يل : قال الواقدي : أول ما افتتح به عقيل بن أبي وقاص أن قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم ، ومن شجرة إسماعيل ، ومن غصن نزار ، ومن ثمرة عبد مناف ، ثم أثنى على الله تعالى ثنآء بليغا ، وقال فيه جميلا ، وأثنى الصحيح : : عمرو ، كما تقدم في أوائل الكتاب. على اللات والعزى ، وذكرهم بالجميل ، وعقد النكاح ، ونظر إلى وهب ، وقال : يا أبا الوداح زوجت كريمتك آمنة من ابن سيدنا عبدالمطلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجرية جياد ، وخمس مائة مثقال ذهب احمر؟ قال : نعم ، ثم قال : يا عبدلله قبلت هذا الصداق يا أيها السيد الخاطب؟ قال نعم ، ثم دعا لهما بالخير والكرامة ، ثم أمر وهب أن تقدم المائدة فقدمت مائدة خضرة فاتي من الطعام الحار والبارد والحلو والحامض فأكلوا وشربوا ، قال : ونثر عبدالمطلب على ولده قيمة لف درهم من النثار ، وكان متخذا من مسك بنادق ، ومن عنبر ومن سكر ومن كافور ، ونثر وهب بقيمة ألف درهم عنبرا ، وفرح الخلق بذلك فرحا شديدا. قال الواقدي : فلما فرغو من ذلك نظر عبدالمطلب إلى وهب وقال : ورب السمآء إني لا افارق هذا السقف أو اؤلف بين ولدي وحليلته ، فقال وهب : بهذه السرعة لايكون ، فقال عبدالمطلب : لابد ن ذلك ، فقام وهب ودخل على امرأته برة وقال لها : اعلمي أن عبدالمطلب قد حلف برب السمآء أنه لا يفارق هذا السقف أو يؤلف بين ولده عبدالله وبين زوجته آمنة ، فقامت المرأة من وقتها ودعت بعشر من المشاطات وأمرتهن أن يأخذن في زينة آمنة ، فقعدن حول آمنة ، فواحدة منهن تنقش يديها ، وواحدة تخضب ، وواحدة تسرح ذؤابتها [١] ، فلما كان عند غروب الشمس وقد فرغن من زينتها نصبوا سريرا من الخيزران ، وقد فرشوا عليه من ألوان الديباج والوشي ، وقعدت الجارية على السرير وعقدن على رأسها تاجا ، وعلى جبينيها إكليلا ، وعلى عنقها مخانق الدر والجواهر ، وتخوتمت بأنواع الخواتيم ، وجاء وهب وقال لعبدالمطلب : يا سيدي اقدم على العروس ، فقام عبدالمطلب إلى العروس وهي كأنها فلقة قمر من حسنها ، وتقدم عبدالمطلب إلى السرير وقبله وقبل عين العروس ، فقال عبدالمطلب لولده عبدالله : اجلس يا ولدي معها على السرير وافرح برؤيتها ، قال : فرفع عبدالله قدمه وصعد إلى السرير ، وقعد إلى جنب العروس ، وفرح عبدالمطلب ، وكان من عبدالله إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النسآء ، [١]في المصدر زيادة هى : وواحدة تمسها بالماء. فواقعها ، فحملت بسيد المرسلين وخاتم النبيين ، وقام من عندها إلى عند أبيه فنظر إليه أبوه وإذا النور قد فارق من بين عينيه ، وبقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح ، وذهب النور إلى ثدي آمنة ، فقام عبدالمطلب إلى عند آمنة ونظر إلى وجهها فلم يكن النور كما كان في عبدالله بن أنور ، فذهب عبدالمطلب إلى عند حبيب الراهب فسأله عن ذلك ، فقال حبيب : اعلم أن هذا النور هو صاحب النور بعينه ، وصار في بطن امه ، فقام عبدالمطلب وخرج مع الرجل وبقي عبدالله عند أهله إلى أن ذهبت الصفرة من يديه ، وذلك أن العرب كانوا إذا دخلوا بأهلهم خضبوا أيديهم بالحنآء ، ولا يخرجون من عندهم