تفسير : قال المفسرون : في سبب نزول سورة الضحى : قال ابن عباس : احتبس الوحي عنه 9 خمسة عشر يوما ، فقال المشركون : إن محمدا 9 قد ودعه ربه و قلاه ، ولو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه ، فنزلت : وقيل : إنما احتبس اثنى عشر يوما ، وقيل أربعين يوما ، وقيل : سألت اليهود رسول الله 9 عن ذي القرنين ، وأصحاب الكهف ، وعن الروح ، فقال :
Show clickable narrator chain
ساخبركم غدا ، ولم يقل : إن شاء الله ، فاحتبس عنه الوحي هذه الايام ، فاغتم لشماتة الاعداء ، فنزلت تسلية لقلبه : « والضحى » أي وقت ارتفاع الشمس أو النهار « والليل إذا سجى » أي سكن أهله ، أو ركد ظلامه « ما ودعك ربك » ما قطعك ربك قطع المودع ، وهو جواب القسم « وما قلى » أي ما أبغضك « ولسوف يعطيك ربك فترضى » أي من الحوض والشفاعة وسائر ما أعد له من الكرامة ، أو في الدنيا أيضا من إعلاء الدين ، وقمع الكافرين ، « ألم يجدك يتيما فآوى » قال الطبرسي ; : في معناه قولان : أحدهما أنه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيما فآواه الله بأن سخر له عبدالمطلب ثم أبا طالب[١] ، وكان 9 مات أبوه وهو في بطن امه أو بعد ولادته بمدة قليلة ، وماتت امه وهو ابن سنتين ، ومات جده وهو ابن ثماني سنين. وسئل الصادق 7 لم اوتم النبي 9 عن أبويه؟ فقال : لئلا يكون لمخلوق عليه حق. والآخر أن يكون المعنى ألم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك وفضلك فآواك إلى نفسه ، واختصك برسالته ، من قولهم : درة يتيمة : إذا لم يكن لها مثل ، وقيل : فآواك ، أي جعلك مأوى للايتام بعد أن كنت يتيما ، وكفيلا للانام بعد أن كنت مكفولا. « ووجدك ضالا فهدى » فيه أقوال : أحدها وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة ، أي كنت غافلا عنهما فهداك إليهما ، ونظيره « ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان » وقوله : « وإن كنت من قبله لمن الغافلين » فمعنى الضلال على هذا هو الذهاب عن العلم ، مثل قوله تعالى : « أن تضل إحداهما ». وثانيها : أن المعني وجدك متحيرا لا تعرف وجوه معاشك فهداك إليها ، فإن الرجل إذا لم يهتد إلى طريق مكسبه يقال : إنه ضال. وثالثها : أن المعنى وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه بإتمام العقل ، ونصب الادلة والالطاف حتى عرفت الله بصفاته بين قوم ضلال مشركين. ورابعها : وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبدالمطلب ، فروي أنه ضل في شعاب مكة وهو صغير فرآه أبوجهل ورده إلى جده عبدالمطلب ، فمن الله سبحانه بذلك عليه إذ رده إلى جده على يدي عدوه عن ابن عباس. وخامسها : ما روي أن حليمة بنت أبي ذؤيب لما أرضعته مدة وقضت حق الرضاع ثم أرادت رده إلى جده جاءت به حتى قربت من مكة فضل في الطريق ، فطلبته جزعة [١]في المصدر زيادة هي : وسخره للاشفاق عليه وحببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده ، فكفله ورباه ، واليتيم من لا أب له. وكانت تقول : لئن لم أره لارمين نفسي عن شاهق ، وجعلت تصيح : وا محمداه ، قالت : فدخلت مكة على تلك الحال ، فرأيت شيخا متوكئا على عصا ، فسألني عن حالي فأخبرته فقال : لا تبكي فأنا أدلك على من يرده عليك ، فأشار إلى هبل صنمهم الاعظم ، ودخل البيت وطاف بهبل وقبل رأسه وقال : يا سيداه لم تزل منتك جسيمة ، رد محمدا على هذه السعدية ، قال[١] : فتساقطت الاصنام لما تفوه باسم محمد 9 ، وسمع صوت : إن هلاكنا على يدي محمد ، فخرج وأسنانه تصطك ، وخرجت إلى عبدالمطلب وأخبرته بالحال ، فخرج وطاف بالبيت ، ودعا الله سبحانه فنودي واشعر بمكانه ، فأقبل عبدالمطلب فتلقاه ورقة بن نوفل في الطريق ، فبيناهما يسيران إذا النبي 9 قائم تحت شجرة يجذب الاغصان ، ويعبث بالورق ، فقال عبدالمطلب : فداك نفسي ، وحمله