Usul16

Hadith record

bihar-6570

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

١٤ ـ كتاب المحتضر للحسن بن سليمان : من كتاب الشفاء والجلاء ، عن أبي جعفر 7 قال : مر نبي من أنبياء بني إسرائيل برجل بعضه تحت حائط وبعضه خارج قد [١]قصص الانبياء مخطوط.

bihar-6570

نهج : الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى [١] وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : « إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس » اعترضته الحمية ، فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لاصله ، فعدو الله إمام المتعصبين ، وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع الله رداء الجبرية ، وادرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل ، ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ووضعه بترفعه؟ فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا؟. ولو أراد الله سبحانه أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه ويبهر العقول رواؤه وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل ، ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعة ، ولخفت البلوى فيه على الملائكة ، ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم. فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد ، و كان قد عبدالله ستة آلاف سنة لايدرى أمن سني الدنيا أو من سني الآخرة عن كبر [١]الحمى : مايحمى ويدافع عن وصول الغير إليه والتصرف فيه. حدكم بالحاء المهملة أي بأسكم وسطوتكم او منعكم ورفعكم. قوله : ( وله جدكم ) بالجيم أي تجتهدوا بالخلاص من فتنته بمقاومته وقهره. ابن ميثم. ساعة واحدة ، فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله سبحانه بمثل معصية؟ كلا ماكان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إن حكمه في أهل السماء وأهل الارض لواحد ، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة [١] في إباحة حمى حرمه على العالمين. فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزكم بخيله ورجله ، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد ، وأغرق لكم بالنزع الشديد ، ورماكم من مكان قريب ، وقال : « رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين » قذفا بغيب بعيد ، ورجما بظن مصيب ، فصدقه به أبناء الحمية ، وإخوان العصبية ، وفرسان الكبر والجاهلية حتى إذا انقادت له الجامحة منكم ، واستحكمت الطماعية منه فيكم ، فنجمت الحال من السر الخفي إلى الامر الجلي ، استفحل سلطانه عليكم ، ودلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم ولجات الذل ، وأحلوكم ورطات القتل ، وأوطؤوكم إثخان الجراحة طعنا في عيونكم ، و حزا في حلوقكم ، ودقا لمناخركم ، وقصدا لمقاتلكم ، وسوقا بخزائم القهر إلى النار المعدة لكم فأصبح أعظم في دينكم جرحا ، وأورى في دنياكم قدحا ، من الذين أصبحتم لهم مناصبين ، وعليهم متألبين ، فاجعلوا عليه حدكم وله جدكم ، فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ، ووقع في حسبكم ، ودفع في نسبكم ، وأجلب بخيله عليكم ، وقصد برجله بيلكم ، يقتنصونكم بكل مكان ، ويضربون منكم كل بنان ، لاتمتنعون بحيلة ، ولاتدفعون بعزيمة في حومة ذل ، وحلقة ضيق ، وعرصة موت ، وجولة بلاء ، فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية [١]الهوادة : الميل واللين والرخصة. وأحقاد الجاهلية ، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونزغاته ونفثاته ، واعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم ، وإلقاء التعزز تحت أقدامكم ، و خلع التكبر من أعناقكم ، واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا ورجلا وفرسانا ، ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير مافضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة. ألا وقد أمعنتم في البغي ، وأفسدتم في الارض مصارحة لله بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة ، فالله الله في كبر الحمية ، وفخر الجاهلية ، فإنه ملاقح الشنآن [١] ومنافخ الشيطان اللاتي خدع بها الامم الماضية ، والقرون الخالية ، حتى أعنقوا في حنادس جهالته ، ومهاوي ضلالته ذللا على سياقه ، سلسا في قياده أمرا تشابهت القلوب فيه وتتابعت القرون عليه وكبرا تضايقت الصدور به. ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا عن حسبهم وترفعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربهم ، وجاحدوا الله على ماصنع بهم ، مكابرة لقضائه ، ومغالبا لآلائه ، فإنهم قواعد أساس العصبية ، ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء الجاهلية ، فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسادا ، ولا تطيعوا الادعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحتكم مرضهم ، وأدخلتم في [١]الملاقح جمع ملقح كمكرم : الفحول التي تلقح الاناث وتستولد الاولاد. والشنآن : البغض. حقكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق ، وأحلاس العقوق ، اتخذهم إبليس مطايا ضلال ، و جندا بهم يصول على الناس ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، ودخولا في عيونكم ، ونفثا في أسماعكم فجعلكم مرمى نبله ، [١] وموطئ قدمه ، ومأخذ يده ، فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، و اتعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدهر ، فلو رخص الله في الكبر لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه ورسله ، ولكنه سبحانه كره إليهم التكابر ورضي لهم التواضع ، فألصقوا بالارض خدودهم ، وعفروا في التراب وجوههم ، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا أقواما مستضعفين ، قد اختبرهم الله بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، و مخضهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في مواضع الغنى والاقتار ، فقد قال سبحانه وتعالى : « أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون » فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم ، ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون 8 على فرعون ، وعليهما مدارع الصوف ، وبأيديهما العصي فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه ، فقال : ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك [١]في نسخة : ونثا في اسماعكم. والنبل بالفتح : السهام. وهما بما ترون من حال الفقر والذل؟! فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب؟ إعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه ، ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الارض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحل الانباء ، [١] ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الاسماء معانيها ، ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم ، مع قناعة تملا القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملا الابصار والاسماع أذى ولو كانت الانبياء : أهل قوة لاترام وعزة لاتضام وملك تمتد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم في الاستكبار ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لامره والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة ، لايشوبها من غيرها شائبة ، وكلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل ، ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الاولين من لدن آدم 7 إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياما ، ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا ، و أقل نتائق الدنيا مدرا ، وأضيق بطون الاودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خف ولا حافر ولا ظلف. [١]في نسخة : واضمحل الاشياء. وفي المصدر : واضمحلت الانباء. ثم أمر سبحانه آدم 7 وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوي [١] إليه ثمار الافئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهلون لله حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثان غبرا له ، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، و تمحيصا بليغا ، جعله الله تعالى سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنته ، ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار وسهل وقرار جم الاشجار داني الثمار ملتف البنى ، متصل القرى ، بين برة سمراء وروضة خضراء وأرياف محدقة ، و عراص مغدقة ، وزروع ناضرة ، وطرق عامرة لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، ولو كانت الاساس المحمول عليها والاحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء لخفف ذلك مضارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من الناس ، ولكن الله سبحانه يختبر [١]أي تسرع إليه وتميل. عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بألوان المجاهد ، [١] ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتكبر من قلوبهم ، وإسكانا للتذلل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه. فالله الله في عاجل البغي ، وآجل وخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنها مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة ، فما تكدي أبدا ، ولا تشوي أحدا ، لا عالما لعلمه ، ولا مقلا في طمره ، وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات ، ومجاهدة الصيام في الايام المفروضات ، تسكينا لاطرافهم ، وتخشيعا لابصارهم ، وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا ، والتصاق كرائم الجوارح بالارض تصاغرا ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا ، مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الارض ، وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر. انظروا إلى ما في هذه الافعال من قمع نواجم الفخر ، وقدع طوالع الكبر ، ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب لشئ من الاشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة تليط بعقول السفهاء غيركم ، فإنكم تتعصبون لامر مايعرف له سبب ولا علة. أما إبليس فتعصب على آدم 7 لاصله ، وطعن عليه في خلقته فقال : أنا ناري وأنت طيني ، وأما الاغنياء من مترفة الامم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا : [١]في المصدر : بأنواع المجاهد. وفي هامش المطبوع : المجاهد جمع المجهدة وهي المشقة. منه رحمه الله. « نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين » فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ، ومحامد الافعال ، ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ، ويعاسيب القبائل ، بالاخلاق الرغيبة ، والاحلام العظيمة ، والاخطار الجليلة ، والآثار المحمودة ، فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذمام ، [١] والطاعة للبر ، والمعصية للكبر ، والاخذ بالفضل ، والكف عن البغي ، والاعظام للقتل ، والانصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في الارض. واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات بسوء الافعال ، وذميم الاعمال ، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم ، فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم ، وزاحت الاعداء له عنهم ، و مدت العافية فيه عليهم ، وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم ، من الاجتناب للفرقة ، واللزوم للالفة ، والتحاض عليها ، والتواصي بها ، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منتهم ، من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصدور ، وتدابر النفوس ، وتخاذل الايدي ، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء؟ وأجهد العباد بلاء؟ وأضيق أهل الدنيا حالا؟ اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة ، وقهر الغلبة ، لايجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلا إلى [١]الجوار بالكسر : المجاورة بمعنى الاحتماء بالغير من الظلم. والذمام : العهد والامان. دفاع ، حتى إذ رأى الله جد الصبر منهم على الاذى في محبته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ، فأبدلهم العز مكان الذل ، والامن مكان الخوف فصاروا ملوكا حكاما ، وأئمة أعلاما ، وبلغت الكرامة من الله لهم مالم تذهب [١] الآمال إليه بهم ، فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة ، والاهواء متفقة ، والقلوب معتدلة ، والايدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة ، ألم يكونوا أربابا في أقطار الارضين؟ وملوكا على رقاب العالمين؟ فانظروا إلى ماصاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتت الالفة ، واختلفت الكلمة والافئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا متحازبين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، و بقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم. فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل : ، فما أشد اعتدال الاحوال ، وأقرب اشتباه الامثال ، تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الاكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، و خضرة الدنيا إلى منابت الشيح ، ومهافي الريح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذل الامم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها ، فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة ، و الكثرة متفرقة ، في بلاء أزل ، وإطباق جهل ، من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة. فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا فعقد بملته طاعتهم [١]في المصدر : مالم تبلغ. وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها؟ وأسالت لهم جداول نعيمها؟ والتفت الملة بهم في عوائد بركتها؟ فأصبحوا في نعمتها غرقين ، وعن خضرة عيشها فكهين ، قد تربعت الامور بهم في ظل سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب ، وتعطفت الامور عليهم في ( ذرى )؟ ملك ثابت ، فهم حكام على العالمين ، وملوك في أطراف الارضين ، يملكون الامور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة. ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية ، وإن الله سبحانه قدامتن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة التي ينتقلون في ظلها ، [١] ويأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ، لانها أرجح من كل ثمن ، وأجل من كل خطر. واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، وبعد الموالاة أحزابا ، ماتتعلقون من الاسلام إلا باسمه ، ولا تعرفون من الايمان إلا رسمه ، تقولون : النار ولا العار ، كأنكم تريدون أن تكفئوا الاسلام على وجهه ، انتهاكا لحريمه ، ونقضا لميثاقه الذي وضعه الله لكم حرما في أرضه ، وأمنا بين خلقه ، وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثم لا جبرئيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة بالسيف ، حتى يحكم الله بينكم ، وإن عندكم الامثال من بأس الله وقوارعه وأيامه ووقائعه فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من بأسه ، فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فلعن السفهاء [١]في نسخة : يتقلبون في ظلها. لركوب المعاصي ، والحلماء لترك التناهي ، ألا وقد قطعتم قيد الاسلام ، وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه. ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الارض ، فأما الناكثون فقد قاتلت ، وأما القاسطون فقد جاهدت ، وأما المارقة [١] فقد دوخت ، وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ، ورجة صدره ، وبقيت بقية من أهل البغي ، ولئن أذن الله تعالى في الكرة عليهم لاديلن منهم إلا ما يتشذر في أطراف البلاد تشذرا. أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، وماوجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله سبحانه به من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولايراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول [١]الناكثون : أصحاب الجمل. القاسطون : معاوية وأصحابه. المارقون : الخوارج ومن حاربه في النهروان. الله (ص) وخديجة رضي الله ( عنها )؟ وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (ص) ، فقلت : يارسول الله ماهذه الرنة؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس [١] من عبادته ، إنك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير ، وإنك لعلى خير. ولقد كنت معه (ص) لما أتاه الملا من قريش فقالوا له : يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول ، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب ، فقال (ص) لهم : وما تسألون؟ قالوا : تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها ، وتقف بين يديك ، فقال (ص) : أن الله على كل شئ قدير ، فإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ قالوا : نعم ، قال : فإني سأريكم ماتطلبون ، وإني لاعلم أنكم لاتفيئون إلى خير ، وإن فيكم من يطرح في القليب ، ومن يحزب الاحزاب. ثم قال : يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله ، فوالذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله (ص) مرفرفة ، وألقت بغصنها الاعلى على رسول الله 9 ، وببعض أغصانها على منكبي وكنت عن يمينه 9 ، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال ، وأشده دويا ، فكادت تلتف برسول الله (ص) ، فقالوا كفرا وعتوا : فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره (ص) فرجع ، فقلت أنا : لا إله إلا الله ، إني أول مؤمن بك يارسول الله ، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت مافعلت بأمر الله تبارك وتعالى ، [١]المصدر خلى عن لفظة » قد ». تصديقا لنبوتك ، وإجلالا لكلمتك ، [١] فقال القوم كلهم : بل ساحر كذاب ، عجيب السحر ، خفيف فيه ، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا؟ يعنونني ، وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، سيماهم سيماء الصديقين ، وكلامهم كلام الابرار ، عمار الليل ومنار النهار ، متمسكون بحبل القرآن ، يحيون سنن الله وسنن رسوله (ص) لايستكبرون ولا يعلون ولا يغلون ولا يفسدون ، قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل.