وعلى أيديهم أثر من الحنآء ، وبقي عبدالله أربعين يوما ، وخرج ونظر أهل مكة إلى عبدالله والنور قد فارق موضعه ، فرجع عبدالمطلب من عند حبيب وقد أتى على رسول الله 9 شهر واحد في بطن امه ، ونادت الجبال بعضها بعضا ، والاشجار بعضها بعضا والسمآوات بعضها بعضا ، يستبشرون ويقولون : ألا إن محمدا قد وقع في رحم امه آمنة ، وقد أتى عليه شهر ففرح [١] بذلك الجبال والبحار والسمآوات والارضون ، فورد عليه كتاب من يثرب بموت فاطمة بنت عبدالمطلب ، وكان في الكتاب أنها ورثت مالا كثيرا خطيرا ، فأخرج أسرع ما تقدر عليه ، فقال عبدالمطلب لولده عبدالله : يا ولدي لابد لك أن تجئ معي إلى المدينة ، فسافر مع أبيه ودخلا مدينة يثرب ، وقبض عبدالمطلب المال ، ولما مضى من دخولهما المدينة عشرة أيام اعتل عبدالله علة شديدة ، وبقي خمسة عشر يوما ، فلما كان اليوم السادس عشر مات عبدالله ، فبكى عليه أبوه عبدالمطلب بكاء شديدا ، وشق سقف البيت لاجله في دار فاطمة بنت عبدالمطلب ، وإذا بها تف يهتف ويقول : قد مات من كان في صلبه خاتم النبيين ، وأي نفر لا يموت؟ فقام عبدالمطلب : فغسله و كفنه ودفنه في سكة يقال لها : شين ، وبنى على قبره قبة عظيمة من جص وآجر ، ورجع إلى مكة ، واستقبلته رؤساء قريش وبنو هاشم ، واتصل الخبر إلى آمنة بوفا زوجها ، فبكت ونتفت شعرها ، وخدشت وجهها ، ومزقت جبيها ، ودعت بالنائحات ينحن على [١]في المصدر : فتفرح. عبدالله ، فجاء بعد ذلك عبدالمطلب إلى دار آمنة وطيب قبليا ، ووهب لها في ذلك الوقت ألف درهم بيض ، وتاجين قدا تخذهما عبد مناف لبعض بناته ، وقال لها : يا آمنة لا تحزني فإنك عندي جليلة ، لاجل من في بطنك ورحمك ، فلاتهتك [١] أمرك ، فسكتت وطيب قلبها. قال الواقدي : فلما أتى على رسول الله 9 في بطن امه شهران أمر الله تعالى مناديا في سمآواته وأرضه أن ناد في السمآوات والارض والملائكة : أن استغفر والمحمد 9 وامته ، كل هذا ببركة النبي 9. قال الواقدي : فلما أتى علي رسول الله (ص) في بطن امه ثلاثة أشهر كان أبوقحافة راجعا من الشام ، فلما بلغ قريبا من مكة وضعت تاقته جمجمتها على الارض ساجدة ، و كان بيد أبي قحافة قضيب فضربها بأوجع ضرب ، فلم ترفع رأسها ، فقال أبوقحافة : فما أرى ناقة تركت صاحبها ، وإذا بهاتف يهتف ويقول : لا تضرب يا أبا قحافة من لا يطعيك ، ألا ترى أن الجبال والبحار والاشجار سوى الآدميين سجدوا الله ، فقال أبوقحافة : يا هاتف وما السبب في ذلك؟ قال اعلم أن النبي الامي قد أتى عليه في بطن امه ثلاثة أشه ، قال أبوقحافة : ومتى يكون خروجه ، قال : سترى يا أبا قحافة إن شاء الله تعالى ، فالويل كل الوليل لعبدة الاصنام من سيفه وسيف أصحابه ، فقال أبوقحافة : فوقفت ساعة حتى رفعت الناقة رأسها ، وجئت إلى عبدالمطلب فأخبرته. قال الواقدي : فلما أتى على رسول الله 9 أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف ، وكان له صومعة بمكة على مرحلة ، قال : فخرج الزاهد وكان اسمه حبيبا ، فجآء إلى بعض أصدقائه بمكة ، فلما بلغ أرض الموقف ، إذا بصبي قد وضع جبينه على الارض ، وقد سجد على جمجمته ، قال حبيب : فدنوت منه فأخذته ، وإذا بهاتف