( باب ١٦ ) * ( سهوه ونومه 9 عن الصلاة ) * الايات : الانعام « ٦ » : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ٦٨. الكهف « ١٨ » : واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى ربي أن يهدين [٢] لاقرب من هذا رشدا ٢٤. الاعلى « ٨٧ » : سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله ٦ و
تفسير : قال الطبرسي ; : « وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا » قيل : الخطاب له والمراد غيره ، ومعنى « يخوضون » يكذبون بآياتنا وديننا ، والخوض : التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب ، وترك التفهم والتبين « فأعرض عنهم » أي فاتركهم ولا تجالسهم « حتى يخوضوا في حديث غيره » أي يدخلوا في حديث غير الاستهزاء بالقرآن « وإما ينسينك الشيطان » أي وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم « فلا تقعد بعد الذكرى » أي بعد ذكرك نهينا وما يجب عليك من الاعراض « مع القوم الظالمين » [١]تصحيح الاعتقادات : ٦٠ و ٦١. يعني في مجالس الكفار والفساق الذين يظهرون التكذيب بالقرآن والآيات والاستهزاء بذلك ، قال الجبائي : وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الامامية في جواز التقية على الانبياء والائمة ، وأن النسيان لا يجوز على الانبياء ، وهذا القول غير صحيح ولا مستقيم ، لان الامامية إنما تجوز التقية على الامام فيما يكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلف مزاح العلة في تكليفه ذلك ، فأما ما لا يعرف إلا بقول الامام من الاحكام ولا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز عليه التقية فيه ، وهذا كما إذا تقدم من النبي (ص) بيان في شئ من أحكام الشريعة ، فإنه يجوز منه أن لا يبين في حال اخرى لامته ذلك الشئ إذا اقتضته المصلحة ، وأما النسيان والسهو فلم يجوز وهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى ، فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤد ذلك إلى إخلال بالعقل ، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم و الاغماء وهما من قبيل السهو ، فهذا ظن منه فاسد ، وبعض الظن إثم انتهى كلامه ; [١]. وفيه من الغرابة ما لا يخفى ، فإنا لم نر من أصحابنا من جوز عليهم السهو مطلقا في غير التبليغ ، وإنما جوز الصدوق وشيخه الاسهاء من الله لنوع من المصلحة ، ولم أر من صرح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم ، مع أن ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقا بين الامامية ، إلا أن يقال : مراده عدم اتفاقهم على ذلك ، وأما النوم فستعرف ما فيه ، فالاصوب حمل الآية على أن الخطاب للنبي (ص) ظاهرا ، والمراد غيره ، أو هو من قبيل الخطاب العام كما عرفت في الآيات السابقة في الباب المقدم ، و العجب أن الرازي تعرض لتأويل الآية مع أنه لا يأبى عن ظاهره مذهبه : وهو ; أعرض عنه. قال الرازي في تفسيره : إنه خطاب للنبي (ص) والمراد غيره ، وقيل : الخطاب لغيره ، أي إذا رأيت أيها السامع « الذين يخوضون في آياتنا » ونقل الواحدي أن [١]مجمع البيان ٤ : ٣١٦ و ٣١٧. المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله (ص) والقرآن ، فشتموا واستهزؤا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انتهى [١]. وأما النسيان في الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد به الترك ، كما ورد كثيرا في الآيات ، وهو مصرح به في كتب اللغة ، والآية الثالثة إخبار بعدم النسيان ، وأما الاستثناء بالمشية فقال البيضاوي : « إلا ما شاء الله » نسيانه بأن ينسخ تلاوته ، و قيل : المراد به القلة والندرة ، لما روي أنه (ص) أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب ابي أنها نسخت فسأله فقال : نسيتها ، أو نفي النسيان رأسا فإن القلة تستعمل للنفي انتهى . وقال الرازي في تفسيره : قال الواحدي : « سنقرئك » أي سنجعلك قاريا بأن نلهمك القراءة « فلا تنسى » ما تقرؤه وكان جبرئيل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان ، فقال الله : « سنقرئك فلا تنسى » أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه ، ثم ذكروا في كيفية ذلك وجوها : أحدها : أن جبرئيل سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه. وثانيها : أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه ، وقيل : قوله : « فلا تنسى » معناه النهي ، والالف مزيدة للفاصلة ، يعني فلا تغفل عن قراءته وتكريره أما قوله : « إلا ما شاء الله » ففيه احتمالان : أحدهما : أن يقال : هذه الاستثناء غير حاصل في الحقيقة ، وأنه لم ينس بعد نزول [١]مفاتيح الغيب ٤ : ٩٢. هذه الآية شيئا ، فذكره إما للتبرك ، أو لبيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه ، حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله تعالى ، أو لان يبالغ في التثبت والتيقظ والتحفظ في جميع المواضع ، أو يكون الغرض منع النسيان ، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمى فيما أملك إلا فيما شاء الله ، ولا يقصد استثناء. وثانيهما : أن يكون استثناء في الحقيقة بأن يكون المراد إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك ، كما روي أنه (ص) نسي في الصلاة آية ، أو يكون المراد بالانساء النسخ ، أو يكون المراد القلة والندرة ، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن انتهى[١].