الهوامش · 62

[٢]السلف : كل من تقدم من الاباء وذوي القرابة.ص 465

[٣]أي مطرودا.ص 465

[٤]في المطبوع هنا هامش نثبته بعينه : فأما قوله : لاندري ففي نسخة السيد الرضي على البناء للفاعل ، وفي غيرها من النسخ بالبناء للمفعول ، والرواية الاولى تستلزم أنه 7 ممن لا يدرى أن تلك السنين من أي السنين والثانية يحتمل فيها كونه ممن يدرى ذلك. ابن ميثم. وفيه ايضا : لاندري بالنون في نسخة السيد ، وعلى نسخ غيره بالياء ، وجهده بفتح الجيم : اجتهاده وجده. ابن أبي الحديد.ص 465

[٢]في المصدر : وأن يستفزكم بندائه وأن يجلب عليكم بخيله ورجله.ص 466

[٣]في بعض النسخ : غير مصيب.ص 466

[٤]المصدر خال عن قوله : لكم.ص 466

[٥]الحد : البأس وما يعترى من الغضب.ص 466

[٦]في مجمع البحرين « اجلب عليهم » من الجلبة وهي الصياح أي صح عليهم بخيلك ورجلك واحشرهم عليهم ، يقال : جلب على فرسه جلبا أي استحثه للعدو وصاح به ليكون هو السابق ، و هو ضرب من الخديعة ، وأجلب فيه لغة.ص 466

[٧]أي برجالته ونصرائه.ص 466

[٢]في المصدر : التي.ص 467

[٣]الادعياء جمع الدعى : من تبنيته أي جعلته لك ابنا. المتهم في نسبه. الذي يدعى غير أبيه أو غير امه. ولعل المراد هنا المعنى الثاني والمراد منهم الاخساء المنتسبون إلى الاشراف ، و الاشرار المنتسبون إلى الاخيار. قوله : ( شربتم بصفوكم كدرهم ) لعل المراد من الصفو الاصالة والشرف او الخلوص في العمل ، ومن الكدر مايقابلهما ، والمعنى انهم استفادوا من شرفكم وأصالتكم أو أنهم خلطوا صافى أخلاصكم بكدر نفاقهم.ص 467

[٢]المثلات بفتح فضم : العقوبات. والمثاوى جمع المثوى : المنزل. ومنازل الخدود : المواضع التي توضع الخدود عليها في القبور. ومصارع الجنوب : مطارحها على التراب.ص 468

[٣]الطوارق : الدواهي والتقلبات.ص 468

[٤]في نسخة : لخاصة أنبيائه وملائكته. وفي المصدر : لخاصة أنبيائه وأوليائه.ص 468

[٥]في المصدر : وقد اختبرهم الله.ص 468

[٦]من مخض اللبن : حركه ليخرج زبده. وفي نسخة : « محضهم » أي أخلصهم من العيوب و الشرك والنقيصة بسبب المكاره ، وفي اخرى « محصهم » أي ابتلاهم واختبرهم ، أو خلصهم مما يشوبهم من الذنوب وطهرهم منها.ص 468

[٧]الاقتار : الفقر. وفي المصدر : في مواضع الغنى والاقتدار ، وقد قال اه.ص 468

[٢]في هامش المطبوع : مبتلين بفتح اللام كالمعطين والمرتضين جمع معطى ومرتضى.ص 469

[٣]في نسخة : وأبعد لهم من الاستكبار. قوله ( أهون ) أي أضعف تأثيرا في تربيتهم واتعاظهم بأقوالهم ( وأبعد لهم ) أي أشد توغلا بهم في الاستكبار لان الانبياء يكونون قدوتهم في الكبر والعظمة حينئذ.ص 469

