Same indexed hadith bihar-24445; it ends on this printed page after beginning on pages 186-194.
Show complete hadith text
توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص، والكلس، والجبسين، والزرانيخ والمرتك، والقوينا والزيبق، والنحاس، والرصاص، والفضة، والذهب، و الزبرجد، والياقوت، والزمرد، وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار، والموميا، والكبريت، والنفط وغير ذلك مما يستعمله الناس في مأربهم. فهل يخفى على ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت للانسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها؟ ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك، فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر و يستفيض في العالم حتى تكثر الفضة والذهب، ويسقطا عند الناس، فلا يكون لهما قيمة، ويبطل الانتفاع بهما في الشرى والبيع والمعاملات، ولا كان يجبي السلطان الأموال ولا يدخرهما أحد للأعقاب، وقد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه. فانظر كيف أعطوا إرادتهم في مالا ضرر فيه، ومنعوا ذلك في ما كان ضارا لهم لو ناولوه. ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجرى منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره ولا حيلة في عبوره، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة. تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم، فإنه أراد - جل ثناؤه - أن يرى العباد مقدرته وسعة خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لاصلاح لهم في ذلك لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم به. واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الطريف مما يحدثه الناس من الأواني والأمتعة، فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن، فإذا فشى وكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخست قيمته. ونفاسة الأشياء من عزتها. تتميم نفعه عميم اعلم أن الذي يستفاد من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة هو أن تأثيره سبحانه في الممكنات لا يتوقف على المواد والاستعدادات، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . وهو سبحانه جعل للأشياء منافع وتأثيرات وخواص أودعها فيها، وتأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى وعدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها، كما أنه أجرى عادته بخلق الانسان من اجتماع الذكر والأنثى وتولد النطفة منهما وقرارها في رحم الأنثى وتدرجها علقة ومضغة وهكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى، ومن غير أم أيضا كآدم وحواء، وكخفاش عيسى وطير إبراهيم وغير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى. وجعل الاحراق في النار، فلما أراد غير ذلك قال للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وجعل الثقيل يرسب في الماء وينحدر من الهواء، فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء ورفعهم إلى السماء وجعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر. ومع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شئ من هناك أمور لا مجال للارتياب فيها لمن له قدم في العلوم الإلهية. (الأول) كل ما سوى الله تعالى مخلوق له محتاج إليه في جميع شؤونه الوجودية، سواء في ذلك الشؤون العلمية والإرادية وغيرها. (الثاني) ان الله تعالى غنى عن جميع ما سواه ولا يحتاج إلى غيره في شئ أصلا، وليس لقدرته تعالى حد ونهاية، فهو القادر على