الهوامش · 5⌄
[٢]ولا يشمله عمومه ، والا فيعود المحذور.ص 98
[٢]احتمال بعيد لا يوافق سياق الآية ومعناها.ص 99
[٣]أنوار التنزيل ٢ : ٥٩٨.ص 99
[٤]في المصدر : وثالثها : انه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه ، فانا سنقرؤك القرآن الجامع لعلوم الاولين والاخرين ، ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ، ونجمعه في قلبك ، ونيسرك لليسرى وهو العمل به.ص 99
[٥]في المصدر : والقول المشهور أن هذا خبر ، والمعنى سنقرؤك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان.ص 99
يب : الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال :
Show clickable narrator chain
سألت أباعبدالله (ع) عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته ، قال : يستقبل الصلاة ، قلت : فيما يروي الناس ، فذكر له حديث ذي الشمالين ، فقال : إن رسول الله (ص) لم يبرح من مكانه ، ولو برح استقبل .
يب : الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال :
Show clickable narrator chain
سألت أباعبدالله (ع) عن رجل صلى ركعتين ، ثم قام فذهب في حاجته ، قال : يستقبل الصلاة ، قلت ، فما بال رسول الله (ص) لخم يستقبل حين صلى ركعتين ، فقال إن رسول الله 9 لم ينفتل من موضعه .
الهوامش · 1⌄
[٤]تهذيب الاحكام : ١ : ٢٣٤ ، وفيه : لم ينتقل ( لم ينفتل خ ل ).ص 100
يب : سعد عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن الحارث بن المغيرة قال :
Show clickable narrator chain
قلت لابي عبدالله (ع) : إنا صلينا المغرب فسها الامام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة ، فقال : لم أعدتم؟ أليس قد انصرف رسول الله (ص) في الركعتين فأتم بركعتين ، ألا أتممتم. [١]مفاتيح الغيب ٨ : ٤١٠ ، وذكر المصنف معنى كلامه.
الهوامش · 1⌄
[٥]تهذيب الاحكام ١ : ١٨٦ و ١٨٧ وفيه : في ركعتين.ص 100
يب : سعد ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن آبائه ، عن علي : قال :
Show clickable narrator chain
صلى بنا رسول الله (ص) الظهر خمس ركعات ، ثم انفتل ، فقال له بعض القوم : يارسول الله هل زيد في الصلاة شئ؟ فقال : وما ذاك؟ قال : صليت بنا خمس ركعات ، قال : فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ، ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم ، وكان يقول : هما المرغمتان .
يب : أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبي جميلة ، عن زيد الشحام قال :
Show clickable narrator chain
قال : إن نبي الله صلى بالناس ركعتين ، ثم نسي حتى انصرف ، فقال له ذو الشمالين : يارسول الله أحدث في الصلوة شئ؟ فقال : أيها الناس أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا : نعم لم تصل إلا ركعتين ، فقام فأتم ما بقي من صلاته .
