تفسير : قال الطبرسي ; : « وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا » قيل : الخطاب له والمراد غيره ، ومعنى « يخوضون » يكذبون بآياتنا وديننا ، والخوض : التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب ، وترك التفهم والتبين « فأعرض عنهم » أي فاتركهم ولا تجالسهم « حتى يخوضوا في حديث غيره » أي يدخلوا في حديث غير الاستهزاء بالقرآن « وإما ينسينك الشيطان » أي وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم « فلا تقعد بعد الذكرى » أي بعد ذكرك نهينا وما يجب عليك من الاعراض « مع القوم الظالمين » [١]تصحيح الاعتقادات : ٦٠ و ٦١. يعني في مجالس الكفار والفساق الذين يظهرون التكذيب بالقرآن والآيات والاستهزاء بذلك ، قال الجبائي : وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الامامية في جواز التقية على الانبياء والائمة ، وأن النسيان لا يجوز على الانبياء ، وهذا القول غير صحيح ولا مستقيم ، لان الامامية إنما تجوز التقية على الامام فيما يكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلف مزاح العلة في تكليفه ذلك ، فأما ما لا يعرف إلا بقول الامام من الاحكام ولا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز عليه التقية فيه ، وهذا كما إذا تقدم من النبي (ص) بيان في شئ من أحكام الشريعة ، فإنه يجوز منه أن لا يبين في حال اخرى لامته ذلك الشئ إذا اقتضته المصلحة ، وأما النسيان والسهو فلم يجوز وهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى ، فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤد ذلك إلى إخلال بالعقل ، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم و الاغماء وهما من قبيل السهو ، فهذا ظن منه فاسد ، وبعض الظن إثم انتهى كلامه ; [١]. وفيه من الغرابة ما لا يخفى ، فإنا لم نر من أصحابنا من جوز عليهم السهو مطلقا في غير التبليغ ، وإنما جوز الصدوق وشيخه الاسهاء من الله لنوع من المصلحة ، ولم أر من صرح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم ، مع أن ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقا بين الامامية ، إلا أن يقال : مراده عدم اتفاقهم على ذلك ، وأما النوم فستعرف ما فيه ، فالاصوب حمل الآية على أن الخطاب للنبي (ص) ظاهرا ، والمراد غيره ، أو هو من قبيل الخطاب العام كما عرفت في الآيات السابقة في الباب المقدم ، و العجب أن الرازي تعرض لتأويل الآية مع أنه لا يأبى عن ظاهره مذهبه : وهو ; أعرض عنه. قال الرازي في تفسيره : إنه خطاب للنبي (ص) والمراد غيره ، وقيل : الخطاب لغيره ، أي إذا رأيت أيها السامع « الذين يخوضون في آياتنا » ونقل الواحدي أن [١]مجمع البيان ٤ : ٣١٦ و ٣١٧. المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله (ص) والقرآن ، فشتموا واستهزؤا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انتهى [١]. وأما النسيان في الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد به الترك ، كما ورد كثيرا في الآيات ، وهو مصرح به في كتب اللغة ، والآية الثالثة إخبار بعدم النسيان ، وأما الاستثناء بالمشية فقال البيضاوي : « إلا ما شاء الله » نسيانه بأن ينسخ تلاوته ، و قيل : المراد به القلة والندرة ، لما روي أنه (ص) أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب ابي أنها نسخت فسأله فقال : نسيتها ، أو نفي النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي انتهى . وقال الرازي في تفسيره : قال الواحدي : « سنقرئك » أي سنجعلك قاريا بأن نلهمك القراءة « فلا تنسى » ما تقرؤه وكان جبرئيل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان ، فقال الله : « سنقرئك فلا تنسى » أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه ، ثم ذكروا في كيفية ذلك وجوها : أحدها : أن جبرئيل سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه. وثانيها : أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه ، وقيل : قوله : « فلا تنسى » معناه النهي ، والالف مزيدة للفاصلة ، يعني فلا تغفل عن قراءته وتكريره أما قوله : « إلا ما شاء الله » ففيه احتمالان : أحدهما : أن يقال : هذه الاستثناء غير حاصل في الحقيقة ، وأنه لم ينس بعد نزول [١]مفاتيح الغيب ٤ : ٩٢. هذه الآية شيئا ، فذكره إما للتبرك ، أو لبيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه ، حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله تعالى ، أو لان يبالغ في التثبت والتيقظ والتحفظ في جميع المواضع ، أو يكون الغرض منع النسيان ، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمى فيما أملك إلا فيما شاء الله ، ولا يقصد استثناء. وثانيهما : أن يكون استثناء في الحقيقة بأن يكون المراد إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك ، كما روي أنه (ص) نسي في الصلاة آية ، أو يكون المراد بالانساء النسخ ، أو يكون المراد القلة والندرة ، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن انتهى[١].
الهوامش · 5⌄
[٢]ولا يشمله عمومه ، والا فيعود المحذور.ص 98
[٢]احتمال بعيد لا يوافق سياق الآية ومعناها.ص 99
[٣]أنوار التنزيل ٢ : ٥٩٨.ص 99
[٤]في المصدر : وثالثها : انه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه ، فانا سنقرؤك القرآن الجامع لعلوم الاولين والاخرين ، ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ، ونجمعه في قلبك ، ونيسرك لليسرى وهو العمل به.ص 99
[٥]في المصدر : والقول المشهور أن هذا خبر ، والمعنى سنقرؤك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان.ص 99