[٤]في المصدر : نتائق الارض.ص 469

[٥]لايزكو أي لاينمو. خف أي ذا خف أي جمال وخيل وبقر وغنم ، تعبير عنها بما ركبت عليه قوائمها.ص 469

[٢]المفاوز جمع مفازة : الفلاة لا ماء بها.ص 470

[٣]المهاوي : منخفضات الاراضي.ص 470

[٤]إعفاء الشعور : تركها بلا حلق ولا قص.ص 470

[٥]جم الاشجار : كثيرها.ص 470

[٦]البنى جمع البنية بضم الباء وكسرها : ما ابتنيته.ص 470

[٧]في المصدر : ورياض ناضرة.ص 470

[٨]في المصدر : ولو كان الاساس. والاساس بكسر الهمزة أو فتحها جمع اس مثلثة أصل البناء.ص 470

[٩]في نسخة : « مصارعة الشك » وفي المصدر « مسارعة الشك » ولعله أصوب.ص 470

[١٠]اعتلجت الامواج : التطمت ، ومنه : اعتلجت الهموم في صدره ، والمعنى : زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس.ص 470

[٢]الطمر بالكسر : الثوب الخلق ، والمعنى أن البغي والظلم والكبر مصائد ابليس و أسلحته المهلكة لاينجو منها العالم فضلا عن الجاهل ، ولا الفقير فضلا عن الغني.ص 471

[٣]في نسخة : وإلصاق.ص 471

[٤]في المصدر : لايعرف له سبب ولا علة.ص 471

[٥]المترف على صيغة اسم المفعول : الذي أبطره النعم فأصر على البغي ويتمتع بما يشاء من اللذات.ص 471

[٢]المثلات : العقوبات.ص 472

[٣]في نسخة : حالهم.ص 472

[٤]أي تباعدت الاعداء وزالت عنهم. وفي نسخة من المصدر : « راحت » وكأنه مصحف.ص 472

[٥]« من الاجتناب » بيان لاسباب سعاداتهم.ص 472

[٦]تشاحن الصدور : مل ؤها من الحقد والعداوة ، وفي نسخة من المصدر : وتشاخص الصدور.ص 472

[٧]تدابر القوم : تعادوا ، اختلفوا وتقاطعوا.ص 472

[٢]في نسخة من المصدر : متحاربين.ص 473

[٣]المصدر خلى عن كلمة « منكم ».ص 473

[٤]في المصدر : واعتبروا.ص 473

[٥]الاعتدال : التناسب. والاشتباه : التشابه.ص 473

[٦]المراد نبينا محمد 9.ص 473

[٢]أي صرتم من أعراب البادية الذين لم يعلموا من الاسلام إلا أحكاما قليلة ، وقد ورد في الخبر النهي عن التعرب بعد الهجرة ، قال الطريحي في مجمع البحرين : يعني الالتحاق ببلاد الكفر والاقامة بها بعد المهاجرة عنها إلى بلاد الاسلام ، وكان من رجع من الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد.ص 474

[٣]وأيامه أي الايام التي انزل فيه العقوبات على أهل المعاصي. منه رحمه الله.ص 474

[٤]في نسخة : الا القرون الماضية.ص 474

[٥]في المصدر : فلعن الله السفهاء.ص 474

[٢]هم معاوية ومن بقى بعد صفين.ص 475

[٣]الكرة : الحملة في الحرب.ص 475

[٤]أي اكابرهم.ص 475

[٥]في المصدر : وأنا ولد.ص 475

[٦]في المصدر : ويكنفني إلى فراشه.ص 475

[٧]الخطلة واحدة الخطل : الخطأ ينشأ من عدم الروية.ص 475

[٨]في المصدر : من أخلاقه علما.ص 475

[٩]قال ابن ميثم : الحراء بالكسر والمد : جبل بمكة يذكر ويونث يصرف ولايصرف. منه رحمه الله.ص 475

[٢]قال الجزري : الاحزاب جمع حزب بالكسر : الطوائف من الناس ، ومنه حديث ابن الزبير أن يحزبهم أي يقويهم ويشد منهم ، أو يجعلهم من حزبه ، أو يجعلهم أحزابا. منه رحمه الله.ص 476

[٣]في نسخة : فكانت.ص 476

[٤]في المصدر : فاني.ص 476

[٥]في نسخة : وأول من آمن.ص 476

[٢]نهج البلاغة ١ : ٣٧٢ و ٣٩٥.ص 477

Citation

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث Volume 14, Page 465

View original source