تفسير : قوله تعالى « إن الذين توفاهم الملائكة » قال الطبرسي ; : قال أبوحمزة الثمالي : بلغنا أن المشركين يوم بدر لم يخلفوا إذ خرجوا أحدا إلا صبيا أو شيخا كبيرا أو مريضا ، فخرج معهم ناس ممن تكلم بالاسلام ، فلما التقى المشركون و رسول الله (ص) نظر الذين كانوا قد تكلموا بالاسلام إلى قلة المسلمين فارتابوا فاصيبوا فيمن اصيب من المشركين ، فنزلت فيهم الآية ، وهو المروي عن ابن عباس والسدي وقتادة ، وقيل :
Show clickable narrator chain
إنهم قيس بن الفاكهة بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الاسود وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبوالعاص بن المنبه بن الحجاج ، وعلي بن امية ابن خلف ، عن عكرمة ، ورواه أبوالجارود ، عن أبي جعفر 7 ، قال ابن عباس : كنت أنا من المستضعفين ، وكنت غلاما صغيرا ، وذكر عنه أيضا أنه قال : كان أبي من المستضعفين من الرجال ، وكانت امي من المستضعفات من النساء ، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان. « توفاهم الملائكة » أي تقبض أرواحهم « فيم كنتم » أي في أي شئ كنتم من دينكم على وجه التقريرأو التوبيخ « مستضعفين في الارض » أي يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا يمنعوننا من الايمان « قالوا » أي الملائكة « فتهاجروا فيها » أى فتخرجوا من أرضكم ، وتفارقوا من يمنعكم من الايمان « إلا المستضعفين » أي الذين استضعفهم المشركون[١] ويعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم « ولا يهتدون سبيلا » في الخلاص من مكة « مراغما كثيرا وسعة » أي متحولا من الارض وسعة في الرزق ، وقيل : مزحزحا عما يكره وسعة من الضلالة إلى الهدى ، وقيل : مهاجرا فسيحا ومتسعا مما كان فيه من الضيق «ومن يخرج من بيته » قيل : لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو جندع ، أو جندب بن ضمرة ، وكان بمكة فقال : والله ما أنا ممن استثنى الله ، إني لاجد قوة ، وإني لعالم بالطريق ، وكان مريضا شديد المرض ، فقال لبنيه : والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها ، فإني أخاف أن أموت فيها ، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات ، فنزلت الآية ، عن أبي حمزة الثمالي وعن قتادة وعن سعيد بن جبير ، وقال عكرمة : وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا ، فأنزل الله فيهم : « ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله » فكتب بها المسلمون إليهم ، ثم نزلت فيهم : [١]في المصدر : « من الرجال والنساء والولدان » وهم الذين يعجزون. « ثم ان ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم » مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله « ثم يدركه الموت » قبل بلوغه دار الهجرة « فقد وقع أجره على الله » أي ثواب عمله وجزاء هجرته على الله ، وروى الحسن ، عن النبي 9 أنه قال : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الارض استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما.[١] وقال ; في قوله تعالى : « وإذ يمكر بك » قال المفسرون : إنها نزلت في قصة دار الندوة ، وذلك أن نفر من قريش اجتمعوا فيها وهي دار قصي بن كلاب وتآمروا في أمر النبي 9 ، فقال عروة بن هشام : نتربص به ريب المنون ، وقال أبوالبختري : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه ، وقال أبوجهل : ما هذا برأي ، ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد ، فنرضى حينئذ بنو هاشم بالدية ، فصوب إبليس هذا الرأي وكان قد جاءهم في صورة شيخ كبير من أهل نجد ، وخطأ الاولين فاتفقوا على هذا الرأي وأعدوا الرجال والسلاح ، وجاء جبرئيل فأخبر رسول الله 9 فخرج إلى الغار وأمر عليا 7 فبات على فراشه ، فلما أصبحوا وفتشوا عن الفراش وجدوا عليا وقد رد الله مكرهم ، فقالوا : أين محمد ; قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو كان ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثة أيام ثم قدم المدينة « الذين كفروا » وهم مشركو العرب ، ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والنضر بن حارث ، وأبوجهل بن هشام ، وأبوالبختري بن هشام ، وزمعة بن الاسود ، وحكيم بن حزام ، وامية بن خلف وغيرهم « ليثبتوك » أي ليقيدوك فيثبتوك في الوثاق أو في الحبس ويسجنوك في بيت ، وقيل : ليثخنوك بالجراحة والضرب عن أبان بن [١]مجمع البيان ٣ : ٩٨ ـ ١٠٠. تغلب وغيره « أو يخرجوك » أي من مكة إلى طرف من أطراف الارض ، وقيل : أو يخرجوك على بعير ويطردونه حتى يذهب في وجهه[١]. قال : ولما هموا بقتل رسول الله 9 وأخرجوه من مكة أنزل الله سبحانه : « وما لهم ألا يعذبهم الله » الآية ، فعذبهم الله بالسيف يوم بدر « وما كانوا أولياءه » أي ما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وإن سعوا في عمارته ، وما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون عن الحسن ، وهو المروي عن أبي جعفر 7 ، وقيل ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون. وقال ; في قوله تعالى : « إن الذين آمنوا وهاجروا » قيل : نزلت في الميراث ، وكانوا يتوارثون بالهجرة ، وجعل الله الميراث للمهاجرين والانصار دون ذوي الارحام ، وكان الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر وكانوا يعملون بذلك حتى نزل : « واولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » فنسخت هذا ، وصار الميراث لذوي الارحام المؤمنين ، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي « والذين آووا » أي النبي 9 والمهاجرين بالمدينة وهم الانصار « اولئك بعضهم أولياء بعض » في النصرة أو التوارث ، وقيل : في نفوذ أمان بعضهم على بعض ، وعن أبي جعفر 7 أنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى « وإن استنصروكم في الدين » أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار وإعانتهم في الدين « فعليكم النصر » ة والمعونة لهم في [١]مجمع البيان ٤ : ٥٣٧. الدين « إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق » أي إلا أن يطلبوا منكم النصرة على قوم من المشركين بينكم وبينهم أمان وعهد يجب الوفاء به فلا تنصروهم عليهم لما فيه من نقض العهد « والذين كفروا بعضهم أولياء بعض » أي أنصار بعض أو أولى ببعض في الميراث « إلا تفعلوه » أي ما امرتم به في الآية الاولى والثانية « تكن فتنة في الارض وفساد كبير » على المؤمنين الذين لم يهاجروا ، والفتنة : المحنة بالميل إلى الضلال ، والفساد الكبير : ضعف الايمان « فأنزل الله سكينته عليه » يعني على محمد (ص) ، أي ألقى في قلبه ما سكن به « وأيده بجنود لم تروها » أي بملائكة يضربون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه ، وقيل : قواه بالملائكة
الهوامش · 4⌄
[٢]مجمع البيان ٤ : ٥٣٩ و ٥٤٠.ص 32
[٣]زاد في المصدر : ولا يتوارث أهل الملتين.ص 32
[٤]زاد في المصدر : فان واحدا من المسلمين لو أمن إنسانا نفذ أمانه على سائر المسلمين « والذين آمنوا ولم يهاجروا » إلى المدينة « ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا » أى ما لكم من ميراثهم من شئ حتى يهاجروا ، فحينئذ يحصل بينكم التوارث ، فان الميراث كان منقطعا في ذلك الوقت بين المهاجرين وغير المهاجرين ، وروى عن أبي جعفر 7 اه.ص 32
[٥]في المصدر : فعليكم النصر ، والمعونة ، وليس عليكم نصرتهم في غير الدين.ص 32