيادة وهى هذه وقد علمت منك في بلائى هذا مالم أكن أعلم ، وخفت أن يكون أمر أكثر مما كنت أخاف ، انما كنت أسمع بصوتك فاما الان فهو نظر العين.ص 366
[٤]في المصدر : فقد غفرت لك ماقلت ورحمتك ورددت.ص 366
[٥]في المصدر : وعزاء للصابرين ، فاركض اه.ص 366
[٦]في المصدر : فقامت متكدرة كالوالهة فمرت به فقالت : يا عبدالله.ص 366
[٢]في المصدر : كل ما كان لهما من المال والولد.ص 367
[٣]أسقط المصنف اسناد الحديث للاختصار ، وهو هكذا : حدثنا الامام ابوالحسين محمد بن على بن سهل املاء في شهر ربيع الاول سنة ٣٨٤ ، اخبرنا ابوطالب عمر بن الربيع بن سليمان الخشاب بمصر ، أخبرنا يحيى بن أيوب العلاف ، أخبرنا سعيد بن أبى مريم ، أخبرنا نافع بن يزيد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك.ص 367
[٤]في المصدر : وما أدراك؟ قال : منذ ثمانى عشرة سنة له في البلاء لم يرحمه الله.ص 367
[٥]في المصدر : فاستبطأته فذهبت لتنظر ما شأنه فأقبل عليها.ص 367
[٦]في المصدر : ولعل الصحيح : يحشى منها ثوبه أى يملاء. وفى المصدر : يحثو.ص 367
[٢]أى تشقق.ص 368
[٣]في المصدر : غير رحمة امرأته صبرت معه تخدمه وتأتيه بطعام.ص 368
[٢]في المصدر : الاسقط أثره وأذهب الله.ص 369
[٣]في المصدر : وأفضل مما مضى ،ص 369
[٤]في المصدر : وتبكى وأيوب ينظرها.ص 369
[٢]في المصدر : وهل يخفى على؟ انها جعلت تنظر اليه.ص 370
[٢]في المصدر : اللهم ان كنت تعلم.ص 371
[٣]في المصدر : فقال قوم اه.ص 371
[٢]العرائس : ٩٦ ـ ١٠٣. مص 372