الهوامش · 1⌄
[٣]وللحديث صدر لم يورده المصنف. فراجع. التهذيب ١ : ٢٣٦ و ٢٣٧.ص 101
يب : محمد بن أحمد بن يحيى ، عن موسى بن عمر بن يزيد ، عن ابن سنان ، عن أبى سعيد القماط قال :
Show clickable narrator chain
سمعت رجلا يسأل أباعبدالله (ع) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى ـ وساقه إلى أن قال (ع) : ـ كل ذلك واسع ، إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه أن يبني على صلاته ، ثم ذكر سهو النبي 9. [١]تهذيب الاحكام ١ : ١٨٦ ، وللحديث صدر هو هكذا : قال : صليت بأصحابى المغرب ، فلما أن صليت ركعتين سلمت ، فقال بعضهم : انما صليت ركعتين فأعدت ، فأخبرت أباعبدالله 7 فقال : لعلك أعدت؟ فقلت : نعم ، فضحك ثم قال : انما كان يجزيك أن تقوم وتركع ركعة ، ان رسول الله 9 اه.
كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران قال :
Show clickable narrator chain
سألته عن رجل نسي أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس ، قال : يصليها حين يذكرها ، فإن رسول الله (ص) رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، ثم صلاها حين [١]من لا يحضره الفقيه : ٩٧ و ٩٨.
كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن سعيد الاعرج قال :
Show clickable narrator chain
سمعت أباعبدالله (ع) يقول : نام رسول الله (ص) عن الصبح والله عزوجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه ، وكان ذلك رحمة من ربك للناس ، ألا ترى لو أن رجلا نام حتى طلعت الشمس لعيره الناس وقالوا : لا تتورع لصلاتك ، فصارت اسوة وسنة ، فإن قال رجل لرجل : نمت عن الصلاة ، قال : قد نام رسول الله (ص) ، فصارت اسوة و رحمة ، رحم الله سبحانه بها هذه الامة .
كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ابن مهران قال :
Show clickable narrator chain
قال أبوعبدالله 7 : من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو ، فإن رسول الله (ص) صلى بالناس الظهر ركعتين ثم سها فسلم ، فقال له ذو الشمالين : يا رسول الله أنزل في الصلاة شئ؟ فقال : وما ذلك ؟ فقال : إنما صليت ركعتين ، فقال رسول الله (ص) : أتقولون مثل قوله؟ قالوا : نعم ، فقام رسول الله (ص) فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو ، قال : قلت : أرأيت من صلى ركعتين وظن أنهما أربعا فسلم وانصرف ثم ذكر بعد ما ذهب أنه إنما صلى ركعتين ، قال : يستقبل الصلاة من أولها ، قال : قلت : فما بال رسول الله (ص) لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته؟ فقال : إن رسول الله (ص) لم يبرح من مجلسه ، فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الاولتين . [١]فروع الكافى ١ : ٨١. يب : الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن ذرعة ، عن سماعة مثله [١].
كا : محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن سعيد الاعرج قال :
Show clickable narrator chain
سمعت أباعبدالله (ع) يقول : صلى رسول الله (ص) ثم سلم في ركعتين ، فسأله من خلفه يارسول الله (ص) أحدث في الصلاة شئ؟! قال : وما ذاك؟ قالوا : إنما صليت ركعتين ، فقال : أكذاك ياذا اليدين؟ وكان يدعى ذا الشمالين ، فقال : نعم : فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا ، وقال : إن الله هو الذي أنساه رحمة للامة ، ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعير ، وقيل : ما تقبل صلاتك ، فمن دخل عليه اليوم ذاك قال : قد سن رسول الله (ص) وصارت اسوة ، وسجد سجدتين لمكان الكلام [٣].
ن : تميم القرشي ، عن أبيه ، عن أحمد بن علي الانصاري ، عن الهروي قال :
Show clickable narrator chain
قلت للرضا (ع) يا ابن رسول الله إن في الكوفة[٤] قوما يزعمون أن النبي (ص) لم يقع عليه السهو في صلاته ، فقال : كذبوا لعنهم الله ، إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو الخبر .
