اقول : قال الكازروني في المنتقى وغيره : في سنة ثمان من نبوته 9 تعاهد قريش وتقاسمت على معاداة رسول الله 9 ، وذلك أنه لما أسلم حمزة وحمى النجاشي من عنده من المسلمين ، وحامى رسول الله (ص) عمه أبوطالب وقامت بنو هاشم وبنو عبدالمطلب دونه وأبوا أن يسلموه فشا الاسلام في القبائل ، واجتهد المشركون في إخفاء ذلك النور ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، فعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد 9 اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبدالمطلب أن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، فكتبوا صحيفة في ذلك وكتب فيها جماعة وعلقوها بالكعبة ، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم ، وعظمت الفتنة فيهم ، وزلزلوا زلزالا شديدا ، وأبدت قريش لبني عبدالمطلب الجفاء وثار بينهم شر وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم ، ولا رحم إلا على قتل هذا الصابئ ، فعمد أبوطالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم ، فدخلوا شعب أبي طالب وآذوا النبي والمؤمنين أذيا شديدا ، وضربوهم في كل طريق ، وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المارة من الاسواق ، ونادى مناد الوليد بن المغيرة في قريش : أيما رجل مناقب آل أبى طالب ١ : ٦١ و ٦٢. منهم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه ، فبقوا على ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم الجهد الشديد حتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون ـ أي يصيحون من الجوع من وراء الشعب ـ وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم ، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة حتى أراد رجال أن يبرؤوا منها ، وكان أبوطالب يخاف أن يغتالوا رسول الله 9 ليلا أو سرا وكان النبي 9 إذا أخذ مضجعه أو رقد جعله أبوطالب بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه ، ويصبح قريش وقد سمعوا أصوات صبيان بني هاشم من الليل يتضاغون من الجوع ، فيجلسون عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضا فيقول الرجل لاصحابه : كيف بات أهلك البارحة؟ فيقولون : بخير ، فيقول : لكن إخوانكم هؤلاء الذين في الشعب باتت صبيانهم يتضاغون من الجوع ، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ورهطه ، ومنهم من يكره ذلك ، فأتى أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل بنا ، ووفق الله هشاما للاسلام يوم الفتح.[١] قال : وفي سنة عشر من نبوته 9 توفي أبوطالب ، قال ابن عباس : عارض رسول الله 9 جنازة أبي طالب ، فقال : وصلتك رحم ، وجزاك الله خيرا يا عم. وفي هذه السنة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام ، ولما مرضت مرضها الذي توفيت فيه دخل عليها رسول الله فقال لها : بالكره مني ما أرى منك يا خديجة ، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا ، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : وقد فعل الله ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم ، قالت : بالرفاء والبنين ، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس [١]ذكر في المصدر : هنا قصة الصحيفة مفصلا ، ولعل نسخة المصنف كانت ناقصة ، نذكرها مزيدا للفائدة ، قال : ثم ان الله عزوجل برحمته أرسل على صحيفة قريش التى كتبوها ـ وفيها تظاهرهم على بنى هاشم ـ الارضة ، فلم تدع فيها اسما هو لله عزوجل الا اكلته ، وبقى فيها الظلم والقطيعة والبهتان ، فأخبر الله عزوجل بذلك رسوله محمدا 9 فأخبر أبا طالب ، فقال أبوطالب : يا ابن أخى من حدثك هذا وليس يدخل إلينا أحد ، ولا تخرج أنت إلى أحد؟ ولست في نفسى من أهل الكذب ، فقال له رسول الله 9 : أخبرنى ربى هذا ، فقال له عمه : إن ربك لحق ، وأنا أشهد انك صادق ، فجمع أبوطالب أهله ولم يخبرهم بما أخبره به رسول الله 9 كراهية أن يفشوا ذلك الخبر ، فيبلغ المشركين فيحتالوا للصحيفة البحث والمكر ، فانطلق أبوطالب برهطه حتى دخلوا المسجد والمشركون من قريش في ظل الكعبة ، فلما ابصروا تباشروا به وظنوا أن الحصر والبلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول الله 9 فيقتلوه ، فلما انتهى إليهم أبوطالب ورهطه رحبوا بهم وقالوا : قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم وفى حياته فرقتكم وفسادكم ، فقال أبوطالب : قد جئتكم في امر لعله يكون فيه صلاح و جماعة ، فاقبلوا ذلك منا ، هلموا صحيفتكم التى فيها تظاهركم علينا ، فجاؤا بها ولا يشكون الا انهم سيدفعون رسول الله 9 إليهم إذا نشروها ، فلما جاؤا بصحيفتهم قال أبوطالب : صحيفتكم بينى وبينكم ، فان ابن أخى قد اخبرنى ولم يكذبنى ان الله عزوجل قد بعث على صحيفتكم الارضة ، فلم تدع لله فيها اسما الا أكلته ، وبقى فيها الظلم والقطيعة والبهتان ، فان كان كاذبا فلكم على ان ادفعه إليكم تقتلونه ، وإن كان صادقا فهل ذلك وستين ، ودفنت بالحجون ، ونزل رسول الله 9 قبرها ولم يكن يومئذ سنة الجنازة والصلاة عليها ، وروي عن عبدالله بن ثعلبة بن صغير قال : لما توفي أبوطالب وخديجة وكان بينهما شهر وخمسة أيام اجتمعت على رسول الله (ص) مصيبتان فلزم بيته ، وأقل الخروج ، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع ، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال : يا محمد امض لما أردت ، وما كنت صانعا إذ كان أبوطالب حيا فاصنعه ، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت ، وسب ابن غيطلة النبي 9 فأقبل عليه أبولهب فنال منه ، فولى يصيح : يا معشر قريش : صبأ أبوعتبة ، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال : ما فارقت دين عبدالمطلب ، ولكني أمنع ابن أخي أن يصام[١] حتى يمضي لما يريد ، قالوا : أحسنت وأجملت ووصلت الرحم ، فمكث ناهيكم عن تظاهركم علينا ، فأخذ عليهم المواثيق واخذوا عليه ، فلما نشروها فاذا هى كما قال رسول الله 9 ، وكانوا هم بالغدر أولى منهم ، واستبشر أبوطالب وأصحابه ، وقالوا : أينا أولى بالقطيعة والبهتان؟ فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف ، وهشام ابن عمرو أخو عامر بن لوى بن حارثة ، نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة ، ولن نمالى أحدا في فساد أنفسنا ، وتتابع على ذلك ناس من اشراف قريش فخرج قوم من شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد ، فقال أبوطالب في ذلك أشعارا منها : وقد جربوا فيما مضى غب أمرهم وما عالم امرا كمن لا يجرب وقد كان في أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منهم كفرهم وعقوقهم وما نقموا من باطل الحق مغرب فاصبح ما قالوا من الامر باطلا ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب فامسى ابن عبدالله فينا مصدقا على سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمدا لدى عزمة منا ولا متعزب ستمنعه منا يد هاشمية مركبها في الناس خير مركب وكان الذى كتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن هاشم فشلت يده فيما يزعمون ، وفى رواية ان الله تعالى اطلع نبيه 9 على أمر صحيفتهم ، وأن الارضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم ، وبقى ما كان من ذكر الله عزوجل في موضعى القصة. انتهى.
الهوامش · 3⌄
[٣]في المصدر : جماعة من قريش.ص 18
[٤]زاد في المصدر : فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق به ، وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم ، فكانت قريش تباكرهم إلى الاسواق فيشترونها و يغلونها عليهم.ص 18
[١]أى يظلم ويقهر.ص 21