كل أمر ممكن في ذاته، وليس لقدرته على شئ من الأشياء شرط ولا مانع، سبحانه وتعالى عما يصفون. (الثالث) كل ممكن في ذاته يستوى نسبته إلى الوجود والعدم، ولابد في ترجح أحدهما من مرجح وهذا حكم ضروري لا يكاد يشك فيه عاقل فضلا عن الانكار اللهم الا من لم يتصور طرفي القضية أو عرض له شبهة لم يستطع دفعها أو مكابر ينكر باللسان ما يعترف به قلبا. و هذا أساس جل براهين التوحيد بل المعارف الحقة. (الرابع) طريق معرفة العلل والمرجحات - سوى ما يعرفه الانسان وجدانا وبالضرورة - اختبار ارتباط وجود شئ بشئ وكشف حدود ذاك الارتباط، وهذا من معرفة صنع الله تعالى وكشف مجارى مشيئته في خلقه، لامن باب كشف شرائط قدرته تعالى على الأشياء فتفطن. و من الواضح ان معرفة سبب ما لشئ لا تنفي سببية شئ آخر له وقد ثبت في محله ان هذا ليس من صدور الواحد من الكثير لمكان تعدد الحيثيات. ولا أظن أن يرتاب أحد في سببية الأسباب والعلل لمسبباتها ومعلولاتها وارتباط الثانية بالأولى ارتباطا ذاتيا وجوديا إلا أن تعرض شبهة لمن لا يستطيع على حلها كالأشاعرة حيث قالوا بان عادة الله جرت على ايجاد شئ عقيب شئ آخر دون ان يرتبط به ارتباطا وجوديا، والتزموا بذلك زعما منهم ان القول بالعلية وارتباط المعلول بالعلة ينافي التوحيد، وجهلا بأن هذا منهم هدم لأساس التوحيد وإنكار لسنة الله تعالى في خلقه. (الخامس) كل علة غير الواجب تعالى ليس مستقلا في التأثير كما أنه ليس مستقلا في الوجود، فكما انها تحتاج في ذاتها إلى علة أخرى حتى تنتهي إلى الواجب تبارك وتعالى فكذا في أفعالها وجميع شؤونها فما من اثر وجودي في شئ من الأشياء من حيث هو اثر وجودي إلا وهو مستند إلى الله تعالى قبل استناده إلى سائر علله ويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة جدا نسب فيها أفعال العباد والمخلوقات إلى الله تعالى أو أنيط فيها تأثير الأشياء بإذن الله تعالى ومشيئته، لكن استناد الأفعال والآثار إلى الله سبحانه لا يوجب سلب انتسابها إلى عللها المتوسطة وتأثير العلل باذن ربها، فاستناد خلق الانسان إلى الله تعالى لا ينافي توسط ملائكة وتأثير أسباب ومعدات بل يستلزمها، لا لأنه سبحانه يحتاج إليها وقدرته على الخلق يتوقف عليها بل لأن مرتبة الفعل هي التي تقتضي ذلك، فكل معلول له مرتبة تخصه وحدود يتشخص بها بحيث لو تبدل بعضها إلى بعض لانقلب إلى شئ آخر، كما أن كل عدد له مرتبة خاصة لا يتقدم عليها ولا يتأخر عنها وإلا لانقلب إلى عدد آخر، وفيض الوجود مطلق لا يقيد من ناحية ذات المفيض تعالى بشئ بل مجارى الفيض هي التي تحدده حتى تتقدر باقدار خاصة تسعها ظروف المعاليل المتأخرة " وما ننزله إلا بقدر معلوم " فتقدره إنما هو عند نزوله واما عنده تعالى فالخزائن التي لا تتناهى وقد جرت سنته تعالى باجراء الأمور من أسبابها ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. نعم، من الأسباب ما يكون واضحا وكيفية تأثيره وشرائطه معروفة ومنها ما يكون خفيا لا يطلع عليها إلا الخواص بعد جهد بالغ وتجارب كثيرة، ومنها ما يكون غير عادى لا يستطاع الحصول عليه إلا لمن شاء الله تعالى فربما يدعى من لا يعرف هذين النوعين من الأسباب انحصار سبب شئ في ما هو الواضح المتعارف، كما كان الناس يزعمون استحالة كثير من الأمور التي حصلت اليوم ببركة العلم الحديث، وكما كان كثير من الأقوام يزعمون استحالة حدوث بعض الآيات قبل مشاهدتها ويسندونها إلى سحر الأعين بعد رؤيتها. لكن العقل السليم لا يأبى وجود أسباب خفية على الناس وغير طائعة لهم كما لا ينكر تأثير نفوس قدسية بأمر الله تعالى ولا يعد المعجزات وخوارق