تفسير : قال الطبرسي قدس الله روحة في قوله تعالى : « والذين اتخذوا مسجدا » قال المفسرون : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله 9 أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم ابن عوف فقالوا : نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد 9 ، وكانوا [١]الديوان : ١١٠. اثني عشر رجلا ، وقيل : خمسة عشر رجلا ، منهم ثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، ونبتل بن الحارث ، فبنوا مسجدا إلى جنب قباء ، فلما فرغوا منه أتوا رسول الله 9 وهو يتهجز[١] إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله (ص) إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة ، فقال 9 : إني على جناح السفر ولو قدمنا أتيناكم إنشاءالله فصلينا لكم فلما انصرف رسول الله 9 من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد « ضرارا » أي مضارة بأهل مسجد قباء أو مسجد الرسول 9 ليقل الجمع فيه « وكفرا » أي ولاقامة الكفر فيه ، أو كان اتخاذهم ذلك كفرا أو ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله 9 والاسلام « و تفريقا بين المؤمنين أي لاختلاف الكلمة ، وإبطال الالفة ، وتفريق الناس عن رسول الله 9 « وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل » وهو أبوعامر لراهب وكان من قصة أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلما قدم النبي 9 المدينة حزب عليه الاحزاب ، ثم هرب بعد فتخ مكة إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام ، وخرج إلى الروم وتنصر ، وهو أبوحنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي 9 يوم أحد ، وكان جنبا فغسلته الملائكة ، وسمى رسول الله أبا عامر الفاسق ، وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر ، وآتي من عنده بجنود ، وأخرج محمدا من المدينة ، فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبوعامر ، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم « و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى » أي يحلفون كاذبين ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا [١]متجهز خ ل. الفعلة الحسنى من التوسعة على أهل الضعف والعلة من المسلمين ، فأطلع الله نبيه على خبث سريرتهم فقال : « والله يشهد إنهم لكاذبون » فوجه رسول الله 9 عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم ، وكان مالك من بني عمرو بن عوف فقال : لهما : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحر قاه وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا فحرقاه ، وأمر بأن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف ، ثم نهى الله نبيه أن يقوم في هذا المسجد فقال : « لا تقم فيه أبدا » أي لا تصل. ثم أقسم فقال : « لمسجد » أي والله لمسجد « أسس على التقوى » أي بني أصله على تقوى الله وطاعته « من أول يوم » أي منذ أول يوم وضع أساسه « أحق أن تقوم فيه » أي أولى بأن تصلي فيه ، واختلف في هذا المسجد فقيل : هو مسجد قباء وقيل : مسجد رسول الله 9 ، وقيل : كل مسجد بني للاسلام وأريد به وجه الله تعالى « فيه » أي في هذا المسجد « رجال يحبون أن يتطهروا » أي يصلوا لله متطهرين بأبلغ الطهارة ، وقيل : يحبون أن يتطهروا من الذنوب ، وقيل : يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول ، وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق 8 وروي عن النبي (ص) أنه قال لاهل قباء : ماذا تفعلون في طهركم فإن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء؟ قالوا : نغسل أثر الغائط ، فقال : أنزل الله فيكم « والله يحب المطهرين » أي المتطهرين « أفمن أسس بنيانه » إلى قوله : « شفا جرف هار » الشفا : جرف الشئ وشفيرة ، وجرف الوادي : جانبه الذي ينحفر بالماء أصله ، وهار الجرف يهور هورا فهو هائر ، وتهور وانهار ، وهار أصله هائر ، وهو من المقلوب ، كما يقال : شاكي السلاح ، أي شائك ، وتهور البناء : تساقط ، فالله تعالى شبه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذه صفته » فانهار به في نار جهنم « أي يوقعه ذلك البناء في نار جهنم ، وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال : رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان » لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم « أي شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم وثباتا على النقاق ، وقيل : حزازة في قلوبهم ، وقيل : حسرة يترددون فيها[١] » إلا أن تقطع قلوبهم « أي إلا أن يموتوا ، وقيل : إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تقريطهم » والله عليم « بنيتهم في بناء المسجد » حكيم » في أمره بنقضه.
الهوامش · 7⌄
[٢]وقالوا : خ ل.ص 252
[٢]السفر خ ل.ص 253
[٣]لا تيناكم. خ ل.ص 253
[٤]في المصدر : فصلينالكم فيه.ص 253
[٥]الايات خ ل.ص 253
[٦]قبا اصله اسم بئر هناك عرفت القرية بهاء وهو مساكن بنى عمرو بن عوف من الانصار وفي مده وقصره اختلاف وفي نسخة المصنف بالقصر ، وفى المصدر بالمد.ص 253
[٢]مجمع البيان ٥ : ٧٢ ـ ٧٤ص 255