يهتف و يقول : خل عنه يا حبيب ، ألا ترى إلى الخلائق من البر والبحر ولاسهل والجبل قد [١]فلا يهمنك خ ل. سجدوا الله شكرا لما أتى على النبي الزكي الرضي المرضي في بطن امه خمسة أشهر [١] ، وهذا الصبي قد سجدالله ، قال حبيب : فتركت الصبي ودخلت مكة وبينت ذلك لعبدالمطلب ، وعبد المطلب يقول : اكتم هذا الاسم ، فإن لهذا الاسم أعداء ، قال : وذهب حبيب إلى صومعته فإذا الصومعة تهتز ولا تستقر ، وإذا على محرابه مكتوب وعلى محراب كل راهب : يا أهل البيع والصوامع آمنوا بالله وبرسول محمد بن عبدالله ، فقد آن خروجه ، فطوبى ثم طوبى لمن آمن به ، والويل كل الويل لمن كفربه ، ورد عليه حرفا مما يأتي به من عند ربه ، قال حبيب : فقلت : السمع ولاطاعة ، إني لمؤمن وطائع غير منكر. قال الواقدي : فلما أتى على رسول الله 9 في بطن امه ستة أشهر خرج أهل المدينة واليمن إلى العيد ، وكان رسمهم أنهم يمرون في كل سنة ستة أعياد ، وكانوا يذهبون عند شجرة عظيمة يقال لها : ذات أنواط ، وهي التي سماها الله تعالى في كتابه ( ومناة الثالثة الاخرى ) فذهبوا في ذلك وأكلوا وشربوا وفرحوا وتقاربوا من لاشجرة ، وإذا بصيحة عظيمة من وسط الشجرة وهو هاتف يقول : يا أهل اليمن ، ويا أهل اليمامة ، ويا أهل البحرين ، ويا عبد الاصنام ، ويا من سجد للاوثان ، جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، يا قوم قدجاء كم الهلاك ، قد جاء كم التلف ، قد جاءكم الويل والثبور ، قال : ففزعوا من ذلك وانهزموا راجعين إلى منازلهم متحيرين متعجبين من ذلك. قال الواقدي : فلما أتى على رسول الله (ص) في بطن امه سبعة أشهر جاء سواد بن قارب إلى عبدالمطلب ، وقال له : اعلم با أبا الحارث أني كنت البارحة بين النوم واليقظة ، فرأيت أبواب السمآء مفتحة ، ورأيت الملائكة ينزلون إلى الارض ، معهم ألوان الثياب يقولون : زينوا الارض فقد قرب خروج من اسمه محمد ، وهو نافلة عبدالمطلب رسول الله [١]هكذا في التاب ومصدره ، وقال المصنف في هامش الكتاب : الظاهر أنه سقطت قصة الاربعة أشهر أو الخمسة من بين الكلام ، وكانت النسخة هكذا. إلى الارض ، وإلى الاسود والاحمر والاصفر ، وإلى الصغير والكبير والذكر والانثى ، صاحب السيف القاطع ، والسهم النافذ ، فقلت لبعض الملائكة : من هذا تزعمون؟ فقال : ويلك [١] هذا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف ، فهذا ما رأيت ، فقال له عبدالمطلب : اكتم الرؤيا ولا تخبربه أحدا لننظر ما يكون. قال الواقدي : فلما أتى على النبي 9 في بطن امه ثمانية أشهر كان في بحر الهوآء حوتة يقال لها : طينوسا ، وهي سيدة الحيتان ، فتحركت الحيتان ، وتحركت الحوتة ، واستوت قائمة على ذنبها ، وارتفعت وارتقع الامواج عنها ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيدنا ترى إلى ما تفعل طينوسا ولا تطيعنا ، وليس لنا بها قوة ، قال : فصاح إستحيائيل المل كصيحة عظيمة ، وقال لها : قري يا طينوسا ألا تعرفين من تحت ، فقالت طينوسا : يا إستحيائيل أمر ربي يوم خلقني إذا ولد محمد بن عبدالله استغفري له ولامته ، والآن سمعت الملائكة يبشر بعضهم بعضا فلذلك قمت وتحركت ، فناداها استحيائيل