العادات تجويزا للمحال ولا ناقضا لقانون العلية، لكن يأبى استناد الحوادث أياما كانت بلا واسطة إلى الله تعالى لاستلزام ذلك اختلال سلسلة العلل و المعاليل وتقدر الفيض من غير مقدر والترجح بلا مرجح وأما مرجحية إرادة الله تعالى و مقدريتها للفيض فالإرادة ان فرضت حادثة في ذاته سبحانه استلزمت صيرورة الذات محلا للحوادث ومعرضا للكيفيات - جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - وان فرضت حادثة في خارج ذاته كانت مخلوقه له محتاجه إلى إرادة أخرى متسلسلة وتغيير العبارة والتعبير بالمشيئة لا يحل المشكلة وان فرضت قديمة لزم انفكاك المعلول عن العلة وأما الإرادة المنتزعة عن مقام الفعل فمنشأ انتزاعها نفس الفعل فلا تكون مرجحة له وهذا ليس بمعنى اشتراط قدرته تعالى على الفعل بحصول الأسباب واجتماع الشرائط واستعداد المواد، فان قدرته تعالى ليست محدودة بشئ ولا متوقفة على شئ، بل بمعنى نقص المقدور ومحدوديته ذاتا وتأخره عن علله رتبة وارتباطه بها ثبوتا، وبعبارة أخرى المعلول الخاص هو الذي يكون محدودا بحدود وقيود خاصة وإلا لم يكن ذاك المعلول لا أن الله تعالى لا يكون قادرا على ايجاد هذا المعلول إلا بهذه الخصوصيات كما أنه لا ينافي تكون الأشياء بنفس امر الله تعالى، فان أمره يوجب وجودها في ظروفها و على حدودها، وتعين الحدود والقيود من شؤون الموجود بأمر الله تعالى لامن قيود أمره و ايجاده فافهم. إذا عرفت هذه الأمور علمت أن قواعد الفلسفة لا تنفي خوارق العادات وتكون الأشياء من غير طريق أسبابها المتعارفة، كما لا توجب محدودية قدرته تعالى وتوقفها على حصول استعدادات للمواد، وان أنكر ذلك منكر فلا يعاب به على القواعد العقلية كما لا يعاب بغلط المحاسب على قواعد الحساب، فنفس القواعد امر واجراؤها في مواردها امر آخر. والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. المعجزات اليقينية المتواترة عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. وكذا جرى عادته على انعقاد الجواهر في المعادن بأسباب من المؤثرات الأرضية والسماوية لبعض المصالح، فإذا أراد إظهار كمال قدرته ورفع شأن وليه يجعل الحصا في كفه دفعة جوهرا ثمينا، و الحديد في يد نبيه عجينا، ويخرج الأجساد البالية دفعة من التراب في يوم الحساب. فهذه كلها وأمثالها لا تستقيم مع الاذعان بقواعدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. وقال بعضهم حذرا من التشهير والتفكير: إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت به الشريعة ممكن غير مستحيل ولا استبعاد أيضا فيها ولا يلزم أن يكون حدوث لياقته واستعداده لتعلقها مما يحصل له شيئا فشيئا ككونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم طفلا إلى تمام الخلقة حسب ما يقتضيه التوالد والتناسل، فإن ذلك نحو خاص من الحدوث، والحدوث لا ينحصر للانسان في هذا النحو، لجواز أن يتكون دفعة تاما كاملا لأجل خصوصية بعض الأزمنة والأوقات، والأوضاع الفلكية ترجح إرادة الله تعالى في إيجاد الناس وتكوين أجسادهم دفعة واحدة، ونفخ أرواحهم في أجسادهم المتكونة نفخة واحدة، بتوسط بعض ملائكته. فرد الله تعالى بواسطة واهب الصور تلك الصور إلى موادها لحصول المزاج الخاص مرة أخرى كما تتكون ألوف كثيرة من أصناف الحيوانات كالذباب وغيرها في الصيف من العفونات تكونا دفعيا، ولا يلزم أن يكون نحو التعلق واحدا في المبدء والإعادة، بل يجوز أن يكون التعلق الآخري إلى البدن على وجه لا يكون مانعا من حصول الأفعال الغريبة والآثار العجيبة، ومشاهدة أمور غيبية لم يكن من شأن النفس مشاهدتها إياها في النشأة