نهج : ولقد قرن الله به 9 من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره واستدل المصنف على أنه كان متعبدا بشرع من قبله بما نقل نقلا يقارب التواتر أنه كان بصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويتجنب الميتة ويذكي ويأكل اللحم ويركب الحمار وهذه امور لا يدركها العقل فلا مصير إليها إلا من الشرع واستدل آخرون على هذا المذهب أيضا بأن عيسى 7 كان مبعوثا إلى جميع المكلفين ، والنبي (ص) كان من المكلفين ، فيكن عيسى 7 مبعوثا إليه. والجواب : لا نسلم عموم دعوة من تقدمه. واحتج المخالف بأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان مخالطا لاهل تلك الشريعة قضاء للعادة الجارية بذلك أو لزمته المخالطة لارباب تلك الشريعة بحيث يستفيد منهم الاحكام ، ولما كان التالي باطلا إجماعا فكذا المقدم. والجواب : لا نسلم وجوب المخالطة ، لان الشرع المنقول إليه عمن تقدمه إن كان متواترا فلا يحتاج إلى المخالطة والمناظرة ، وإن كان آحادا فهو غير مقبول خصوصا مع اعتقاده بأن أهل زمانه 9 كانوا في غاية الالحاد ، سلمنا أنه كان يلزم المخالطة ، لكن المخالطة قد لا تحصل لموانع تمنع منها ، فيحتمل[١] ترك المخالطة لمن يقاربه من أرباب الشرائع المتقدمة ، على تلك الموانع جمعا بين الادلة انتهى. وقال المرتضى 2 في كتاب الذريعة : هل كان رسول الله (ص) متعبدا بشرائع من تقدمه من الانبياء :؟ في هذا الباب مسألتان : إحداهما قبل النبوة ، و الاخرى بعدها ، وفي المسألة الاولى ثلاثة مذاهب : أحدها أنه 9 ما كان متعبدا قطعا ، والآخر أنه كان متعبدا قطعا ، والثالث التوقف ، وهذا هو الصحيح ، والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي ، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن لا مصلحة للنبي 9 قبل نبوته في العبادة بشئ من الشرائع ، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له 9 في ذلك مصلحة ، وإذا كان كل واحد من الامرين جائزا ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف. [١]فيحمل خ ل. وليس لمن قطع على أنه ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان تعبده 9[١] بشئ من الشرائع لكان فيه متبعا لصاحب تلك الشريعة ومقتديا به ، وذلك لا يجوز لانه أفضل الخلق ، واتباع الافضل للمفضول قبيح ، وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله تعالى عليه 9 بعض ما قامت عليه الحجة به من بعض الشرائع المتقدمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع ، وليس لمن قطع على أنه 9 كان متعبدا أن يتعلق بأنه 9 كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر ، ويذكي ويأكل المذكى ، ويركب البهائم ويحمل عليها ، وذلك أنه لم يثبت عنه 9 أنه قبل النبوة حج أو اعتمر ، ولو ثبت لقطع به على أنه كان متعبدا ، وبالتظني لا يثبت مثل ذلك ، ولم يثبت أيضا أنه 9 تولى التذكية بيده ، وقد قيل أيضا إنه لو ثبت أنه ذكى بيده لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره في الذكاة ، فذكى على سبيل المعونة لغيره ، وأكل لحم المذكى لا شبهة في أنه غير موقوف على الشرع ، لانه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل وركوب البهائم والحمل عليها يحسن عقلا إذا وقع التكفل بما يحتاج إليه من علف وغيره ، ولم يثبت أنه 9 فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله ، وليس علمه 9 بأن غيره نبي بالدليل يقتضي كونه متعبدا بشريعته ، بل لابد من أمر زائد على هذا العلم. فأما المسألة الثانية فالصحيح أنه 9 ما كان متعبدا بشريعة نبي تقدم ، وسندل عليه بعون الله ، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه كان متعبدا ، ولابد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا بمثل شريعة النبي الاول ، لان ذلك إذا لم يجز سقط الكلام في هذا الوجه من المسألة وقد قيل : إن ذلك يجوز على شرطين : إما بأن تندرس الاولى فيجددها الثاني ، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها ، ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين ، ويدعون أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون عبثا ، ولا يجب النظر في معجزته ، ولابد من وجوب النظر في المعجزات ، وليس الامر على ما قالوه ، لان بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا ، إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها [١]لعل الصحيح : لو كان تعبد. وينتفع من لم ينتفع بالاول ، ولو لم يكن الامر أيضا كذلك كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الادلة الدالة على أمر واحد ، ولا يقول أحد : إن نصب الادلة على هذا الوجه يكون عبثا. فأما الوجه الثاني فإنا لا نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث لابد من أن يكون واجبا ، لان ذلك يختلف ، فإن خاف المكلف من ضرر إن هو لم ينظر ـ وجب النظر عليه ، وإن لم يخف لم يكن واجبا ، وقد استقصينا هذا الكلام وفرغناه في كتاب الذخيرة ، والذي يحقق هذه المسألة أن تعبده 9 بشرع من تقدمه لابد فيه من معرفة أمرين : أحدهما نفس الشرع ، والآخر كونه متعبدا به ، وليس يخلو من أن يكون علم 9 كلا الامرين بالوحي النازل عليه ، والكتاب المسلم إليه ، أو يكون علم الامرين من جهة النبي المتقدم ، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه ، والآخر من غير ذلك الوجه ، والوجه الاول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه علم الشرع والتعبد معا ، وأكثر ما في ذلك أن يكون تعبد بمثل شرائعهم ، وإنما يضاف الشرع إلى الرسول إذا حمله ولزمه أداءه ، ويقال في غيره : إنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى اتباعه ، ألزمه الانقياد له ، فيكون مبعوثا إليه ، وإذا فرضنا أن القرآن والوحي وردا ببيان الشرع وإيجاب الاتباع فذلك شرعه 9 لا يجب إضافته إلى غيره ، وأما الوجه الثاني فهو وإن كان خارجا من أقوال الفقهاء المخالفين لنا في هذه المسألة فاسد من جهة أن نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الامم الماضية قد بين في مواضع أنه ليس بحجة لانقراضهم وعدم العلم باستواء أولهم وآخرهم ، وأيضا فإنه 9 مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا لغيره من الانبياء المتقدمين : ، ثم هذا القول يقتضي أن لا يكون 9 بأن يكون من امة ذلك النبي بأولى منا ، ولا بأن نكون متعبدين بشرعه بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا ، لان حاله كحالنا في أننا من امة ذلك النبي ، وبهذه الوجوه التي ذكرناها نبطل القسمين الذين فرغناهما ، ومما يدل على حجة ما ذكرناه وفساد قول مخالفينا أنه قد ثبت عنه 9 توقفه في أحكام معلوم أن بيانها في التوراة ، وانتظاره فيها نزول الوحي ، ولو كان متعبدا بشريعة موسى 7 لما جرى ذلك ، وأيضا فلو كان الامر على ما قالوه لكان يجب أن يجعل 9 كتب من تقدمه في الاحكام بمنزلة الادلة الشرعية ، ومعلوم خلافه ، وأيضا فقد نبه 9 في خبر معاذ على الادلة فلم يذكر في جملتها التوراة والانجيل ، وأيضا فإن كل شريعته مضافة إليه بالاجماع ، ولو كان متعبدا بشرع غيره لما جاز ذلك ، وأيضا فلا خلاف بين الامة في أنه 9 لم يؤد إلينا من اصول الشرائع إلا ما اوحي إليه وحمله ، وأيضا فإنه لا خلاف في أن شريعته 9 ناسخة لكل الشرائع المتقدمة من غير استثناء ، فلو كان الامر كما قالوه لما صح هذا الاطلاق ، وأيضا فإن شرائع من تقدم مختلفة متضادة فلا يصح كونه متعبدا بكلها فلابد من تخصيص ودليل يقتضيه ، فإن ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسى 7 بأنها ناسخة لشريعة من تقدم فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه 9 من اليهود في التوراة ، فأما رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لانه كان متعبدا بذلك ، لانه لو كان الرجوع لهذه العلة لرجع 9 في غير هذا الحكم إليها ، وإنما رجع لامر آخر ، وقد قيل : إن سبب الرجوع أنه 9 كان خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره ، وتحقيقا لقوله 9 انتهى. وقال المحقق أبوالقاسم الحلي طيب الله رمسه في اصوله : شريعة من قبلنا هل هي حجة في شرعنا؟ قال قوم : نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه. وأنكر الباقون ذلك وهو الحق ، لنا وجوه : الاول : قوله تعالى : « وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى[١] ». الثاني : لو كان متعبدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل ، لانه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع ، وذلك باطل بالاتفاق. الثالث : لوكان متعبدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع ، لكن ذلك باطل ، لانه لو وجب لفعله ، ولو فعله لاشتهر ، ولوجب على الصحابة والتابعين بعده والمسلمين إلى يومنا هذا متابعته 9 على الخوص فيه ، ونحن نعلم من الدين خلاف ذلك. [١]النجم : ٣ و ٤. الرابع : لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إما الوحي أو النقل ، ويلزم من الاول أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره ، ومن الثاني التعويل على نقل اليهود وهو باطل ، لانه ليس بمتواتر ، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفاده اليقين ، ونقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة. واحتج الآخرون بقوله تعالى : « فبهداهم اقتده[١] » وبقوله : « ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا » وبقوله : « شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا » وبقوله : « إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين » وبقوله : «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون » وبأنه 9 رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة. أجاب الاولون عن الآية الاولى بأنها تتضمن الامر بالاهتداء بهداهم كلهم ، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم ، لانه مختلف ، فيجب صرفه إلى ما اتفقوا عليه ، وهو دلائل العقائد العقلية دون الفروع الشرعية. وعن الثاني بأن ملة إبراهيم 7 المراد بها العقليات دون الشرعيات يدل على ذلك قوله : « ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه » فلو أراد الشرعيات لما جاز نسخ شئ منها ، وقد نسخ كثير من شرعه ، فتعين أن المراد منه العقليات. وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وصية نوح 7 بشرعنا أنه أمره به ، بل يحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه 9 ، أو وصى به [١]النساء : ٩٠ بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه ، ولو سلمنا أن المراد شرع لنا ما شرح لنوح 7 لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية ، ولولم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان ، ثم لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا 9 بطريق الوحي ، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه. وعن الآية الرابعة أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع. وعن الآية الخامسة أن ظاهرها يقتضي اشتراك الانبياء جميعا في الحكم بها ، وذلك غير مراد ، لان إبراهيم ونوحا وإدريس وآدم : لم يحكموا بها ، لتقدمهم على نزولها ، فيكون المراد أن الانبياء يحكمون بصحة ورودها عن الله ، وأن فيها نورا وهدى ، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها ، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة ، وهي عندنا نور وهدى ، وأما رجوعه 9 في تعرف حد الرجم فلا نسلم أن مراجعته إلى التوراة لتعرفه ، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لاقامة الحجة على من أنكر وجوده في التوراة انتهى.
الهوامش · 6⌄
[٢]النحل : ١٢٣.ص 276
[٣]الشورى : ١٣.ص 276
[٤]النساء : ١٦٣.ص 276
[٥]المائدة : ٤٤.ص 276
[٦]وربما يقال : ان هذا التوجيه لا ينطبق على مثل قوله تعالى : « ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين » حيث ظاهره عدم الحرج في الفروع ، الا أن يقال ذلك أيضا في الحرج الشديد المنتفى عقلا فيكون من العقليات أيضا.ص 276
[٧]البقرة : ١٣٠.ص 276