سن : جعفر بن محمد بن الاشعث ، عن ابن القداح ، عن أبي عبدالله ، عن أبيه 8 قال :
Show clickable narrator chain
صلى النبي (ص) صلاة ، وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لاصحابه هل أسقطت شيئا في القرآن ؟ قال : فسكت القوم ، فقال النبي (ص) : أفيكم ابي ابن كعب؟ فقالوا : نعم ، فقال : هل أسقطت فيها بشئ؟ قال : نعم يارسول الله إنه كان كذا وكذا ، فغضب (ص) ثم قال : ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يتلى عليهم [١]التهذيب ١ : ٢٣٥. [٤]في المصدر : في سواد الكوفة. منه ولا يترك؟! هكذا هلكت بنوا إسرائيل ، حضرت أبدانهم ، وغابت قلوبهم ، ولا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه
يه : الحسن بن محبوب ، عن الرباطي ، عن سعيد الاعرج قال
Show clickable narrator chain
، : سمعت المحاسن : ٢٦٠ و ٢٦١. أباعبدالله (ع) يقول : إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله (ص) عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر ، ثم صلى الفجر وأسهاه في صلاته ، فسلم في الركعتين ، ثم وصف ما قاله ذو الشمالين ، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الامة ، لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فقال : قد أصاب ذلك رسول الله 9
الثالث : أنه روي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ، فقال :
Show clickable narrator chain
« كل ذلك لم يكن » وروي أنه (ص) قال : «إنما السهو لكم » وروي أنه قال : « لم انس ولم تقصر الصلاة » انتهى [٢]. وروى الحسين بن مسعود من علماء المخالفين في شرح السنة بإسناده عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان قال : سمعت أباهريرة يقول : صلى رسول الله (ص) صلاة العصر فسلم في ركعتين ، فقام ذواليدين فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله؟ فقال رسول الله (ص) : كل ذلك لم يكن ، فقال : قد كان بعض ذلك يارسول الله ، فأقبل رسول الله (ص) على الناس فقال : أصدق ذواليدين؟ فقالوا : نعم ، فأتم رسول الله (ص) ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم. ثم قال : هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن قتيبة ، عن مالك ، وأخرجاه من طرق عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة. وبالاسناد عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : صلى بنا رسول الله (ص) إحدى صلاتي العشي ـ قال ابن سيرين : قد سماها أبوهريرة ولكن نسيت أنا قال : ـ فصلى بنا ركعتين ثم سلم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، و وضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ، ووضع خده الايمن على ظهر كفه [١]في المنتهى : أسهو لابين لكم. اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : أقصرت الصلاة ، وفي القوم أبوبكر وعمر فهاباه أن يكلماه ، وفي القوم رجل في يده طول يقال له : ذو اليدين ، فقال : يارسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال : لم أنس ولم تقصر ، فقال : أكما قال ذواليدين؟ فقالوا : نعم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ثم كبر وسجوده مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر ، فربما سألوه : ثم سلم؟ فيقول : نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم. هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم عن عمرو الناقد وغيره ، عن ابن عيينة ، عن أيوب ، عن ابن سيرين. وقوله : خرجت السرعان هم المنصرفون عن الصلاة بسرعة ، واحتج الاوزاعي بهذا الحديث على أن كلام العمد إذا كان من مصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة ، لان ذا اليدين تكلم عامدا ، فكلم النبي (ص) القوم عامدا والقوم أجابوا رسول الله (ص) بنعم عامدين مع علمهم بأنهم لم يتموا الصلاة ، ومن ذهب إلى أن غير كلام الناسي يبطل الصلاة زعم أن هذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة ثم نسخ ، ولا وجه لهذا الكلام من حيث أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة وحدوث هذا الامر إنما كان بالمدينة ، لان راويه أبوهريرة وهو متأخر الاسلام وقد رواه عمران بن حصين وهجرته متأخرة ، فأما كلام القوم فروي عن ابن سيرين أنهم أومأوا أي نعم ، ولو صح أنهم قالوا بألسنتهم فكان ذلك جوابا لرسول الله (ص) ، وإجابة الرسول لا يبطل الصلاة ، وأما ذواليدين فكلامه كان على تقدير النسخ وقصر الصلاة ، وكان الزمان زمان نسخ ، فكان كلامه على هذا التوهم في حكم كلام الناسي ، وكلام رسول الله (ص) جرى على أنه أكمل الصلاة ، فكان في حكم الناسي ، وقوله : « لم أنس » دليل على أن من قال ناسيا : لم أفعل كذا وكان فعل لا يعد كاذبا ، لان الخطأ والنسيان عن الانسان مرفوع. وبسند آخر عن عمران بن حصين أن النبي (ص) صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له : الخرباق ، وكان في يده طول فقال : أقصرت الصلاة؟ فخرج مغضبا يجر رداءه ، فقال : أصدق هذا؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعة ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ثم سلم ، ولم يذكروا التشهد ، وفي الحديث دليل على أن من تحول عن القبلة ساهيا لا إعادة عليه انتهى.