قري واستغفري ، فإن محمدا قد ولد ، فلذلك انبطحت في البحر ، وأخذت في التسبيح والتهليل والتكبير والثنآء على رب العالمين. قال الواقعدي : فلما أتي على رسول الله 9 في بطن امه تسعة أشهر أوحى الله إلى الملائكة في كل سمآء : أن اهبطوا إلى الارض ، فهبط عشرة آلاف ملك بيد كل ملك قنديل يشتعل بالنور بلادهن ، مكتوب على كل قنديل : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، يقرأه كل عربي كاتب ، ووقفوا حول مكة في المفاوز ، وإذا بهاتف يهتف ويقول : هذا نور محمد رسول الله (ص) ، قال : فورد الخبر على عبدالمطلب فأمر بكتمانه إلى أن يكون. قال الواقدي : فلما كملت تسعة أشهر لرسول الله 9 صار لا يستقر كوكب في السمآء إلا من موضع إلى موضع يبشرون بعضهم بعضا ، والناس ينظرون إلى الكواكب [١]في المصدر : ويحك. في السمآء مسيرات لا يستقرون ، فأقام ذلك ثلاثين يوما. قال الواقدي : فلما تم لرسول الله 9 تسعة أشهر نظرت ام رسول الله (ص) آمنة إلى امها برة وقالت : يا اماه إني احب أن أدخل البيت فأبكي على زوجي ساعة وأقطر دمعي على شبابه وحسن وجهه ، فإذا دخلت البيت وحدي فلا يدخل علي أحد ، فقالت لهابرة : ادخلي يا آمنة فابكي ، فحق لك البكاء ، قال : فدخلت آمنة البيت وحدها وقعدت وبكت وبين يديها شمع يشتعل ، وبيدها مغزل من آبنوس ، وعلى مغزلها فلقة [١] من عقيق أحمر ، وآمنة تبكي وتنوح إذا أصابها الطلق ، فوثبت إلي الباب لتفتحه فلم ينفتح ، فرجعت إلى مكانها ، وقالت : واوحدتاه ، وأخذها الطلق والنفاس ، وما شعرت بشئ حتى انشق السقف ، ونزلت من فوق أربع حوريات ، وأضاء البيت لنور وجوههن ، وقلن لآمنة : لا بأس عليك يا جارية إنا جئناك لنخدمك ، فلا يهمنك أمرك ، وقعدت الحوريات واحدة على يمينها ، وواحدة على شمالها ، وواحدة بين يديها ، وواحدة من ورائها ، فهو مت عين آمنة وغفت غفوة ، قال ابن عباس : ما كان من أمر ام الصبي إلا أنها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها ، فانتبهت ام النبي (ص) فاذا النبي تحت ذيلها ، قد وضع جبينه على الارض ساجدا لله ، ورفع سبابتيه مشيرا بهما لا إله إلا الله. قال الواقدي : ولد رسول الله 9 في ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر في شهر ربيع الاول لسبعة عشر منه في سنة تسعة آلاف سنة وتسعمأة وأربعة أشهر وسبعة أيام من وفاة آدم 7. قال الواقدي : ونظرت امه آمنة إلى وجه رسول الله (ص) فإذا هو مكتحل العينين ، منقط الجبين والذقن ، وأشرق من وجنتي النبي 9 نور ساطع في ظلمة الليل ، ومر [١]الفلقة : القطعة. في سقف البيت ، وشق السق ، ورأت آمنة من نور وجهه كل منظر حسن وقصر بالحرم ، وسط في تلك الليلة أربعة وعشرون [١] شرفا من أيوان كسرى ، وأخمدت في تلك الليلة نيران فارس ، وأبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت ، وغرفة في الدنيا ممن قد علم الله تعالى وسبق في علمه أنهم يؤمنون بالله ورسوله محمد 9 ، ولم يسطع في بقاع الكفر بأمر الله تعالى ، وما بقي في مشارق الارض ومغاربها صنم ولا وثن إلا وخرت على وجوهها ساقطة على جباهها خاشعة ، وذلك كله إجلالا للنبي 9. قال الواقدي : فلما رأى إبليس لعنه الله تعالى وأخزاه ذلك وضع التراب على رأسه وجمع أولاده وقال لهم : يا أولادي اعلموا أننني ما أصابني منذ خلقت مثل هذه المصيبة ، قالوا : وما هذه المصيبة؟ قال : اعلموا أنه قد ولد في هه الليلة مولود اسمه محمد بن عبدالله (ص) يبطل عبادة الاوثان ، ويمنع السجود للاصنام ، ويدعو الناس إلى عبادة الرحمن ، قال : فنثروا التراب على رؤوسهم ، ودخل إبليس لعنه الله تعالى في البحر الرابع وقعد فيه للمصيبة هو وأولاده مكروبين أربعين يوما. قال الواقدي : فعند ذلك أخذت الحوريات محمدا (ص) ولففنه في منديل رومي ، ووضعنه بين يدي آمنة ، ورجعن إلى الجنة يبشرون الملائكة في السمآوات بمولد النبي (ص) ، ونزل جبرئيل وميكائيل 8 ودخلا البيت على صورة الآدميين وهما شابان ، ومع جبرئيل طشت من ذهب ، ومع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر ، فأخذ جبرئيل رسول الله 9 وغسله ، وميكائيل يصب المآء عليه فغسلان ، وآمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة ، فقال لها جبرئيل : يا آمنة لا نغسله من النجاسة ، فإنه لم يكن نجسا ، ولكن نغسله من ظلمات بطنك ، فلما فرغوا من غسله وكحلوا عينيه ونقطوا جبينيه بوقة كانت معهم مسك وعنبر وكافور مسحوقا بعضه ببعض فذروه فوق رأسه (ص) قالت آمنة : وسمعت جلبة [٨] وكلاما على الباب ، فذهب جبرئيل إلى الباب فنظر ورجع إلى البيت وقال : ملائكة سبع سمآوات يريدون السلام على النبي (ص) فاتسع البيت ودخلوا عليه [١]تقدم قبلا أنه سقط أربعة عشر شرفا. موكب بعد موكب وسلموا عليه ، وقالوا : السلام عليك يا محمد ، السلام عليك يا محمود ، السلام عليك يا أحمد ، السلام عليك يا حامد. قال الواقدي : فلما دخل [١] من الليل ثلثه أمر الله تعالى جبرئيل 7 أن يحمل من الجنة أربعة أعلام ، فحمل جبرئيل الاعلام ونزل إلى الدنيا ، ونصب علما خضر على جبل قاف مكتوبا [١] عليه بالبياض سطران : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله (ص) ، ونصب علما آخر على جبل أبي قبيس له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما : شهادة أن لا إله إلا الله ، وفي الثانية : لادين إلا دين محمد بن عبدالهل ، ونصب علما آخر على سطح بيت الله الحرام له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما : طوبى لمن آمن بالله وبمحمد ، والوليل لمن كفر به ورد عليه حرفا مما يأتي به من عند ربه ، ونصب علما آخر على ضراح بيت الله المقدس وهو أبيض عليه خطان مكتوبان بالسواد ، الاول : لا غالب إلا الله ، والثاني : النصر لله ولمحمد 9. قال الواقدي : وذهب إستحيائيل ووقف على ركن جبل أبي قبيس ونادى بأعلى صوته : يا أهل مكة آمنوا بالله ورسوله ، والنور الذي أنزلنا ، وأمر الله غمامة أن ترفع فوق بيت الله الحرام ، وتنثر على البيت الحرام ريش الزعفران والمسك والعنبر ، وتمطر على البيت ، فلما أصبحوا رأوا ريش الزعفران والمسك والعنب ، وارتفعت الغمامة وأمطرت على البيت ، وخرجت الاصنام من بيت الله الحرام ، وجاؤا إلى عند الحجر وانكبوا على وجوههم ، وجاء جبرئيل بقنديل أحمر له سلسلة من جزع أصفر ، وهو يشتعل بلادهن بقدرة الله