الدنيوية، وكذا اقتدارها على إيجاد صور عجيبة غريبة حسنة أو قبيحة مناسبة لأوصافها وأخلاقها - انتهى - وأنت تعلم إذا تأملت في مجاري كلامه أنه مع إعمال التقية فيه لوح إلى مرامه. ونقل بعض قدماء الأطباء عن جالينوس في بيان تشريح الأعضاء وفوائدها أنه قال: وشعر الحاجبين أيضا مما لم يقصر فيه ولم يتوان عنه، وهو والأشفار دون سائر الشعر جعل له مقدار يقف عنده فلا يطول أكثر منه، وأما شعر الرأس واللحية فإنه يطول كثيرا، والسبب في ذلك أن شعر الرأس واللحية له منفعتان: إحديهما تغطية ما تحته من الأعضاء وسترها، والأخرى إفناء الفضول الغليظة. ومنفعته من جهة التغطية والستر تختلف على وجوه شتى، وذلك لان حاجتنا إلى التغطية والستر تختلف بقدر اختلاف الأسنان وأزمان السنة والبلدان وإخراج البدن، لان حاجة الرجل التام إلى طول الشعر ليست كحاجة الصبي الصغير إلى ذلك، ولا كحاجة الشيخ الفاني ولا كحاجة المرأة، وكذلك أيضا ليست الحاجة إلى طول الشعر في الصيف والشتاء سواء، ولا في البلاد الحارة والباردة، ولا حاجة من كانت عينه معتلة من الرمد أو كان رأسه يصدع إلى ذلك كحاجة من هو صحيح البدن لا علة به، فاحتيج لذلك أن نكون نحن نجعل طول الشعر في الأوقات المختلفة بأقدار مختلفة. بحسب ما يوافق كل وقت منها. وأما الحاجبان والأشفار فإنه إن زيد فيه أو نقص منه فسدت منفعته، وذاك أن الأشفار تحوط العين بمنزلة الجدار ليحجب عنها ويمنع من أن يسقط فيها شئ من الاجرام الصغار إذا كانت مفتوحة. وشعر الحاجبين جعل يلقي ما ينحدر من الرأس قبل وصوله إلى العين بمنزلة الصور المانع، فمتى قصرت من طوله أو قللت من عدده أكثر مما ينبغي كان ما يدخل على منفعته من الفساد بحسب ما ينقص من المقدار الذي يحتاج إليه. و ذاك أن الأشفار حينئذ تطلق ما قد كانت تمنعه قبل النقصان من الوصول إلى العين، و شعر الحاجبين يرسل ما قد كان يحبسه ويمنعه من الوصول إلى العين من الأشياء التي تسيل من الرأس. فإن أنت طولت هذا الشعر وكثرته فوق المقدار الذي ينبغي لم يقم حينئذ للعين مقام الحاجب ولا مقام السور المانع، لكنه يغطي العين ويعلو عليها حتى يصير منه في مثل حبس ضيق. وذاك أنه يستر الحدقة ويحجبها حتى تظلم، والحدقة أحوج الحواس كلها إلى أن لا تحجب ولا يحال بينها وبين ما يدركه البصر. وإذا كان الامر على ما وصفت فما الذي ينبغي أن نقول فيه؟ أنقول: إن الخالق أمر هذا الشعر أن يبقى على مقدار واحد ولا يطول أكثر منه، وأن الشعر قبل ذلك الامر فأطاع فيبقى لا يخالف ما امر به إما للفزع والخوف من المخالفة لامر الله، وإما للمجاملة والاستحياء من الله الذي أمره بهذا الامر، وإما لان الشعر نفسه يعلم أن هذا أولى به وأحمد من فعله. أما موسى فهذا رأيه في الأشياء الطبيعية، وهذا الرأي عندي أحمد وأولى أن يتمسك به من رأى أفيقورس، إلا أن الأجود الاضراب عنهما جميعا والاحتفاظ بأن الله هو مبدئ خلق كل شئ كما قال موسى، وزيادة المبدأ الذي من المادة. فإن خالقنا إنما جعل الأشفار وشعر الحاجبين يحتاج أن يبقى على مقدار واحد من الطول، لان هكذا كان أوفق وأصلح، فلما علم أن هذا الشعر كان ينبغي أن يجعل على هذا جعل تحت الأشفار جزما صلبا يشبه الغضروف يمتد في طول الجفن، وفرش تحت الحاجبين جلدة صلبة ملزقة بغضروف الحاجبين، وذلك أنه لم يكن يكتفي في بقاء الشعر على مقدار واحد من الطول بأن يشاء الخالق أن يكون هكذا، كما أنه لو شاء أن يجعل الحجر دفعة إنسانا لم يكن ذلك بممكن. والفرق في ما بين إيمان موسى وإيماننا وأفلاطون وسائر اليونانيين هو هذا: موسى يزعم أنه يكتفي بأن يشاء الله أن يزين المادة و يهيئها