الهوامش · 2⌄
[٢]منتهى المطلب ١ : ٣٠٨ ، التذكرة ١ : الفصل الثالث في التروك.ص 112
والثاني : أنه لو كان كما ادعوه لكان (ص) ذاكرا به من غير اشتباه في معناه ، لانه قد أحاط علما بأن أحد الشيئين كان دون صاحبه ، ولو كان كذلك لارتفع السهو الذي ادعوه ، وكانت دعواهم باطلة بلا ارتياب ، ولم يكن أيضا معنى لمسألته حين سأل عن قول ذى اليدين ، وهل هو على ما قال
Show clickable narrator chain
أو على غير ما قال؟ لان هذا السؤال يدل على اشتباه الامر عليه فيما ادعاه ذواليدين ، ولا يصح وقوع مثله من متيقن لما كان في الحال. فصل ، ومما يدل على بطلان الحديث أيضا اختلافهم في جبران الصلاة التي ادعوا السهو فيها ، والبناء على ما مضى منها ، والاعادة لها ، فأهل العراق يقولون : إنه أعاد الصلاة لانه تكلم فيها والكلام في الصلاة يوجب الاعادة عندهم ، وأهل الحجاز ومن مال إلى قولهم : يزعمون أنه بنى على ما مضى ولم يعد شيئا ولم يقض ، وسجد لسهوه سجدتين ، ومن تعلق بهذا الحديث من الشيعة يذهب فيه إلى مذهب أهل العراق ، لانه تضمن كلام النبي (ص) في الصلاة عمدا ، والتفاته عن القبلة إلى من خلفه ، وسؤاله عن حقيقة ما جرى ، ولا يختلف فقهاؤهم في أن ذلك يوجب الاعادة : والحديث متضمن أن النبي (ص) بنى على ما مضى ولم يعد ، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في هذا الحديث أدل دليل على بطلانه ، وأوضح حجة في وضعه واختلافه. فصل : على أن الرواية له من طريق الخاصة والعامة كالرواية من الطريقين معا أن النبى (ص) سها في صلاة الفجر وكان قد قرأ في الاولة منهما سورة النجم حتى انتهى إلى قوله : « أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى [١] » فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترتجى ، ثم نبه على سهوه فخر ساجدا ، [١]النجم : ١٩ و ٢٠. فسجد المسلمون ، وكان سجودهم اقتداء به ، وأما المشركون فكان سجودهم سرورا بدخوله معهم في دينهم ، قالوا : وفي ذلك أنزل الله تعالى : « وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته [١] »يعنون في قراءته ، واستشهدوا على ذلك ببيت من الشعر : تمنى كتاب الله يتلوه قائما وأصبح ظمآنا ومسد قاريا فصل : وليس حديث سهو النبي (ص) في الصلاة أشهر في الفريقين من روايتهم أن يونس 7 ظن أن الله تعالى يعجز عن الظفر به ، ولا يقدر على التضييق عليه ، و تأولوا قوله تعالى : « فظن أن لن نقدر عليه » على ما رووه ، واعتقدوه فيه ، وفي أكثر رواياتهم أن داود (ع) هوى امرأة اوريا بن حنان ، فاحتال في قتله ، ثم نقلها إليه ، ورواياتهم أن يوسف بن يعقوب (ع) هم بالزنا وعزم عليه ، وغير ذلك من أمثاله ، ومن رواياتهم التشبيه لله تعالى بخلقه ، والتجوير له في حكمه ، فيجب على الشيخ الذى سألت أيها الاخ عنه أن يدين الله بكل ما تضمنته هذه الروايات ليخرج بذلك عن الغلو عليما ادعاه ، فإن دان بها خرج عن التوحيد والشرع ، وإن ردها ناقض في اعتداله وإن كان ممن لا يحسن المناقضة لضعف بصيرته والله نسأل التوفيق. فصل : والخبر المروي أيضا في نوم النبي (ص) عن صلاة الصبح من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة ، فإنه من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، ومن عمل عليه فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين : وقد سلف