تعالى. قال الواقدي : وبرق من وجه النبي 9 برق وذهب في الهوآء حتى التزق بعنان السمآء ، وما بقي بمكة دار ولا منظر إلا دخله ذلك النور ، ممن سبق في قدر الله تعالى وعلمه أنه يؤمن بالله ، وبرسوله محمد 9 ، وما بقي في تلك الليلة كتاب من التوراة والانجيل والزبور ومما كان فيه اسمه 9 أو نعته إلا وقطر تحت اسمه قطرة دم ، وقال : [١]مضى خ ل. لان الله تعالى بعثه بالسيف ، وما بقي في تلك الليلة دير ولا صومعة إلا وكتب على محاريبها اسم محمد 9 ، فبقيت الكتابة إلى الصباح حتى قرء الرهبانية والديرانية [١] ، وعلموا أن النبي الامي 9 قد ولد. قال الواقدي : فعندها قامت آمنة 2 وفتحت الباب ، وصاحت صيحة وغشي عليها ، ثم دعت بامها برة وأبيها وهب وقالت : ويحكما أين أنتما؟ فما رأيتما ما جرى علي؟ إني وضعت ولدي ، وكان كذا وكذا ، تصف لهما ما رأته ، قال : فقام وهب ودعا بغلام وقال : اذهب إلى عبدالمطلب وبشره ، وأهل مكة على المغاير قد صعدوا والصروح ينظرون إلى العجائب ولا يدرون ما الخبر ، وكذلك عبدالمطلب قد صعد مع أولاده فما شعروا بشئ حتى قرع الغلام الباب ، ودخل على عبدالمطلب وقال : يا سيدنا أبشر فإن آمنة قد وضعت ولدا ذكرا ، فاستبشر بذلك ، وقال : قد علمت أن هذه براهين ودلائل لمولودي ، فذهب عبدالمطلب إلى آمنة مع أولاده ونظروا إلى وجه رسول الله 9 ووجهه كالقمر ليلة لابدريسبح ويكبر في نفسه ، فتعجب منه عبدالمطلب. قال الواقدى : فأصبح أهل مكة يوم الثاني ونظروا إلى القندى وإلى السلسلة وإلى ريس الزعفران والعنبر ينزل منالغمامة ، وإلى الاصنام وقد خرجن منكبات على وجوههن ، وبقى الخلق على ذلك ، وجاء إبليس أخزاه الله على صورة شيخ زاهد وقال : يا أهل مكة لا يهمنكم أمر هذا فإنما أخرج الاصنام الليل العفاريت والمردة ، وسجدوا لهن ، فلا يهمنكم ، وأمر إبليس لعنه الله أن تدخل الاصنام إلى جوف بيت الله الحرام ففعلوا ذلك ، وإذا بهاتف يهتف ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ، ، إن الباطل كان زهوقا. قال الواقدى : فأرسل الله تعالى إلى البيت جللا من الديباج الابيض مكتوب عليها [١]في العبارة تصحيف ، لان الرهبانية طريقة الرهبان ، ولعل الصحيح الرهابنة أو الرهبانة. بخط أسود : بسم الله الرحمن الرحيم : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. قال الواقدى : فتعجب الناس من ذلك وبقيت الجلل على البيت أربعين يوما ، فذهب رجل من آل إدريس وكان بيده مد سمنا [١] فتمسح بذلك الجلل والتحف به فارتفع الجلل من ليلته ، ولم لم يلتحف به لبقي على بيت الله الحرام هذا الديباح إلى يوم القيامة. قال الواقدى : فاجتمع رؤساء بني هاشم وذهبوا إلى حبيب الراهب وقالوا : يا حبيب بين لنا خبر هذا الجلل وإخراج الاصنام من جوف بيت الله الحرام ، والكواكب السائرات ، والبرق الذى برق في هذه الليلة ، والجلبات التي سمعنا مما هي ، فقال حبيب : أنتم تعلمون أن ديني ليس دينكم ، وأنا أقول الحق ، إن شئتم قاقبلوا ، وإن شئتم لا تقبلوا ، ما هذه العلامات إلا علامات نبي مرسل في زانكم ، ونحن وجدنا في التوراة ذكر وصفه وفي الانجيل نعته ، وفي الزبور اسمه ، واسمه في الصحف ، وهو