لا غير، فيتزين ويتهيأ على المكان، وذاك أنه يظن أن الأشياء كلها ممكنة عند الله فإنه لو شاء الله أن يخلق من الرماد فرسا أو ثورا دفعة لفعل. وأما نحن فلا نعرف هذا، ولكنا نقول: إن من الأشياء أشياء في أنفسها غير ممكنة، وهذه الأشياء لا يشاء الله أصلا أن تكون، وإنما يشاء أن تكون الأشياء الممكنة، وأيضا لا يختار إلا أجودها وأوفقها وأفضلها. ولذا لما كان الأصلح والأوفق للأشفار وشعر الحاجبين أن يبقى على مقداره من الطول على عدده الذي هو عليه دائما أبدا لسنا نقول في هذا الشعر إن الله إنما شاء أن يكون على ما هو عليه فصار من ساعته على ما شاء الله، و ذاك أنه لو شاء ألف ألف مرة أن يكون هذا الشعر على هذا لم يكن ذلك أبدا بعد أن يجعل منشأه من جلدة رخوة إلا أنه لو لم يغرس أصول الشعر في جرم صلب لكان مع ما يتغير كثير مما هو عليه لا يبقى أيضا قائما منتصبا. وإذا كان هذا هكذا فإنا نقول: إن الله سبب لامرين: أحدهما اختيار أجود الحالات وأصلحها وأوفقها لما يفعل. والثاني اختيار المادة الموافقة. ومن ذلك أنه لما كان الأصلح والأجود أن يكون شعر الأشفار قائما منتصبا وأن يدوم بقاؤه على حالة واحدة في مقدار طوله وفي عدده، جعل مغرس الشجر ومركزه في جرم صلب، ولو أنه غرسه في جرم رخو لكان أجهل من موسى، وأجهل من قائد جيش سخيف يصنع أساس سور مدينة أو حصنه على أرض رخوة غارقة بالماء. وكذلك بقاء شعر الحاجبين ودوامه على حالة واحدة إنما جاء من قبل اختياره للمادة، وكما أن العشب وسائر النبات ما كان منه ينبت في أرض رطبة سمينة خصبة فإنه يطول وينشأ نشوءا حسنا، وما كان منه في أرض صخرية جافة فإنه لا ينمو ولا يطول، كذلك أحد الامرين - انتهى كلامه ضاعف الله عذابه وانتقامه -. وأقول: قد لاح من الكلام الردئ المشتمل على الكفر الجلي أمور: الأول ما أسلفنا من أن الأنبياء المخبرين عن وحي السماء لم يقولوا بتوقف تأثير الصانع - تعالى شأنه - على استعداد المواد، ولا استحالة تعلق إرادته بإيجاد شئ من شئ بدون مرور زمان أو إعداد، وله أن يخلق كل شئ كان من أي شئ أراد. الثاني أن الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوة الأنبياء ولم يؤمنوا بهم، وأنهم يزعمون أنهم أصحاب نظر وأصحاب آراء مثلهم، يخطئون ويصيبون، ولم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم. الثالث أنهم كانوا منكرين لأكثر معجزات الأنبياء عليهم السلام فإن أكثرها مما عدوها من المستحيلات. الرابع: أنهم كانوا في جميع الأعصار معارضين لأرباب الشرائع والديانات كما هم في تلك الأزمنة كذلك . ولعمري كلاهما خارجان عن طور العدل والحكم بالقسط، والذي نرى لزوم التنبيه عليه أمور.
الهوامش6
[2]القوبنا (خ).ص 186
[1]قدرته (ظ).ص 187
[١]لا بأس بتذييل لهذا التتميم يجعل نفعه أعم وفائدته أتم، فنقول:ص 188
[1]لا يخفى ما في هذه العبارة، فإرادة الله تعالى قاهرة للأشياء لا مقهورة لها ومترجحة بها، إلا أن يكون مراده ما أشرنا إليه سابقا.ص 191
[1]ذاك (خ).ص 193
[١]من الناس من يفرط في حسن الظن بفلاسفة اليونان لا سيما الأقدمين منهم، ويظن أن علومهم مأخوذة من الأنبياء - عليهم السلام - بل يظن أن فيهم من كان نبيا، ثم يتعب نفسه في تفسير الكلمات المنقولة عنهم والمترجمة من كتبهم وتأويلها بما يوافق الحق في زعمه و منهم من يفرط في حقهم بل في حق من سمى فيلسوفا من علماء الاسلام، ويتهم فلاسفة الاسلام أيضا بأنهم أدخلوا أنفسهم في المسلمين ليضيعوا عليهم دينهم ويفسدوا عليهم عقائدهم! وربما يقع التصارع بين الطرفين فيتمسك كل منهما لاثبات مدعاه بما لا يليق التمسك به للمحققين.ص 194