ورده إلى مكة. وسادسها : ما روي أنه 9 خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة ، فبينا هو راكب ذات ليلة ظلمآء إذ جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته فعدل به عن الطريق ، فجآء جبرئيل 7 فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة ، ورده إلى القافلة ، فمن الله عليه بذلك. وسابعها : أن المعنى وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك وأرشدهم إلى فضلك ، والاعتراف بصدقك ، والمراد أنك كنت خاملا لا تذكر ولا تعرف فعرفك الله إلى الناس حتى عرفوك وعظموك. « ووجدك عائلا » أي فقيرا لا مال لك « فأغنى » أي فأغناك بمال خديجة ، ثم بالغنائم ، وقيل : فأغناك بالقناعة ، ورضاك بما أعطاك وروى العياشي بإسناده عن أبي الحسن الرضا 7 في قوله : « ألم يجدك يتيما فآوى « قال 7 : فردا لا مثل لك في المخلوقين فآوى الناس إليك. [١]قالت خ ل. « ووجدك ضالا فهدى » أي ضالة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك. « ووجدك عائلا » تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك. « فأما اليتيم فلا تقهر » أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه. وقيل : أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما « وأما السائل فلا تنهر » أي لا تنهره ولا ترده إذا أتاك يسألك ، فقد كنت فقيرا ، فإما أن تطعمه ، وإما أن ترده ردا لينا « وأما بنعمة ربك فحدث » معناه اذكر نعم الله تعالى وأظهرها وحدث بها انتهى[١] كلامه رفع الله مقامه. وقال البيضاوي في قوله تعالى : « ألم نشرح لك صدرك » : ألم نفسحه حتى وسع مناجات الحق ودعوة الخلق ، فكان غائبا حاضرا؟ أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم ، وأزلنا عنه ضيق الجهل؟ أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك؟ وقيل : إنه إشارة إلى ما روي أن جبرئيل أتى رسول الله 9 في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه وغسله ، ثم ملاه إيمانا وعلما ، ولعله إشارة إلى نحو ما سبق ، ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته ، ولذلك عطف عليه « ووضعنا عنك وزرك » عبأك الثقيل « الذي أنقض ظهرك » الذي حمله على النقيض ، وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل ، وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة ، أو جهله بالحكم و الاحكام ، أو حيرته ، أو تلقي الوحي ، أو ما كان يرى من ضلال قومه مع العجز عن إرشادهم ، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الايمان. « ورفعنا لك ذكرك » بالنبوة وغيرها « فإن مع العسر » كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم « يسرا » كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة ، فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك « إن مع العسر يسرا » تكرير للتأكيد ، أو استيناف وعدة بأن العسر مشفوع بيسر آخر ، كثواب الآخرة « فإذا فرغت » من التبليغ « فانصب » فاتعب في العبادة شكرا بما عددنا عليك من النعم السالفة ، ووعدنا بالنعم [١]مجمع البيان ١٠ : ٥٠٤ ـ ٥٠٦. الآتية ، وقيل : فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة ، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء « وإلى ربك فارغب » بالسؤال ، ولا تسأل غيره ، فإنه القادر وحده على إسعافه[١].
الهوامش · 6⌄
[٢]في المصدر : انه ضال لا يدري إلى أين يذهب ، ومن أى وجه يكتسب.ص 137
[٢]في المصدر : ويلعب.ص 138
[٣]ذكره في المصدر عن كعب.ص 138
[٤]مسيرة خ ل ، أقول : هو وهم.ص 138
[٥]في المصدر : فنفخ بابليس.ص 138
[٢]ما نقله عن البيضاوي لا ينطبق على ما في تفسيره ، والظاهر أنه أخرجه عن غيره ، ولا ينطبق أيضا على ما قاله الرازي والزمخشرى في تفسيرهما.ص 139