الذي يبطل عبادة الاوثان والاصنام ، ويدعو إلى عبادة الرحمن ، ويكون على العلم قاطع السيف ، طاعن الرمح ، نافذ السهم ، تخضع له ملوك الدنيا وجبابرتها ، فالويل الويل لاهل الكفر والطغيان ، وعبدة الاوثان من سيفه ورمحه وسهمه. فمن آمن به نجا ، ومن كفر به هلك ، فقام الخلق من عنده مغمومين مكروبين ، ورجعوا إلى مكة محزونين. قال الواقدي : وأصبح عبدالمطلب اليوم الثاني ودعا بآمنة وقال لها : هاتي ولدي ، وقرة عيني ، وثمرة فؤادي ، فجائت آمنة ومحمد على ساعدها ، فقال عبدالمطلب : اكتميه يا آمنة ولا تبديه لاحد ، فإن قريشا وبني امية يرصدون في أمره ، قالت آمنة : السمع والطاعة ، فجآء عبدالمطلب ومحمد على ساعده ، وأتى به إلى بيت الله الحارم ، وأراد أن يمسح بدنه بالات و العزى لتسكن دمدمة قريش وبني هاشم ، ودخل عبدالمطلب بيت الله الحرام ، فلما وضع [١]يده مدسما خ ل. رجله في البيت سمع النبي (ص) يقول : بسم الله وبالله ، وإذا البيت يقول : السلام عليك يامحمد ورحمة الله وبركاته ، وإذا بهاتف يهتف ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ، فتعجب عبدالمطلب من صغر سنه وكلامه ومما قال له البيت ، فأمر عبدالمطلب خزنة البيت أن يكتموا ما سمعوا من البيت ومن محمد 9. قال الوقدي : فتقدم عبدالمطلب إلى اللات والعزي وأراد أن يمسح بدن النبي (ص) بالات والعزى فجذب من ورائه ، فالتفت إلى ورائه فلم ير احدا ، فتقدم ثانية فجذبه من ورائه جاذب ، فنظر إلى ورائه فلم ير أحدا ، ثم تقدم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتى أقعده على عجزه ، وقال : يا أبا الحارث أتمسح بدنا طاهرا ببدن نجس؟! قال الواقدي : فعند ذلك وقف عبدالمطلب على باب بيت الله الحرام والنبي على ساعده وأنشأ يقول : الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام طيب الارداني قد سادفي ى المهد على الغلماني اعيذه بالبيت ذي الاركاني حتى أراه مبلغ الغشياني [١] اعيذه من كل ذي شنآني من حاسد ذي طرف العيناني قال : وخرج عبدالمطلب متكفرا مما سمع ، ورأى من محمد 9 إلى امه ، وقد وقعت الدمعة في قريش وبين بني هاشم بسبب محمد 9. قال الواقدي : فلما كان اليوم الثالث اشترى عبدالمطلب مهدا من خيزران أسود ، له شبكات من عاج ، مرصع بالذهب الاحمر ، وله بركتان من فضة بيضآء ، ولونه من جزع أصفر ، وغشاه بجلال ديباج أبيض ، مكوكب بذهب ، وبعث إليها من الدرو اللؤلؤ الكبار الذي تلعب به الصبيان في المهد بألوان الخرز ، وكان النبي 9 إذا انتبه من نومه [١]في المصدر : مبلغ الغلمانى. يسبح الله تعالى بتلك الخرز. قال الواقدي : فلما كان اليوم الرابع جاء سواد بن قارب [١] إلى عبدالمطلب ، و كان عبدالمطلب قاعدا على باب بيت الله الحرام وقد حف به قريش وبنوهاشم ، فدنا سواد بن قارب وقال : يا أبا الحارث اعلم أني قد سمعت أنه قد ولد لعبد الله ذكر ، وأنهم يقولون فيه : عجائب ، فاريد أن أنظر إلى وجهه هنيئة ، وكان سواد بن قارب رجلا إذاتكلم سمع منه ، وكان رجلا صدوقا ، فقام عبدالمطلب ومعه سواد بن قارب وجآء إلى دار آمنة رضي الله عنها ودخلا جميعا والنبي 9 نائم ، فلما دحلا القبة قال عبدالمطلب : اسكت يا سواد حتى ينتبه من نومه ، فسكت فدخلا قليلا قليلا حتى دخلا القبة ، ونظر إلى وجه النبي 9 وهو في مهده نائم ، وعليه هيئة الانبيآء ، فلما كشف الغطآء عن وجهه برق من وجهه برق شق السقف بنوره ، والتزق بأعنان [٢] السمآء ، فالقى عبدالمطلب وسواد أكمامهما على وجهيهما من شدة الضوء ، فعندها انكب سواد على النبي 9 وقال لعبدالمطلب : اشهدك على نفسي أني آمن بهذا الغلام ، وبما يأتي به من عند ربه ، ثم قبل وجنات النبي 9 وخرجا جميعا ، ورجع سواد إلى موضعه ، وبقي عبدالمطلب فرحا نشيطا. قال محمد بن عمر الواقدي : فلما أتي على النبي (ص) شهر كان إذا نظر إليه الناظرون توهموا أنه من أبناء سنة لوقارة جسمه ، وتمام فهمه ، وكانوا يسمعون من مهده التسبيح والتحميد والثنآء على الله تعالى. قال الواقدي : فلما أتى على رسول الله (ص) شهران مات وهب جده أبوامه آمنة ، وجآء عبدالمطلب وجماعة من قريش وبني هاشم وغسلوا وهبا وحنطوه وكفنوه ودفنوه على ذيل الصفا . [١]
الهوامش · 28⌄
[٢]الوشى : الثياب المنقوشة.ص 282
[٢]في المصدر : ثم إن الله تعالى أراد قضاه على فاطمة بنت عبدالمطلب فورد إه.ص 283
[٢]في المصدر : فسكنت.ص 284
[٣]أن نادى خ ل وهو الموجود في المصدر :.ص 284
[٢]في المصدر : يقول : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله الاية ، وقال : يا أهل اليمن إه.ص 285
[٣]النافلة : ولد الولد :ص 285
[٢]لعل هذه الحوتة أيضا من مختلقات الواقدى ، كما تقدم أغرب منها عن كعب الاحبار.ص 286
[٣]انبطح الرجل ، انطرح على وجهه.ص 286
[٤]لعل المراد أن سكان النجوم يبشر بعضهم بعضا.ص 286
[٢]في نسخة من المصدر : فلا يهتمك.ص 287
[٣]في المصدر : أم النبي 9.ص 287
[٤]في المصدر : ليلة سبعة عشر.ص 287
[٣]سطح خ ل ، وفي المصدر : صريح. قلت : ولعله مصحف ضريح.ص 289
[٢]المنابر خ ل ، قلت : لم نعرف معنى المغاير ، وفي المصدر : وأهل مكة على المنابر قد صعدوا العروج. وعلى أى فالعبارتين لا تخلوان عن اضطراب ، ولعل العاطف قبل والصروح زائد.ص 290
[٣]في المصدر : يوم الثانى صبيحة يوم الثلثاء.ص 290
[٤]في المصدر : وينظرون إلى الاصنام وقد خرجوا من مراكزهن منكبات على وجوههن.ص 290
[٥]في المصدر : لا يهتمنكم.ص 290
[٢]في المصدر : فماهى.ص 291
[٣]في المصدر : طاعن بالرمح.ص 291
[٤]في المصدر : الدمدمة : الضغب.ص 291
[٥]وبنو هاشم خ ل وهو الموجود في المصدر ، أى لتسكن بنو هاشم ولا يظهرون على قريش أمرا يوجب البغض والمداوة.ص 291
[٢]الشنآن : البغض والعداوة. وفي المصدر بعد ذلك مصرع هو : حتى يكون بلغة الغشيانى.ص 292
[٣]المصدر خال عن كلمة بين.ص 292
[٤]الخرز : ما ينظم في السلك من الجذع والودع. الحب المثقوب من الزجاج ونحوه. فصوص من حجارة.ص 292
[١]هو سواد بن قارب الازدى الدوسى أو الدوسى ، وكان كاهنا في الجاهلية ، له صحبة ، وكان شاعرا ، قال ابن الاثير في اسد الغابة ٢ : ٣٧٥.ص 293
[٢]في المصدر : في عنان السماء. قلت : عنان السماء : ما ارتفع منها وما بدالك منها إذا نظرتها ، وأعنانها : نواصيها وما اعترض من أقطارها.ص 293
[٣]الوجنة : ما ارتفع من الخدين.ص 293
[٤]الفضائل : ١٥ ٣١.ص 293