قولنا في نظير ذلك ما يغني عن إعادته في هذا الباب ، مع أنه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق ، لانهم لا يختلفون في أن من فاتته صلاة فريضة فعليه أن يقضيها أي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة ، وإذا حرم أن يؤدي فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد [١]الحج : ٥٢ ، والصحيح كما في المصحف الشريف : من رسول ولا نبى. فاته كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى ، هذا مع الرواية عن النبي 9 أنه قال : « لا صلوة لمن عليه صلاة » يريد أنه لا نافلة لمن عليه فريضة. فصل : ولسنا ننكر أن يغلب النوم على الانبياء : في أوقات الصلوات حتى تخرج فيقضوها بعد ذلك وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص ، لانه ليس ينفك بشر من غلبة النوم ولان النائم لا عيب عليه ، وليس كذلك السهو ، لانه نقص عن الكمال في الانسان ، وهو عيب يختص به من اعتراه ، وقد يكون من فعل الساهي تارة كما يكون من فعل غيره ، والنوم لا يكون إلا من فعل الله تعالى ، فليس من مقدور العباد على حالة ، ولو كان من مقدورهم لم يتعلق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر ، وليس كذلك السهو ، لانه يمكن التحرز منه ، ولانا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم وأسرارهم ذوي السهو والنسيان ولا يمتنعون من إيداعه من تعتريه الامراض والاسقام ، ووجدنا الفقهاء يطرحون ما يرويه ذووا السهو من الحديث إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي اليقظة والفطنة والذكاء و الحذاقة ، فعلم فرق ما بين السهو النوم بما ذكرناه ، ولو جاز أن يسهو النبي (ص) في صلاته وهو قدوة فيها حتى يسلم قبل تمامها ، وينصرف عنها قبل إكمالها ، ويشهد الناس ذلك فيه ويحيطوا به علما من جهته لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهارا في شهر رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه ، ويستدركون عليه الغلط ، وينبهونه عليه بالتوقيف على ما جناه ، ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهارا ، ولم يؤمن عليه السهو في مثل ذلك إلى وطي ذوات المحارم ساهيا ، ويسهو في الحج حتى يجامع في الاحرام ، ويسعى قبل الطواف ، ولا يحيط علما بكيفية رمي الجمار ، ويتعدى من ذلك إلى السهو في كل أعمال الشريعة حتى ينقلها عن حدودها ، ويضعها في غير أوقاتها ، ويأتي بها على غير حقائقها ، ولم ينكر أن يسهو عن تحريم الخمر فيشربها ناسيا أو يظنها شرابا حلالا ، ثم ينفصل بعد ذلك لما بين عليه من صفتها ، ولم ينكر أن يسهو فيما يخبر به عن نفسه وعن غيره ممن ليس بربه بعد أن يكون منصوبا في الاداء ، ويكون مخصوصا بالاداء ، و تكون العلة في جواز ذلك كله أنها عبادة مشتركة بينه وبين امته ، كما كانت الصلاة عبادة مشتركة بينه وبينهم حسب اعتلال الرجل الذي ذكرت أيها الاخ عنه من إعلاله ، ويكون ذلك أيضا لاعلام الخلق أنه مخلوق ليس بقديم معبود ، وليكون حجة على الغلاة الذين اتخذوه ربا وليكون أيضا سببا لتعليم الخلق أحكام السهو في جميع ما عددناه من الشريعة ، كما كان سببا في تعليم الخلق حكم السهو في الصلاة ، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم ولا غال ولا موحد ، ولا يجيزه على التقدير في النبوة ملحد ، وهو لازم لمن