تفسير : قال المفسرون : اختلف في معنى الرقيم فقيل : إنه كان اسم الوادي الذي كان فيه الكهف ، وقيل : هو اسم الجبل ، وقيل : هو القرية التي خرجوا منها ، وقيل : هو لوح من حجارة كتبوا فيه قصتهم ثم وضعوه على باب الكهف ، وقيل : جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك لانه من عجائب الامور ، وقيل : الرقيم اسم كلبهم ، وقيل : الرقيم : كتاب ، ولذلك الكتاب خبر ، ولم يخبر الله عما فيه ، وقيل : إن أصحاب الرقيم هم الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم كما سيأتي شرحه « وهيئ لنا من أمرنا » أي من الامر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار « رشدا » نصير بسببه راشدين مهتدين ، أو اجعل أمرنا كله رشدا كقولك : رأيت منك أسدا « فضربنا على آذانهم » أي ضربنا عليها حجابا يمنع السماع ، أي أنمناهم إنامة لاينبههم فيها الاصوات ، فحذف المفعول « ثم بعثناهم » أيقظناهم « لنعلم » ليتعلق علمنا تعلقا حاليا مطابقا لتعلقه أولا تعلقا استقباليا « أي الحزبين » من المؤمنين و الكافرين من قوم أصحاب الكهف حين وقع بينهم التنازع في مدة لبثهم ، وقيل : يعني بالحزبين أصحاب الكهف لما استيقظوا ، اختلفوا في مقدار لبثهم « إنهم فتية » قالوا أي شبان ، وسيأتي في الخبر تفسيره « وربطنا على قلوبهم » أي قويناها وشددنا عليها بالالطاف والخواطر المقوية للايمان حتى وطنوا أنفسهم على إظهار الحق ، والثبات على الدين ، والصبر على المشاق [١] « إذ قاموا » بين يدي ملكهم « لقد قلنا إذا شططا » [١]في المجمع : ومفارقة الوطن. والله لقد قلنا قولا ذا شطط ، أي ذا بعد عن الحق ، مفرط في الظلم « عليهم » أي على عبادتهم [١]« بسلطان بين » أي ببرهان ساطع ظاهر « وإذ اعتزلتموهم » هذا خطاب بعضهم لبعض ، وقال ابن عباس : هذا قول تمليخا « من أمركم مرفقا » أي ماترفقون وتنتفعون به « تزاور عن كهفهم » تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم ، لان الكهف كان ( جنوبيا )؟ ، أو لان الله زورها عنهم ، والزور : الميل « ذات اليمين » أي جهة اليمين « تقرضهم » أي تعدل عنهم وتتركهم « وهم في فجوة منه » أي في متسع من الكهف يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس ، وذلك أن باب الكهف كان في مقابلة بنات نعش ، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه ، وأن الشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الايمن ، وهو الذي يلي المغرب ، و تغرب محاذية لجانبه الايسر ، فيقع شعاعها على جنبيه ، ويحلل عفونته ، ويعدل هواه ، ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم ، وقيل : بل الله صرف عنهم الشمس بقدرته « وليا مرشدا » من يليه ويرشده « وتحسبهم أيقاظا » لانفتاح عيونهم ، أو لكثرة تقلبهم « وهم رقود » أي نيام ، ونقلبهم كيلا تأكل الارض مايليها من أبدانهم « وكلبهم » أي كلب الراعي الذي تبعهم ، وقيل : إنهم مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعد ففعلوا ذلك مرارا ، فقال لهم : ماتريدون مني؟ لاتخشوا خيانتي فأنا أحب أولياء الله فنوموا حتى أحرسكم ، وقيل : كان كلب صيدهم « بالوصيد » بفناء الكهف ، وقيل : الوصيد : الباب ، وقيل : العتبة « ولملئت منهم رعبا » خوفا يملا صدرك لما ألبسهم الله من الهيبة ، أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم ، وقيل : لوحشة مكانهم. وقال الطبرسي : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : غزوت مع معاوية نحو الروم فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف ، فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ، فقلت له : ليس هذا لك فقد منع ذلك من هو خير منك ، قال الله : « لو اطلعت » الآية ، فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم ، فبعث رجالا فلما دخلوا الكهف أرسل الله عليهم ريحا أخرجتهم. [١]في المجمع : على عبادتهم غير الله. « وكذلك بعثناهم » أي وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا « ليتساءلوا بينهم » ليسأل بعضهم بعضا فيتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقينا. قال المفسرون : إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار ، فلذلك قالوا « يوما » فلما رأوا الشمس قالوا : « أو بعض يوم ». « قالوا ربكم » قال ابن عباس : القائل هو تمليخا رئيسهم « بورقكم » الورق : الدراهم « فلينظر أيها » أي أي أهلها « أزكى طعاما » أحل وأطيب ، أو أكثر وأرخص « و ليتلطف » وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن ، أو في التخفي حتى لا يعرف « يرجموكم » يقتلوكم بالرجم ، أو يؤذوكم أو يشتموكم « أعثرنا عليهم » أي أطلعنا عليهم « ليعلموا أن وعد الله » بالبعث « حق » لان نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يبعث « إذ يتنازعون » أي فعلنا ذلك حين تنازعوا في البعث ، فمنهم من أنكره ، ومنهم من قال ببعث الارواح دون الاجساد ، ومنهم من أثبت البعث فيهما ، وقيل : إن معناه : إذ يتنازعون في قدر مكثهم وفي عددهم وفيما يفعل بهم بعد أن اطلعوا عليهم فسقطوا ميتين ، فقال بعضهم : ماتوا ، وقال بعضهم : ناموا نومهم أول مرة ، وقالت طائفة : نبني عليهم بنيانا يسكنه الناس ويتخذونه قرية ، وقال آخرون : لنتخذن عليهم مسجدا يصلى فيه. وقوله : « ربهم أعلم بهم » اعتراض إما من الله ردا على الخائضين في أمرهم من أولئك المتنازعين ، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول ، أو من المتنازعين للرد إلى الله بعد ماتذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم فلم يتحقق لهم ذلك « سيقولون » أي الخائضون في قصتهم في عهد الرسول من أهل الكتاب والمؤمنين « ثلاثة رابعهم كلبهم » قيل : هو قول اليهود ، وقيل : قول السيد من نصارى نجران « ويقولون خمسة » قالته النصارى ، أو العاقب « رجما بالغيب » يرمون رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه أو ظنا بالغيب « ويقولون سبعة » قاله المسلمون ، واستدل على هذا بإتباعه بقوله : « قل ربي » وإتباع الاولين بقوله : « رجما بالغيب ». « ما يعلمهم إلا قليل من الناس » قال ابن عباس : أنا من ذلك القليل ، هم سبعة و ثامنهم كلبهم « فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا » فلا تجادل في شأن الفتية إلا جدالا ظاهرا غير متعمق ، وهو أن تقص عليهم مافي القرآن من غير تجهيل لهم ، أو إلا مراءا يشهده الناس ويحضرونه « ولا تستفت » ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال مسترشد. واختلف في قوله : « ولبثوا في كهفهم » فقيل : إنه إخبار عن الواقع ، وقيل : إنه حكاية لكلام أهل الكتاب بقرينة قوله : « قل الله أعلم ». « أبصر به وأسمع » أي ما أبصره وما أسمعه فلا يخفى عليه شئ! « من ولي » أي من يتولى أمورهم.
الهوامش · 2⌄
[٢]في المجمع : معناه ان دعونا مع الله إلها آخر فلقد قلنا اذا قولا مجاوزا للحق غاية في البطلان.ص 408
[٢]مجمع البيان ٦ : ٤٥٦.ص 409