تفسير : قال المفسرون : الارض التي باركنا فيها هي الشام ، ووجه وصف الريح تارة بالعاصفة وأخرى بالرخاء بوجوه : الاول : أنها كانت تارة كذا وتارة كذا بحسب إرادته ، والثاني : أنها كانت في بدء الامر عاصفة لرفع البساط وقلعه ، ثم كانت تصير رخاء عند تسييرها ، والثالث : أن العصف عبارة عن سرعة سيرها والرخاوة عن كونها لينة طيبة في نفسها ، الرابع :
Show clickable narrator chain
أن الرخاوة كناية عن انقيادها له في كل ما أمرها به. وقال الطبرسي رحمه الله : وقيل : كانت الريح تجري به في الغداة مسيرة شهر ، وفي الرواح كذلك ، وكان يسكن بعلبك ، [١] ويبنى له بيت المقدس ، ويحتاج إلى الخروج إليها وإلى غيرها ، قال وهب : وكان سليمان يخرج إلى مجلسه فتعكف عليه الطير ويقوم له الانس والجن حتى يجلس على سريره ويجتمع معه جنوده ، ثم تحمله الريح إلى حيث أراد. قوله تعالى : « من يغوصون له » أي في البحر فيخرجون له الجواهر واللآلي « و يعملون عملا دون ذلك » أي سوى ذلك من الابنية كالمحاريب والتماثيل وغيرهما « وكنا لهم حافظين » لئلا يهربوا منه ويمتنعوا عليه ، وقيل : من أن يفسدوا ماعملوه. قوله : « علما » قال : أي بالقضاء بين الخلق وبكلام الطير والدواب » وورث سليمان » فيه دلالة على أن الانبياء يورثون المال كتوريث غيرهم ، وقيل : إنه ورثه علمه ونبوته وملكه دون سائر أولاده ، والصحيح عند أهل البيت : هو الاول « علمنا منطق الطير » أهل العربية يقولون : لا يطلق النطق على غير بني آدم ، وإنما يقال الصوت ، [١]بعلبك بالفتح ثم السكون وفتح اللام والباء ثم الكاف مشددة : مدينة قديمة فيها ابنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا ، بينها وبين دمشق ثلاثة ايام ، و قيل : اثنا عشر فرسخا من جهة الساحل ، وهو اسم مركب من بعل اسم صنم وبك ، اما اسم رجل او جعلوه يبك الاعناق اي يدقها. قاله ياقوت. لان النطق عبارة عن الكلام ولا كلام للطير إلا أنه لما فهم سليمان معنى صوت الطير سماه منطقا مجازا ، وقيل : إنه أراد حقيقة المنطق لان من الطير ماله كلام يهجي [١] كالطوطي. وقال علي بن عيسى : إن الطير كانت تكلم سليمان معجزة له كما أخبر عن الهدهد ، ومنطق الطير صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة بخلاف منطق الناس الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة ، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ، ولم تفهم هي عنا لان أفهامها مقصورة على تلك الامور المخصوصة ، ولما جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها « وأوتينا من كل شئ » أي من كل شئ يؤتى الانبياء والملوك وقيل : من كل شئ يطلبه طالب لحاجته إليه وانتفاعه به « حيث أصاب » أي أراد من النواحي « والشياطين » أي وسخرنا له الشياطين « وآخرين مقرنين في الاصفاد » أي وسخرنا له آخرين من الشياطين مشددين في الاغلال والسلاسل من الحديد ، وكان يجمع بين اثنين وثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم ، وقيل : إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم « هذا » أي ما تقدم من الملك « عطاؤنا فامنن أو أمسك » أي فأعط من الناس من شئت وامنع من شئت « بغير حساب » أي لاتحاسب يوم القيامة على ماتعطي وتمنع.
الهوامش · 3⌄
[٢]مجمع البيان ٧ : ٥٩.ص 66
[٣]في المصدر : ومعنى الميراث هنا انه قام مقامه في ذلك فاطلق عليه اسم الارث كما اطلق على الجنة اسم الارث ، عن الجبائي ، وهذا خلاف للظاهر ، والصحيح اه.ص 66
[٢]مجمع البيان ٧ :ص 67