حكيت عنه ما حكيت فيما أفتى به من سهو النبي (ص) واعتل به ، ودل على ضعف عقله ، وسوء اختياره ، وفساد تخيله ، وينبغي أن يكون كل [١] من منع السهو على النبي (ص) غاليا خارجا عن حد الاقتصاد ، وكفى بمن صار إلى هذا المقال خزيا. فصل : ثم العجب حكمه بأن سهو النبي (ص) من الله ، وسهو من سواه من امته وكافة البشر من غيرها من الشيطان بغير علم فيما ادعاه ولا حجة ولا شبهة يتعلق بها أحد من العقلاء ، اللهم إلا أن يدعى الوحي في ذلك ، ويتبين به عن ضعف عقله لكافة الالباء ثم العجب من قوله : إن سهو النبي (ص) من الله دون الشيطان ، لانه ليس للشيطان على النبي (ص) سلطان ، وإنما زعم أن سلطانه على الذين يتولونه والذينهم به مشركون وعلى من اتبعه من الغاوين ، ثم هو يقول : إن هذا السهو الذي من الشيطان يعم جميع البشر سوى الانبياء والائمة (ع) ، فكلهم أولياء الشيطان ، وأنهم غاوون ، إذ كان للشيطان عليهم سلطان ، وكان سهوهم منه دون الرحمن ، ومن لم يتيقظ لجهله في هذا الباب كان في عداد الاموات. فصل : فأما قول الرجل المذكور : إن ذا اليدين معروف فإنه يقال له : أبومحمد عمير بن عبد عمرو ، وقد روى عنه الناس فليس الامر كما ذكر ، وقد عرفه بما يرفع معرفته من تكنيته وتسميته بغير معروف بذلك ، ولو أنه يعرفه بذي اليدين لكان اولى من تعريفه بتسميته بعمير ، فإن المنكر له يقول له من ذواليدين؟ ومن هو عمير؟ومن هو عبد عمرو؟ وهذا كله مجهول غير معروف ، ودعواه أنه قد روى الناس عنه دعوى لا برهان عليها ، وما وجدنا في اصول الفقهاء ولا الرواة حديثا عن هذا الرجل ولا ذكرا له ، ولو كان معروفا كمعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وأبي هريرة وأمثالهم لكان ما تفرد به غير معمول عليه [١]استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح : وحكمه بكون كل من منع. لما ذكرنا من سقوط العمل بأخبار الآحاد ، فكيف وقد بينا أن الرجل مجهول غير معروف ، فهو متناقض باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء ، ومن العجب بعد هذا كله أن خبر ذي اليدين يتضمن أن النبي (ص) سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلين معه من بني هاشم والمهاجرين والانصار ووجوه الصحابة وسادات الناس ، ولا نظر إلى ذلك وعرفه إلا ذواليدين المجهول الذي لا يعرفه أحد ، ولعله من بعض الاعراب ، أو أشعر القوم به فلم ينبهه أحد منهم على غلطه ، ولا رأى صلاح الدين والدنيا بذكر ذلك له (ص) إلا المجهول من الناس ، ثم لم يكن يستشهد على صحة قول ذي اليدين فيما خبر به من سهوه إلا أبوبكر وعمر ، فإنه سألهما عما ذكره ذواليدين ليعتمد قولهما فيه ، ولم يثق بغيرهما في ذلك ، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه ، وإن شيعيا يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي (ص) بالغلط والنقص وارتفاع العصمة عنه من العباد لناقص العقل ، ضعيف الرأي ، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف ، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا آخر ما وجدنا من تلك الرسالة ، وكان المنتسخ سقيما ، وفيما أورده ; مع متانته اعتراضات يظهر بعضها مما أسلفنا ، ولا يخفى على من أمعن النظر فيها ، والله الموفق للصواب.
الهوامش · 3⌄
[٢]كذا في نسخة المصنف ، واستظهر في الهامش أنه مصحف : وسد.ص 126